في عيد مار مارون... كلام هادىء في الهوية والإنتماء

حبيب افرام

هذا الشرق لن يفهم، لا حكّامه لا أنظمته لا نخبه لا إعلاميّوه، أن الهويّة لا تُفرض، ولا تصدر بمرسوم ولا بقرار ولا غصبا ولا قمعا ولا بالقوة .



الهويّة أنتَ. أنت وحدك من تقرر من أنتَ. قوّميتك أثنيتك لغتك الأم. وهذا الشرق، في صميم وتاريخ تكوينه، متنوّع متعدد، قوميّا إثنيّا طائفيا ومذهبيا، حتى قبل إعلان الدول الحديثة.


واحدة من أزماتنا العميقة أننا لم نحسن إدارة التنوع، ولا الإعتراف به، ولا بمساواة المواطنين، وإحترام خصوصياتهم، ومشاركتهم في صناعة القرار الوطني .


حتى في لبنان، بقيت هذه الثقافة هامشية شكلية، قشورا نتغنى بها في مواسم العزّ، لكن في الحقيقة، كان النظام عنصريا عشائريا يفاضل بين أبنائه على أساس العدد و البنادق، فكان هناك دائما طوائف تحتكر الرئاسات والوزارات والإدارات وطوائف لا تعطى حتى فتاتا.


وما ميّز لبنان، رغم هذا، أنه كان مساحة حرية، والحضور المسيحي الحرّ الفاعل في السلطة دون ذميّة ودون منّة، ما حوّله الى واحة ما، والى نموذج حضاري ذبحته ممارسات نفاق .


وهكذا، فنحن نقدّس كل رأي حتى لو خالف رأينا، ونعرف أن في عمق كيان لبنان أكثر من توّجه فكري ثقافي، بعضه إلغائي، وبعضه دكتاتوري، لكن أسوأ ما قد يصيبنا أن نتّهم شركاء لنا بعبارات مشينة بعيدة عن الحقيقة والثوابت.


أنا السرياني اللبناني المشرقي، ابن هذا التراث الضارب في الحضارة، وإبن المعاناة، أحمل صليب الألم على ظهري، منذ البشارة، وآثار مجازر "سيفو" في أعناق أجدادي منذ أوائل القرن الماضي، وندوب "داعش" في بلاد ما بين النهرين في الزمن الحديث، أرفض مطلقاً أن يقارنني أحد بالجلاّد، انا الضحية في الشرق، أنا المذبوح، أنا لا أتخيّل ولا أروي أحداثًا.


أنا حلمي شرق حريات. مع الكل، ليس ضد أحد، لا في حلف أقليّات، ولا في ظلم أكثريات!


شرق فيه كرامة إنسان، كل إنسان، وفيه كرامة جماعات، كل جماعة. وأولهّا ألاّ يفرض عليها أحد لا قوميته ولا لغته ولا تراثه، بل يقبل فضاء حريات.


أما وأننا في تحت التحت، في وطن إنهار إقتصاديا، ماليا، ثقافيا، فكريا وسياسيا، وصار بحاجة الى أعجوبة، خاصة وأن "داعش" يعيد إنتاج نفسه، أو يعيدونه، في سوريا و العراق، ويلحق به ضمة من شباب لبنان.


أما وأننا ندفع نحن دائما من دمنا مذابح وتهجيرًا، من خسارة الأرض ومن الغربة، فحريّ بنا أن نتوقف عن شحذ السكين ضدّ أخوتنا مراعاة لأحد أو تزلفا.


علنّا كلنا في لحظة صفاء، نرى نوراً ما يضيء على وطن معتم وعلى شرق حزين.


أنا بالدم سرياني آرامي أو أرمني أو كلداني أو آشوري، وفي الهوية والولاء. "لبناني كامل الأوصاف" 24 قيراطاً، ولبنان كوطن جزء من العالم العربي الذي ننتمي اليه، وهذه كلها هوّيات متراكمة.


وفي ذكرى مار مارون، قديسنا، يمكن لأي ماروني أن يقول أنه عربي أو «عوربي»، أو فينيقي أو مشرقي أو ما يظن أنه هو. هذا حقّه. ما يهم هو الذاكرة الجمعية التاريخية! ويبقى الأخطر الآن كيف نحافظ على بقايا وطن وشعب وحدّ أدنى من كرامة كل مواطن.