‏إظهار الرسائل ذات التسميات آراء وأفكار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات آراء وأفكار. إظهار كافة الرسائل

أمين عام مجلس كنائس الشرق الأوسط يكتب حول الصلاة من أجل الوحدة المسيحية

د. ميشال عبس

الأسبوع من 18 الى 25 كانون الثاني من كلّ عام، هو أسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيّين. هذا تقليد قد أصبح جزءًا من السنة المسيحيّة، تشترك فيه كنيسة المسيح حول العالم.



منطلق هذا الأمر شعور عند المسيحيّين أنّ البيعة قد تجزّأت إلى درجة التشرذم وأنّ أبناءها قد أصبحوا متنافرين متنابذين، لا يَجمَعُهم "الكلمة" ووصيّته.


إنّ في هذا الإتجاه مفهوم خاطئ للأمور ومقاربة تحتاج إلى تصويب.


من الطبيعي أنّ العقيدة المسيحيّة، من خلال إنتشارها في شتّى أقطار المعمورة، سوف تتخّذ أشكالًا ثقافيّة وتنظيميّة وحتى سياسيّة مختلفة. لقد دأب كلّ من اعتنق المسيحيّة أن يعطيها طابعه الثقافي أو حتى الإثني أو السياسي، في محاولة منه "لامتلاكها" وجعلها جزءًا من حضارته. 


لقد طُبعت المسيحيّة بشتّى الأشكال الثقافيّة والحضاريّة حتى أنّ بعض عقائد ما قبل المسيحيّة قد تسلّل إليها عبر الممارسات الشعبيّة للذين أقبلوا على العقيدة المسيحيّة. إنّ الدارسين في عِلم الأنثروبولوجيا يجدون هذه الفروقات بادية للعيان وأحيانًا مبطّنة ضمن معتقدات الناس وتقاليدهم.


ولكن ما يجب ذكره في هذا السياق هو أنه، رغم الإنتشار الكونيّ للمسيحيّة وتنوّعها، فإن الأسس التي قامت عليها الممارسات العقيديّة المسيحيّة بقيت هي نفسها، وما كان نافرًا لُفظ خارج سياق الإيمان المسيحي.


يكون واهمًا من يظن أنّه يمكن أن تكون المسيحيّة مؤسّسات وممارسات مستنسخة عن بعضها البعض، فهذا عكس منطلقاتها وقيمها الأساسيّة. 


عندما قال لهم السيّد أن يذهبوا ويبّشروا جميع الأمم كان يعلم علم اليقين أنّ هناك "أممًا"، أيّ ثقافات، يجب إيصال رسالة المحبّة والغفران إليها، بلغّاتها وعقليّاتها وعاداتها وتقاليدها، ولم تمتنع المسيحيّة أن تتخّذ أشكالًا تطبيقيّة مختلفة باختلاف المحيط.


الِعبرة في أن تكون المسيحيّة واحدة في التنوّع ومتنوّعة في الوحدة، قادرة أن توصل كنوزها القيميّة والسلوكيّة إلى كافة الحضارات على أن تعطيها كلّ حضارة طابعها.


في هذا السياق يأتي أسبوع الصلاة من أجل الوحدة. يجمع أبناء الإيمان الواحد على تنوّعهم لكي يؤكدوا خلاله أنّ الرسالة الأساسيّة تبقى هي نفسها. 


حتى اختيار تاريخَي بداية ونهاية الأسبوع لهما رمزيّتهما من ضمن مسار انتشار الإيمان المسيحي فتاريخ 18 الشهر هو يوم اعتراف القديس بطرس وتاريخ 25 الشهر هو تاريخ اعتناق القديس بولس المسيحيّة.


في السنة الحالية، 2022، يشكّل الشرق الأوسط، عبر مجلس كنائسه، نقطة مركزيّة في أسبوع الوحدة وقد جرى شرح وتوضيح هذا الأمر في مقالات ومداخلات شتّى لا سبيل للعودة إليها في هذا المكان. 


أمّا موضوع أسبوع الصلاة "رأينا نجمه في المشرق فجئنا لنسجد له" (مت 2:2)، فمهما كتبنا حوله، الزملاء وأنا، فلن نفيه حقّه من التأمل والتحليل.


خلال هذا الأسبوع ستصلّي كنائس العالم مجتمعة، انطلاقًا من الشرق الأوسط، للسيد المتجسد، مؤكدة وحدتها في العقيدة والقيم والسلوك.


ستقول الكنائس مع بعضها البعض للإنسانيّة أنّ رسالة السيّد باقية على وصاياه وأنّ البيعة باقية ما بقيَ الكون، موحدّة في تنوّعها ومتنوّعة في وحدتها، تشّع ضياءً وأملاً من أجل مستقبل أفضل للبشريّة.

الأب فادي ضو يكتب: الأزمات الخلاقة

الأب فادي ضو - تعددية

أصبحت مقولة الفيلسوف والمناضل الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937) عن "الأزمة"، من أشهر الاقتباسات المستعمَلة في تعريف هذا المفهوم، إذ يقول: إن الأزمة هي هذه اللحظة التي يندثر فيها العالَم القديم، في حين يتأخر العالَم الجديد في ظهوره. ويحدّد غرامشي أنه في لحظة "النور المظلم" الانتقالية هذه، تَخرج الوحوش وتقع العديد من الأخطاء والعذابات.



قد تصحّ أحيانًا وبشكل نسبي مقولة غرامشي في سياق الثورات والتحوّلات السياسية الكبرى، وهذا هو أصلًا الإطار التاريخي لفكرته. لكن برأيي، لا يصحّ تطبيق هذا المفهوم على الحياة ومختلف شؤونها بشكل عام. 


فالحياة ومسارها التاريخي لا يتشكّلان من تَتالي أنظمتها ومقارباتها، ولا الأزمات تَحضر دومًا بفعل الفراغ الحاصل بين موت القديم وولادة الجديد، بل بالأحرى تتأتَّى الأزمة من تزامُن هذه الحقائق المختلفة والمتضاربة أحيانًا. 


لذلك، من الأجدر أن نفهم الأزمة بمعناها الوجودي، لا بكونها اللحظة الانتقالية التي تقع بين موت القديم وانتظار ظهور الجديد، بل هي اللحظة التي يتزامن فيها القديم مع الجديد، وما يترتّب على ذلك من صعوبة في استيعاب هذا الواقع والتعامل معه بنجاح.


من السذاجة إذًا بمكان، أن ننظر إلى الحياة على اعتبار أنها خط مستقيم، وأن نسعى لوضع مكوّناتها على هذا الخط، محدِّدِين ما هو قديم وقد اندثر، وما هو جديد وقد انبثق مُلْغِيًا ما سبقه، وقائدًا وحده الحياة ومسارها التاريخي. وعندما يصطدم بعضهم بحقيقة استمرار ما يسمونه "القديم" في الوجود، يتعاملون مع ذلك بكونه من الآثار والبقايا التي هي حُكمًا في طَوْر الزوال. 


مؤسف أن نرى إلى أي حدّ يطبّق الناس هذه المقاربة في حياتهم اليومية، ورؤيتهم لأبعادها المختلفة، حيث يصبحون في حالة من النكران أو الوهم، أمام واقع استمرار "القديم" وتَزامُنه مع الـ"جديد"، رافضين أن يروا أنّ القديم غالبًا ما يكون جزءًا مكوِّنًا للجديد، مع استمراره في الوجود إلى جانبه.


لقد أظهر علم الفيزياء في القرن العشرين، أهمية الاعتراف بتزامن النظريات التي تساعدنا على تفسير الوجود وفهمه، وليس الاعتراف بإلغاء الواحدة لسابقاتها. 


فاكتشاف أينشتاين لنظرية النسبيّة، أظهر أن نظرية نيوتن لعلم الفيزياء الكلاسيكية لم تعد كافية لتفسير كل شيء، ولكن أكدّت حاجة الثانية إلى الأولى لمقاربة أشمل للوجود. 


ومِن ثَمَّ ظهرت نظرية الفيزياء الكَمُّوميَّة (quantum)، التي بدورها وسّعت مجال المعرفة الفيزيائية دون أن تُلغي سابقتَيها، لا بل أكّدت الحاجة إليهما.


ماذا لو طبّقنا ذلك على المسائل المرتبطة بفلسفة الحياة، مثل الأديان والأخلاق؟ تختلف النظرة كثيرًا إنْ وضعنا الأديان على مسار تاريخي مستقيم، حيث كل دين يلغي ما سبقه من الأديان، أو إنْ نظرنا إلى الأديان بصفتها مسارات متزامنة، حتى متداخلة. 


وتختلف أيضًا أزمتُنا مع التعددية الدينية في كلتا الحالتين. في السيناريو الأول، تُلغي مثلًا المسيحيةُ اليهوديةَ؛ إذ تَحلّ مكانها وتُكمّل ما نقص فيها. لقد اعتمَدَت بالواقع الكنائسُ المسيحية هذا الموقفَ الإلغائيَّ من اليهودية؛ ما أسهم في تفشي العداء للساميَّة والجرائم المرتبطة به، إلى حين مراجعة هذا الموقف اللاهوتي والتخلّي عنه، والاعتراف باليهودية بصفتها ديانة مستمرة بالتزامن مع المسيحية. 


