الأب فادي ضو يكتب: الأزمات الخلاقة

الأب فادي ضو - تعددية

أصبحت مقولة الفيلسوف والمناضل الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937) عن "الأزمة"، من أشهر الاقتباسات المستعمَلة في تعريف هذا المفهوم، إذ يقول: إن الأزمة هي هذه اللحظة التي يندثر فيها العالَم القديم، في حين يتأخر العالَم الجديد في ظهوره. ويحدّد غرامشي أنه في لحظة "النور المظلم" الانتقالية هذه، تَخرج الوحوش وتقع العديد من الأخطاء والعذابات.



قد تصحّ أحيانًا وبشكل نسبي مقولة غرامشي في سياق الثورات والتحوّلات السياسية الكبرى، وهذا هو أصلًا الإطار التاريخي لفكرته. لكن برأيي، لا يصحّ تطبيق هذا المفهوم على الحياة ومختلف شؤونها بشكل عام. 


فالحياة ومسارها التاريخي لا يتشكّلان من تَتالي أنظمتها ومقارباتها، ولا الأزمات تَحضر دومًا بفعل الفراغ الحاصل بين موت القديم وولادة الجديد، بل بالأحرى تتأتَّى الأزمة من تزامُن هذه الحقائق المختلفة والمتضاربة أحيانًا. 


لذلك، من الأجدر أن نفهم الأزمة بمعناها الوجودي، لا بكونها اللحظة الانتقالية التي تقع بين موت القديم وانتظار ظهور الجديد، بل هي اللحظة التي يتزامن فيها القديم مع الجديد، وما يترتّب على ذلك من صعوبة في استيعاب هذا الواقع والتعامل معه بنجاح.


من السذاجة إذًا بمكان، أن ننظر إلى الحياة على اعتبار أنها خط مستقيم، وأن نسعى لوضع مكوّناتها على هذا الخط، محدِّدِين ما هو قديم وقد اندثر، وما هو جديد وقد انبثق مُلْغِيًا ما سبقه، وقائدًا وحده الحياة ومسارها التاريخي. وعندما يصطدم بعضهم بحقيقة استمرار ما يسمونه "القديم" في الوجود، يتعاملون مع ذلك بكونه من الآثار والبقايا التي هي حُكمًا في طَوْر الزوال. 


مؤسف أن نرى إلى أي حدّ يطبّق الناس هذه المقاربة في حياتهم اليومية، ورؤيتهم لأبعادها المختلفة، حيث يصبحون في حالة من النكران أو الوهم، أمام واقع استمرار "القديم" وتَزامُنه مع الـ"جديد"، رافضين أن يروا أنّ القديم غالبًا ما يكون جزءًا مكوِّنًا للجديد، مع استمراره في الوجود إلى جانبه.


لقد أظهر علم الفيزياء في القرن العشرين، أهمية الاعتراف بتزامن النظريات التي تساعدنا على تفسير الوجود وفهمه، وليس الاعتراف بإلغاء الواحدة لسابقاتها. 


فاكتشاف أينشتاين لنظرية النسبيّة، أظهر أن نظرية نيوتن لعلم الفيزياء الكلاسيكية لم تعد كافية لتفسير كل شيء، ولكن أكدّت حاجة الثانية إلى الأولى لمقاربة أشمل للوجود. 


ومِن ثَمَّ ظهرت نظرية الفيزياء الكَمُّوميَّة (quantum)، التي بدورها وسّعت مجال المعرفة الفيزيائية دون أن تُلغي سابقتَيها، لا بل أكّدت الحاجة إليهما.


ماذا لو طبّقنا ذلك على المسائل المرتبطة بفلسفة الحياة، مثل الأديان والأخلاق؟ تختلف النظرة كثيرًا إنْ وضعنا الأديان على مسار تاريخي مستقيم، حيث كل دين يلغي ما سبقه من الأديان، أو إنْ نظرنا إلى الأديان بصفتها مسارات متزامنة، حتى متداخلة. 


وتختلف أيضًا أزمتُنا مع التعددية الدينية في كلتا الحالتين. في السيناريو الأول، تُلغي مثلًا المسيحيةُ اليهوديةَ؛ إذ تَحلّ مكانها وتُكمّل ما نقص فيها. لقد اعتمَدَت بالواقع الكنائسُ المسيحية هذا الموقفَ الإلغائيَّ من اليهودية؛ ما أسهم في تفشي العداء للساميَّة والجرائم المرتبطة به، إلى حين مراجعة هذا الموقف اللاهوتي والتخلّي عنه، والاعتراف باليهودية بصفتها ديانة مستمرة بالتزامن مع المسيحية. 


هذه المراجعة في الفكر المسيحي أدّت أيضًا إلى اعتراف بعض الكنائس المسيحية بالأديان التي أتت من بعد المسيحية، ومن بينها الإسلام؛ ما عزّز الحوار بين الأديان، ووضع له أسسًا متينة.


المسألة تنطبق أيضًا على الإسلام. ففي المقاربة الإلغائية، قد يَعُدّ المسلمون أهلَ الكتاب -كاليهود والمسيحيين- مؤمنين حتى مجيء الإسلام، وكفّارًا من بعده. أمَّا وفْق السيناريو الثاني الذي يقول بتزامن الحقائق، فيَقبل المسلمون أن أهل الكتاب لا يزالون بعد الإسلام من المؤمنين، مع الاختلاف معهم في المعتقدات. 


ففي السيناريو الأول، تكمن الأزمة في التعامل مع القديم وتبرير "مَوتِه"، رغم استمراره في الوجود. يَنتج من ذلك مواقفُ دينية تكفيريّة تَنْكبّ على وضع النظريات التي تدحض الأديان الأخرى. أمَّا في الموقف الثاني، فتَكمن الأزمة في إيجاد السبل اللاهوتية إلى الاعتراف بالتعدّدية الدينية، والتعامل معها باعتبارها جزءًا مكوِّنًا للواقع الديني.


دعا الفيلسوف الألماني كانت (1724-1804) العلماء إلى التواضع، عبْر نقده للفكر النظري، وإشارته إلى صعوبة الولوج في الحقائق الماورائية بشكل مجرّد. 


وأصبحت منذ ذلك الحين مصداقية الفكرة، ترتبط أيضًا بالبُعدَيْن العملي والأخلاقي المُتأتِّيَين عنها. يُذكّر ذلك بالدعوة في القرآن الكريم إلى استباق الخيرات والتنافس في التقوى، بدل الجدال الإلغائي للآخر، إذ جاء فيه: {ولَوْ شاء ربُّكَ لَجَعل الناسَ أُمّةً واحدة ولا يَزالون مُختَلِفِين} [هود: 118].


في الخلاصة، بدل النظر إلى الأزمة على اعتبار أنّها هذا "النور المظلم" بين الموت والحياة، ومَسكن الوحوش والعذابات، من الأجدر أن ننظر إليها على اعتبار أنّها تجربة وُجودية إيجابية، أو تَحدٍّ خَلَّاقٌ للفكر والعمل والأخلاق، تَدفعنا إلى التعامل مع المسارات المتزامنة، معترفين باختلافها وتَداخُلها، وإلى التحرّر مِن جعل أنفسِنا مقياسَ الحقيقة والحياة.