وثيقة "نختار الحياة": مقاربة جديدة لدور المسيحيين في العالم العربي

قاسم قصير - عربي 21

شهدت كنيسة مار الياس في منطقة أنطلياس (القريبة من العاصمة اللبنانية بيروت) في الثامن والعشرين من أيلول؛ إطلاق وثيقة مسيحية عربية جديدة تحت عنوان: "نختار الحياة: المسيحيون في الشرق الأوسط نحو خيارات لاهوتية ومجتمعية وسياسية متجددة".



وقد أعد الوثيقة عدد من اللاهوتيين والمفكرين المسيحيين الناشطين في الشأن العام، وبعضهم كان مسؤولا في مجلس كنائس الشرق الأوسط الذي يجمع معظم الكنائس الشرقية. ومن هؤلاء: السيدة ثريا بشعلاني (من لبنان وكانت الأمينة العامة لمجلس كنائس الشرق الأوسط)، القس متري الراهب من فلسطين، الخوري روفايل زغيب (لبنان)، الخوري خليل شلفون (لبنان)، الباحث زياد الصايغ (لبنان)، الأخت إميلي طنوس (لبنان)، القس جورج جبرا القبطي (الأردن)، القسيسة نجلا قصاب (لبنان)، الأستاذ أسعد الياس قطان (من لبنان ومقيم في ألمانيا)، السيد ميشال نصير (من لبنان ومقيم في سويسرا)، الأب كابي الفرد هاشم (لبنان)، كما شارك في إطلاق الوثيقة عشرات المفكرين ورجال الدين والناشطين في الشأن العام.

واعتبر المعدون والمشاركون في إعداد وإطلاق الوثيقة أن المسيحيين في العالم العربي (وهم استخدموا مصطلح الشرق الأوسط) يواجهون تحديات كبرى تضعهم أمام خيارات يتوقف عليها مستقبل وجودهم وحضورهم. 


وهذا يتطلب مقاربات جديدة حول الأوضاع في العالم والعالم العربي ووضع تصورات عملية لمواجهة هذه التحديات، من خلال الاستفادة من دروس المراحل الماضية وخصوصا ما جرى خلال السنوات العشر الأخيرة والربيع العربي.

وقد استعرضت الوثيقة واقع وأحوال المسيحيين في الشرق الأوسط وعرضت لعناصر القوة والضعف والعلاقة مع الحداثة المجهضة والعولمة الملتبسة، ومن ثم استعرضت تحولات الربيع العربي والتغيرات الناتجة عن الأوضاع البيئية والصحية، ولا سيما أزمة فيروس كورنا وانعكاس كل ذلك على الواقع المسيحي.


ومن ثم قدمت الوثيقة أفكارا واقتراحات عملية لمواجهة مختلف التحديات، وتحديد الدور الذي ينبغي أن تقوم به الكنائس في العالم العربي على مختلف الصعد الدينية واللاهوتية والتنشئة، ومواجهة إشكالية الوجود والعلاقة مع المجتمع، وتحدثت عن تحديات الحاضر والمستقبل داعية إلى مقاربات جديدة للدور المسيحي من خلال عقد اجتماعي جديد، والرهان على التعاون الجماعي وثقافة الأخوة الإنسانية واعتماد خطاب لاهوتي جديد.

وختمت الوثيقة بالدعوة لعدد من الخيارات والسياسات ومنها: الاستمرار بالوحدة المسكونية بين الكنائس مع تطوير تجربة مجلس كنائس الشرق الأوسط ونفض الغبار عنه، ومقاربة قضايا المنطقة وشعوبها بالاستناد إلى لاهوت سياقي وطني وإقليمي، وتجديد الخطاب الكنسي واللاهوتي بما يتلاءم وأحوال العصر، وتفعيل رابطة كليات ومعاهد اللاهوت في الشرق الأوسط، وتبني المسيحيين في الشرق الأوسط سياسات جديدة بعيدا عن السلطات القمعية واعتماد خيار الديمقراطية، وتوثيق العلاقة بالشباب وتبني هموم النساء ومشاكلهم والتواصل مع المغتربين، وتطوير الحوار الإسلامي- المسيحي واعتماد رؤية جديدة لهذا الحوار، وتعزيز حضور المسيحيين في مؤسسات الدولة والاهتمام بقضايا الشأن العام، وتطوير العلاقة مع أبناء الديانة اليهودية ومواجهة التيارات المسيحية الغربية الداعمة للصهيونية، وتبني قضايا الشعب الفلسطيني وصولا لقيام السلام الحقيقي والدولة المدنية في فلسطين، والعمل الجاد لقيام قوانين مدنية للاحوال الشخصية وتحقيق المساواة بين المواطنين، واعتماد حياد الدولة تجاه الأديان والالتزام بالمواطنة، والانحياز إلى قضايا الحريات وحقوق الانسان والديمقراطية والتدوال السلمي للسلطة، والاهتمام بالإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ومتابعة أوضاع اللاجئين والاهتمام بمشاكلهم وهمومهم.