هذه المراجعة في الفكر المسيحي أدّت أيضًا إلى اعتراف بعض الكنائس المسيحية بالأديان التي أتت من بعد المسيحية، ومن بينها الإسلام؛ ما عزّز الحوار بين الأديان، ووضع له أسسًا متينة.


المسألة تنطبق أيضًا على الإسلام. ففي المقاربة الإلغائية، قد يَعُدّ المسلمون أهلَ الكتاب -كاليهود والمسيحيين- مؤمنين حتى مجيء الإسلام، وكفّارًا من بعده. أمَّا وفْق السيناريو الثاني الذي يقول بتزامن الحقائق، فيَقبل المسلمون أن أهل الكتاب لا يزالون بعد الإسلام من المؤمنين، مع الاختلاف معهم في المعتقدات. 


ففي السيناريو الأول، تكمن الأزمة في التعامل مع القديم وتبرير "مَوتِه"، رغم استمراره في الوجود. يَنتج من ذلك مواقفُ دينية تكفيريّة تَنْكبّ على وضع النظريات التي تدحض الأديان الأخرى. أمَّا في الموقف الثاني، فتَكمن الأزمة في إيجاد السبل اللاهوتية إلى الاعتراف بالتعدّدية الدينية، والتعامل معها باعتبارها جزءًا مكوِّنًا للواقع الديني.


دعا الفيلسوف الألماني كانت (1724-1804) العلماء إلى التواضع، عبْر نقده للفكر النظري، وإشارته إلى صعوبة الولوج في الحقائق الماورائية بشكل مجرّد. 


وأصبحت منذ ذلك الحين مصداقية الفكرة، ترتبط أيضًا بالبُعدَيْن العملي والأخلاقي المُتأتِّيَين عنها. يُذكّر ذلك بالدعوة في القرآن الكريم إلى استباق الخيرات والتنافس في التقوى، بدل الجدال الإلغائي للآخر، إذ جاء فيه: {ولَوْ شاء ربُّكَ لَجَعل الناسَ أُمّةً واحدة ولا يَزالون مُختَلِفِين} [هود: 118].


في الخلاصة، بدل النظر إلى الأزمة على اعتبار أنّها هذا "النور المظلم" بين الموت والحياة، ومَسكن الوحوش والعذابات، من الأجدر أن ننظر إليها على اعتبار أنّها تجربة وُجودية إيجابية، أو تَحدٍّ خَلَّاقٌ للفكر والعمل والأخلاق، تَدفعنا إلى التعامل مع المسارات المتزامنة، معترفين باختلافها وتَداخُلها، وإلى التحرّر مِن جعل أنفسِنا مقياسَ الحقيقة والحياة.

توحيد الأديان وتوحيد الإنسان

عامر الحافي - تعددية

النظر إلى الأفكار والمعتقدات الدينية جميعِها باعتبارها صحيحة ولا تَقبل الاختلاف، يتعارض وطبيعةَ المعرفة البشرية التي تُراوح بين الخطأ والصواب؛ إذ المعرفة لم تولد مرة واحدة، وإنما مرّت بمراحل مختلفة، امتزجت فيها حاجات الإنسان المادية بهواجسه النفسية وأشواقه الروحية. وهنا، ندرك أهمية دراسة تاريخ الأفكار، ومراحل تحوُّراتها، وأثرها في تطور المعرفة البشرية.



من الضروري النظر إلى المعرفة باعتبارها شجرة واحدة، وعدمُ التوقف عند التقاط بعض ثمارها، بعيدًا عن تنوع الأغصان أو انحناءات الجذور الممتدة في رحم الأرض الرطبة، وما تحويه من موادَّ أوليَّةٍ تتغذى بها بعيدًا عن أعين الناس.


تنطوي العلاقة الرشيدة بين أتباع الأديان على تدافع فكري مستنير، يسعى وراء "الإيمان الأكمل" في تمثلاته الممكنة، التي لا ينخلع الإنسان فيها من بشريته.


تبدو فكرة "توحيد الأديان" فكرة مثالية أمام الواقع التفسيخي لأَتْباع كثير من الأديان، الذين تتخطفهم النزاعات والانشقاقات الداخلية، ولا يجدون سبيلًا إلى الوحدة بين أَتْباع ملتهم. فكيف لمن لا يدرك قيمة التنوع في الوحدة، أن يدرك معنى الوحدة في التنوع؟ وهنا يمكن القول: إن سذاجة الشعور بالاستحواذ على الحقيقة الدينية، لا تختلف عن سذاجة مقولة "توحيد الأديان". فكِلا الشعورَيْن يعبِّر عن انفعال طفولي، لا يدرك قيمة التنوع وفلسفة الاختلاف.


ذهب الغزالي إلى أن مقاصد الشرائع تقوم على حفظ: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. واعتَبر تلك المقاصد حاضرة في جميع الملل والشرائع، التي أريدَ بها إصلاح الخلق. وأمام هذا التقدم الفكري الإسلامي الذي استوعب روح الشرائع وغاياتها، يمكن للعقل المَقاصدي التفكير في غايات عامة للأديان، تستوعب نشأة الأديان ودوافعها العميقة في النفس البشرية، في ضوء التطورات الكبيرة في علم النفس الديني، وغيره من العلوم الاجتماعية المعاصرة.


لا بد للفكر الإسلامي المعاصر من استثمار العمق المعرفي للقرآن الكريم، والذي نجده يؤسس لثلاث غايات كلّية لترشيد التعددية الدينية، وهي: الإيمانُ بالله، وباليوم الآخر، والعملُ الصالح (راجع: سورة البقرة، الآية 62). وفي سياق آخر، نجد القرآن يجمع تلك الغايات في غاية واحدة، وهي "غاية الغايات": {قُلْ يا أهل الكِتاب تَعالَوْا إلى كَلِمةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألَّا نَعْبُد إلَّا اللهَ ولا نُشْرِكَ به شيئًا} [آل عمران: 64]. ولم يقتصر سعي القرآن على الالتقاء على "كلمة سَواء" مع أهل الكتاب، وإنما نجده يشمل أَتْباع الأديان غير الكتابية، كما في قوله تعالى: {ولَئِنْ سألْتَهُم مَن خَلَق السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ} [الزُّمَر: 38].


تتداخل العلاقة بين الوحدة والاختلاف في التكوين الطبيعي للكائنات جميعها، ولا يَخرج الفكر الديني الإنساني عن هذه العلاقة الجدلية. وهذا نجده حاضرًا بقوة عند الفيلسوف الصيني "لاوتسي"، كما في قوله: "مِن الوجود وعدم الوجود خرج كلُّ موجود... مِن النقص يَخرج الكمال، مِن المُعْوَجِّ المستقيمُ".


ليس مستغرَبًا أن يَغلب التشابه والاتفاق على التباين والاختلاف في عموم الشأن البشري، خاصة لمن يؤمن بوحدة الخالق ووحدة التكوين والفطرة البشرية. لكن ذلك لا يعني توحيد الأديان بقدر ما يعني توحيد الإنسان. إن دراسة الأديان، والبحث عن المشتركات والجوامع بين أَتْباعها، لا يعنيان إدماج الأديان وصهرها في بوتقة واحدة، وخاصة عندما تكون دوافع ذلك الإدماج نابعة من مصالح سياسية طارئة.


في مقابل النقد المعرفي لمقولة "توحيد الأديان"، لا بد من نقد الأحكام التكفيرية، التي تتخذ من تلك المقولة ذريعة لتكفير الصوفية، وكذلك لتكفير المفكرين المنشغلين بالحوار بين أَتْباع الأديان. أيضًا نجد ذلك في تكفيرهم لمُحْيِي الدين ابن عربي، بذريعة ما ورد في بعض أشعاره:


لقد كنتُ قبل اليوم أُنْكِر صاحبي   إذا لم يكن دِيني إلى دِينِه داني

لقد صار قلبي قابلًا كلَّ صورةٍ       فمَرْعًى لِغِزْلانٍ ودَيْرٌ لِرُهبانِ

وبَيتٌ لأوثانٍ وكَعْبةُ طائفٍ            وألواحُ تَوراةٍ ومُصحفُ قرآنِ

أَدِينُ بدِين الحُبِّ أنَّى توَجَّهَتْ       ركائبُه، فالحُبُّ دِينِي وإيماني           


فابن عربي يتحدث كشاعر يعيش حالة وجدانية انفعالية، على غرار حالة العاشق الذي يرى محبوبته في كل شيء يحيط به. وهذا لا يختلف عن قول أبي بكر الشبلي: "الصوفي لا يرى في الدارَين مع االله غيْر الله". فالحديث في وحدة الأديان بصفتها مفهومًا وجدانيًّا، يستشعر "وَحْدة الشهود" الدالة على وَحْدة المعبود، يختلف عنه بصفتها مفهومًا عقَدِيًّا يخلط الغثَّ بالسمين.


إن الطبيعة الوجدانية للإيمان، تجعل من الإحاطة به أمرًا متعذِّرًا على كل ذي بصيرة. فالاختلاف سيبقى قائمًا ما دام الإنسان هو الإنسان. والدعوة إلى توحيد الأديان، هي دعوة إلى إنهاء الاختلاف. وهذا يمثل إغلاقًا لسبل التفكير والتعارف، وغفلةً عن حكمة خلق الله للناس شعوبًا وقبائل.

