المونسنيور عكشة لـ"صوت الأزهر": وعي الأخوّة وتعزيزها هو الطريق الى السلام

صوت الأزهر

  • الأزهر يتربّع على عرش المؤسسات الدينية لدى المسلمين السنّة ويحظى بشهرة عالمية.
  • "وثيقة الأخوة الإنسانية" خطوة رئيسة على طريق الوفاق والتعاون بين الأزهر والفاتيكان.
  • الديانات تجمعها القيم الإنسانية والروحية، ونحتاج إلى الحكمة لحُسن التعامل مع الاختلافات حتى لا تتحوّل إلى خلافات ونزاعات.



أكد المونسينور الدكتور خالد عكشة، أمين لجنة العلاقات الدينية مع المسلمين في المجلس البابوي للحوار بين الأديان بالفاتيكان، في لقاء مع "جريدة صوت الأزهر"، أنّ الأزهر يتربّع على عرش المؤسسات الدينية لدى المسلمين السنّة ويحظى بشهرة عالمية، وأنّ وثيقـة الأخــوة الإنســانية خطوة رئيسة على طريق الوفاق والتعاون بين الأزهر والفاتيكان، مشيرًا إلى أنّ الأمر الأهم بين الدول والشعوب والجماعات المؤمنة هو السلام والأمن، وأنّ وفاق قادة الأديان وتعاونهم عنصر هام في بنائهما في العالم، شاكرًا الله تعالى على العلاقة الأخوية الوثيقة بين الحَبر الأعظم وشيخ الأزهر ومقدّرًا دورهما في إحلال السلام وبسط الأمن في عالمنا.


وفيما يلي نص الحوار الذي أجراه مصطفى هنداوي:

قوبل حوار فضيلة الأمام الأكبر لإذاعة الفاتيكان بترحيب عالمي فما هو رد فعل الحوار في أوساط الفاتيكان وما الرسالة التي استخلصتموها من الحوار؟

جرت المقابلة في إطار مشاركة فضيلة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب في اجتماعات من ضمنها اجتماع رؤساء أديان وعلماء في روما للاتفاق على نداء يوجهونه إلى المشاركين في مؤتمر الأمم المتحدة حول المناخ (مدينة جلاسكو في اسكتلندا، 31 أكتوبر – 12 نوفمبر 2021) من ضمن ما تكلّم عنه فضيلته في هذه المقابلة الصداقة العميقة التي تربطه بقداسة البابا فرنسيس وكيف جعلا هذه الصداقة في خدمة البشرية وبخاصّة أعضائها المتألّمين. لم تكن المسيرة سهلة كما يشير إلى هذا عنوان كتاب المستشار محمد عبد السلام "الإمام  والبابا والطريق الصعب". وعرض الشيخ الطيب لنشأته وتأثيرها على مسيرته الدينية والثقافية والحوارية اللاحقة. وأجاب عن سؤال حول أهمية الرسالة البابوية العامة للبابا فرنسيس "Fratelli tutti (الكل إخوة) في الأخوّة والصداقة الاجتماعية" للمسلمين وغيرهم، منوّهًا إلى علاقتها بوثيقة الأخوّة الإنسانية. وأشار في معرض إجابته عن سؤال يتعلق بدور الأديان في نشر السلام والتفاهم المشترك والتصدّي للتطرّف الذي ينشر الرعب من خلال الكراهية والإرهاب، إلى أنّ الاختلاف دعوة إلى التعارف والتعاون، ونبذ الفُرقة والعنف.


خلال الفترة السابقة وصلت العلاقة بين الأزهر والفاتيكان إلي أوج فتراتها زهوا فما تأثير ذلك علي السلام العالمي؟

الأزهر يتربّع على عرش المؤسسات الدينية لدى المسلمين السنّة، ويحظى بتقدير يتجاوز الإسلام السنّي، ما يعني أهمية ما يصدر عنه من مبادرات ومواقف وتصريحات. والفاتيكان هو مركز الكنيسة الكاثوليكية التي يبلغ تعداد أتباعها 1.328.993.000 نفرًا (نهاية 2018). ويتنج عن هذا أنّ ما يقوم به الحَبر الأعظم أو يقوله له أهميّة كبيرة بالنسبة للكاثوليك أوّلا، وكذلك لبقيّة المسيحيين، وأحيانًا لمؤمنين من أديان أخرى، وحتى لأشخاص دون انتماء ديني. لا تخفى على أحدٍ الصداقة المتميزة التي تربط الشيخ الطيّب بالبابا فرنسيس والتي انعكست إيجابيّا على العلاقات بين الأزهر والكرسي الرسولي، وبالتالي على الروابط بين الكاثوليك والمسيحيين عمومًا من جهة، وبين المسلمين من جهة أخرى. والأمر الأهمّ بين الدول والشعوب والجماعات المؤمنة هو السلام. ووفاق قادة الأديان وتعاونهم عنصر هام في بناء السلام والأمن في العالم، لذلك نشكر الله تعالى على العلاقة الأخوية الوثيقة بين الحَبر الأعظم وشيخ الأزهر، كما نقدّر دورهما في تعزيز السلام والأمن في عالمنا.