هذا أبرز ما ورد في هذه الوثيقة المهمة، والتي تحتاج إلى قراءات هادئة ومناقشة لمختلف البنود فيها. وقد تم تعميمها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومن خلال صفحات خاصة تحت عنوان: نختار الحياة. ورغم أن الوثيقة لم تصدر عن جهات كنسية رسمية ولم يتم تبنيها من قبل الهيئات الكنسية المركزية التي تدير أوضاع المسيحيين عالميا وإقليميا، ولا يمكن اعتبارها مجمعا كنسيا جديدا، فإنها تعبر عن مناخ فكري وسياسي ولاهوتي واجتماعي داخل البيئة المسيحية في العالم العربي، ومن هنا أهمية التعاطي معها ومناقشتها.

وهذه الوثيقة تتلاقى مع المناخ السائد عالميا ولدى بعض الكنائس العالمية والأوروبية بالدعوة إلى لاهوت جديد تحت عنوان: "لاهوت الشأن العام"، والذي سبق أن جرى الحديث عنه في مؤتمرات ولقاءات فكرية في بيروت وعواصم عربية وأوروبية. كما أن هذه الوثيقة تقترب كثيرا من مضمون "وثيقة الأخوة الإنسانية"، والتي تبناها البابا فرانسيس مع شيخ الأزهر الإمام الدكتور أحمد الطيب. 


وهي تلاقي أيضا العديد من الوثائق الحوارية والداعية لحماية التنوع والمواطنة، وإن كانت تركز أكثر على موضوع الحريات والديمقراطية ورفض السلطات القمعية، مما يشير لخطاب كنسي جديد يخالف بعض الكنائس الرسمية التي تحرص على العلاقة مع السلطات القائمة في العالم العربي، بغض النظر عن شرعيتها وديمقراطيتها وقمعها لشعبها.

نحن إذن أمام حوار متجدد داخل البيئة المسيحية العربية حول مختلف القضايا المعاصرة. ورغم أنه من غير السليم أن يتم تقسيم النقاش في العالم العربي على أسس دينية أو طائفية، أو الفصل بين ما يجري في البيئات المسيحية عما يجري في البيئات الإسلامية المختلفة، وأننا نحتاج إلى حوار مشترك على أساس الانتماء للوطن وعلى قاعدة "إننا كلنا في الهم شرق"، وأن همومنا في العالم العربي موحدة ولا تنقسم بين همّ إسلامي أو همّ مسيحي، فإنه من الضروري رصد ومتابعة هذه النقاشات في البيئات المسيحية والبحث عمن يلاقيها في البيئات الإسلامية؛ للتأسيس لحوار عربي جديد قائم على أساس المواطنة وقيام الدولة المدنية، والدفاع عن حقوق الإنسان وحماية الحريات والتنوع وملاقاة قضايا العصر.


وللأسف، فإن الأطر العربية أو القومية أو الحوارية المشتركة قد تراجع دورها، مثل المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي ومؤتمر الأحزاب العربية ومؤتمر الحوار الإسلامي- المسيحي، وغيرها من اللقاءات المشتركة.

كما أن معظم مراكز الدراسات العربية التي كانت ناشطة في الحوار ومواكبة قضايا العصر قد تراجع دورها، وبعضها يواجه اليوم أزمات مالية كبرى كما يحصل مع مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت. 


ولذا فنحن بحاجة لعقل عربي جديد يواكب المتغيرات الحاصلة، ويعيد بناء أسس المشروع النهضوي العربي بعيدا عن المذهبية والطائفية.

وفي الختام لا بد من التأكيد على أهمية وثيقة "نحن نختار الحياة"؛ لأنها تشكل حافزا للحوار والنقاش حول مختلف القضايا في العالم العربي اليوم، وليس فقط حول أحوال وأوضاع المسيحيين في الشرق الأوسط.