الأمير الحسن يكتب: اللغة العربية واستئناف مسيرتنا الحضارية

الأمير الحسن بن طلال

ليست جميع اللغات على مسافة واحدة من حيث استيعاب تطور الأفكار أو التعبير عن المشاعر وهنا يمكن القول إن أبدع اللغات وأرقاها هي تلك التي تعبر عن مشاعر الإنسان المرهفة.



اللغة في سياقها الروحي والثقافي هي هبة من أعظم الهبات التي أنعم الله بها على الإنسان وبها امتاز عن الملائكة وسائر الكائنات. وهذا ما يشير إليه القرآن في قوله تعالى “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ” (البقرة 31)، فقد أودع الله القدرة في الإنسان على تعلّم الأسماء وابتكار أسماء للأشياء التي تعرض أمام حواسّه أو للمعاني التي تلوح في عقله ووجدانه.


فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يملك القدرة على البيان وترجمة أفكاره ومشاعره وخبراته ونقلها للآخرين. وهذا من مظاهر التكريم التي خصّها الرحمن بالإنسان كما يقول تعالى “الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ” (الرحمن: 1 – 4).


جعل الله لكل فصيلة من الكائنات الحية لغة واحدة وكذلك الأمر لكل قانون من القوانين الطبيعية، بينما اقتضت حكمة الخالق بأن يجعل لكل أمة من الناس لغة ولسانا مختلفا ومتميزا عن غيرها، كما يقول الخالق تعالى في صريح التنزيل “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ” إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ” (الروم 22).


ذهب بعض الفلاسفة إلى أن الإنسان عاجز عن التفكير خارج اللغة، وبعضهم ذهب إلى وجود علاقة جدلية بين الفكر واللغة مفادها أن “الفكر يصنع اللغة وهي تصنعه”، وهذا يعني أن جمود الفكر يعطّل نموَّ اللغة وتطورها. وأنه لا بد لكل لغة أن تتطوَّر لكي تعبِّر عن انشغالات أهلها وآدميتهم وتطلعاتهم الفكرية وحرياتهم المنضبطة.


ليست جميع اللغات على مسافة واحدة من حيث استيعاب تطور الأفكار أو التعبير عن المشاعر. وهنا يمكن القول إن أبدع اللغات وأرقاها هي تلك التي تعبر عن مشاعر الإنسان المرهفة وأفكاره المركبة. وهنا ندرك فرادة اللسان العربي والعلّة وراء اصطفاء الله تعالى لهذه اللغة لتكون رحِما للوحي الإلهي المبين ومِهادا لرسالته الخاتمة للعالمين.


لا تهدد معرفة اللغات الأخرى وإتقانها وعينا بقيمة لغتنا الأم أو رفعة مكانتها، كما لا تقتصر أهمية تعلّم لغات الشعوب الأخرى وفق مقولة “أمن مكرهم”، فحاجتنا إلى ذلك تنبع من حاجاتنا الحضارية المتواصلة للتعلم من تجارب الآخرين والبحث عن إبداعاتهم المعرفية في مختلف المجالات. وأستذكر هنا عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في كتابه “لحظات” الذي كان يعتبره وسيلة لتحقيق حالة من الاندماج بين الشّرق والغرب، حيث دوّن فيه الّلحظات الأدبيّة التي عاشها أيّام شبابه بين الأدباء في الغرب، وبين القُرّاء في الشّرق. وكان طه حسين يؤمن أنه لو تم تناول هذا الكتاب من قِبل القُرّاء عن فهم، سيؤدي إلى نشر المودّة، والتفاهم بين شعوب العالم العربي والغربي.


وقد أعطى القرآن الكريم للغة العربية روحا جديدة وألقى عليها ثوب الخلود، فكان حِفظ اللغة العربية هو من حِفظ الله لكتابه الذي تعهد به. فلا سبيل لفهم القرآن وتعقّل معانيه دون فهم اللغة العربية ودراسة أساليب بيانها. وهكذا ورغم كل المحن والأزمات التي مرّ بها العرب ما زالت اللغة العربية تحافظ على وجودها وسحر جمالها.


يحث القرآن الكريم على ضرورة الانسجام بين بلاغة الأقوال وحسن العمل والسلوك وعدم التباين بين القول والفعل، كما في قوله تعالى  “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ” (الصف: 2 – 3).


اللغة العربية هي أكثر من لغة لسان فهي وجدان العرب وعقلهم ومستودع فكرهم وذاكرتهم، وهي الرباط الجامع الذي يصل بين أبنائها في الحاضر والماضي. ولم تكن العربية مجرد لغة شعر وأدب ودين فقد أصبحت لغة فلسفة وعلوم وانفتحت على الثقافة اليونانية والفارسية والهندية منذ حركة الترجمة وتأسيس بيت الحكمة في زمن المأمون.


لقد أسهم الإسلام في الحفاظ على اللغة العربية وانفتاحها على دروب العالمية، فقد جذب الإسلام شعوبا كبيرة عشقت العربية كعشقها الإسلام، فكتبوا فيها علومهم ودونوا أشعارهم وألّفوا المجلدات الضخمة في الأدب والطب والفقه والفلسفة والفلك والرياضيات، تماما كما فعل ابن سينا والفارابي والبيروني والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم.


ليست مشكلة اللغة العربية في عدم قدرتها على التطور، وإنما بالأفكار النمطية التي يحملها بعض أبنائها، وعدم شعورهم بحرقة السؤال عقب إجابة “لا أعرف”. جاء في كلمة الشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا أثناء استلامها لجائزة نوبل في الآداب “لا أعرف.. كلمتان لهما جناحان. لو أن نيوتن لم يقل لنفسه لا أعرف، كان في أحسن الأحوال سيلتقط التفاحة ويأكلها”. ولطالما كانت العربية لغة الدين والدنيا والثقافة والفكر، وهي كذلك أول الجوامع التي يلتقي عليها أبناء الضمائر الحيّة، وكما يقول الرصافي: وتجمعنا جوامع كبريات/ أولهن سيدة اللغات لا بد لنا أن ندرك طبيعة الأزمة الحضارية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية وغير العربية وأثرها في إضعاف اللغة العربية كوسيلة للاتصال. وحيث أن اللغة العربية قد اعتُرف بها كلغة رسمية في الأمم المتحدة، فيجب مضاعفة الجهود للحفاظ على التراث النوعي في مجتمعاتنا العربية في الموطن والمهجر، وتطوير الأنظمة التعليمية والقوانين والتشريعات التي تحفظ التراث واللغة العربية في مجتمعاتنا المعاصرة. وعلى المستوى العالمي يجب العمل على تعزيز حضور اللغة العربية في الثقافة والأدب العالمي وتكثيف الحضور المعرفي العربي في شبكة البحث العالمية.


إن نهضة الشعوب تبدأ عندما تثق بذاتها وتعتصم بلغتها وتعمل على تطوير معارفها وآدابها وتضافر جهود أبنائها جميعا، وهنا يجب الإشارة إلى ما قام به العرب مسلمين ومسيحيين في عصر النهضة العربية الحديثة من النهوض باللغة العربية وعلومها، وسعيهم نحو إقامة المؤسسات التعليمية وإصدار الصحف والمجلات باللغة العربية، وقد استمدوا إبداعهم من إيمانهم العميق بمركزية اللغة العربية في مشروعهم النهضوي؛ ولا ننسى أولئك الذين دفعوا ثمن قناعاتهم عبر التاريخ المعاصر في سبيل إبداء الرأي وتبرئة الضمير.


واليوم ورغم كل الصعوبات التي تحيط بنا ونحن على مشارف العام الجديد لا بد أن نؤمن ونثق بمقومات هذه الأمة وقدرتها على صناعة مستقبل أفضل ينهض بمجتمعاتنا ويدفعنا نحو استئناف مسيرتنا الحضارية.

من نجم الميلاد إلى مدينة داود، طريق للرّجاء بحضور اللّه الآب: ترى لماذا اختار يسوع بيت لحم؟

ايليا نصراللّه - موقع مجلس كنائس الشرق الأوسط

 


"أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ" (متّى 2: 2)، بشوق ولهفة قال ذلك المجوس وهم قادمون من المشرق إلى أورشليم. قادمون من بعيد ليشهدوا على ولادة ملك الملوك، وها قد شعروا بفرح عظيم حين رأوا النجم يقودهم "حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ" (متّى 2: 9). 


هناك في مذود صغير في مدينة داود ببيت لحم ولد مخلّص العالم. لكن لماذا بيت لحم ولماذا إختار الإله أن يولد في هذه النقطة من الشرق؟


بدايةً لا بدّ من التذكير أن في إيماننا المسيحيّ نقول "ولد" المسيح وليس "خلق" فيسوع كان موجودًا قبل أن يصبح إنسانًا لأنّه الإله الّذي تجسّد ولهذا السّبب نردّد في قانون الإيمان عبارة "مولود غير مخلوق"، لتكون أحداث الميلاد مذكورة في إنجيلي متّى ولوقا.


بيت لحم، نقطة البداية

أمّا مكان ولادة يسوع المسيح، الملك إبن داود بحسب السّلالة البشريّة، فهو مرتبط بالتّالي بقرابة يسوع من داود. في الواقع عُرف مسبقًا أنّ ولادة يسوع ستكون في بيت لحم، مدينة داود. 


