معايير أخلاقية موحّدة

أمل الحارثي - الأردن - تعددية

اِنتشر قبل أيّام مقطع فيديو لشابّ يتمشى على أحد شواطئ مصر، وهو يُشير إلى النساء المستلقيات بملابس السباحة ضاحكًا مستهزئًا. "لَحْم رخيص"، جملة كرّرها الشابّ في مقطع لا يتجاوز الدقيقة.



لتبدأ بعدها حملة تحريض على الشاب، والمطالبة بعقابه على اعتباره متحرّشًا يسيء لسمعة مصر، ويؤثّر سلبًا في قطاع السياحة الذي بدأ بالتعافي بعد الركود، الذي تسبّبت به الأزمة الصحية العالمية.

لقد أزعجني الفيديو، وتمنّيتُ في بادئ الأمر أن يعاقَب الشاب حتّى يكون عبرة لصنّاع المحتوى، إلى أن رأيتُ الشابّ يَخرج في مقطع آخر مصدومًا من الحملة التي أثيرت عليه، وخائفًا من تداعيات مقاضاته لسبب لا يعرفه، وهو يتساءل بكلّ براءة عن الذنب الذي اقترفه. وهنا كانت نقطة التحوّل في رأيي. 


فالشاب لم يعتذر، لأنه لم يدرك الخطأ الذي وقع فيه، ويظنّ أنّ ما فعله أمرٌ عاديّ طبيعي. فهو يعيد ما تَعلّمه في بيته ومدرسته وجامعته، وما سمعه من المنابر ومن المسلسلات والأفلام، ألم نسمع بجملة "لحم رخيص" في بعض المسلسلات؟ ألا يوجد فيلم يحمل نفس العنوان؟! ألا يَستخدم الأهل أو المَدرسة أو الداعية الجملة نفسها، لحثّ الفتيات على الحجاب؟

الشابّ لم يأتِ بأمر جديد، فهو أعاد فقط ما سمعه مئات المرّات ومن مصادر موثوقة، بل وبعضها معتمَد لدى الدولة. فلماذا يدفع هو ثمن كل هذه الفوضى؟! لماذا لا يعاقَب من علّمه أن كل مختلف هو شخص رخيص يستحق الازدراء، بدلًا من أن يُعلِّمه أن الآخر هو شخص مختلف في قناعاته، وله الحقّ في ممارسة حريته ما دام لا يؤذي الآخرين؟!


الأمر ذاته يتكرر مع شباب أردنيّين حاولوا تقديم محتوًى فكاهيّ، ليجدوا أنفسهم في فخّ التحريض على العنف ضد المرأة والتنمّر اللفظي، لأنّه -برأي متِّهِمِيهم- يندرج تحت باب الإساءة والتحريض، مع غياب تامّ للوعي بما يجوز تقديمه للمُشاهد وما لا يجوز تقديمه. 

هؤلاء الشباب -وإن وُجدَت فيهم الموهبة والشغف- يبقى حاجز المعايير الأخلاقية يَحُدُّ مِن موهبتهم، ويمنعهم من أيّ تقدّم، وتتكرر الآفة نفسها معَ صنّاع محتوى كثيرين/ات من دول عربية أخرى.


فتحت هذه الفيديوهات عندي باب التساؤلات، حول الظلم الذي يتعرض له شبابنا. فهم لا يُحاسَبون عندما يتجاوزون الأعراف والتقاليد فقط، بل أيضًا عندما يتشبعون بها ويعتنقونها. 

هذه الفوضى الأخلاقية التي يعيش فيها هؤلاء الشباب، تجعلهم معرَّضين لمشاكل عدة، بمجرّد خروجهم من البيئة التي تفرض عليهم معاييرها. 


وهذا ما نراه بوضوح عندما يغادر الشاب إلى بيئة عمل أخرى، أو عندما يهاجر إلى الغرب. بعضهم دفع من عمره وحياته ثمن هذه الفوارق في البيئات، كأنْ يتشبع الشاب بفكرة أنّ كل فتاة غير محتشمة هي فتاة سهلة جاهزة للعلاقات العابرة، ليجد نفسه يحاكَم بتهمة التحرّش أو الاغتصاب أو العنف اللفظي أو الجسدي.

هذا الخطاب الذي يزدري الآخر ويحطّ من قدره، بل ويبرّر انتهاكه، خطابٌ مدمّر لشبابنا ولمستقبلهم، قبل أن يكون مدمّرًا لنا بوصفنا مجتمَعًا. 


فنحن لا نعيش في بيئات منعزلة عن العالم، ولم يكن العالم صغيرًا كما هو اليوم. هناك معايير أخلاقية عالمية تحدّدها مبادئ حقوق الإنسان، ولا يمكن تجاوُزها. 

وإن كان تجاوُزها في بيئة معيّنة مقبولًا، على الرغم من تداعياته السيّئة على أبنائه، فهو مُجَرَّم في بيئة أخرى. إنها معايير تقوم على احترام الحريات الفردية وحقوق المرأة وحقّ التعبير وحقّ الدين والمعتقد، وعلى غيرها من مبادئ حقوق الإنسان التي أقرَّتْها أغلب دول العالم.


بالعودة إلى الشاب الخائف من تداعيات الفيديو الذي اتُّهم على أثره بالتحرّش اللفظي، وبالعودة إلى غيره من الشباب الذين ينشرون محتويات تنتقد هذه الفوضى الأخلاقية، فأنا أدعو إلى ألّا تجري معاقبتهم بما يهدّد مستقبلهم، فهم ضحايا أوّلًا وأخيرًا، ويمكن استبدال العقوبات بالخدمة المجتمعية، بل ويمكن استغلال شعبيّتهم على وسائل الاتصال الاجتماعي لتقديم محتوى يبيّن هذا الخلل، ويوضّح للشباب المعايير الأخلاقية التي يجب أن تُتّبع في كل البيئات، وإلّا فإنّ الحادثة ستتكرر كل يوم، وسيدفع شبابنا الثمن من مستقبلهم، وستدفعه بِلادُنا من سُمعتها.