قضيّة "مسيحيي الشرق" في فرنسا: رهان انتخابي جديد أم موضوع قديم؟

فرانس24

برز موضوع مسيحيي الشرق كرهان انتخابي جديد في فرنسا. والدليل أن العديد من المرشحين في الانتخابات الرئاسية 2022، على غرار إريك زمور ومارين لوبان وفاليري بيكريس، أصبحوا يتحدثون في خطاباتهم عن هذه الفئة الدينية التي تعيش أوضاعا أمنية واقتصادية صعبة.



ولم يسبق أن حظي هذا الموضوع باهتمام واسع خلال الانتخابات الرئاسية التي عرفتها فرنسا في السنوات الماضية. فالمرشحون كانوا يركزون أكثر على قضايا الاقتصاد والمشاكل الاجتماعية التي يعاني منها الفرنسيون ومواضيع تدخل في إطار السياسة الداخلية لفرنسا.


لكن الحرب التي اشتعلت بين أذربيجان وأرمينيا في 2020 وفرار مئات من المسيحيين إلى أماكن أكثر أمنا جعل موضوع مسيحيي الشرق يعود فجأة إلى الواجهة السياسية الفرنسية ويستحوذ على انتباه بعض مسيحيي فرنسا الذين يصوتون في الانتخابات الرئاسية. 


ما جعل بعض المرشحين للانتخابات الرئاسية يهتمون، هم أيضا، بهذا الملف. فهل هذا الاهتمام حقيقي أم هو مجرد استرتيجية انتخابية لنيل أصوات مسيحيي فرنسا؟


الأكثر اضطهادًا في العالم

بالنسبة لإريك زمور (حركة الاسترداد)، الذي يدافع عن الحضارة المسيحية ومدى تأثيرها على تاريخ فرنسا الطويل، فهو يسعى إلى كسب أصوات الناخبين المسيحيين الفرنسيين الذين غالبًا ما يصوتون لصالح مارين لوبان أو لمرشح حزب "الجمهوريون" اليميني.


في 13 كانون الأول 2021، وفي خطوة منه لإظهار مدى اهتمامه بشؤون مسيحيي الشرق، قام زمور بزيارة إلى أرمينيا عبر من خلالها عن "تضامنه" مع مسيحيي هذا البلد.


وقال الصحافي السابق أمام جبل أرارات: "يجب على الناس أن يأتوا إلى هنا لفهم أسس وأصول حضارتنا المسيحية. فإذا كانت غير راسخة في ماضينا العريق، فلا يمكن أبدا أن نفهم ما يحدث لنا اليوم ولن نستطيع أن نخطط للمستقبل. أرمينيا لقنت لنا هذا الدرس".


وأضاف: "المسيحيون هم الأقلية التي تعرضت أكثر إلى الاضطهاد في العالم. فهم يتعرضون إلى القتل بالرغم من أنهم كانوا متواجدين على الأرض قبل الإسلام". 


واستطرد زمور، الذي لا يضيع أي فرصة للتحدث عن وضع مسيحيي الشرق والمسيحيين بشكل عام، لإدراكه أهمية المخزون الكبير من الأصوات عند هذه الفئة من الفرنسيين: "يتحدثون عن الأويغور، لكن هل هناك من يدافع عن الشهداء المسيحيين في الصين؟".


تضامن ومساندة

من جهتها، لم تترك فاليري بيكريس مرشحة حزب "الجمهوريون" منافسها في الانتخابات الرئاسية (زمور) يستحوذ بمفرده على موضوع مسيحيي الشرق. بل قامت هي الأخرى بزيارة إلى أرمينيا في 21 كانون الأول 2021 وعبرت عن "تضامنها" مع مسيحيي هذا البلد ومع جميع مسيحيي العالم الذين يعانون من الاضطهاد.


 وعبر زيارتها لأرمينيا، أرادت بيكريس أن تضرب عصفورين بحجر واحد: أولاً، تقديم الدعم المعنوي لمسيحيي الشرق. ثانيًا، بعث رسالة غير مباشرة للمسيحيين الفرنسيين مفادها أنها هي أيضًا تساند الجماعات المسيحية حيثما تواجدت، وبالتالي تستحق أيضًا أن يصوت لها مسيحيو فرنسا.