إذْ ثمّة نبوءة أشارت إلى ذلك لا سيّما في سفر ميخا النبيّ (751–693 قبل الميلاد) حيث نقرأ "أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ" (ميخا 5: 2).


ويشرح الفصل الخامس من سفر ميخا أنّ بيت لحم مدينة صغيرة بين "ألوف يهوذا". ممّا يدلّ بالتّالي على أنّه في المكان الصّغير هذا، من منبع الفقر والتواضع الأقصى أتى الكبير المخلّص لتنبعث منه النّعم والفضائل. 


إذًا ولد المسيح في مدينة وصفت بالصّغيرة، في مذود أيضًا صغير ليذكّرنا بمائدة اللّه المدعوّ إليها الإنسان ليتناول خبز اللّه. لذا تنعكس في فقر ولادة يسوع صورة للواقع الكبير الّذي يتحقّق فيه فداء البشريّة.  


كما أنّ بعد ولادة يسوع إنتهى عصر الذّبائح الحيوانيّة لأنّ يسوع أصبح الذّبيحة الإلهيّة لخلاصنا، فظهر الملاك للرّعاة في بيت لحم وبشّرهم بالمولود الإلهيّ.


لكن ماذا عن بيت لحم؟ جغرافيًّا تبعد هذه القرية حوالي عشرة كيلومترات عن أورشليم. إشتهرت بمراعيها الخضراء، ورعي الخراف كي تُقدَّم في الهيكل كذبائح حيوانيّة عن خطايا الشّعب. 


أمّا معنى "بيت لحم" فيدلّ على "بيت الخبز". في اللّغة الآراميّة تعني كلمة "لحم" الخبز وعند العرب "اللّحم"، و"لحمو" عند الكنعانيّين تدلّ على إله الخصب والحصاد. كما سُمّيت "بيت لحم" بـ"أفراتة" وهو إسم قديم يعني الخصب.


مدينة داود، منبع التواضع والبساطة

مع ولادة يسوع سقط هيرودس المتسلّط عن عرشه وظهر الملك الحقيقيّ. هذا المخلّص الّذي يحقّق الملكوت السّماويّ على الأرض وفي نفوس جميع البشر ذوي الإرادة الصّالحة. بذلك تتحقّق أيضًا تسبحة مريم الّتي نقرأها في الإصحاح الأوّل من إنجيل لوقا "أنزل الأعزّاء عن الكراسي ورفع المتّضعين" (لوقا 1: 52).


إلّا أنّ ولادة يسوع كانت حدثًا منتظرًا وغير مفاجئ لأنّها جاءت لتثبت نبوءات العهد القديم، "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى إبْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى إسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ" (إشعياء ٦:٩). 


أراد السيّد المسيح في ولادته أن يعلّمنا فعلًا معنى التواضع والوداعة والبساطة، فإختار بيت لحم الّتي كانت في تلك الحقبة من أصغر مدن فلسطين ليولد فيها بمذود في مغارة أو إسطبل للحيوانات وليس في قصر أو مبنى راق.  


أخيرًا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ القمط الّتي لُفّ بها يسوع المسيح عند ولادته لها دلالة أيضًا بحسب لاهوت الآباء، فإلى ماذا ترمز؟ إنّها إشارة مسبقة لساعة موت يسوع حيث أنّه منذ البداية بات الضحيّة عند تأمّلنا في الوعد المتعلّق بالمولود البكر. 


أمّا عبارة "المولود البكر" المذكورة في إنجيل لوقا 2: 7 "فولدت مريم إبنها البكر" تأتي هنا كإشارة مسبقة إلى رواية تقديم يسوع إلى الهيكل وإنتمائه الخاصّ إلى اللّه.


لذا فلنسبّح مع الملائكة المولود الجديد، ملك الملوك، مرنّمين "الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لوقا 2: 14).

الفاعلية السياسية المفقودة

أحمد ناجي - اليمن - تعددية

على خلاف ما يجري تداوله، لا يبدو الجيل الجديد من الشباب بعيدًا عن التفاعلات السياسية التي تشهدها المنطقة. فبمجرد الاطِّلاع على النقاشات العامة والحوارات المختلفة في مواقع التواصل الاجتماعي، نجد حجم الانخراط الناشط للأفراد في قضايا المجال العام. 



لكن المفارقة أن هذا التفاعل يقابله تضاؤل متزايد للتمثلات السياسية المختلفة على أرض الواقع. فالأحزاب والكيانات السياسية التي ازدهرت في العقود الماضية يمر كثير منها اليوم بأضعف حالاته، لناحية قدرتها على استيعاب هذا الانخراط السياسي المتزايد، بسبب طبيعة التحديات التي تعيشها المنطقة. فلم تعُد الحالة الحزبية اليوم غير قادرة على تجديد نفسها فحسب، بل وأصبح الكثير من الأفراد يرون في إعلان التنصل منها ذريعة للنجاح في المجال السياسي.


"أنا لست حزبيًّا"، "كل الأحزاب السياسية سيئة"، "أنا مستقل سياسيًّا"، إلى آخر ذلك من العبارات التي باتت تُسمع اليوم في الحوارات والنقاشات السياسية بين فئة الشباب. تخبرنا هذه العبارات عن تحوُّل لافت تعيشه المجتمعات العربية في الآونة الأخيرة، في علاقاتها بالمجموعات السياسية في المجال العام، وتُلخِّص نزعةً صَوب العزوف الحزبي أو الانتماء السياسي للكيانات، التي شُكِّلت في عقود ماضية في ظروف تختلف بالكلية عن الواقع الذي نعيشه اليوم. لقد باتت ظاهرة إعلان عدم الانتماء السياسي ميزة يتباهى بها الأفراد، بل إن بعضهم قد يتفق مع رؤى بعض الأحزاب السياسية، لكنه يجد في الانتماء إشكالية قد تؤثر في تفاعله ونشاطه السياسي.


لطالما لعبت الأحزاب السياسية دورًا أساسيًّا، في تحويل مجموع ناشطيها الأفراد إلى تيار يسهم في صياغة المشهد العام، إما من خلال الحكم أو المعارضة. كانت الأحزاب بوابة التأهيل السياسي للأفراد، وعبْرَها انتقل الكثير من الناشطين/ات والمفكرين/ات صوب الفعل السياسي. لقد أثر الحراك الحزبي في إنتاج وعيٍ سياسي مُتنامٍ في أوساط المجتمع، وقدَّم إجابة منطقية -ولو من الناحية النظرية- عن السؤال: "كيف يمكن إحداث التغيير؟". اليوم مع الواقع الصعب الذي تشهده المنطقة، تبدو الأحزاب السياسية في مرحلة العجز، ومعها تبدو جميع مقارباتها غير مقبولة لدى المجتمع.


هذا الجمود الحزبي لم يأت من فراغ. بل كان نتيجة حتمية لجملة من الأسباب، أولها: الدكتاتورية المتفشية في بُنية الأحزاب، التي أغلقت الطريق أمام بروز ديمقراطية حقيقية داخل كيان هذه الأحزاب، والتي حولت الكثير من الأحزاب من كيانات مؤسسية إلى كيانات فردية مرتبطة بقادتها أو بسُلالتهم. هذا المنطق الوراثي في قيادة الأحزاب أدى إلى انسداد المشاركة السياسية؛ إذ أصبح كل كيان سياسي مُجيَّرًا للزعيم الفرد فقط.


أما ثاني هذه الأسباب فهو الأيديولوجيا العميقة، سواءٌ دينية كانت أو وضعية، كالقومية وغيرها، والتي حولت الكثير من الأفراد إلى آلات، مهمتها التنفيذ لا التفكير. وأصبح رموز الأيديولوجيا داخل هذه الأحزاب، يمارسون نوعًا من الإدارة الثيوقراطية (الحُكم الإلهي أو الديني) في ممارستهم الحزبية. لم يساهم هذا الأمر في مغادرة الكثيرين/ات لأحزابهم، بل بدت الممارسة الحزبية فِعلًا لا يرتبط بالعقل الخلَّاق، القادر على ابتكار الحلول ووضع البرامج. أما السبب الثالث، فهو أن معظم الأحزاب السياسية بدت كما لو أنها مصمَّمة للكهول والشيوخ من الأفراد، لا مساحات كافية تستوعب الناشطية الشبابية. وإن وُجدت لدى بعض هذه الكيانات، فهي ليست سوى أدوات ترى في الشباب مستهلِكين/ات لأفكار الحزب، لا صانعين/ات لها. 


هذا الانسداد الحزبي لم يحوِّل الانتماء السياسي إلى قضية سيِّئة الصيت عند بعضهم فحسب، بل ساهم في عزوف الأفراد عن الانخراط في كل ما له صلة بالمشهد العام، كالمشاركة في الانتخابات والنقابات، وغيرها من المبادرات التي تؤطِّر فعل المشاركة السياسية. يكفي أن ننظر إلى حجم المشاركة في الانتخابات في البلدان، التي ما زالت مجتمعاتها تشهد هذه الأداة الديمقراطية بمعزل عن مستوى شفافيتها.


في العراق والمغرب والجزائر انخفضت مستويات المشاركة في آخر مواسمها الانتخابية بصورة كبيرة، خصوصًا في أوساط الشباب. في موازاة ذلك، خسرت الكثير من الأحزاب التقليدية، وبرزت الشخصيات القادمة من خارج أسوار الأحزاب، التي باتت تُمثِّل حالة من الشعبوية، بوصفها رد فعل على عقم الحالة الحزبية، وضعف مقاربتها الإصلاحية للمجال العام.


