البابا يبدأ زيارته إلى قبرص ويلتقي بالكهنة والمكرّسين وأساتذة التعليم المسيحي

فاتيكان نيوز

وصل البابا فرنسيس ظهر الخميس إلى قبرص، حيث تم الاستقبال الرسمي على أرض مطار لارنكا الدولي، بحضور رئيسة مجلس النواب القبرصي انيتا ديميتريو، وعدد من المسؤولين، ومشاركة بطريرك القدس للاتين بييرباتيستا بيتسابالا، ورئيس أبرشيّة قبرص المارونيّة المطران سليم صفير، والسفير البابوي في قبرص المطران أدولفو تيتو إيلانا، وسفير قبرص لدى الكرسي الرسولي السيد جورجيو بوليديس، وحارس الأراضي المقدسة الأب فرانشيسكو باتّون.



بعدها توجّه قداسته إلى كاتدرائيّة سيدة النعمة للكنيسة المارونيّة في العاصمة نيقوسيا، حيث التقى الكهنة والرهبان والراهبات وأساتذة التعليم المسيحيّ والجمعيّات والحركات الكنسيّة في البلاد. وهناك ترأس الحبر الأعظم صلاة تخللتها ترانيم باللغات السريانيّة والعربيّة والقبرصيّة، إضافة إلى كلمة ترحيبية للبطريرك الماروني الكاردينال بشارة بطرس الراعي، وشهادة حياة قدمتها راهبتان تعملان في الجزيرة.


ووجّه البابا كلمة قال فيها: أنا سعيد لوجودي بينكم. أود أن أعبر عن امتناني للكاردينال بشارة بطرس الراعي على الكلمات التي وجهها إلي، وأحيي بمودّة البطريرك بييرباتيستا بيتسابالا. شكرًا لكم جميعًا على كهنوتكم وعلى خدمتكم، لا سيما لكنَّ أيتها الاخوات على العمل التربوي الذي تسرنَ به قدمًا في المدرسة الذي يتردد عليها كثيرا أطفال الجزيرة مكان لقاء وحوار وتعلُّم لفن بناء الجسور. شكرًا لكم جميعًا على قربكم من الأشخاص، لا سيما في السياقات الاجتماعية وسياقات العمل حيث يكون الأمر أكثر صعوبة.


تابع: أشارككم فرحتي بزيارة هذه الأرض، إذ أسيرُ كحاج على خطى الرسول العظيم برنابا، ابن هذا الشعب، والتلميذ الشغوف بيسوع، ومُبشِّر الإنجيل الشجاع، الذي وبمروره بين الجماعات المسيحية الناشئة، رأى نعمة الله في العمل وابتهج "وحَثَّهم جَميعًا على التَّمَسُّكِ بِالرَّبِّ مِن صَميمِ القَلب". 


آتي بالرغبة عينها: أي لكي أرى نعمة الله تعمل في كنيستكم وفي أرضكم، ولكي أبتهج معكم بالعظائم التي يعملها الرب، وأحثكم ​​على المثابرة على الدوام، بدون أن تتعبوا وبدون أن تثبط عزيمتكم أبدًا.


أضاف: أنظر إليكم وأرى غنى تنوعِّكم. أحيي الكنيسة المارونية، التي وصلت إلى الجزيرة عبر القرون في مناسبات عديدة، والتي إذ مرَّت غالبًا بمحن عديدة، ثابرت على الإيمان. عندما أفكر في لبنان، أشعر بقلق شديد حيال الأزمة التي يواجهها وأشعر بمعاناة شعب متعب يُرهقه العنف والألم. أحمل في صلاتي الرغبة في سلام يرتفع من قلب ذلك البلد. أشكركم على ما تفعلونه هنا في قبرص. 


لقد ورد ذكر أرز لبنان عدة مرات في الكتاب المقدس كنماذج للجمال والعظمة. ولكن الأرزة الكبيرة أيضًا تبدأ من الجذور وتنبت ببطء. أنتم هذه الجذور، التي زُرِعَت في قبرص لكي تنشر عبير وجمال الإنجيل. شكرًا!