وخلال هذه الزيارة، قالت بيكريس: "مسألة مسيحيي الشرق هي في قلب التزاماتي الانتخابية". مضيفة: "عبرت عن تضامني مع سكان أرمينيا الذين عانوا الكثير من النزاع المسلح مع أذربيجان التي تتحمل مسؤولية اندلاع الحرب. 


يجب تعبئة أوروبا حول هذا النزاع. إنه ليس مجرد نزاع في منطقة القوقاز، بل هجوم على أوروبا وعلى مسيحيي الشرق وعلى أسس الحضارة الأوروبية".


ومثل زمور، تريد بيكريس استقطاب ناخبين مسيحيين فرنسيين جدد إليها وتعزيز القاعدة الانتخابية التي يتمتع بها حزب "الجمهوريون" والتي تتضمن عددًا كبيرًا من الناخبين المسيحيين. كما تسعى أيضًا إلى التصدي لخطاب زمور المبني على "الهوية الوطنية".


مضاعفة المساعدات المالية

كسب أصوات المسيحيين الفرنسيين في الانتخابات الرئاسية المقبلة رهان كبير بالنسبة لإيمانويل ماكرون الذي كشف هو أيضا عن اهتمامه بأوضاع مسيحيي الشرق ومما يعانوه من مصائب، خاصة في العالم العربي. 


الرئيس المنتهية ولايته عبر عن هذا الاهتمام في بداية شهر شباط الحالي عندما استقبل في قصر الإليزيه ممثلين لمسيحيي الشرق، كما عبر عن "تضامن" فرنسا داعيًا إلى "ضرورة فتح آفاق جديدة" لتحسين معيشتهم.


وبهذه المناسبة، قرر ماكرون مضاعفة المساعدة المالية التي تقدمها فرنسا للمدارس المسيحية في العالم العربي ومناطق أخرى من 2 مليون يورو سنويًا إلى 4 ملايين. لكن متتبعين للسياسة الفرنسية تساءلوا عن جدوى اختيار ماكرون هذا التوقيت بالذات للإعلان عن هذه المساعدة.


وقالت ألكسندرا تدور، أستاذة في علوم الاتصال والإعلام بجامعة "بول فاليري" بمدينة مونبولييه، جنوب شرق فرنسا، حول هذه المبادرة: "ماكرون أراد من خلال استقباله ممثلي مسيحيي الشرق، أن يبعث رسالة قوية للمسيحيين الفرنسيين قبل الإعلان عن ترشحه لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة"، مشيرة في نفس الوقت إلى "تنامي اهتمام مسيحيي فرنسا بشؤون وأمور مسيحيي الشرق، بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في الكثير من الدول العربية، كسوريا والعراق  وحتى في أوروبا".


وأضافت: "يجب قراءة رسالة إيمانويل ماكرون لمسيحيي الشرق على أنه هجوم مضاد على مرشحي اليمين واليمين المتطرف في الانتخابات الرئاسية الفرنسية. فهو يحاول تلميع حصيلته الرئاسية في وقت ازدادت فيه حدة الخطابات حول العلمانية من قبل اليمين المتطرف".


فهل ستنجح هذه الاستراتيجية الانتخابية التي رسمها بعض المرشحين، والمتمثلة في الدفاع عن قضايا وهموم مسيحيي الشرق في إقناع الناخبين الفرنسيين ذوي التوجه الديني المسيحي للتصويت لصالحهم، أم هل هي مجرد تلميحات مثل باقي المواضيع الأخرى التي تبرز في المواعيد الانتخابية ثم تغيب بعد نهايتها؟


الجواب يكمن في الوسط: لا يمكن أن ينكر أحد بأن هناك اهتمام حقيقي بوضع مسيحيي الشرق من قبل المرشحين للانتخابات الفرنسية، لاسيما بعد المشاكل التي عانوا منها، تحديدا في العالم العربي. 


لكن في نفس الوقت، لا يمكن أن ينكر أحد توظيف هذاه المسألة لهدف ظاهر ألا وهو إقناع المسيحيين الفرنسيين الذين يشكلون قوة انتخابية بالتصويت لصالحهم.


يذكر أن عدد المسيحيين في الشرق الأوسط انخفض بشكل كبير. فبعدما كانوا يمثلون حوالي 20 بالمائة من السكان قبل الحرب العالمية الثانية، أصبحت اليوم نسبتهم لا تتعدى 4 بالمائة، أي ما يقارب 15 مليون شخص.