أمام هذه الظاهرة، تبقى أهمُّ قضية هي كيفية كسر احتكار الفعل السياسي الفردي أو الفئوي، وكيف يمكن خلق بدائل تستوعب الناشطية الشبابية المتزايدة، وتَقُودها نحو التغيير في الواقع، بالإضافة إلى تأطير الوعي السياسي لدى الأجيال الجديدة في إطار مبادرات جماعية تخرج الوعي السياسي من دائرة النقاشات العفوية إلى ميادين الواقع.

العائلة والكبرياء: فليتعالَ المتخاصمون عن كبريائهم، بهذا يعود الدفء إلى البيوت المتنازعة

الأب الياس كرم - النشرة اللبنانية

يدعو القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم الزوج والزوجة لأن يجعلا بيتهما كنيسةً صغيرةً: "ليكن بيتكم كلّه كنيسة". هذا يتحقّق بصَلاتهما وصومهما ومشاركتهما كلاهما في حياة الكنيسة، واحترام كلٍّ منهما للآخر، وبتشديد بعضهما البعض في فعل المحبّة وعيش الفضائل، فيكونان مثالاً لعائلتهما.



هذا منطق القدّيسين والكنيسة، أمّا منطق أهل الأرض فعكس ذلك، فلا صلاة ولا صوم ولا مشاركة في الكنيسة أو إحترام متبادل، بل بغض وحسد وكره ونميمة، والفضائل عندهم لا قيمة لها أو مكانة.

انا لا أنفي وجود مَن يسعى من الملتزمين بالكنائس والصلوات، إلى عيش الكلمة بصدق وأمانة، وإلى مقاربة الكلمة الإلهيّة بخشوع وتقوى، وبصدق مطلق، ويترجمون ذلك عبر اللياقة والترتيب في معاملة بعضهم بعضًا ضمن العائلة الواحدة.


لكن بالمقابل لكل قاعدة شواذ، كثيرون يأمّون الكنائس ودور العبادة، يصلّون ويتعبّدون لله، وهم بعيدون من تطبيق التعاليم السماوية. فكم هناك من عداوة بين الأزواج، وبين الأهل والأولاد، وبين الأخوة أنفسهم، الذين يزايدون بمحبتهم وتضرعهم لله، ويتقاتلون فيما بينهم على حفنة من الأموال.

فيما مضى كان الأخوة يتقاسمون الميراث، أمّا اليوم فبات الميراث يتقاسمهم. كثرٌ يدّعون الفهم والإيمان والثقة بالله، ولا ثقة لهم بإخوتهم من لحمهم ودمهم، وهذا عائد إلى التكبّر والإستعلاء وادّعاء المعرفة والتباهي، وهم من داخلهم كالقبور المكلّسة.


الطمع أعمى قلوبهم، والمال بهرهم، ويذهبون إلى الكنيسة يصلّون ويتضرعون، ناسين أنّ الله براءٌ من هذا النوع من الصلوات.

الله فاحص القلوب والكلى، يعرف نوايا كلّ شخص يصلّي علانية ويصوم، وأمّا في نفسه يحمل الكره والتعصب والضغائن للآخرين، ولأهل بيته أولًا. والله عارف الناس أجمعين، الصالحين منهم والطالحين.


لست في هذه السطور ديّانًا للناس، إنما أحاول توصيف بعض الأوضاع التي نشهد عليها أو نحاول معالجتها، عند بعض الملتزمين كنسيًا دون سواهم. 

وقد علّمنا الإنجيل كيفية التعامل بين الإخوة بقوله: "وإن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك، وإن لم يسمع، فخذ معك أيضا واحدا أو اثنين، لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة، وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة. وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار" (متى ١٨: ١٥- ١٧).


يذهب إليه منفردًا حتى لا يتحوّل العِتاب إلى نوعٍ من التشهير، ولكي يعطي له الفرصة لمراجعة نفسه بلا عناد. يذهب إليه ليحمله إلى التوبة لله لا للاعتذار له. بهذا يطلب المؤمن سلامة حياة أخيه في الرب وليس معاقبته.

كم من وثني وعشّار بيننا وفي مجتمعاتنا وبيئتنا؟ كم من عائلة مفككة لأسباب تافهة، ناسين أن: "كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخْرَبُ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لاَ يَثْبُتُ" (متى 12: 25).


الإنقسام في العائلات سببه في أغلب الأحيان المال، ولذلك حذّرنا يسوع في إنجيله من عبادة المال بقوله: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. 

لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ"(متى 6: 24). لا يستطيع أحد أن يحيا في النور والظلمة معًا. فالمال سيد قاسٍ يجعل من يعبده يتخلى عن الله وعن ضميره وعن أحبائه.


التفكك العائلي بات عند الكثيرين أمرٌ طبيعي، والطلاق بات أمرًا مستسهلًا في عقول بعض المتزوجين، وهذا كلّه ناتج عن قساوة القلب وعدم الإحترام وانتفاء الحوار، بالإضافة إلى الخيانات الزوجية الناتجة عن طلب اللذة والشهوة المتفاقمة والخطيئة المستفحلة. أو بسبب النفور المتعدد الأسباب، فضلًا عن المال الذي هو علّة العلل.

مؤسسة الزواج والعائلة باتت مهددة بالدمار الشامل، وما نعيشه اليوم في لبنان يسرّع الإنهيار، بسبب الأوضاع المعيشية والإجتماعيّة والنفسيّة، وهنا تكمن قوة الإيمان والإلتزام بالتعاليم الكنسيّة والروحيّة عمومًا. 


فمن فهم أن الله محبة، عرف أن يضحّي ويسامح ويصبر ويتأنى. فالحوار أساسي وضروري بين الزوجين أولًا، وبين كافة أفراد الأسرة ثانيًا.

إنه من دواعي الإستقرار العائلي أن يشعر الرجل مع زوجته، بأتعابها وأوجاعها ومشاعرها ويتحاور معها، يسمعها ويصغي إليها، والعكس صحيح، تقدّر أتعابه ونجاحاته وجهده المتواصل لأجل عائلته. 


كذلك يجب على الإخوة والأخوات أن يتنازلوا عن كبريائهم وأطماعهم وعنادهم وتشبصهم، وأن يؤآزروا بعضهم بعضًا، وبهذا يعرف الناس أنهم تلاميذ ذاك الذي عُلق على خشبة، وبذل نفسه حتى الموت، موت الصليب.

فليتعالَ المتخاصمون عن كبريائهم، ولينصتوا إلى كلام الحق، وبهذا يعود الدفء إلى البيوت المتنازعة، وتستقر أرواح الآباء والأمهات تحت التراب في الراحة الأبدية.

الأنبا مكاريوس: رأي روحي في التبرع بالاعضاء

الأنبا مكاريوس - أسقف عام المنيا

«فَمَاذَا كَانَ إِذًا تَطْوِيبُكُمْ؟ لأَنِّي أَشْهَدُ لَكُمْ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ لَقَلَعْتُمْ عُيُونَكُمْ وَأَعْطَيْتُمُونِي» (غلاطية 4: 15).



في ردّه على أسئلة شباب الأقباط في أمريكا، شجع قداسة البابا تواضروس الثاني على نقل الأعضاء من شخص منتقل، شريطة موافقة ذوي المنتقل، فيما كان المتنيح البابا شنوده قد وافق من قَبل على التبرُّع بالأعضاء في حياة الشخص وبعد موته أيضًا.


وتستند موافقة الكنيسة -بل تشجيعها- على التبرُّع بالأعضاء، سواء أثناء الحياة أو بعد الموت، على مبدأ العطاء غير المحدود، والذي يبدأ بالتعاطف والاهتمام وبذل الوقت، مرورًا بالعطايا المالية والعينية، إلى الأشياء التي يمكن تعويضها مثل التبرُّع بالدم أو الشعر (تضامنًا مع مرضى السرطان ولا سيما الأطفال)، إلى التبرُّع بإحدى الكليتين أو جزء من الكبد لإنقاذ حياة شخص، أو إحدى القرنيتين لإتاحة الفرصة لإبصار شخص مُهدَّد بالعمى الكامل، وكذلك أجزاء من العظام لعلاج بعض الذين تعرّضوا للحوادث، وغيرها من أنواع التبرُّع المتعدّدة لإنقاذ حياة الآخرين دون التضحية بحياة المتبرِّع.


وفي نفس الاتجاه واستمرارًا للعطاء، يوصي البعض بأنه لا يمانع من نقل ما ينفع من أعضائه بعد وفاته لإنقاذ حياة آخرين، وهو أمر شائع في بلاد كثيرة، حيث تكون هناك قائمة انتظار للمحتاجين، كلٍّ بحسب مواصفات العضو المطلوب. وقد نُشِر على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرًا صورة لطفل قبل موته وبجواره الطفل الذي سيحيا بعده بقلبه، وكان البطل في القصة والدي الطفل الذيْن تأكدا أنه سيموت لا محالة، وقد وافقا من ثَمّ على التبرُّع بالقلب.


