الأب فادي ضو يكتب: الإنسانيّة المتحدة

الأب فادي ضو - لبنان - تعدديّة

أُنشِئت منظمة الأمم المتحدة عام 1945، بعد تجربة الحرب العالمية الثانية، التي أظهرت أوَّلَ مرة في التاريخ هول الحرب الشاملة، وقدرة الأسلحة النووية على فناء البشرية. 



وقد حدّدت الأمم المتحدة أهدافها في ميثاقها التأسيسي، الذي ركّز في مادته الأولى على دور المنظمة في حفظ السلم والأمن الدوليَّيْن، وإنماء العلاقات الودّية بين الأمم، والتعاون الدولي، وتعزيز احترام حقوق الإنسان.


يشكّل مجلس الأمن النواة الرئيسة للمنظمة، وتتفرّع منها أو ترتبط بها عددٌ من المنظمات الرديفة التي تعمل على التنمية المستدامة والسلام، مثل: اليونسكو، واليونيسف، ومنظمة الصحة العالمية، وتحالف الحضارات، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ومحكمة العدل الدولية، والمفوضيّة السامية لحقوق الإنسان؛ وغيرها العديد من المؤسّسات والبرامج في مجالات: العمل، والتنمية، والبيئة، والمرأة، والإغاثة... إلخ. 


لذا، أصبحت الأمم المتحدة اليوم تمثّل شبكة دولية واسعة تَطُول مختلف ميادين الحياة، وتعمل على تطويرها، مُقدِّمةً التوجيهات والمواردَ إلى الدول الأعضاء من أجل مصلحة شعوبها، وتقريب وجهات النظر بين الدول، وحلّ النزاعات، وتعزيز السلام، واحترام حقوق الإنسان.


لكن، أما زالت الأمم المتحدة المكانَ الصالح أو الكافي لمعالجة قضايا البشرية الراهنة، وتحقيق أمن جميع الشعوب، وضمان مستقبل واعد للبشرية جمعاء؟ قيل الكثير في العقدَين الأخيرَين عن ضرورة إصلاح المنظمة وتطويرها بشكل جذري، لكي تستطيع مواكبة التطورات التي حصلت عالميًّا. 


لكن، يبدو أن اللحظة السياسية ما تزال غير مؤاتية لتحقيق هذا الإصلاح الذي طال انتظاره؛ إذ إن مشكلة الأمم المتحدة هي في ارتهان قراراتها بِتوافق الدول الأعضاء، وخاصة ما يُعرف بالأعضاء الدائمين في مجلس الأمن أصحاب حقّ النقض (الفيتو).


لا بد أن نستنتج من الجمود الحاصل في بُنْية الأمم المتحدة أنّنا نمرّ في مرحلة دقيقة، تتعاقب فيها الأزمات العالمية مع ضعف القيادة على هذا المستوى في مواجهتها. 


لقد قدّمت جائحة كورونا نموذجًا صارخًا من فشل التعاون والتضامن الدوليَّين، وطغيان السياسات القومية المنغلقة غير المُجْدية أمام هذا النوع من التحدّيات. 


ويُظهر أيضًا التخلّفُ عن أخذ القرارات الدولية اللازمة والتحقق من تطبيقها، للحدِّ من التغيّر المناخي وآثاره المدمّرة في الكرة الأرضية، أن المقاربات الأممية والقومية لم تعُد قادرة على التعامل مع مصالح البشرية الجامعة، والتحدّيات العابرة للحدود.


إنّ مسائل الصحة والمناخ والإرهاب، والأمنَين المائي والغذائي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والصناعات البيولوجية، والاستنساخ، لم تكن في أذهان ممثلي الحكومات عام 1945 عند تأسيس الأمم المتحدة ووضع ميثاقها. 


لكن هذه المسائل تُشكّل اليوم تحدّيات لا تقلّ أهميّة عن السلام وحقوق الإنسان، لا بل يجب أن توضع في أعلى لائحة الأولويّات التي تحتاج إلى التعاون الدولي، للتعامل السليم معها ومعالجتها.


لا تكمن المشكلة في البَون الشاسع بين الغاية التأسيسية للأمم المتحدة والتحديات الراهنة وحسب، بل ترتبط أيضًا بخضوع قرار الحكومات لأهداف سياسية وانتخابية وطنيّة، لا تتماشى حُكمًا مع الأبعاد العالمية لهذه التحدّيات. يُضاف إلى ذلك تنامي تأثير الشركات العالمية وغاياتها الربحية ولوبياتها القويّة، في القرارات المرتبطة بهذه التحدّيات.  


إنّ اتحاد الأمم لا يؤدّي حُكمًا إلى اتحاد البشرية، وقد يعيق ذلك في بعض الحالات. أما القرارات الناتجة من التفاوض بين الحكومات، فغالبًا ما لا ترقى إلى مستوى تحدِّيات البشرية المشتركة. 


ففي حين ما زالت الحكومات تعتمد على سياسات قومية، لا بدّ في عالم ما بعد القومية أن تقوم مؤسسات تُعبّر عن وحدة البشرية ومصالحها، بالتوازي والتواصل والتفاعل مع المؤسسات الأممية والقطاعات الأخرى.


لهذه الأسباب، تفتقر دينامية القرار على المستوى العالمي إلى مشاركة جديّة لِقوًى مدنية، مستقلّة في التفاوض ورسم السياسات وصناعة القرار. فلا بد من التفكير في إنشاء منصّة موازية لمنظمة الأمم المتحدة ومرتبطة معها، تُمثّل مصالح البشرية المشتركة، التي تعجز المفاوضات والمساومات بين الحكومات عن تمثيلها، في مواجهة التحديّات الكبرى. 


إنّ تنامي المنظمات غير الحكومية، والمبادرات الشعبية العابرة للحدود، ودورها الفعّال في كثير من الميادين، مثل: حقوق الإنسان والبيئة والصحة والتنمية والإغاثة، إضافة إلى الإمكانيات اللامحدودة للتواصل والعمل المشترك عبر الفضاء الرقمي، يدفعني إلى اعتقاد أنّه على هذه الطاقات المستقلّة، صاحبة الرؤية العالمية، أن تجتمع تحت راية واحدة، وتنشئ منظمة "الإنسانية المتحدة"، بصفتها شريكًا فاعلًا للأمم المتحدة ولقطاع الأعمال وسائر القطاعات المعنيّة في معالجة المسائل العالمية والكونية.


إنّ وجود هذه المنصة العالمية يُسهم في تشكيل رأي عامٍّ عابر للحدود، يشكّل حالة ضغط على الحكومات وعلى المنظمات الدولية المعنيّة، وأيضًا يعطي الناس فرصة للمشاركة في تقرير مصيرهم المشترك، بوصفهم مواطنين/ات فاعلين/ات على المستويَين الوطني والعالمي.