يُخيّرنا الله فنختار!

أشخين ديمرجيان 

كتب الفيلسوف الفرنسي "جاك ماريتان" كتاباً تحت عنوان "الإنسانيّة الكاملة"، بيّن فيها عظمة الإيمان فكريّاً وفلسفيّاً ونفسيّاً واجتماعيّاً وعالميّاً في بناء الحضارة على أسس التفكير القويم والمنطق السليم والقيم الإنسانيّة النابعة عن الإنجيل المقدّس. 



ولا عجب،  فالسيّد المسيح هو الإنسان الكامل، وسيرته وتعاليمه كفيلة في الماضي والحاضر والمستقبل بأن توصل الأفراد والمجتمعات والشعوب إلى شريعة الكمال، بما أنّه له المجد (هو هو أمس واليوم والى الأبد).

وفي رأيي المتواضع الإيمان القويم لا يعني تسخير الأمور لتسير بناءً على رغباتنا وهوانا، بل يعني تبنّي نظرة إيجابية تجاه كلّ شيء حتّى الألم. 


والثقة أنّ الصعوبات والعوائق يسمح بها الله كي نعرف طريقنا إليه عزّ وجلّ، ونسلم بوجوده الخفيّ في حياتنا وكياننا ، ونستودعه شؤون حياتنا فيختار لنا الخير دوماً، فنكون قد وجدنا الطاقة الخفيّة التي تولّد الهناءة (أهمّ ما في الكون) لأنّ هذا السلام الداخلي هو  الحياة الحقّة ، حينئذٍ فقط نملك الحريّة والفرح.

وهكذا نكون قد وصلنا إلى ممارسة الإيمان الصادق مع التفكير الإيجابي. وقد وضعنا المستقبل القريب والبعيد بين يدي الله بثقة عمياء لأنّه لا يخذلنا أبداً. والإيمان لا يعني الشفاء من الأمراض بل الاتّكال على رحمته تعالى سواء شفينا أو واجهنا المرض والموت. 


ولا يعني أننا وأحباءنا معفيين من مواجهة الموت. فإذا فقدنا عزيزاً نحبّه أو عشنا مآس محزنة لسبب أو لآخر، ما علينا إلا أن نضع أنفسنا وآلامنا بين يدي الله، لأنّه يعرف عمق الألم الذي نختبره، فتفيض علينا قوّته العليا لكي تعيننا في اجتياز المحنة –مهما طالت مدّتها أو قصرت– ونتغلّب عليها. 

وهكذا يعترينا تغيير شامل في اللحظة التي يريدها الله... ويُنعش التغيير حياتنا، ويزيح عنّا الحزن والخوف، ثمّ نكتشف فجأة أنّ الحياة جميلة رغم كلّ المحن.


ومهما كانت الأسباب التي تؤلمنا في الوقت الراهن من مرض أو صعوبات في الحياة أو ضيق مادي أو مدير عمل ينغّص حياتنا أو خيانة أو فقدان شخص عزيز... ينبغي أن نستسلم ونتنازل عن رغباتنا وتوقّعاتنا كي نتسامى على الألم الذي نختبره في حياتنا الراهنة. هكذا نتغلّب على الظروف الصعبة ممّا يساعدنا على بناء أنفسنا لتحقيق راحة البال المنشودة.

يترك لنا الله ملء الحريّة في الاختيار. إمّا الإيمان الثابت والإيجابيّة والفرح والثقة بالنفس، أو النزعة إلى عدم الإيمان وما نُجرجره من خيبة أمل واكتئاب وأمراض. بقي أن نعرف أنّ الإيمان يحرّرنا ويُشعرنا بالأمان والراحة ويمتّعنا بصحّة جيدة في أوقات حياتنا الصعبة. يُعطي الإيمان القويم لآلامنا صبغة روحانيّة ومعانٍ سامية. 


الإيمان الراسخ هو الاستعداد الدائم لاستقبال ما لا نتوقّعه أو لا نريده. باختصار في غاية الإيجاز هو التفكير الإيجابي والتصالح مع الواقع مهما كان أليماً وتُصبح الحياة حلوة اذا كانت ثقتنا بالله عمياء.

هذا مع العلم أنّ الإنجيل المقدّس يشجّعنا على التفكير الإيجابي في آيات كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: "وبعد، أيّها الإخوة، فكلّ ما كان حقًّا وشريفًا وعادلاً وخالصُا ومُستَحَبًّا وطيّبَ الذكر وما كان فضيلة وأهلاُ للمدح، كلّ ذلك قدّروه حقّ قدره" (فيلبي 4: 8).


خاتمة

خلاصة القول اذا كان إيماننا صادقاً يُصبح نمط تفكيرنا إيجابياً. واذا كنّا إيجابيين تمتّعنا بالصحة النفسيّة وراحة البال. كما ورد في الكتاب المقدس: "وإنّنا نعلم أنّ جميع الأشياء تعمل لخير الذين يُحبّون الله..." (رو 8 : 28) أي الذين دعاهم الله إلى محبّته فلبّوا دعوته.