الحركة المسكونيّة: إرث كنسيّ تاريخيّ وعرّاب للوحدة المسيحيّة على مرّ الأجيال

مجلس كنائس الشرق الأوسط

كيف بدأت الحركة المسكونيّة؟ وما هي أبرز المحطات التاريخية التي مرّت بها؟



هي بارقة أمل في خضمّ بحر من الأزمات والإنقسامات، حركة لطالما دعت إلى تقبّل الآخر والإعتراف بغنى التنوّع بين مختلف العائلات الكنسيّة في عالم منغمس بخطاب الكراهيّة والعنف والعداوة... هي الحركة المسكونيّة، نمط حياة مرتكز على الصّلاة والتوبة والتآزر من أجل إستعادة الشّركة والوحدة بين جميع المسيحيّين.


حركة تختلف عن سائر الحركات والجماعات، هدفها بناء الجسور وتقريب المسافات ووجهات النظر بين مختلف الكنائس وفتح آفاق للتبادل الفكريّ والنقاش اللّاهوتيّ، علّها تسهم في الوصول إلى عالم تسود فيه العدالة وقيم المحبّة والتعاضد والأخوّة...


شهدت الحركة المسكونيّة وما زالت على مبادرات عدّة سعت إلى ترسيخ الإيمان المسيحيّ وتعزيز الرّوابط بين كلّ التقاليد المسيحيّة. على سبيل المثال يصلّي المسيحيّون من أجل وحدتهم خلال "أسبوع الصّلاة من أجل وحدة المسيحيّين" الّذي ينطلق بعد أيّام حيث يُحتفل به في محطّة تاريخيّة تمتدّ بين 18 و25 كانون الثّاني من كلّ سنة.


تكمن الحركة المسكونيّة بالتّالي في إكتشاف حقيقة ما يريده سيّدنا يسوع المسيح أن يصبح مهمًّا في كنيسته، فهو الّذي قال "لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي" (يو 17: 21).


كيف بدأت إذًا الحركة المسكونيّة؟ وما هي أبرز المحطّات التاريخيّة الّتي مرّت بها؟

 


جهود تاريخيّة في سبيل الوحدة

في الواقع عاشت الكنيسة على مرّ العصور في حقبات مختلفة أدّت بشكل وبآخر إلى زعزعة العلاقات بين المسيحيّين ممّا أدى إلى نشوب إنشقاقات في ما بينهم ليصبحوا منقسمين إلى أربع عائلات كنسيّة وهي الأرثوذكسيّة، الأرثوذكسيّة الشرقيّة، الإنجيليّة والكاثوليكيّة. 


إلّا أنّ مساع عدّة حاولت تحقيق الوحدة من جديد في ما بينها لاسيّما في بداية القرن العشرين حيث أبصرت الحركة المسكونيّة الحديثة النّور لتسهم في تقريب وجهات النظر بين الكنائس عبر الحوار اللّاهوتيّ.


البداية كانت عام 1908 حيث إنطلق "أسبوع الصّلاة من أجل وحدة المسيحيّين" في نيويورك مع الأب بول واتسون ليصبح اليوم محطّة مسيحيّة منتظرة سنويًّا علّها تشفي غليل المسيحيّين الّذين لطالما عطشوا إلى هذه الوحدة. 


أمّا عام 1910 فكان مفصليًّا إذْ عُقد مؤتمر الإرساليّات الإنجيليّة في العالم ونُشأت عقبه الحركة المسكونيّة الحديثة عبر حركة "الحياة العمليّة" ولجنة "إيمان ونظام"، ليبدأ تنظيم المؤتمرات واللّقاءات العالميّة من أجل تحقيق الأهداف المرجوّة.


بعد 10 أعوام، أطلق غبطة البطريرك المسكونيّ جرمانوس سترنوبولوس عام 1920 نداء يهدف إلى تحقيق الشّراكة المسيحيّة من أجل التعاون والشّهادة المشتركة. وبدوره سعى الأب كوتورييه إلى تعزيز الرّوح المسكونيّة والصّلاة والتوبة حيث عمل عام 1935 على إعادة صياغة الصّلاة من أجل الوحدة.


أمّا عام 1948 فشهد محطّة مسكونيّة ذهبيّة تجلّت بتأسيس مجلس الكنائس العالميّ في أمستردام ليأخذ في جنيف مقرًّا رئيسًا له من أجل ترسيخ الحركة المسكونيّة، لتنضمّ إليه كلّ الكنائس الأرثوذكسيّة عام 1961. 


