مغالطات حوارية شائعة

روجيه أصفر - سوريا - تعددية

تبقى مواقع التواصل الاجتماعي ساحات نقاشات وجدالات لا تنتهي، تزداد حماوة مع حدث أو حملة ما. وبحكم طبيعة هذه الوسائل المتاحة لأعداد هائلة ومتنوعة من المستخدِمين/ات، تتنوع المداخلات والآراء تنوعًا كبيرًا، بين الغثِّ منها والسَّمين، والهزلي والجادّ، والسُّوقي والحضاري...



خلال متابعة جولات عديدة من النقاشات حول مواضيع مختلفة، لُوحِظ في الكثير من المرات تكرار لمغالطات أو أفكار في حاجة إلى تقويم، تعود للظهور مع كل نقاش. وفيما يأتي عرضٌ لأهم تلك الأفكار، أو ربما تصويب لبعض منها:


الموضوعية والحياد: في حالات عديدة يطالب طرف ما محدِّثَه بالتحلي بالموضوعية والحياد، وكأنهما قيمتان لا بد منهما، مُلزِمتان متلازمتان، مع الخلط بين معانيهما.

في الحقيقة بوصفي صحفيًّا أو باحثًا، يجب أن أتحلى بالموضوعية، لكي لا أرصد أخطاء طرفٍ ما -قد يكون خصمي- وأنتقدها، وأتغاضى عن أخطاء الطرف الآخَر -قد يكون حليفي- وأُبرِّرها. 


الموضوعية تفترض عدمَ الكيل بمكيالين، ورؤيةَ طرفَي المنافسة أو الخلاف على أساس المعايير نفسِها. ولكن، لا يمكنني مع ذلك أن أكون -في أغلب الحالات على الأقلّ- حياديًّا. فبين القاتل(ة) والضحية، أو بين المغتصِب(ة) والناجي(ة)، أو بين الظالم(ة) والمظلوم(ة)؛ أنا لست حياديًّا، بل منحازًا إلى الحق ولو كان مع الأضعف، كإنسان أولًا، أي ما لا ينفصل عن كوني صحفيًّا أو باحثًا أو صاحب رأي...

الانحياز -ولو بحقٍّ- يجردني من حياديتي، لكنه لا ينفي موضوعيَّتي. وإنْ كنتُ منحازًا إلى قضية اللاجئين مثلًا، فهذا لا ينفي واجبي أو قدرتي على الرصد أو النقد لِمَا هو غير مناسب، في سلوكيات بعض منهم وممارساتهم.


الموضوعية ليست معيارًا أو قيمة سهل المنال، فهي تزداد صعوبة كلما اقترب الموضوع المعالَج من حيِّزنا الشخصي واهتماماتنا. وهنا قد يأتي دور المشرف أو المحرر، أو المهنية والخبرة، في إبقاء الموضوعية متيقظة رغم الانحياز إلى أحد من أطراف القضية.

حرية الرأي ومضمونه: كثيرًا ما نُواجَه أثناء الحوار بجملة استغرابية، مثل: "ألستَ تنادي دومًا بالحرية والديمقراطية وحرية الرأي؟ هذا رأيي، وعليك أن تحترمه"!


حسنًا، حريتك في التعبير عن رأيك –أو رأي أحد آخر-، يجب أن تكون حقًّا مقدسًا يكفله القانون، ما عدا تلك الآراء المتعلقة بالحض على العنف والكراهية وما شابه. وأيُّ مُدافع عن الحريات أو نصير لحقوق الإنسان، يجدر بأن يبذل ما في وسعه لضمان توافرها للجميع، ويَشمل ذلك الخصوم والأعداء على السواء.

على هذا الأساس، يجب التفريق بين الحرية في تكوين الرأي والتعبير عنه من جهة، ومضمون هذا الرأي من جهة أخرى؛ إذ عليَّ أن أحترم حقك في الرأي والتعبير، ولكن هذا لا يعني بالضرورة موافقتي عليه أو حتى احترامي لمضمونه. 


فمثلًا: مِن حق أحدهم في نقاش ما التعبير عن رأيه والقول: "إن الإسرائيليين هم الضحية، في حين يقف الفلسطينيون في موقف الجلَّاد"، أو يقول: "هتلر كان محقًّا فيما فعله في الهولوكوست". 

ولكن برأيي، الحقُّ في التعبير وقول أحد الرأيَين السابقين، لا يلغي كونهما في الحقيقة فاسدَين ومُضلِّلَين، ولا يُؤخذان بعين الاعتبار.


أحقية القضية وسلوك أنصارها: يَحدث في حالات كثيرة أن تُقيّم قضية ما، ومدى أحقيتها، بناءً على سلوك أبنائها ومناصريها. وهنا قد يتخلى أصحاب هذا المنطق عن تَبنِّي قضية ما، لأن سلوك المنتمين إليها -أو بعضهم- هو سلوك خاطئ أو عنفي أو لا يتوافق مع قيم أصحاب هذا المنطق، كأنْ يقال مثلًا: "أنا ضد الثورة على الديكتاتورية، لأن كثيرًا من الثائرين أو بعضهم متطرفون أو عنيفون أو لهم ماضٍ مشبوه، أو في مثال آخر: قد يقع التخلي عن تَبنِّي القضية الفلسطينية أو التشكيك في أحقيتها، بسبب عدم الموافقة على سياسات حركة فتح أو حماس أو ممارسات بعض اللاجئين الفلسطينيين.


يكاد يشبه هذا إمكانيّةَ أن تتوقف عن حب ابنك، لأنه -مثلًا- لم يكن مجتهدًا في مدرسته أو خسر سباقًا مع ابن الجيران أو تَفوَّه بكلام نابٍ سمعه في مكان ما. القضية يجب أن تكون محقة بذاتها، لا بسبب السلوك الحسن أو السيِّئ لِمَن يناصرونها اليوم. 

وبدل الموقف المعارض للثورة على الديكتاتور، يجب أن يُوجَّه النقد والرفض إلى الوسيلة وطرق تنفيذها؛ أمَّا معاداة الديكتاتورية والسعي لتغيير واقع وجودها، فيجب أن يظلَّا ثابتَيْن.


النص الديني (أو المقدَّس) والحجة: قد تبدو هذه النقطة بديهية أكثر من غيرها، لكنها تبقى رائجة في بعض أنواع النقاشات، ومثالها: استعمال أحدهم نصًّا دينيًّا من كتاب مقدس لدين يؤمن به، باعتباره حجةً في شأن غير ديني، أو مع طرف لا يؤمن بدين صاحب الحجة.

 فكيف يمكن تَصوُّر إقناع عالِم فيزياء لاديني بخطأ نظرية الانفجار الكبير، بحجة نصٍّ ديني من التوراة أو غيرها يقول: إن الله هو خالق السماوات والأرض؟!