ولكن الأعظم من هذا وذاك وكافة التبرُّعات على مُختلَف أنواعها، هو تبرُّع شخص بأعضائه مُضحِّيًا بحياته كلها من أجل شخص آخر تتوقف حياته على هذا التبرُّع. هذا ويُعَد تبرُّع الإنسان بالأعضاء -ميتًا وحيًا- هو أسمى درجات التضحية؛ إن في ذلك صدىً لفكرة الفداء (لا سيما مَنْ يبذل حياته لأجل آخر)، هكذا قال السيد المسيح: «لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ» (يوحنا 15: 13).


ويعبِّر البعض عن مبلغ محبتهم واستعدادهم للتضحية بالقول: "أعطيك عيني"، وهو تعبير المقصود به -ولو رمزيًا- التنازل عن أغلى ما يملك الشخص لأجل من يحبه، وهذا ما أشار إليه القديس بولس الرسول في حديثه لأهل غلاطية «لأَنِّي أَشْهَدُ لَكُمْ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ لَقَلَعْتُمْ عُيُونَكُمْ وَأَعْطَيْتُمُونِي» (غلاطية 4: 15). وكثيرًا ما فضّلت الأم جنينها على حياتها هي، فحين خيّروها بين حياتها واستمرار الحمل والمولود، اختارت أن تموت هي ليحيا هو (ذلك قبل أن تراه وتتعلّق به ليكون هناك مُبرِّر للتضحية)، وكثيرًا ما ضحّت أم بنفسها لإنقاذ أولادها حين دافعت عنهم حتى الموت، سواء ضد الوحوش أو اللصوص أو النيران وغيرها.


وإن كان التبرُّع بالأعضاء والإنسان حيٌّ جائز، فكم بالحري بعد وفاته، ولكن التحفظ الوحيد في التبرُّع بالأعضاء -سواء في الحياة أو بعد الموت- هو أن يكون ذلك بكامل رغبة المُتبرِّع، وألّا تكون هناك شبهة تجارة في الأمر، سواء بغرض الحصول على المال، أو من خلال جرائم خطف الأطفال للمتاجرة بأعضائهم.


كان البعض قد اعترض على التبرع بالأعضاء بعد الموت باعتبار ذلك إهانة لكرامة الميت، ولكن الذين وافقوا كتابةً على نقل أعضائهم بعد موتهم، رأوا في ذلك استمرار لعطائهم حتى بعد موتهم، وأنه لا مانع من إنقاذ البعض ومنحهم فرصة للحياة بدلًا من أن تتحول تلك الأعضاء إلى تراب. ونقرأ عن القديس أرسانيوس معلم أولاد الملوك أنه قد طلب إلى تلاميذه ألّا يدفنوه، بل يجرّونه إلى أعلى الهضبة لعلّ الوحوش والجوارح تجد ما تأكله، وبذلك يكون لجسده -حسب تعبيره- منفعة بعد موته.


كما اعترض البعض الآخر على زرع الأعضاء بشكل عام بأنه اتجاه دنيوي وتشبُّث بالحياة، ولكن أحرى بصاحب الرأي أن يحقِّق ذلك في نفسه بالتبرُّع بأعضائه مُستخِفًّا بهذه الحياة الدنيا، وليس بوعظ المريض والمشرف على الموت (بأن يمضي هو قُدمًا نحو الموت!). إنه مثل الذين يهاجمون عمل الأطباء وغرف الانعاش والعناية المركزة، باعتبارها ضد إرادة الله! ومثلهم الذين يرفضون نقل الدم من شخص لآخر حتى لإنقاذ حياته، مثل شهود يهوه.. ولكن قد صرّح السيد المسيح بأنه لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، وتحدّث يشوع بن سيراخ عن كرامة الطبيب وأهمية الأدوية.


إن السيد المسيح مات أيضًا بالجسد عنّا وسُفِك دمه لأجلنا، كما أنه أقام البعض من الموت، وشفى آخرين كثيرين، ومن بين هؤلاء مَنْ تمّ معهم ما يشبه زراعة الأعضاء، مثلما حدث مع المولود أعمى والذي وُلِد بغير عينين، كما نقرأ عن القديسين قزمان ودميان أنهما أخذا عظم ساق ميت وزرعاها في ساق مريض.


إشكالية اخرى طرحها البعض، وهي: على من تُحسَب أخطاء الأعضاء المُتبرَّع بها كالعين والقلب والكلى، فقد استخدمها أكثر من شخص؟! وللردّ على ذلك نقول إن هناك إرادة للشخص. إن الحواس ليست مجرد آلات تعمل بتلقائية، وإنما هناك ما يمكن أن يُسمّى بـ"العين الإرادية" التي توجّه العين الخارجية، وهكذا بقية الحواس الإرادية، مثلما يُعطى القلم الواحد لعدّة أشخاص فيكتب كلٌّ منهم غير الآخر، ومثله استخدام المال والذكاء وغيرها.


ولعل أحد اوجه الاعتراض على فكرة تقمُّص الأرواح (أي أن روح المنتقل تقمّصت أو سكنت في جسد جديد)، وبالتالي فإن الانسان يمكن أن يعيش عدّة حيوات بأجساد متعددة، ففي الدينونة مع أي جسد منها يُدان؟! وإنما سيُدان الإنسان جسدًا ونفسًا وروحًا «فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ» (متى 16: 27).

أصنام رام الله.. ماذا بعد؟

لارا صالح - تعددية

أثارت حادثة تحطيم رؤوس تماثيل الأسُود الشهيرة في دوَّار المنارة، وسط مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة، والتي قام بها أخيرًا أحد الشبان مُتذرِّعًا بأنه لا يعبد الأصنام، استياءَ الناشطين/ات على مواقع التواصل الاجتماعي.



نتيجة تحطيم ما سمَّوه الوجه الحضاري لمدينة رام الله، أو بعبارة فنية: "تُراثها"؛ إذ يُعَدُّ ميدان المنارة أشهر ميادين رام الله، ويتزيّن بخمسة تماثيل للأسود، ترمز إلى العائلة المؤسِّسة للمدينة.

وعلى الرغم من إعلان الشرطة الفلسطينية بعد اعتقال الشاب أنه: "قام بفعلته تحت تأثير اضطراب نفسيّ"، فإن الحادثة فجَّرت وابلًا من الأسئلة المقلقة حول بواعث نمو الفكر المتطرف وأسبابه داخل المجتمع الفلسطيني، وحجم التهديد الذي يشكله للأمن والاستقرار الداخلي والسلام المجتمعي، ومدى كفاءة وسائل الإعلام، ونجاعة مناهج التربية والتعليم.


على أية حال، لا أحد يملك تفسيرًا يقينيًّا لِما يدور فعلًا في داخلة هذا الشاب، ومن السهل القول: إنه فعَل ما فعَل تحت تأثير عرَضِيٍّ أو عامل نفسي. أما أهل رام الله، هذه المدينة التي تُمثل تنوعًا وتعددًا وفرادة في نسيجها الاجتماعي، فقد سيطر عليهم مزيج من الحسرة والقلق والخوف، يشير إلى أن ما يهدد أمنهم أكبر بكثير من فعل فردي، وأن ما حدث لا يتعلق بإرث تاريخيٍّ فقط، إنما يمسُّ منظومة كاملة لشعب يكاد التاريخ لا يعرف ألَمًا مرَّ به شعبٌ سواه.

يبدو أن الخوف من بروز الفكر المتطرف، يحتاج إلى تركيب صحيح لمتناقضات كثيرة. فالظروف المعيشية القاهرة التي يعانيها بعضهم، وانتشار مظاهر الفقر والبطالة، وتفشي مظاهر الفساد في الطبقتين السياسية والاقتصادية، في بلد يرزح تحت وطأة احتلال غاشم، قد تدفع العديد من الشباب إلى الإيمان بالفكر المتطرف، والميل إلى الانتقام حتى من عناصر التاريخ والتراث والجمال.


ولا جرم أنَّ واقعًا كهذا قد يشكل تربة خصبة لظهور ردود فعل شاذة وغير متوقعة؛ ما قد يكون في المستقبل القريب مركز جاذبية للعصابات الظلامية، من أجل استقطاب جيوش اليائسين/ات المهمَّشين، للتمرد على ثوابت لم تكن راسخة بقدر كاف، لمنحهم إحساس الانتماء.

من هنا تبرز أهمية ارفاق التنمية الاقتصادية وسبل العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد إلى جانب الأدوات الإعلامية والدراسية والقراءات المعتدلة للنصوص الدينية، فالرخاء الاقتصادي وحده لا يستطيع مواجهة تطرف يزرعه فهم متطرف للدين، وبالمقابل لن يكفي الفهم المعتدل إن كانت ظروف الحياة قاسية غير عادلة، تلازم الجانبين يبدو مهمًا كحل تكاملي في وجه التطرف والأفكار المشوهة المبنية على فهم خاطئ للدين يغذيه بؤس الحياة، وأيضًا لا تبدو المقاربات الأمنية للتطرف سوى حلًا سيئًا للأعراض قد يفاقمها بدل حلها، ويتجاهل الأسباب الحقيقية للتطرف. 


وما ينبغي الاعتراف به هنا، أن معظم العناصر المتطرفة على مر الزمن قد تحدّرت من الفهم الخاطئ أو المجتزء للدين بشكل عام، وأن أحد جذور المشكلة يكمن في أساليب التلقين والحكايات الشفاهية التي ورثها الأبناء عن الآباء والأجداد؛ ما جعل هذه العناصر أقرب ما تكون إلى الانغلاق وسوء الظن بالآخر وإقصاء رأيه، وعدم التردد في تصفية كل ما هو مخالف، عبْر الإيمان بفتاوى شخصية، والإخلاص لقراءات معيَّنة لأزمنة خلت. 

