ملح الأرض

أشخين ديمرجيان

يحفظ الملح الأطعمة من الفساد ويعطي للطعام مذاقه... كما أنّ بعض أنواع الأملاح تُستخدم لتسميد الأراضي الزراعية. تأتي الآيات في الكتاب المقدّس لتؤكّد للمؤمن أن يكون قدوة صالحة لغيره كي يجتذب الآخرين إلى الإيمان بالله ويردّ النفوس عن الضلال فيكون سبباً في خلاصهم.



وللملح رموز في الكتاب المقدّس. في العهد القديم، يرمز الملح إلى عهد الله مع البشر، وإصلاح كلّ تقدمة  للربّ بالملح،  كمدلول للأمانة في العهد مع الله. لذلك كان كهنوت اللاويين في عهد النبي موسى يربط الملح ب "العهد" أي عهد الله مع الخلائق، "الميثاق الأبديّ" بين الله والناس. 

"وكلّ تقادم الأقداس التي يقدّمها الشعب للربّ، لك أعطيتها ولبنيك وبناتك معك فريضة أبديّة: ذلك عهد ملح أبديّ أمام الربّ لك ولنسلك معك" (سفر العدد 19:18). و"عهد الملح" أي الميثاق الأبديّ مذكور في سفر (الأخبار الثاني 5:13) وسفر اللاويين (3:2).


وعلاوة على ذلك، روح الله يرفّ على وجه المياه المالحة واهبًا الحياة في (سفر التكوين 1) ويرمز إلى (عهد الخلق).  وكانت المياه في فيضان نوح مالحة (عهد نوح). كان البحر الأحمر مالحًا (عهد موسى).

ويُشار أيضًا إلى أليشاع النبي، حينما قال له أهل المدينة : «إنّ موقع المدينة حسن، كما يرى سيّدي، إلاّ أنّ ماءها رديء والأرض مجدبة». فقال: «ائتوني بصحن جديد، واجعلوا فيه ملحًا». فجاؤوه بذلك. 


فذهب إلى منبع الماء وطرح فيه ملحًا وقال: «هكذا قال الرب: إنّي قد شَفَيت هذه المياه، فلا يكون منها بعد اليوم موت ولا جدْب».فبرئت المياه إلى هذا اليوم، حسب قول أليشاع الذي نطق به. (سفر الملوك الثاني 2 وتابع).

كان أليشاع يستخدم الملح النقي فتصبح الأشياء غير نقيّة. ويصبّ الماء على الذبيحة ومع ذلك تحترق الذبيحة. أي أنّ عمل أليشاع كان يُعطي خلاف النتيجة المعروفة والمُتوقّعة، وهذا التحوّل الغريب يُعدّ معجزة.


ولاهوت الملح واضح في أقوال السيّد المسيح في العهد الجديد. بعد عظة الجبل الشهيرة، يقول سيّدنا المسيح لتلاميذه: "أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح، فأيّ شيء يملّحه؟ إنّه لا يصلح بعد ذلك إلاّ لأنْ يُطرح في خارج الدار فيدوسه الناس" (متّى 13:5). 

يحذّرنا السيّد المسيح من الضلال، كي نفيد العالم ونحفظه من الفساد عن طريق ميثاقنا الأبدي مع الله. رسالتنا أن نكون ملح الأرض ونور العالم المستمدّة من هويّة السيّد المسيح،  لذا علينا ان نراجع أنفسنا ونفحص ضمائرنا كي نكون من الملح الجيّد. هل نحن أهل لأنْ نوصف بالملح الجيّد الذي يطيّب الدنيا ومَن عليها؟! إنْ لم نكن كذلك لا قيمة لنا.


وكلّ هذا يذكّرنا بالصداقات ومقولة "العيش والملح" أي "عمق العشرة" وهذا يتطلّب طيب المعشر. ونعرف ذلك من خلال حياتنا اليوميّة والأمثال العامّيّة والحكايات والمعتقدات الشعبيّة. ونلاحظ أنّهما (أي الخبز والملح) مُحاطان بهالة من القداسة ممّا يزيد من أهمّيتهما.

لدينا نموذجان من الملح في الكتاب المقدّس. النموذج الأوّل هو ملح "الإدانة" في العهد القديم. الملح العقيم. عصت زوجة لوط أمرالمَلَك،‏ وبعدما ابتعدت مسافة عن سدوم، توقّفت ونظرت إلى الوراء.‏ 


وحينئذ صارت عمود ملح. اشتهر أهل سدوم وعمورة (بالانحراف والفجور الجنسي العقيم) وهذا التمثال هو "ملح الإدانة" ويقع على مقربة من البحر الميت.

النموذج الثاني هو ملح "الخلاص" في العهد الجديد. الملح مادّة حافظة. تعامل الرسل وكلّهم صيّادين بالملح يوميًا. وكانت وسائل التبريد معدومة في حينه. 


كان يتمّ نقل الأسماك دائمًا بالملح كي تبقى بحالة جيّدة. كان الصيادين بحاجة إلى قوارب وشباك، وكمّيات كبيرة من الملح كي يدخلوا في قائمة التجّار الناجحين.


خاتمة

دعا السيّد المسيح تلاميذه من صيد السمك ليكونوا "صيادي الناس" (مرقس 17:1) كما أنه شبّه ملكوت السموات بشبكة تجمع مختلف أنواع السمك (متى 13: 47) - ينبغي أن يثبّت خلفاء الرسل (الكهنة) جميع المؤمنين بالنعمة ويُحافَظوا عليهم بـ"ملح العهد". 

ومن ثمّ، يصبح الملح علامة لمكافحة عدوى الفساد. وعلامة للوعظ الجيّد والتعليم القويم والنزاهة في الخدمة.