الفاعلية السياسية المفقودة

أحمد ناجي - اليمن - تعددية

على خلاف ما يجري تداوله، لا يبدو الجيل الجديد من الشباب بعيدًا عن التفاعلات السياسية التي تشهدها المنطقة. فبمجرد الاطِّلاع على النقاشات العامة والحوارات المختلفة في مواقع التواصل الاجتماعي، نجد حجم الانخراط الناشط للأفراد في قضايا المجال العام. 



لكن المفارقة أن هذا التفاعل يقابله تضاؤل متزايد للتمثلات السياسية المختلفة على أرض الواقع. فالأحزاب والكيانات السياسية التي ازدهرت في العقود الماضية يمر كثير منها اليوم بأضعف حالاته، لناحية قدرتها على استيعاب هذا الانخراط السياسي المتزايد، بسبب طبيعة التحديات التي تعيشها المنطقة. فلم تعُد الحالة الحزبية اليوم غير قادرة على تجديد نفسها فحسب، بل وأصبح الكثير من الأفراد يرون في إعلان التنصل منها ذريعة للنجاح في المجال السياسي.


"أنا لست حزبيًّا"، "كل الأحزاب السياسية سيئة"، "أنا مستقل سياسيًّا"، إلى آخر ذلك من العبارات التي باتت تُسمع اليوم في الحوارات والنقاشات السياسية بين فئة الشباب. تخبرنا هذه العبارات عن تحوُّل لافت تعيشه المجتمعات العربية في الآونة الأخيرة، في علاقاتها بالمجموعات السياسية في المجال العام، وتُلخِّص نزعةً صَوب العزوف الحزبي أو الانتماء السياسي للكيانات، التي شُكِّلت في عقود ماضية في ظروف تختلف بالكلية عن الواقع الذي نعيشه اليوم. لقد باتت ظاهرة إعلان عدم الانتماء السياسي ميزة يتباهى بها الأفراد، بل إن بعضهم قد يتفق مع رؤى بعض الأحزاب السياسية، لكنه يجد في الانتماء إشكالية قد تؤثر في تفاعله ونشاطه السياسي.


لطالما لعبت الأحزاب السياسية دورًا أساسيًّا، في تحويل مجموع ناشطيها الأفراد إلى تيار يسهم في صياغة المشهد العام، إما من خلال الحكم أو المعارضة. كانت الأحزاب بوابة التأهيل السياسي للأفراد، وعبْرَها انتقل الكثير من الناشطين/ات والمفكرين/ات صوب الفعل السياسي. لقد أثر الحراك الحزبي في إنتاج وعيٍ سياسي مُتنامٍ في أوساط المجتمع، وقدَّم إجابة منطقية -ولو من الناحية النظرية- عن السؤال: "كيف يمكن إحداث التغيير؟". اليوم مع الواقع الصعب الذي تشهده المنطقة، تبدو الأحزاب السياسية في مرحلة العجز، ومعها تبدو جميع مقارباتها غير مقبولة لدى المجتمع.


هذا الجمود الحزبي لم يأت من فراغ. بل كان نتيجة حتمية لجملة من الأسباب، أولها: الدكتاتورية المتفشية في بُنية الأحزاب، التي أغلقت الطريق أمام بروز ديمقراطية حقيقية داخل كيان هذه الأحزاب، والتي حولت الكثير من الأحزاب من كيانات مؤسسية إلى كيانات فردية مرتبطة بقادتها أو بسُلالتهم. هذا المنطق الوراثي في قيادة الأحزاب أدى إلى انسداد المشاركة السياسية؛ إذ أصبح كل كيان سياسي مُجيَّرًا للزعيم الفرد فقط.


أما ثاني هذه الأسباب فهو الأيديولوجيا العميقة، سواءٌ دينية كانت أو وضعية، كالقومية وغيرها، والتي حولت الكثير من الأفراد إلى آلات، مهمتها التنفيذ لا التفكير. وأصبح رموز الأيديولوجيا داخل هذه الأحزاب، يمارسون نوعًا من الإدارة الثيوقراطية (الحُكم الإلهي أو الديني) في ممارستهم الحزبية. لم يساهم هذا الأمر في مغادرة الكثيرين/ات لأحزابهم، بل بدت الممارسة الحزبية فِعلًا لا يرتبط بالعقل الخلَّاق، القادر على ابتكار الحلول ووضع البرامج. أما السبب الثالث، فهو أن معظم الأحزاب السياسية بدت كما لو أنها مصمَّمة للكهول والشيوخ من الأفراد، لا مساحات كافية تستوعب الناشطية الشبابية. وإن وُجدت لدى بعض هذه الكيانات، فهي ليست سوى أدوات ترى في الشباب مستهلِكين/ات لأفكار الحزب، لا صانعين/ات لها. 


هذا الانسداد الحزبي لم يحوِّل الانتماء السياسي إلى قضية سيِّئة الصيت عند بعضهم فحسب، بل ساهم في عزوف الأفراد عن الانخراط في كل ما له صلة بالمشهد العام، كالمشاركة في الانتخابات والنقابات، وغيرها من المبادرات التي تؤطِّر فعل المشاركة السياسية. يكفي أن ننظر إلى حجم المشاركة في الانتخابات في البلدان، التي ما زالت مجتمعاتها تشهد هذه الأداة الديمقراطية بمعزل عن مستوى شفافيتها.


في العراق والمغرب والجزائر انخفضت مستويات المشاركة في آخر مواسمها الانتخابية بصورة كبيرة، خصوصًا في أوساط الشباب. في موازاة ذلك، خسرت الكثير من الأحزاب التقليدية، وبرزت الشخصيات القادمة من خارج أسوار الأحزاب، التي باتت تُمثِّل حالة من الشعبوية، بوصفها رد فعل على عقم الحالة الحزبية، وضعف مقاربتها الإصلاحية للمجال العام.


أمام هذه الظاهرة، تبقى أهمُّ قضية هي كيفية كسر احتكار الفعل السياسي الفردي أو الفئوي، وكيف يمكن خلق بدائل تستوعب الناشطية الشبابية المتزايدة، وتَقُودها نحو التغيير في الواقع، بالإضافة إلى تأطير الوعي السياسي لدى الأجيال الجديدة في إطار مبادرات جماعية تخرج الوعي السياسي من دائرة النقاشات العفوية إلى ميادين الواقع.