وذلك ما حدا بهم إلى ممارسة عملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتكريس لواقع يتسم بالجهل، ويحارب كل فكر يوقظ الوعي المجتمعي.


كتابة فرد واحد لا يمكن أن تُحدث تأثيرًا كبيرًا، أما كتابات جمْعٍ واعٍ، فهي التي قد تُحْدث التغيير المأمول، خصوصًا في مجالات التربية والتعليم، للوصول إلى أجيال تَحمل الراية وتنمو باتجاه الحداثة. 

وحادثة تحطيم أُسُود رام الله كريهة في جوهرها، وفاضحة للكثير من خفايا ثقافة مخبوءة، وقد تتحول في مناطق أخرى إلى ظاهرة تُضاف إلى أورام التناقضات، التي تنخر جسم الدولة الفلسطينية، وتُعطل حلم التحرير.

إذا أرهقتك هموم الحياة

أشخين ديمرجيان

يسجّل العالم أرقاماً قياسية في معدّلات الأرق والقلق والهموم وغيره كثير.‏ وما من يوم يمرّ على معظم الناس بلا تعب الفكر. والعالم الذي نعيش فيه يساعدنا على أن نغرق في هموم تتعلّق بالصحة أو المستقبل أو الوضع المادي، بينما يدعونا الله أن "نُلقي عليه جميع همّنا فإنّه يُعنى بنا" (1 بطرس 7:5).



"إنْ كنّا لا نرغب في أن نُنهك أنفسنا قبل الأوان، علينا أن نعيش خالين من كلّ همّ. على أنّ صعوبات الحياة تنقضّ علينا. تُقاتلنا من الخارج فتهزّ كياننا، وتكتسحنا من الداخل، مُهاجمة منّا الروح والقلب". 

هذه الكلمات من أقوال الأب المرحوم ميشيل كواست، وهو كاهن كاثوليكي فرنسي، كان متخصصًا في علم اللاهوت والعلوم الاجتماعية والسياسية. اشتهر بأعماله الأدبية ولا تزال كتبه تُنشر وتُرجمت منها ملايين النسخ إلى أكثر من 27 لغة حتى الآن.


لن نستطيع مجابهة صعوبات الحياة وتذليلها إن لم نضعها في الحال وبإخلاص تامّ بين يديّ الله. في كلّ خطوة من خطوات حياتنا، ينبغي أن نتدرّب طويلاً، كي نعتاد أن  نعوّض عن ضعفنا البشري بقدرة الله غير المتناهية.

لا يوضع ثوب قذر بين الثياب النظيفة ولا ثمرة عفنة بين ثمار طازجة. لو أردنا أن نعيش في طمأنينة وسلام، بقوّة ونقاوة، لن نرضى أبداً أن يُقلقنا همّ واحد ماضياً أو حاضراً أو مستقبلاً.


كلّنا نعلم أنّ الهمّ أو الغمّ حالة يائسة من عدم الارتياح وفقدان البهجة وضيق في الصدر والأسى الممزوج بانعدام الهمّة والحيوية والنشاط. وقانا الله من الهمّ والأفكار السلبية السوداء. كما أنّ تعاقب هذا النمط من التفكيرالسلبي قد يؤدّي إلى القلق وينتج عن ذلك التوتّر والكآبة.

الأفضل أن لا نسمح للهمّ أن يحني قلوبنا وأن لا نشغل بالنا بأمور وتوقّعات قد لا تحصل أبداً وأن نتذكّر ما قاله السيّد المسيح:‏ «أطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه. لا يهمّكم أمر الغد،‏ فالغد يهتمّ بنفسه. ولكلّ يوم من العناء ما يكفيه» (متّى 25: 33و 34 تابع‏)‏.


وفي الملكوت: "سيمسح الله كلّ دمعة من عيونهم.‏ وللموت لن يبقى وجود بعد الآن،‏ ولا للحزن ولا للصراخ ولا للألم لن يبقى وجود بعد الآن، لأنّ العالم القديم قد زال"‏ (رؤيا 4:21).

من أقوال الإمام الشافعي في هذا المجال: "ولرُبَّ نازلةٍ يضيق بها الفتى - ذرعاً وعند الله منها المخرج. ضاقت، فلمّا استُحكِمت حلقاتها فُرِجَت، وكنتُ أظنّها لا تُفرَجُ".     


مسك الختام

"إذا أرهـقَـتـك هــمـوم الــحــيـاة ومَسّكَ مـــنها عــظيم الــضرر وذُقــتَ الأمَــرَّين حتـى بـكـيـت وضجَّ فـؤادك منها حتى انفجر وسدّت بـوجـهـك كــلّ الــدروب وأوشكتَ أن تسقط بين الحفر فيَـمّـم وجـهك إلى الله فـي لـهفةٍ وبــُــثّ الشكـــاة لـــربّ البشر"

(يُقال أنّها حكمة لرجل عجوز غير معروف).

الدين وخطاب الكراهية

فادي ضو - تعددية

أعلنت السلطات القضائية في مدينة تولوز الفرنسية، في 14 أيلول/سبتمبر 2021، براءة "محمد تاتاي" إمام مسجد المدينة الكبير، من تهمة التحريض على الكراهية والعنف ضد اليهود.



التي كانت قد وُجّهت إليه بناءً على مضمون إحدى خطبه في المسجد، حين روى نَصَّ الحديث الشريف: "لا تَقُوم الساعةُ حتى يقاتل المسلمون اليهودَ، فيَقتلهم المسلمون حتى يَختبِئَ اليهوديُّ من وراء الحَجر والشجر، فيقول الحَجر أو الشجر: يا مُسْلم يا عبد الله هذا يهوديٌّ خلفي، فتَعالَ فاقتُلْهُ". 

وكانت مدينة تولوز قد تعرّضت سابقًا لهجوم إرهابي على يد إسلاميّ، قتل عددًا من الجنود الفرنسيّين، وبعض الأطفال في مدرسة يهودية.


رأى فريق الادعاء أن اختيار الإمام لهذا الحديث، يَنمّ على تحريض على الكراهية والعنف. أمّا الإمام تاتاي، فقد صرّح بأنّه لم يقصد التحريض ضد اليهود، وبأن معنى الحديث "الحقيقي" لا يعني ذلك، وقدّم اعتذاره إلى الذين قد انزعجوا من موقفه، وهُم -برأيه- قد أساؤوا فهمه. أما المحكمة فقد عدّت موقف الإمام غير حكيم، ولكنه لا يعبّر بالضرورة عن تحريض على الكراهية والعنف، لِكون النص الإشكالي هو اقتباس من نص ديني. عبّر القضاء بذلك عن تمسّكه المزدوج بحرية التعبير بأقصى حدودها من جهة، وبحرية المعتقد والدين من جهة أخرى، حيث تنأى السلطات الرسمية بنفسها عن التدخّل في تحديد ما يجوز استعماله من النصوص الدينية، حتى وإن تضمّنت عناوين لا تخدم العيش معًا بإخاء وسلام بين المواطنين.


تَنمّ هذه الحادثة على التعقيدات المرتبطة بحرية التعبير، وخاصة عندما يكون الموضوع ذا شأن ديني. اختارت السلطات الحكومية في فرنسا عدم التدخّل في آراء الناس ومعتقداتهم، بوصفها دولة علمانية تفصل بين الدين والدولة، وتحترم الحريات وحقوق الإنسان، ضامنة للجميع حق التعبير عنها في حدود القانون، في حين نشهد في دول أخرى قوانين تحدّ من حرية التعبير، أو تُوجّه السلطاتُ الحكومية فيها مضمون الخطابات الدينية، تحت شعار منع ازدراء الأديان أو محاربة التطرّف والإرهاب.


كرّس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) حرية التعبير (المادة 19)، بشكل يهدف إلى ضمان حق الاختلاف في الرأي، والتعبير عنه بمختلف الوسائل في المجالين الخاص والعام. وحصَر الإعلان ضوابط ممارسة هذا الحقّ في المحافظة على سلامة الأشخاص (المادة 3)، ورفض المعاملات الحاطَّة من كراماتهم (المادة 5)، أو التحريض على التمييز ضدهم (المادة 7)، والتدخل التعسّفي في حياتهم الخاصة أو التعرّض لشرفهم أو سمعتهم (المادة 12). لكنْ أُضيفَ لاحقًا إلى القانون الدولي، عبْر "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" الصادر عام 1966، و"خطة عمل الرباط" للأمم المتحدة الصادرة عام 2012، حظْرُ الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، التي تُشكّل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف. جاءت هذه الإضافة للحدّ من تَفشّي العنصرية، أو صراع الهويّات والنزاعات ذي الطابع الديني.


