مشروع "المساجد الخضراء".. كيف ستساهم دور العبادة في حماية المناخ؟

دويتشه فيليه

مبادرة جديدة أعلنتها منظمة غرينبيس تحمل اسم "المساجد الخضراء" لدعم تحول 10 مساجد كبرى حول العالم إلى استخدام الطاقات المتجددة. مشروع طموح موجه للمسلمين، لكنه يعاني عدة تحديات.



المساجد ليست للتعبد فقط، بل قد تمثل نقطة انطلاق في العالم الإسلامي لتبني حلول مستدامة في المستقبل بشكل خال تمامًا من استخدام الوقود الأحفوري. هذا هو الهدف الذي أعلنته منظمة "غرينبيس" (السلام الأخضر) الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عبر "المساجد الخضراء"، أحدث مبادرات "تحالف أمة لأجل الأرض" الذي يجمع غرينبيس وعدة منظمات أخرى إقليمية.


وتبتغي المبادرة "إبراز الإمكانيات الكبيرة للمجتمعات المحلية في مكافحة أزمة المناخ، من خلال تحويل المساجد إلى الطاقة الشمسية حول العالم"، وفق ما يذكره بلاغ صحفي عن غرينبيس التي تؤمن بإمكانية أن تقدم المجتمعات الإسلامية مثالاً يحتذى به للمجتمعات الأخرى في مجال الطاقات المتجددة، ومن ذلك تركيب أنظمة شمسية لمسجد غلاسكو المركزي تزامنا مع قمة المناخ كوب 2021، بتمويل كامل من منظمة الإغاثة الإسلامية.


وضمن هذه المبادرة، توجد عشرة مساجد رئيسية حول العالم يمكن تحويلها إلى الطاقة الشمسية وهي وفق الترتيب الأبجدي: الجامع الأزهر بالقاهرة، مسجد الاستقلال بجاكرتا، الجامع الأموي بدمشق، جامع الجزائر الكبير بالجزائر العاصمة، المسجد الحرام بمكة المكرمة، مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، مسجد غلاسكو المركزي في غلاسكو، الجامع الكبير في لاهور، المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنوّرة، مسجد النظامية في جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا.


وسيتيح هذا المشروع الضخم، وفق ما تؤكده دراسة علمية مفصلة، توليد "حوالي 22.3 جيجا واط-ساعة من الطاقة الكهربائيّة في السنة، وتخفيض 12،025 طن متري من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون" حسب البلاغ، الذي يتوقع "الاستغناء عن حرق أكثر من 5 ملايين لتر من البنزين، أو الحفاظ على 1107 هكتارات من الغابات"، فضلاً عن "خلق ما بين 93 و 153 فرصة عمل جديدة"، وتعادل هذه المجهودات جهود أكثر من 37 ألف شخص في تخفيض استهلاك الطاقة.


وكمثال على ذلك، فالمسجد النبوي في المدينة المنورة سينتج 6190 كيلوواط من الطاقة في السنة، ما يوفر مبلغًا يصل إلى 395 ألف دولار، وكذلك خفض 3199 طن من انبعاثات الغازات الدفيئة. وهو ما يعادل في حالة هذا المسجد، عدم استخدام 586 سيارة سنويا، وتوفير 1.3 مليون لتر من البنزين، وتدوير أكثر من ألف طن من النفايات.


مبادرة ليست الأولى

"يُجسِّد هذا المشروع الإمكانات الكبيرة المُتوفِّرة، وأهميّة مشاركة الأمة الإسلامية في العمل الجاد والسريع لتنفيذ الحلول المستدامة للأزمة المناخية المتفاقمة من حولنا"، تقول نُهاد عوّاد، مسؤولة الحملات في تحالف "أمة لأجل الأرض" في غرينبيس الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.


وتتابع في تصريح مُعمم على الصحافة أن المبادرة هي كذلك "نداء للقيادات المسلمة المشاركة في مؤتمر المناخ للعمل وفق طموحات الأمة والأجيال الصاعدة والتخلّي عن الوقود الأحفوري".

وليست هذه هي المبادرة الأولى من نوعها، إذ سبق وأن أعلنت عدة دول عربية وإسلامية توجه عدد من المساجد نحو اعتماد الطاقة المتجددة، لكنها من أولى المبادرات التي يتم التنسيق فيها بشكل عالمي وتستهدف عددا من أكبر مساجد العالم.


تحديات متعددة

تعاني مجموعة من الدول العربية من نقص كبير في توليد الطاقة محليًا، ما يدفعها لاستيرادها من الخارج، منها المغرب الذي يستورد حوالي 91 بالمئة من احتياجاته من الطاقة، خصوصًا في ما يتعلق بالبترول، لكن المملكة بدأت منذ سنوات برامج الاستفادة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في البلد، واستثمرت حسب ما ذكرته الحكومة السابقة أكثر من 5 مليارات دولار في هذا الجانب، ما أتاح تقليص التبعية للخارج فيما يتعلق بالطاقة.


وبدأت بالفعل العديد من المساجد والمدارس والمنشآت في المغرب العمل بالطاقة المتجددة، إلا أن عملية "التحول الطاقي" عانت من تأخر واضح في تنفيذ التعهدات، ما أثار انتقادات محلية، في بلد يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية زادت منها جائحة كورونا.

تختلف الصورة لدى دول أخرى كالسعودية، أحد أكبر منتجي البترول في العالم، لكنها وإن كانت لا تعاني تبعية طاقية، فهي تعاني من اعتماد مفرط على البترول في الاقتصاد، ما يؤثر سلبًا على البلد ويجعل نسيجه الاقتصادي رهيناً بالسوق الدولية. 


وبدأت السعودية بدورها استراتيجية لتنويع الاقتصاد كما ظهر في رؤية 2030، لكنها بدأت كذلك مؤخرا مبادرات بيئية كـ"مبادرة السعودية الخضراء" و"الشرق الأوسط الأخضر"، اللتين تهدفان إلى زراعة 50 مليار شجرة، وتعتبران أكبر مشروع من نوعه في التاريخ.

إلّا أن السعودية اتُهمت من قبل منظمة غرينبيس المركزية بعرقلة مجموعة من "الصياغات الطموحة بشأن حماية المناخ في النص النهائي المخطط له، وكذلك عرقلة قرارات من أجل إحراز تقدم في موضوع التكيف مع تداعيات الاحتباس الحراري" خلال مؤتمر المناخ بغلاسكو (اختتمت أعماله في 12 تشرين الثاني)، وفق ما ذكره بيان سابق عن المنظمة.


وبعيدًا عن نقاشات قمة المناخ، فمن بين التحديات التي تواجه المنظمات البيئية في العالم الإسلامي ضعف الاهتمام المجتمعي بقضايا المناخ، وغياب استراتيجية في التعليم توعي الأطفال بالخطر الكبير الذي يتهدد الكوكب وكيفية مواجهته، فضلاً عن تجاهل عدد من الأحزاب والتنظيمات السياسية لهذا الموضوع.

وسبق لتحالف "أمة لأجل الأرض" أن أطلق دليلاً أخضر وتطبيقًا هاتفيًا لمرافقة الحجاج والمعتمرين لأجل مناسك "صديقة للبيئة ومنسجمة مع القيم الإسلامية"، من أهدافه العمل المشترك بين المسلمين وبقية سكان الأرض، من أجل "الحفاظ على درجات حرارة الكوكب تحت مستوى الخطر".