تابع: كما أحيي الكنيسة اللاتينية، الحاضرة هنا منذ آلاف السنين، والتي شهدت مع مرور الزمن مع أبنائها نمو حماس الإيمان والتي تقدم نفسها اليوم، بفضل وجود العديد من الإخوة والأخوات المهاجرين، كشعب "متعدد الألوان"، مكان لقاء حقيقي بين اثنيات وثقافات مختلفة. إنَّ وجه الكنيسة هذا يعكس دور قبرص في القارة الأوروبية: أرض حقول ذهبية، جزيرة تداعبها أمواج البحر، ولكن وبشكل خاص تاريخ هو تشابك شعوب وفسيفساء من اللقاءات. هكذا هي الكنيسة أيضًا: جامعة، أي عالمية، وفسحة مفتوحة يتمُّ فيها قبول الجميع وتبلغهم جميعًا رحمة الله والدعوة إلى الحب. لا وجود ولن يكون هناك أبدًا وجود للجدران في الكنيسة الكاثوليكية: إنها بيت مشترك، ومكان للعلاقات، إنها تعايش الاختلافات.


أضاف: أود الآن أن أشارككم شيئًا يتعلق بالقديس برنابا، أخوكم وشفيعكم، من خلال كلمتين من حياته ورسالته. الأولى هي الصبر. نتحدث عن برنابا كرجل إيمان وتوازن عظيم، اختارته كنيسة أورشليم -ويمكننا أن نقول الكنيسة الأم- باعتباره الشخص المناسب لكي يزور جماعة جديدة، جماعة أنطاكية، المكونة من عدة أشخاص ارتدّوا حديثًا من الوثنية. 


لقد تم إرساله لكي يذهب ويرى ماذا كان يحدث هناك، مثل المستكشف تقريبًا. ووجد أشخاصًا قادمين من عالم آخر، وثقافة أخرى، وديانة أخرى؛ أشخاص قد غيروا حياتهم للتو وبالتالي يتحلّون بإيمان مليء بالحماس ولكنّه لا يزال هشًا. في كل هذا الموقف، إتّسم موقف برنابا بصبر كبير: إنه صبر الانطلاق باستمرار؛ وصبر الدخول في حياة أشخاص لم يكن يعرفهم من قبل؛ وصبر قبول الحداثة دون التسرُّع في الحكم عليها؛ صبر التمييز الذي يعرف كيف يفهم علامات عمل الله في كل مكان؛ وصبر "دراسة" ثقافاتٍ وتقاليد أخرى. 


إن برنابا يتمتّع بشكل خاص بصبر المرافقة: فهو لا يسحق الإيمان الهش للقادمين الجدد بمواقف صارمة وغير مرنة، أو بطلبات متطلبة جدًّا فيما يتعلق بالمحافظة على القوانين، بل يرافقهم ويمسكهم بيدهم ويحاورهم.


تابع: نحن بحاجة إلى كنيسة صبورة. كنيسة لا تسمح للتغييرات بأن تشوِّشها وتُزعزعها، بل تقبل الحداثة بسلام وتميز المواقف في ضوء الإنجيل. ثمين هو العمل الذي تقومون به في هذه الجزيرة، لاستقبال الإخوة والأخوات الجدد الذين يصلون من شواطئ أخرى في العالم: على مثال برنابا، أنتم أيضًا مدعوون لكي تُعزّزوا نظرة صبورة ومتنبِّهة، ولكي تكونوا علامات مرئية وصادقة لصبر الله الذي لا يترك أحدًا خارج البيت أو بدون عناقه الحنون. إنَّ الكنيسة في قبرص لها هاتين الذراعين المفتوحَتَين: تستقبل وتدمج وترافق. إنّها أيضًا رسالة مهمة للكنيسة في جميع أنحاء أوروبا، المطبوعة بأزمة الإيمان: لا يفيد الاندفاع والعدوانية ولا الحنين أو التذمُّر، وإنما من الجيّد أن نسير قدمًا ونقرأ علامات الأزمنة، وكذلك علامات الأزمة. 


