في الأردن، لا يجوز استخدام تعبير «أقلية» – رأي قانوني

نوفان العجارمة، رئيس ديوان التشريع والرأي السابق :

يطلق بعض السياسيين وحتى القانونيين تعبير (الأقليات) على بعض مكونات المجتمع الأردني -لغايات تطبيق قانون الانتخاب– وهذا التعبير غير صحيح من الناحية القانونية الخالصة.



لقد هجر المشرع الدستوري الأردني تعبير (التمثيل العادل للأقليات) منذ عام 1952، وقد استخدم هذا التعبير لأول مرة في المادة (25) من القانون الأساسي لإمارة شرق الأردن لسنة 1928، وأعيد استخدامه في  المادة (33) من الدستور الأردني لسنة 1947.

أن إغفال الدستور الأردني لسنة 1952 (موضوع تمثيل الأقليات) مقصودًا لذاته، وينطوي على حكمة معينة، وهو استبدال مفهوم المواطنة -كأساس التنظيم الحقوق والواجبات- بأي مفهوم آخر كالعرق والدين، فالمواطنة تصهر الفوارق الدينية والعرقية بين أفراد المجتمع، وتجعل من التركيبة الاجتماعية تركيبة متجانسة ومنتمية للدولة، لذلك كان إغفال موضوع الأقليات في الدستور لسنة 1995 مقصودًا لذاته، وليس مجرد سهو أو خطأ.


إضافة إلى ما تقدّم، للأقلية مفهوم محدد لدى فقهاء القانون الدولي، فالبعض أخذ بالاتجاه العددي (يحدد هذا الاتجاه الأقلية بعدد أفرادها) وهو الاتجاه الذي تبنته اللجنة الفرعية للقانون الدولي بشأن الأقليات والتمييز العنصري، ويقصد بالأقلية حسب هذا المفهوم، مجموعة أصغر عددًا من باقي شعب الدولة أو جزء من مواطنيها يختلفون عن بقية شعبها من حيث الجنس أو الدين أو اللغة تكون في وضع غير مسيطر. 

وعليه يستبعد من دائرة الأقلية الأقليات التي تكون في وضع مسيطر في الدولة كالأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا التي كانت تسيطر على الأغلبية السوداء من السكان الأصليين.


والبعض أخذ بالاتجاه الموضوعي: من حيث منطلق التمايز والتباين بين أفراد شعب الدولة من حيث الجنس أو الدين أو اللغة أو الثقافة. فينصرف اصطلاح الأقلية إلى أية طائفة من البشر المنتمين إلى جنسية دولة بعينها، متى تميزوا عن أغلبية المواطنين المكونين لعنصر السكان في دولة معينة من حيث العنصر أو الدين أو اللغة. 


وهو الاتجاه الذي تبنته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر بشأن مدارس الأقليات في اسبانيا.

وأخيرًا الاتجاه الشخصي، حيث يعتمد أنصار هذا الاتجاه في تحديدهم لمفهوم الأقلية على عنصر شخصي بحت مبني على الإرادة والمشاعر ومفاده أن منشأ وجود الأقليات عندما توجد الرغبة من أعضائها في صيانة معتقداتها الشخصية التي تميزها عن باقي المجموع فضلاً عن ولائها لهذه المجموعة، أي هي مسألة تتعلق بالمشاعر والإرادات.

وعليه، نجد أن مفهوم الأقلية باتجاهاته المختلفة (العددي أو الموضوعي أو الشخصي) لا ينطبق بعض فئات مواطنينا الأعزاء الذين ساهموا في بناء الدولة، وكان وجودهم أيضًا سابق على تأسيسها، فمعتقداتهم الشخصية مصونة.


وهناك العديد من النصوص الدستورية تحقق الغايات التي ترمي إلى تحقيقها الفكرة من إنشاء الأقلية دوليًا، فالحريات الأساسية مكفولة كحرية العقيدة الدينية، وحرية تكوين الجمعيات، وحرية التعليم، والحق بالعمل، وقد سادت في العصر الحديث أفكار مثالية كفكرة التسامح الديني والعرقي.

وطغت تلك الأفكار على كافة المجالات واستقرت في الضمير الإنساني، وكل ذلك مغلف في إطار جامع مانع بين جميع مواطني الدولة ألا وهو مبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة (6) من الدستور، فالأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين.


لقد صاغ المشرع الدستوري الأردني فكرة المساواة من ناحية قانونية خالصة، حيث تدور حول أن يكون جميع أفراد المجتمع إزاء القانون في مركز واحد دون تفرقة أو استثناء سواء كان هذا القانون يقرر منفعة (المساواة في المنافع العامة).

أو يفرض التزامًا (المساواة في تحمل التكاليف العامة)، أي أن يكون القانون عامًا عمومية مطلقة حتى ينطبق على جميع أفراد المجتمع دون استثناء، ولما كان من العسير أن يكون جميع أفراد المجتمع في مركز واحد حتى يكون القانون واحد بالنسبة للجميع، لذلك قيل بأنه يمكن الاكتفاء بالمساواة النسبية التي تنطبق على مجموعة من أفراد المجتمع التي تتوافر الشروط التي يتطلبها القانون.


وعليه، يمكننا قبول تعبير مقاعد مخصصة أو مقاعد محجوزة أو حتى كوتا، لكن لا يمكن قبول تعبير (أقلية).