توحيد الأديان وتوحيد الإنسان

عامر الحافي - تعددية

النظر إلى الأفكار والمعتقدات الدينية جميعِها باعتبارها صحيحة ولا تَقبل الاختلاف، يتعارض وطبيعةَ المعرفة البشرية التي تُراوح بين الخطأ والصواب؛ إذ المعرفة لم تولد مرة واحدة، وإنما مرّت بمراحل مختلفة، امتزجت فيها حاجات الإنسان المادية بهواجسه النفسية وأشواقه الروحية. وهنا، ندرك أهمية دراسة تاريخ الأفكار، ومراحل تحوُّراتها، وأثرها في تطور المعرفة البشرية.



من الضروري النظر إلى المعرفة باعتبارها شجرة واحدة، وعدمُ التوقف عند التقاط بعض ثمارها، بعيدًا عن تنوع الأغصان أو انحناءات الجذور الممتدة في رحم الأرض الرطبة، وما تحويه من موادَّ أوليَّةٍ تتغذى بها بعيدًا عن أعين الناس.


تنطوي العلاقة الرشيدة بين أتباع الأديان على تدافع فكري مستنير، يسعى وراء "الإيمان الأكمل" في تمثلاته الممكنة، التي لا ينخلع الإنسان فيها من بشريته.


تبدو فكرة "توحيد الأديان" فكرة مثالية أمام الواقع التفسيخي لأَتْباع كثير من الأديان، الذين تتخطفهم النزاعات والانشقاقات الداخلية، ولا يجدون سبيلًا إلى الوحدة بين أَتْباع ملتهم. فكيف لمن لا يدرك قيمة التنوع في الوحدة، أن يدرك معنى الوحدة في التنوع؟ وهنا يمكن القول: إن سذاجة الشعور بالاستحواذ على الحقيقة الدينية، لا تختلف عن سذاجة مقولة "توحيد الأديان". فكِلا الشعورَيْن يعبِّر عن انفعال طفولي، لا يدرك قيمة التنوع وفلسفة الاختلاف.


ذهب الغزالي إلى أن مقاصد الشرائع تقوم على حفظ: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. واعتَبر تلك المقاصد حاضرة في جميع الملل والشرائع، التي أريدَ بها إصلاح الخلق. وأمام هذا التقدم الفكري الإسلامي الذي استوعب روح الشرائع وغاياتها، يمكن للعقل المَقاصدي التفكير في غايات عامة للأديان، تستوعب نشأة الأديان ودوافعها العميقة في النفس البشرية، في ضوء التطورات الكبيرة في علم النفس الديني، وغيره من العلوم الاجتماعية المعاصرة.


لا بد للفكر الإسلامي المعاصر من استثمار العمق المعرفي للقرآن الكريم، والذي نجده يؤسس لثلاث غايات كلّية لترشيد التعددية الدينية، وهي: الإيمانُ بالله، وباليوم الآخر، والعملُ الصالح (راجع: سورة البقرة، الآية 62). وفي سياق آخر، نجد القرآن يجمع تلك الغايات في غاية واحدة، وهي "غاية الغايات": {قُلْ يا أهل الكِتاب تَعالَوْا إلى كَلِمةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألَّا نَعْبُد إلَّا اللهَ ولا نُشْرِكَ به شيئًا} [آل عمران: 64]. ولم يقتصر سعي القرآن على الالتقاء على "كلمة سَواء" مع أهل الكتاب، وإنما نجده يشمل أَتْباع الأديان غير الكتابية، كما في قوله تعالى: {ولَئِنْ سألْتَهُم مَن خَلَق السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ} [الزُّمَر: 38].


تتداخل العلاقة بين الوحدة والاختلاف في التكوين الطبيعي للكائنات جميعها، ولا يَخرج الفكر الديني الإنساني عن هذه العلاقة الجدلية. وهذا نجده حاضرًا بقوة عند الفيلسوف الصيني "لاوتسي"، كما في قوله: "مِن الوجود وعدم الوجود خرج كلُّ موجود... مِن النقص يَخرج الكمال، مِن المُعْوَجِّ المستقيمُ".


ليس مستغرَبًا أن يَغلب التشابه والاتفاق على التباين والاختلاف في عموم الشأن البشري، خاصة لمن يؤمن بوحدة الخالق ووحدة التكوين والفطرة البشرية. لكن ذلك لا يعني توحيد الأديان بقدر ما يعني توحيد الإنسان. إن دراسة الأديان، والبحث عن المشتركات والجوامع بين أَتْباعها، لا يعنيان إدماج الأديان وصهرها في بوتقة واحدة، وخاصة عندما تكون دوافع ذلك الإدماج نابعة من مصالح سياسية طارئة.


في مقابل النقد المعرفي لمقولة "توحيد الأديان"، لا بد من نقد الأحكام التكفيرية، التي تتخذ من تلك المقولة ذريعة لتكفير الصوفية، وكذلك لتكفير المفكرين المنشغلين بالحوار بين أَتْباع الأديان. أيضًا نجد ذلك في تكفيرهم لمُحْيِي الدين ابن عربي، بذريعة ما ورد في بعض أشعاره:


لقد كنتُ قبل اليوم أُنْكِر صاحبي   إذا لم يكن دِيني إلى دِينِه داني

لقد صار قلبي قابلًا كلَّ صورةٍ       فمَرْعًى لِغِزْلانٍ ودَيْرٌ لِرُهبانِ

وبَيتٌ لأوثانٍ وكَعْبةُ طائفٍ            وألواحُ تَوراةٍ ومُصحفُ قرآنِ

أَدِينُ بدِين الحُبِّ أنَّى توَجَّهَتْ       ركائبُه، فالحُبُّ دِينِي وإيماني           


فابن عربي يتحدث كشاعر يعيش حالة وجدانية انفعالية، على غرار حالة العاشق الذي يرى محبوبته في كل شيء يحيط به. وهذا لا يختلف عن قول أبي بكر الشبلي: "الصوفي لا يرى في الدارَين مع االله غيْر الله". فالحديث في وحدة الأديان بصفتها مفهومًا وجدانيًّا، يستشعر "وَحْدة الشهود" الدالة على وَحْدة المعبود، يختلف عنه بصفتها مفهومًا عقَدِيًّا يخلط الغثَّ بالسمين.


إن الطبيعة الوجدانية للإيمان، تجعل من الإحاطة به أمرًا متعذِّرًا على كل ذي بصيرة. فالاختلاف سيبقى قائمًا ما دام الإنسان هو الإنسان. والدعوة إلى توحيد الأديان، هي دعوة إلى إنهاء الاختلاف. وهذا يمثل إغلاقًا لسبل التفكير والتعارف، وغفلةً عن حكمة خلق الله للناس شعوبًا وقبائل.