وبالتالي من الضروري أن نبدأ مجدّدًا بإعلان الإنجيل بصبر، وخاصة للأجيال الجديدة. أودّ أن أقول لكم، أيّها الإخوة الأساقفة: كونوا رعاة صبورين في القرب، ولا تتعبوا أبدًا من البحث عن الله في الصّلاة، وعن الكهنة في اللقاء، وعن الإخوة من طوائف مسيحيّة أخرى باحترام واهتمام، وعن المؤمنين حيثما يقيمون. 


ولكم أيّها الكهنة الأعزّاء، أودّ أن أقول: كونوا صبورين مع المؤمنين، ومستعدين على الدوام لتشجيعهم، وكونوا خدّامًا لا يتعبون لمغفرة الله ورحمته. لا تكونوا أبدًا قضاة صارمين بل كونوا على الدوام آباءً مُحبّين. إنّ العمل الذي يقوم به الرّبّ في حياة كلّ شخص هو تاريخ مقدس: لنسمح له إذًا بأن يُشغفنا. 


إنَّ الصبر، في تنوّع شعبكم المتعدد الأشكال، يعني أيضًا أن يكون لكم آذان وقلوب لمختلف الحساسيات الروحيّة، ومختلف أساليب التعبير عن الإيمان وللثقافات المختلفة. إنَّ الكنيسة لا تريد المطابقة وإنما أن تدمج بصبر. هذا ما نرغب في أن نقوم به بنعمة الله في المسيرة السينودسية: صلاة صبورة، وإصغاء صبور في كنيسة مطيعة لله ومنفتحة على الإنسان.


أضاف: هناك في قصة برنابا جانب ثانٍ مهم أريد أن أسلِّط الضوء عليه: لقاؤه مع بولس الطرسوسي وصداقتهما الأخويّة، التي ستقودهما إلى عيش الرسالة معًا. بعد ارتداد بولس، الذي كان في السابق مضطهدًا عنيفًا للمسيحيين، "كانوا كُلُّهم يَخافوَنه غَيرَ مُصَدِّقينَ أَنَّه تِلْميذ".


 هنا يقول كتاب أعمال الرسل شيئًا جميلًا جدًّا: "أَخَذَ بَرْنابا بِيَدِه" وقدَّمه للجماعة، وروى ما حدث له، وكان الضامن له. لنصغِ إلى تلك الكلمات: "أخذ بيده" يشير التعبير إلى رسالة يسوع عينها، الذي أخذ معه التلاميذ على دروب الجليل، والذي أخذ على عاتقه بشريتنا التي تجرحها الخطيئة. 


إنّه موقف صداقة ومشاركة في الحياة. أن يأخذ المرء بيد شخص آخر وأن يأخذ على عاتقه يعني أن يتحمّل مسؤولية تاريخ الآخر، ويمنح نفسه وقتًا لكي يتعرّف عليه دون أن يصنفه، وأن يحمله على كتفيه إذا كان تعبًا أو جريحًا، على مثال السامري الصالح، هذا الأمر يسمّى أُخُوّة. وهذه هي الكلمة الثانية.


تابع: سافر برنابا وبولس، كأخوين، معًا ليبشرا بالإنجيل، حتى في وسط الاضطهادات؛ وفي كنيسة أنطاكية "أَقاما سَنةً كامِلةً يَعمَلانِ مَعًا وُيعَلِّمانِ خَلقًا كثيرًا". وكلاهما، بمشيئة الرّوح القدس، قد حُفِظا لرسالة أكبر و"أَبحَرا إِلى قبرص". وكانت كلمة الله تنمو ليس فقط بسبب صفاتهما البشرية، وإنما وبشكل خاص لأنّهما كانا أخوين باسم الله وهذه الأخُوّة جعلت وصية المحبَّة تسطع. 