لقد تميّزت الصداقة الأخوية بين الامام الأكبر والبابا بالتجانس الروحي والفكري كيف تم استثمار هذه العلاقة فيما يخدم البشرية جمعاء؟

شارك البابا فرنسيس في مؤتمر الأزهر العالمي للسلام الذي عُقد في القاهرة في شهر أبريل عام 2017، وبحسب جريدة المصري اليوم فقد كانت على جدول أعمال المؤتمر مناقشة موضوعات "معوّقات السلام في العالم المعاصر والمخاطر والتحدّيات، وإساءة التأويل للنصوص الدينية وأثره على السلم العالمي، والفقر والمرض بين الحرمان والاستغلال وأثرهما على السلام، وثقافة السلام في الأديان بين الواقع والمأمول".


وكان توقيع "وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك" خطوة رئيسة على طريق الوفاق والتعاون بين البابا وشيخ الأزهر، ومن خلالهما بين المسيحيين والمسلمين. وعي الأخوّة وتعزيزها هو الطريق الى السلام وإلى العيش معًا بانسجام ودون توتّرات أو نزاعات. وأشرت سابقًا كذلك إلى التوقيع المشترك على النداء من أجل الحفاظ على البيئة وعلى كوكبنا على وجه العموم.


كما من حروب وصراعات نشأت وترعرعت باسم الأديان وهي منها براء فما أفضل السبل للتصدي لدعاة الشر ونشر الكراهية؟

كلّنا بحاجة إلى مراجعة صادقة وموضوعية لتاريخه ينتج عنها حمد لله على ما فعلنا من خير واستغفاره تعالى عن كلّ شرّ فعلناه وعن كل محاولة لتبريره استنادًا إلى تفسيرات خاطئة لبعض التعاليم الدينية. وحبّذا لو قام مؤرّخون موثوقون من الجانبين بمراجعة موضوعيّة ومنفتحة لتاريخ العلاقات المسيحية-الإسلامية في محطّاتها المضيئة كما المُظلمة.


من فترة لأخري هناك من يحاول اشعال الفتن وتغذية الأفكار الشيطانية تارة باسم التمييز العنصري وتارة بما يسمى صراع الحضارات وغيرها فما حقيقة هذا المصطلح وهل له تواجد على الارض؟

توجد بين الحضارات -كما هو الحال بين الأديان والثقافات- أوجه شبه كثيرة وكذلك اختلافات أساسيّة. التحدّي الكبير هو معرفة ما نتّفق عليه وما نختلف فيه، ومن ثمّ نشكر الله على المشترَكات الكثيرة، ونسأله تعالى الحكمة لحُسن التعامل مع الاختلافات، حتى لا تتحوّل إلى خلافات ونزاعات.


رسالة الأديان السلام والتعاون والتعايش السلمي وتشترك في القيم الإنسانية التي تنفع الناس جميعًا فكيف تؤتي الرسالة ثمارها لمحاربة التطرف والارهاب؟

تعزيز القيم الإنسانية أمر في غاية الأهميّة، فهي مشترَكة بين كافة أعضاء العائلة البشرية من مؤمنين وغير مؤمنين، ولكنّ الإيمان يضيف إلى هذه القيم بُعدًا خاصًا. فالعدل والسلام والرحمة والتعاون والعيش المشترك قيم إنسانية أساسًا، يكسوها الإيمان بثوبٍ خاصٍ بهيّ. مَن يتحلّى بالحكمة والمعرفة والتواضع والوداعة لا يُمكن أن يقع فريسة التطرّف والغلوّ في الدّين التي تؤدّي في كثير من الأحيان إلى العنف المرتكب باسم الدّين. ولذلك أقول: "لنزرعِ المحبّة فنحصد السلام".


بوصفكم رئيس مكتب الحوار مع المسلمين في المجلس البابوي، متى بدأ الحوار المسيحي الإسلامي وما الأسس التي قام عليها وإلى أي درجة وصل من التفاهم والانسجام؟

بدأ الحوار المسيحي-الإسلامي ومُجمل العلاقات بين المسيحيين والمسلمين منذ ظهور الإسلام. شجّع بعض الخلفاء العباسيين الحوار ورعوه. في عصرنا الحاضر يمكن أن نرى بداية الحوار في الستينات من القرن الماضي، وهذا ينطبق على الحوار بين الأديان الذي أطلقته الكنيسة الكاثوليكية في المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) فأسّست دائرة تُعنى بالحوار أسمتها "السكرتاريا لغير المسيحيين" والتي تمّ تغيير اسمها إلى الحالي "المجلس البابوي للحوار بين الأديان". وخلال المجمع المذكور صدرت الوثيقة عن علاقة الكنيسة بالأديان الأخرى Nostra aetate (حالتنا الراهنة) والتي تُعتبر شرعة الحوار بين الأديان بالنسبة للمسيحيين الكاثوليك. فالحوار بين المسيحيين والمسلمين يبدأ بالاحترام المتبادل وينتهي بمزيد منه ناتج عن نموّ المعرفة المتبادَلة على صعيد الأديان والأشخاص. يفترض هذا الحوار الانفتاح وإصغاء أحدنا إلى الآخر، ما لا يعني بالضرورة القبول بما يقول مخاطِبنا. إنّه الحوار المبنيّ على الحقيقة والمحبّة في آن.


