بايدن والكاثوليكية الاجتماعية

د. السيد ولد أباه، أكاديمي موريتاني - الاتحاد الإماراتية

عندما صرح مؤخرًا الرئيس الأميركي جو بايدن بأن فيلسوفه المفضل الذي يستمد منه برنامجه السياسي والاجتماعي هو «جاك ماريتان»، لم يكن أغلب الناس قد سمع باسم هذا الفيلسوف الفرنسي المسيحي المتوفى سنة 1973. 

صحيح أنه تقريباً غير معروف في بلاده باستثناء حضوره في الأوساط اللاهوتية المسيحية، لكن له سمعة واسعة وتأثير كبير في أميركا الشمالية والجنوبية. 

كان إذن من الطبيعي أن يعلن الرئيس الأميركي الكاثوليكي عن إعجابه بهذا الفيلسوف الذي نشأ في بيئة بروتستانتية غير متدينة، لكنه اعتنق الكاثوليكية وأصبح من أهم المدافعين عن خط التومائية (فلسفة اللاهوتي الكبير توماس الاكويني) التي لا تزال هي المرجعية الأساسية لدى المؤسسة الدينية الكاثوليكية.


ومن منظور تومائي دافع ماريتان عن ميتافيزيقا الوجود، والتصور الطبيعي للعقل، وعن قيم الفضيلة الأرسطية، ورفض بشدة التصورات الوضعية والتاريخانية الحديثة، بل أدان بشدة النظم العلمانية المعاصرة وما يرتبط بها من قيم مدنية، وإن انتهى في آخر محطات مساره الفكري إلى قبول أطروحة الفصل بين الدين والدولة مع التشبث بمكانة الدين الثابتة في النسق الأخلاقي العام.

كان الباباوات الثلاثة الذين سبقوا بابا الفاتيكان الحالي من أشياع وأتباع ماريتان، بدءاً ببولس السادس الذي كان شديد القرب من الفيلسوف الكاثوليكي الفرنسي، وبينهما مراسلات طويلة تتمحور حول النزعة الإنسانية الجديدة التي بشّر بها البابا في مقابل الإنسانية التنويرية الملحدة، والنزعة الماركسية المتعارضة مع الضمير الأخلاقي للمسيحية.


أما البابا يوحنا بولس الثاني، فقد اعتمد على فكر ماريتان في نزعته العقلانية ذات الخلفية الطبيعية التومائية، بما يبدو جلياً في ثلاثيته المتعلقة بالحرية والحقيقة والخير. 

وقد عبّر البابا يوحنا بولس عن الدَّين الذي يشعر به إزاء ماريتان خلال المناسبة الاحتفالية التي أقيمت للفيلسوف الراحل في الفاتيكان عام 1982 بمناسبة مئوية ميلاده، معتبراً على الخصوص أن ماريتان جدد الفلسفة التومائية وطرحها بديلاً فلسفياً ناجعاً للقرن العشرين من منظور يفتح العقل على المُفارِق والمطلَق وعلى رسالة الخلاص الأزلي المسيحية.


أما البابا السابق بنديكت السادس عشر الذي هو دون شك من أكبر العقول الفلسفية اللاهوتية المسيحية المعاصرة، فقد ركز اهتمامه على إشكالية العقل والإيمان التي هي إشكالية تومائية تقليدية، استأثرت بجانب كبير من مشاغل جاك ماريتان. 

وفي هذا السياق، نجد لدى البابا المتنحي أطروحة ماريتان حول «العقل المتسع»، أي قدرة الإيمان على تنشيط العقل وإخراجه من عزلته الضيقة، ليكتشف الجوانب العقلية في الوجود في أبعاده المختلفة.


قد تكون اهتمامات البابا الحالي فرنسيس بعيدة عن المنحى الفلسفي لماريتان في لغته الميتافيزيقية العتيقة، وأقرب للتيارات الاجتماعية في الكاثوليكية التي انتشرت في أميركا اللاتينية (وعرفت بـ«لاهوت التحرير»)، لكنه كغيره من اللاهوتيين الكاثوليك تظل مرجعيته تومائية، وبالتالي يبقى في صلة تأثر وقرابة بماريتان.

وبطبيعة الأمر، ليست هذه الجوانب الميتافيزيقية هي التي يعني جو بايدن حين يتحدث عن تأثره بفكر جاك ماريتان، بل إنه يعني فلسفته الاجتماعية التي تتمحور حول فكرتي التضامن الإنساني والعلاقة العضوية بين الفرد والمجموعة المدنية والأخلاقية.


ماريتان الذي يهم الرئيس بايدن هو مؤلف كتاب «الإنسانية الكاملة» الذي يدافع فيه عن حداثة ليبرالية تستبطن قيم التراحم والتعاضد التي نادى بها توماس الاكويني، وهو النهج الذي شكّل الإطار المرجعي للنزعات الديمقراطية المسيحية الأوروبية ومجموعات اليسار الكاثوليكي التي كانت نشطة في الأوساط النقابية العمالية.

إنها إذن كاثوليكية مختلفة عن المؤسسة اللاهوتية الأميركية المحافظة التي لم تتحمس للرئيس الكاثوليكي الثاني في تاريخ الولايات المتحدة، رغم إظهاره لانتمائه الديني وتردده الدائم على الكنيسة واستشهاده بنصوص القديس أوغسطين وتوماس الاكويني، ورغم علاقة الصداقة القوية التي تربطه بالبابا الحالي فرنسيس.


في كتابه «الإنسان والدولة» الصادر في بداية الخمسينيات، يبلور ماريتان تصوراً جديداً لعلاقة الدولة بالفرد في إطار نقد صارم لفلسفة الدولة المطلقة الكلية لدى هيغل، معتبِراً أن الشرط الأساس لحماية الإنسان من قبضة الدولة الحديثة هو الرجوع إلى نظرية «القانون الطبيعي» التي تكرس الأولوية الأخلاقية والقيمية الإنسان على السلطة العمومية. 

وفي هذا الباب، يوجه نقداً مزدوجاً للماركسية التي تلغي حرية الإنسان باسم المثالية الاشتراكية ولليبرالية التي وإن أعلنت أولوية حرية الإنسان فإنها تنتهي إلى نفيها باسم مركزية السياسة وهيمنة الدولة.


إن هذه الأطروحة ذات الخلفية اللاهوتية البعيدة هي ما يجعل من ماريتان فيلسوف اللحظة الراهنة في المجتمع الأميركي.