تاريخ التمثيل القنصلي لفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا في الأرض المقدسة

ساهر قواس - مكتب إعلام البطريركيّة اللاتينيّة

يعود الحضور الديني للقناصل العامّين لكل من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا خلال الاحتفالات المسيحية في الأرض المقدسة، إلى نظام يُدعى بنظام الحماية. فما هو أصل هذا النظام، وما هو الغرض منه؟



ترجع بداية نظام الحماية في الأرض المقدسة إلى التحالف الذي تشكّل في القرن الثامن بين شارلمان (شارل الكبير) ملك الإفرنج والخليفة العباسي الخامس هارون الرشيد. 

فبالإضافة إلى المصالح التجارية والعسكرية والاستراتيجية المشتركة بين الإمبراطوريتين، تم تكليف شارلمان بحماية الإفرنج والحج المسيحي إلى القدس والأرض المقدسة، الأمر الذي شكّل ما يمكن اعتباره نظام الحماية الأول.


بعد سقوط مملكة القدس في القرن الثالث عشر، أنشأت إسبانيا نظام الحماية الخاص بها عندما وقّع تاج أرغون اتفاقية مع المماليك في مصر لحماية المواطنين المسيحيين ومقدساتهم في الأرض المقدسة. وقد أصبح هذا ممكنًا من خلال دعم الرهبنة الفرنسيسكانية التي عهد إليها البابا كليمنت السادس فيما بعد بالوصاية على الأماكن المسيحية.

وبعد ثلاثة قرون، وتحديدًا في عام ١٥٣٦، وقّع ملك فرنسا فرنسيس الأول ما يعرف بالعهود العتيقة (عهدنامه)، مع سلطان الإمبراطورية العثمانية سليمان القانوني، مما أدى إلى ظهور أول حماية فرنسية. 


منحت هذه العهود فرنسا الحق في حماية مواطنيها المقيمين داخل حدود الإمبراطورية العثمانية والعاملين فيها، كما خوّلها أيضًا بتعيين القناصل (وقد عُيّن القنصل الأول عام ١٦٢٣)، لتنظيم شؤون الشعب الفرنسي، وحفظ السلام بين رجال الدين من مختلف الكنائس في الأرض المقدسة، ومساعدة المسيحيين اللاتين في خلافاتهم ومطالبهم مع الباب العالي. 

وفي المقابل، تمتع هؤلاء القناصل بامتيازات ليتورجية خاصة خلال الاحتفالات الدينية، ولا سيما في كنيسة القيامة. أما في العهود اللاحقة، فقد تم تمديد الحماية لجميع المسيحيين بغض النظر عن طقوسهم الدينية.


وفي القرن التاسع عشر، بدأ نظام الحماية يضعف عندما واجهت فرنسا منافسة من روسيا التي اعتبرت نفسها حامية للمسيحيين الأرثوذكس، الأمر الذي أدى إلى نشوب خلافات مستمرة بين الروم الأرثوذكس واللاتين حول إدارة الأماكن المقدسة، مما دفع الحكومة العثمانية إلى إصدار فرمانات تنظم العلاقات فيما بينهما في هذه الأماكن. وقد أصبح الفرمان أساس ما يُعرف اليوم باسم "الستاتوس كوو" Status Quo، أي الوضع القائم.

سهّلت إعادة تأسيس بطريركية القدس للاتين عام ١٨٤٧، من وصول الإرساليات الكاثوليكية إلى الأرض المقدسة، وبذلك واجهت فرنسا المزيد من المنافسة من القوى الأوروبية كبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وألمانيا، التي قررت أن يكون لها تمثيل قنصلي في القدس، والسعي نحو ممارسة الحق في حماية جماعاتها الدينية ومؤسساتها.


ومع ذلك، مُنح الفرنسيون امتيازات إضافية مع توقيع اتفاقيات ميتيليني في تشرين الثاني ١٩٠١، واتفاقيات القسطنطينية في كانون الأول ١٩١٣، والتي سمحت للكنائس والمستشفيات ودور الأيتام والمؤسسات التعليمية التي افتتحتها الإرساليات الكاثوليكية الفرنسية، بإعطاء بعض الامتيازات القانونية والضريبية.

في عام ١٩١٤، ألغت الحكومة العثمانية نظام العهود العتيقة، التي كانت في ذلك الوقت قد قررت الدخول في الحرب ضد دول الحلفاء وطرد قناصلها، تاركة للقنصل الإسباني مهمة الإشراف على مصالح فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة، فضلًا عن الاعتناء بالشؤون المسيحية أثناء الحرب. وهكذا توقف عمل الحماية الفرنسية طوال الحرب العالمية الأولى حتى انتهى في نهاية المطاف مع بدء الانتداب البريطاني.


وبحسب خطة التقسيم عام ١٩٤٧، والتي تمت الإشارة فيها إلى القدس باسم "الجسد المنفصل" Corpus Seperatum، كان لدى القنصليات العامة الأربع لفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبلجيكا بعثات دبلوماسية إلى القدس فحسب، على الرغم من أن الخطة لم تُنفّذ أبدًا. وبعد عام ١٩٦٧، تم توسيع نطاق سلطتها ليشمل الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي الوقت الحاضر، يشغل القناصل العامون الأربعة العديد من الوظائف في المجالات السياسية والاجتماعية والصحية والتعليمية، كما أنهم يتمتعون بامتيازات ليتورجية في حياة الكنيسة الكاثوليكية في الأرض المقدسة، إذ يشهد على ذلك حضورهم خلال القداديس الإلهية في ليلة عيد الميلاد وعيد الفصح، فضلًا عن الدخول الرسمي لرؤساء الكنائس إلى القبر المقدس، والذي دائمًا ما يذكّرنا بدورهم كحماة للأماكن الدينية والمقدسة المسيحية في الأرض المقدسة.