على الرغم من التغني بالديمقراطية والتحضر في الاوساط الاوروبية إلى أن جرائم العنصرية ما زالت تمارس ضد المسلمين وكذلك الإعلام الغربي لا يتوانى عن الزج بالإسلام والمسلمين في الحوادث الفردية لزيادة الاحتقان والكراهية كيف تري ذلك؟

العنصرية والتمييز على أساس العرق والدّين وغيرها من مكوّنات الهوية، موجودة بأشكال متعددة وبدرجات مختلفة في كلّ المجتمعات، وقد تكون الدول الأوروبية أفضل من غيرها بفضل الديمقراطية واحترام حقوق الانسان والفصل بين الدّين والدولة في غالبيّة هذه الدول. هناك من ناحية أخرى ظواهر سلبية في الغرب كالحركات الشعبوية والتطرّف القومي والسياسي والاسلاموفوبيا، وهي بحاجة إلى علاج جاد وسريع. حوادث العنف المرتَكبة باسم الدّين كثيرة ومُقلقة وتتطلب هي الأخرى علاجًا من كثير من قِبل كثير من الأطراف كالأُسر ورجال الدين والمربّين والإعلاميين. من ناحية أخرى، من الظلم إلصاق تهمة الارهاب بدين معيّن أو بكافّة المؤمنين به، بسبب تصرّف قلّة من أتباعه.


الحوار هو الحل الأجدى للوصول إلي الأهداف المنشودة من السلام بين الاديان ومع ذلك لا يجد الترويج له في الاعلام الغربي بل على العكس نرى من يؤجج الصراعات فما سبل الحوار الأنجع للتقريب بينهما؟

التعميم يحمل دومًا في طيّاته بعض الخطأ، وهذا ينطبق أيضًا على المقولة أعلاه عن الإعلام الغربي. الحوار المتّسم بالاحترام المتبادل والصدق هو الطريق الأفضل بل الأوحد لتوضيح الإشكاليات وحلّ المشكلات والمصالحة، وهذا في كل المجالات، بما فيها العلاقات بين المؤمنين المنتمين الى أديان متعددة.


برأيكم ماذا يعني تخصيص الأمم المتحدة 4 فبراير من كل عام يوم للأخوة الإنسانيّة وهل هذا سيساعد على زيادة فرص نزع الصراعات والتكاتف في الأزمات؟

يعني هذا التخصيص الكثير، فالأمم المتحدة هي المساحة الأوسع لدول العالم وشعوبه لتلتقي وتتحاور حول آمال البشرية وآلامها، وتبحث عن حلول مشتركة للمشكلات. التذكير سنويًّا بأننّا إخوة وأخوات يحثّنا على التصّرف بروح الأخوّة، بعيدًا عن الخصومة والعداء والعنف.


ماذا يجب علي المؤسسات الأممية الدولية فعله حتى ترسخ القيم الكثيرة التي تتبناها الوثيقة كالتسامح والعدالة الاجتماعية والقضاء على التمييز العنصري وغيرها الكثير والكثير وتفعيلها على أرض الواقع، بخلاف ما نجده مجرد يوم في ذاكرة التواريخ؟

ما نحن بحاجة إليه من وجهة نظري هو ذهنيّة وثقافة تتبنّى القيم الحاضرة في الوثيقة وتعمل على نشرها. وما أقصده هو الثقافة بأوسع معانيها، أعني القوانين الناظِمة لحياة المجتمعات والخطاب الديني والمناهج المدرسية والجامعية والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. حبّذا لو تبنّت المنظّمات الدولية، وكذلك مؤسّسات المجتمع المدني، برامج ومبادرات تؤدّي إلى تحقيق هذه الأهداف.


ما الرسائل التي تريد توجيها ولمن؟

هذه الرسائل موجّهة لكل من سيقرأ هذه السطور، وبخاصّة من المسلمين والمسيحيين، وهي تعبير عن المودّة التي يجب أن تكون الميزة الرئيسة للعلاقة بين أتباع الديانتين على وجه الخصوص، ولعلاقة بني البشر بعضهم ببعض على وجه العموم. فكلّنا أعضاء في العائلة البشرية الواحدة، متساوون في الكرامة والحقوق والواجبات، لذلك يجب أن يحترم ويحّب ويساعد أحدنا الآخر في الرحلة المشتركة على هذه الأرض، التي تنتهي بنا إلى الله تعالى، الذي هو البداية، ورفيق الدرب، والنهاية.