وبين الأعوام 1962 و1965 إجتمع المجمع الفاتيكانيّ الثّاني وأثنى على ما قامت به سائر الكنائس في سبيل الوحدة وأكّد على إلتزام الكنيسة الكاثوليكيّة بالحركة المسكونيّة. تُرجم ذلك في القرار المجمعيّ وإنشاء "أمانة سرّ وحدة المسيحيّين" الّتي أصبحت "المجلس الحبريّ للوحدة المسيحيّة".


عام 1974 حمل أيضًا محطّة ذهبيّة مشرقيّة تجلّت بتأسيس مجلس كنائس الشرق الأوسط الّذي أصبح المنظّمة المسكونيّة الإقليميّة الّتي تجمع الكنائس في الشّرق حول شهادة مسيحيّة مشتركة. هذه المنطقة الّتي ولد فيها المسيح وترعرع وقام من بين الأموات.


مساع كنسيّة مسكونيّة

إلى جانب المحطّات التاريخيّة المسكونيّة عُقدت عقب هذا المجمع الفاتيكانيّ لقاءات وحوارات مسكونيّة عدّة سعت أيضًا إلى الوحدة المسيحيّة. عام 1980 إنطلق مثلًا الحوار الكاثوليكيّ–الأرثوذكسيّ حيث حقّق نجاحًا كبيرًا حتّى عام 1993. لكنّه عاود نشاطه منذ عام 2006 لتتمحور دراساته حول الأسرار في حياة الكنيسة والخدمة الكهنوتيّة ودور السّلطة.



كذلك أحرز الحوار اللّوثري–الكاثوليكيّ تقدّمًا مسكونيًّا لاسيّما وأنّه تمكّن عام 1999 من إبرام إتّفاق يرتكز على الإيمان بالرّبّ المخلّص والوسيط الوحيد بين الله والإنسان يسوع المسيح. أمّا عام 1991 فبعد إتفاق رعويّ بين بطريركيّتي أنطاكية للرّوم الأرثوذكس والسّريان الأرثوذكس شدّد على "أنّنا ننتمي إلى إيمان واحد، وإن كان التاريخ قد أبرز وجه إنقسامنا أكثر من وجه وحدتنا".


عقب عامين، أصدرت الهيئة اللّاهوتيّة المختلطة بين الكنيستين الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة عام 1993 وثيقة البلمند الّتي تُعنى أيضًا بالشّؤون المسكونيّة. 


وعام 1996 وُقّع أوّل إتّفاق رعويّ يتطرّق إلى إنتماء الأطفال إلى كنائس الآباء وتنظيم المناولة الإحتفاليّة في الرّعايا وليس في المدارس تجنّبًا لحدوث أي إختلافات، إضافةً إلى العمل على صياغة تعليم مسيحيّ مسكونيّ للمدارس. 


أمّا عام 2008 فُعقد الحوار الأرثوذكسيّ الشّرقيّ – الكاثوليكيّ في حلقته الرّابعة في معرّة صيدنايا، سوريا، بضيافة الكنيسة السّريانيّة الأرثوذكسيّة، الّتي عُرضت خلالها مسألة الشّراكة والكنيسة بصفتها شركة.


هذا كان على صعيد الكنائس وقادتها أمّا بالنّسبة للشّبيبة فلا بدّ أخيرًا من الإشارة إلى أنّ معظم الشّباب اليوم يحتاجون إلى تنشئة مسكونيّة توضح لهم أهميّة الحركة المسكونيّة وأهدافها كي يتمكّنوا بالتّالي من إتّخاذها نمطًا في حياتهم لتعزيز الرّوابط المسكونيّة وبناء جسور الوحدة في ما بينهم.


لذا تمّ تأسيس حركات شبابيّة مسكونيّة عالميّة ومشرقيّة تهدف إلى ترسيخ الرّوح المسكونيّة لدى هذه الفئة العمريّة كي يعمل الشّباب بدورهم على نقل هذا الإرث المسكونيّ من جيل إلى آخر. عالميًّا نذكر على سبيل المثال الإتّحاد العالميّ المسيحيّ للطلبة الّذي تأسّس عام 1895 وله إقليمًا في الشرق الأوسط، وجماعة تيزي المسكونيّة الّتي أُنشأت عام 1940... مشرقيًّا نذكر مثلًا حركة الشّبيبة المسكونيّة الفلسطينيّة، واللّجنة المسكونيّة الفلسطينيّة في مصر، ولجنة الشّباب المسيحيّ العراقيّ الّتي أبصرت النّور عام 2004.