ثم، كما يحدث في الحياة، حدث أمر غير متوقع، ويقول لنا كتاب أعمال الرسل أنَّ خِلافًا شديدًا وقع بينهما حتَّى فارَقَ أَحَدُهما الآخرَ. حتى الإخوة يتجادلون ويتخاصمون أحيانًا؛ ولكنَّ بولس وبرنابا لم ينفصلا لأسباب شخصيّة، وإنما لأنّهما تناقشا حول خدمتهما، وحول المضيِّ بالرسالة قدمًا، وكانت لهما رؤى مختلفة. 


كان برنابا يريد أن يصطحب معه مرقس الشاب في الرسالة، أما بولس فلم يكن يريد ذلك. فتجادلا. ولكن يظهر من بعض الرسائل اللاحقة لبولس، أنّه لم تبقَ بينهما ضغينة. وبالتالي كتب بولس لطيموتاوس، الذي كان عليه أن ينضم إليه لاحقًا: "عَجِّل في المَجيءِ إِلَيَّ مُسْرعًا [...] إِستَصحِب مَرقُس [هو نفسه!] وَأتِ بِه، فإِنَّه يُفيدُني في الخِدمَة". 


هذه هي الأخوّة في الكنيسة: يمكننا أن نتناقش حول الرؤى والحساسيات والأفكار المختلفة. وفي بعض الحالات، قد يساعدنا قول الأمور كما هي بجرأة وصراحة لأنها فرصة للنمو والتغيير. لكن لنتذكر على الدوام: نحن لا نتجادل لكي نقيم حربًا بيننا، ولا لكي نفرض ذواتنا، وإنما لكي نظهر ونعيش حيويّة الرّوح القدس، التي هي حبّ وشركة. نحن نتجادل، لكنّنا نبقى إخوة.


أضاف: نحن بحاجة إلى كنيسة أخويّة، تكون أداة أخوّة للعالم. يوجد هنا في قبرص العديد من الحساسيات الروحية والكنسيّة، وقصص عديدة لأصول وطقوس وتقاليد مختلفة؛ ولكن لا يجب أن نشعر بالتنوع كتهديد للهوية، ولا يجب أن نشعر بالغيرة والقلق على المكان الذي يشغله كلّ واحد منا. 


إذا وقعنا في هذه التجربة، يزداد الخوف، والخوف يولد عدم الثقة، وعدم الثقة يؤدي إلى الشّك، ويحمل عاجلًا أم آجلًا إلى الحرب. نحن إخوة يحِبُّنا أب واحد. وجميعكم يحدُّكم البحر الأبيض المتوسط: بحر قصص مختلفة، وبحر احتضن ونمّى حضارات عديدة، وبحر لا زال حتى اليوم يصل منه أشخاص وشعوب وثقافات من جميع أنحاء العالم. 


وبالتالي بأخُوَّتكم يمكنكم أن تذكّروا، وأوروبا بأسرّها، أنّه من أجل بناء مستقبل يليق بالإنسان، من الضروري أن نعمل معًا، ونتخطّى الانقسامات، ونحطّم الجدران، ونعزز حُلم الوحدة. نحن بحاجة لأن نقبل بعضنا البعض وندمج بعضنا البعض ونسير معًا لنكون جميعًا إخوة وأخوات!


وخلص البابا فرنسيس إلى القول: أشكركم على ما أنتم عليه وعلى ما تقومون به، وعلى الفرح الذي به تُعلنون الإنجيل، وعلى الجهود والتّضحيّات التي بها تعضدونه وتجعلونه يتقدم. هذه هي الدرب التي رسمها الرسولان بولس وبرنابا. أتمنى لكم أن تكونوا على الدوام كنيسة صبورة، تميِّز وترافق وتدمُج، وكنيسة أخوية، تفسح المجال للآخر، تناقش ولكنّها تبقى متّحدة. أبارككم، ومن فضلكم استمرّوا في الصّلاة من أجلي!