أصنام رام الله.. ماذا بعد؟

لارا صالح - تعددية

أثارت حادثة تحطيم رؤوس تماثيل الأسُود الشهيرة في دوَّار المنارة، وسط مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة، والتي قام بها أخيرًا أحد الشبان مُتذرِّعًا بأنه لا يعبد الأصنام، استياءَ الناشطين/ات على مواقع التواصل الاجتماعي.



نتيجة تحطيم ما سمَّوه الوجه الحضاري لمدينة رام الله، أو بعبارة فنية: "تُراثها"؛ إذ يُعَدُّ ميدان المنارة أشهر ميادين رام الله، ويتزيّن بخمسة تماثيل للأسود، ترمز إلى العائلة المؤسِّسة للمدينة.

وعلى الرغم من إعلان الشرطة الفلسطينية بعد اعتقال الشاب أنه: "قام بفعلته تحت تأثير اضطراب نفسيّ"، فإن الحادثة فجَّرت وابلًا من الأسئلة المقلقة حول بواعث نمو الفكر المتطرف وأسبابه داخل المجتمع الفلسطيني، وحجم التهديد الذي يشكله للأمن والاستقرار الداخلي والسلام المجتمعي، ومدى كفاءة وسائل الإعلام، ونجاعة مناهج التربية والتعليم.


على أية حال، لا أحد يملك تفسيرًا يقينيًّا لِما يدور فعلًا في داخلة هذا الشاب، ومن السهل القول: إنه فعَل ما فعَل تحت تأثير عرَضِيٍّ أو عامل نفسي. أما أهل رام الله، هذه المدينة التي تُمثل تنوعًا وتعددًا وفرادة في نسيجها الاجتماعي، فقد سيطر عليهم مزيج من الحسرة والقلق والخوف، يشير إلى أن ما يهدد أمنهم أكبر بكثير من فعل فردي، وأن ما حدث لا يتعلق بإرث تاريخيٍّ فقط، إنما يمسُّ منظومة كاملة لشعب يكاد التاريخ لا يعرف ألَمًا مرَّ به شعبٌ سواه.

يبدو أن الخوف من بروز الفكر المتطرف، يحتاج إلى تركيب صحيح لمتناقضات كثيرة. فالظروف المعيشية القاهرة التي يعانيها بعضهم، وانتشار مظاهر الفقر والبطالة، وتفشي مظاهر الفساد في الطبقتين السياسية والاقتصادية، في بلد يرزح تحت وطأة احتلال غاشم، قد تدفع العديد من الشباب إلى الإيمان بالفكر المتطرف، والميل إلى الانتقام حتى من عناصر التاريخ والتراث والجمال.


ولا جرم أنَّ واقعًا كهذا قد يشكل تربة خصبة لظهور ردود فعل شاذة وغير متوقعة؛ ما قد يكون في المستقبل القريب مركز جاذبية للعصابات الظلامية، من أجل استقطاب جيوش اليائسين/ات المهمَّشين، للتمرد على ثوابت لم تكن راسخة بقدر كاف، لمنحهم إحساس الانتماء.

من هنا تبرز أهمية ارفاق التنمية الاقتصادية وسبل العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد إلى جانب الأدوات الإعلامية والدراسية والقراءات المعتدلة للنصوص الدينية، فالرخاء الاقتصادي وحده لا يستطيع مواجهة تطرف يزرعه فهم متطرف للدين، وبالمقابل لن يكفي الفهم المعتدل إن كانت ظروف الحياة قاسية غير عادلة، تلازم الجانبين يبدو مهمًا كحل تكاملي في وجه التطرف والأفكار المشوهة المبنية على فهم خاطئ للدين يغذيه بؤس الحياة، وأيضًا لا تبدو المقاربات الأمنية للتطرف سوى حلًا سيئًا للأعراض قد يفاقمها بدل حلها، ويتجاهل الأسباب الحقيقية للتطرف. 


وما ينبغي الاعتراف به هنا، أن معظم العناصر المتطرفة على مر الزمن قد تحدّرت من الفهم الخاطئ أو المجتزء للدين بشكل عام، وأن أحد جذور المشكلة يكمن في أساليب التلقين والحكايات الشفاهية التي ورثها الأبناء عن الآباء والأجداد؛ ما جعل هذه العناصر أقرب ما تكون إلى الانغلاق وسوء الظن بالآخر وإقصاء رأيه، وعدم التردد في تصفية كل ما هو مخالف، عبْر الإيمان بفتاوى شخصية، والإخلاص لقراءات معيَّنة لأزمنة خلت. 

وذلك ما حدا بهم إلى ممارسة عملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتكريس لواقع يتسم بالجهل، ويحارب كل فكر يوقظ الوعي المجتمعي.


كتابة فرد واحد لا يمكن أن تُحدث تأثيرًا كبيرًا، أما كتابات جمْعٍ واعٍ، فهي التي قد تُحْدث التغيير المأمول، خصوصًا في مجالات التربية والتعليم، للوصول إلى أجيال تَحمل الراية وتنمو باتجاه الحداثة. 

وحادثة تحطيم أُسُود رام الله كريهة في جوهرها، وفاضحة للكثير من خفايا ثقافة مخبوءة، وقد تتحول في مناطق أخرى إلى ظاهرة تُضاف إلى أورام التناقضات، التي تنخر جسم الدولة الفلسطينية، وتُعطل حلم التحرير.