من نجم الميلاد إلى مدينة داود، طريق للرّجاء بحضور اللّه الآب: ترى لماذا اختار يسوع بيت لحم؟

ايليا نصراللّه - موقع مجلس كنائس الشرق الأوسط

 


"أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ" (متّى 2: 2)، بشوق ولهفة قال ذلك المجوس وهم قادمون من المشرق إلى أورشليم. قادمون من بعيد ليشهدوا على ولادة ملك الملوك، وها قد شعروا بفرح عظيم حين رأوا النجم يقودهم "حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ" (متّى 2: 9). 


هناك في مذود صغير في مدينة داود ببيت لحم ولد مخلّص العالم. لكن لماذا بيت لحم ولماذا إختار الإله أن يولد في هذه النقطة من الشرق؟


بدايةً لا بدّ من التذكير أن في إيماننا المسيحيّ نقول "ولد" المسيح وليس "خلق" فيسوع كان موجودًا قبل أن يصبح إنسانًا لأنّه الإله الّذي تجسّد ولهذا السّبب نردّد في قانون الإيمان عبارة "مولود غير مخلوق"، لتكون أحداث الميلاد مذكورة في إنجيلي متّى ولوقا.


بيت لحم، نقطة البداية

أمّا مكان ولادة يسوع المسيح، الملك إبن داود بحسب السّلالة البشريّة، فهو مرتبط بالتّالي بقرابة يسوع من داود. في الواقع عُرف مسبقًا أنّ ولادة يسوع ستكون في بيت لحم، مدينة داود. 


إذْ ثمّة نبوءة أشارت إلى ذلك لا سيّما في سفر ميخا النبيّ (751–693 قبل الميلاد) حيث نقرأ "أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ" (ميخا 5: 2).


ويشرح الفصل الخامس من سفر ميخا أنّ بيت لحم مدينة صغيرة بين "ألوف يهوذا". ممّا يدلّ بالتّالي على أنّه في المكان الصّغير هذا، من منبع الفقر والتواضع الأقصى أتى الكبير المخلّص لتنبعث منه النّعم والفضائل. 


إذًا ولد المسيح في مدينة وصفت بالصّغيرة، في مذود أيضًا صغير ليذكّرنا بمائدة اللّه المدعوّ إليها الإنسان ليتناول خبز اللّه. لذا تنعكس في فقر ولادة يسوع صورة للواقع الكبير الّذي يتحقّق فيه فداء البشريّة.  


كما أنّ بعد ولادة يسوع إنتهى عصر الذّبائح الحيوانيّة لأنّ يسوع أصبح الذّبيحة الإلهيّة لخلاصنا، فظهر الملاك للرّعاة في بيت لحم وبشّرهم بالمولود الإلهيّ.


لكن ماذا عن بيت لحم؟ جغرافيًّا تبعد هذه القرية حوالي عشرة كيلومترات عن أورشليم. إشتهرت بمراعيها الخضراء، ورعي الخراف كي تُقدَّم في الهيكل كذبائح حيوانيّة عن خطايا الشّعب. 


أمّا معنى "بيت لحم" فيدلّ على "بيت الخبز". في اللّغة الآراميّة تعني كلمة "لحم" الخبز وعند العرب "اللّحم"، و"لحمو" عند الكنعانيّين تدلّ على إله الخصب والحصاد. كما سُمّيت "بيت لحم" بـ"أفراتة" وهو إسم قديم يعني الخصب.


مدينة داود، منبع التواضع والبساطة

مع ولادة يسوع سقط هيرودس المتسلّط عن عرشه وظهر الملك الحقيقيّ. هذا المخلّص الّذي يحقّق الملكوت السّماويّ على الأرض وفي نفوس جميع البشر ذوي الإرادة الصّالحة. بذلك تتحقّق أيضًا تسبحة مريم الّتي نقرأها في الإصحاح الأوّل من إنجيل لوقا "أنزل الأعزّاء عن الكراسي ورفع المتّضعين" (لوقا 1: 52).


إلّا أنّ ولادة يسوع كانت حدثًا منتظرًا وغير مفاجئ لأنّها جاءت لتثبت نبوءات العهد القديم، "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى إبْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى إسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ" (إشعياء ٦:٩). 


أراد السيّد المسيح في ولادته أن يعلّمنا فعلًا معنى التواضع والوداعة والبساطة، فإختار بيت لحم الّتي كانت في تلك الحقبة من أصغر مدن فلسطين ليولد فيها بمذود في مغارة أو إسطبل للحيوانات وليس في قصر أو مبنى راق.  


أخيرًا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ القمط الّتي لُفّ بها يسوع المسيح عند ولادته لها دلالة أيضًا بحسب لاهوت الآباء، فإلى ماذا ترمز؟ إنّها إشارة مسبقة لساعة موت يسوع حيث أنّه منذ البداية بات الضحيّة عند تأمّلنا في الوعد المتعلّق بالمولود البكر. 


أمّا عبارة "المولود البكر" المذكورة في إنجيل لوقا 2: 7 "فولدت مريم إبنها البكر" تأتي هنا كإشارة مسبقة إلى رواية تقديم يسوع إلى الهيكل وإنتمائه الخاصّ إلى اللّه.


لذا فلنسبّح مع الملائكة المولود الجديد، ملك الملوك، مرنّمين "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لوقا 2: 14).