رغم هذا التطوّر في القانون الدولي، مال موقف القضاء الفرنسي في قضية الإمام تاتاي نحو الحفاظ على حرية المعتقد والتعبير، بدَل التدخّل للحدّ من الخطابات الدينية التي تحتوي على مضامين سلبية تجاه مجموعات بشرية أخرى. وكانت "خطة عمل الرباط" أوصت بالتمييز بين ثلاثة أنواع من خطابات الكراهية. الأول منها هو التعبير الذي يُشكّل جريمة بسبب احتوائه على تحريض مباشر على العنف. والثاني هو التعبير الذي لا يستحق العقاب جنائيًّا، إنما يمكن أن يكون مُسوِّغًا لدعوى مدنية أو عقوبات إدارية، لاحتمال إسهامه في تعزيز مواقف التمييز والعدائية. أما الثالث فهو التعبير الذي لا يستدعي أي عقوبات جنائية أو مدنية أو إدارية، مع كونه مثيرًا للقلق بشأن احترام التنوّع والآداب واحترام حقوق الآخرين.


في الواقع، إنه لرائج أن تحتوي النصوص الدينية -ومنها "الكتب المقدسة"- على مضامين تدعو إلى التمييز بين الناس، الذي قد يَنتج منه تعامُلٌ مجحف أو مسبِّب للضرر أو مبرِّر للصراعات العنيفة. وبهذا المعنى تُصبح هذه الأديان أداة محتمَلة لخطابات الكراهية، وتصطدم بالمنظومة الأخلاقية والقضائية للقانون الدولي. فقد يَفلت "الخطيب الديني" من العقاب الجزائي أو المدني في بعض الحالات، ولكنه يبقى مُلامًا أخلاقيًّا واجتماعيًّا وربما إداريًّا إنِ استعان بمثل هذه النصوص، مع ثبوت شرعيّتها وحرية الخطيب الدينية. باختصار، إنَّ تطوُّر المنظومة الأخلاقية والقانونيّة الدوليّة تضع الأديان أمام تحدٍّ منهجي. فهذه المنظومة تعطي الأديان من جهة الحقَّ في أن تحتوي على معتقدات فيها من السلبية تجاه الآخرين، ولكنها تَدِينها أخلاقيًّا وقانونيًّا من جهة أخرى إن نتج منها تمييز وكراهية، وربما عنفٌ تجاههم. فهل تستطيع الأديان حلّ هذه المعضلة المنهجية من دون "تعطيل" نصوصها التي فيها تمييز وكراهية؟

في الأردن، لا يجوز استخدام تعبير «أقلية» – رأي قانوني

نوفان العجارمة، رئيس ديوان التشريع والرأي السابق :

يطلق بعض السياسيين وحتى القانونيين تعبير (الأقليات) على بعض مكونات المجتمع الأردني -لغايات تطبيق قانون الانتخاب– وهذا التعبير غير صحيح من الناحية القانونية الخالصة.



لقد هجر المشرع الدستوري الأردني تعبير (التمثيل العادل للأقليات) منذ عام 1952، وقد استخدم هذا التعبير لأول مرة في المادة (25) من القانون الأساسي لإمارة شرق الأردن لسنة 1928، وأعيد استخدامه في  المادة (33) من الدستور الأردني لسنة 1947.

أن إغفال الدستور الأردني لسنة 1952 (موضوع تمثيل الأقليات) مقصودًا لذاته، وينطوي على حكمة معينة، وهو استبدال مفهوم المواطنة -كأساس التنظيم الحقوق والواجبات- بأي مفهوم آخر كالعرق والدين، فالمواطنة تصهر الفوارق الدينية والعرقية بين أفراد المجتمع، وتجعل من التركيبة الاجتماعية تركيبة متجانسة ومنتمية للدولة، لذلك كان إغفال موضوع الأقليات في الدستور لسنة 1995 مقصودًا لذاته، وليس مجرد سهو أو خطأ.


إضافة إلى ما تقدّم، للأقلية مفهوم محدد لدى فقهاء القانون الدولي، فالبعض أخذ بالاتجاه العددي (يحدد هذا الاتجاه الأقلية بعدد أفرادها) وهو الاتجاه الذي تبنته اللجنة الفرعية للقانون الدولي بشأن الأقليات والتمييز العنصري، ويقصد بالأقلية حسب هذا المفهوم، مجموعة أصغر عددًا من باقي شعب الدولة أو جزء من مواطنيها يختلفون عن بقية شعبها من حيث الجنس أو الدين أو اللغة تكون في وضع غير مسيطر. 

وعليه يستبعد من دائرة الأقلية الأقليات التي تكون في وضع مسيطر في الدولة كالأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا التي كانت تسيطر على الأغلبية السوداء من السكان الأصليين.


والبعض أخذ بالاتجاه الموضوعي: من حيث منطلق التمايز والتباين بين أفراد شعب الدولة من حيث الجنس أو الدين أو اللغة أو الثقافة. فينصرف اصطلاح الأقلية إلى أية طائفة من البشر المنتمين إلى جنسية دولة بعينها، متى تميزوا عن أغلبية المواطنين المكونين لعنصر السكان في دولة معينة من حيث العنصر أو الدين أو اللغة. 


وهو الاتجاه الذي تبنته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر بشأن مدارس الأقليات في اسبانيا.

وأخيرًا الاتجاه الشخصي، حيث يعتمد أنصار هذا الاتجاه في تحديدهم لمفهوم الأقلية على عنصر شخصي بحت مبني على الإرادة والمشاعر ومفاده أن منشأ وجود الأقليات عندما توجد الرغبة من أعضائها في صيانة معتقداتها الشخصية التي تميزها عن باقي المجموع فضلاً عن ولائها لهذه المجموعة، أي هي مسألة تتعلق بالمشاعر والإرادات.

وعليه، نجد أن مفهوم الأقلية باتجاهاته المختلفة (العددي أو الموضوعي أو الشخصي) لا ينطبق بعض فئات مواطنينا الأعزاء الذين ساهموا في بناء الدولة، وكان وجودهم أيضًا سابق على تأسيسها، فمعتقداتهم الشخصية مصونة.


وهناك العديد من النصوص الدستورية تحقق الغايات التي ترمي إلى تحقيقها الفكرة من إنشاء الأقلية دوليًا، فالحريات الأساسية مكفولة كحرية العقيدة الدينية، وحرية تكوين الجمعيات، وحرية التعليم، والحق بالعمل، وقد سادت في العصر الحديث أفكار مثالية كفكرة التسامح الديني والعرقي.

وطغت تلك الأفكار على كافة المجالات واستقرت في الضمير الإنساني، وكل ذلك مغلف في إطار جامع مانع بين جميع مواطني الدولة ألا وهو مبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة (6) من الدستور، فالأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين.


لقد صاغ المشرع الدستوري الأردني فكرة المساواة من ناحية قانونية خالصة، حيث تدور حول أن يكون جميع أفراد المجتمع إزاء القانون في مركز واحد دون تفرقة أو استثناء سواء كان هذا القانون يقرر منفعة (المساواة في المنافع العامة).

أو يفرض التزامًا (المساواة في تحمل التكاليف العامة)، أي أن يكون القانون عامًا عمومية مطلقة حتى ينطبق على جميع أفراد المجتمع دون استثناء، ولما كان من العسير أن يكون جميع أفراد المجتمع في مركز واحد حتى يكون القانون واحد بالنسبة للجميع، لذلك قيل بأنه يمكن الاكتفاء بالمساواة النسبية التي تنطبق على مجموعة من أفراد المجتمع التي تتوافر الشروط التي يتطلبها القانون.


وعليه، يمكننا قبول تعبير مقاعد مخصصة أو مقاعد محجوزة أو حتى كوتا، لكن لا يمكن قبول تعبير (أقلية).

وثيقة "نختار الحياة": مقاربة جديدة لدور المسيحيين في العالم العربي

قاسم قصير - عربي 21

شهدت كنيسة مار الياس في منطقة أنطلياس (القريبة من العاصمة اللبنانية بيروت) في الثامن والعشرين من أيلول؛ إطلاق وثيقة مسيحية عربية جديدة تحت عنوان: "نختار الحياة: المسيحيون في الشرق الأوسط نحو خيارات لاهوتية ومجتمعية وسياسية متجددة".



وقد أعد الوثيقة عدد من اللاهوتيين والمفكرين المسيحيين الناشطين في الشأن العام، وبعضهم كان مسؤولا في مجلس كنائس الشرق الأوسط الذي يجمع معظم الكنائس الشرقية. ومن هؤلاء: السيدة ثريا بشعلاني (من لبنان وكانت الأمينة العامة لمجلس كنائس الشرق الأوسط)، القس متري الراهب من فلسطين، الخوري روفايل زغيب (لبنان)، الخوري خليل شلفون (لبنان)، الباحث زياد الصايغ (لبنان)، الأخت إميلي طنوس (لبنان)، القس جورج جبرا القبطي (الأردن)، القسيسة نجلا قصاب (لبنان)، الأستاذ أسعد الياس قطان (من لبنان ومقيم في ألمانيا)، السيد ميشال نصير (من لبنان ومقيم في سويسرا)، الأب كابي الفرد هاشم (لبنان)، كما شارك في إطلاق الوثيقة عشرات المفكرين ورجال الدين والناشطين في الشأن العام.

واعتبر المعدون والمشاركون في إعداد وإطلاق الوثيقة أن المسيحيين في العالم العربي (وهم استخدموا مصطلح الشرق الأوسط) يواجهون تحديات كبرى تضعهم أمام خيارات يتوقف عليها مستقبل وجودهم وحضورهم. 


وهذا يتطلب مقاربات جديدة حول الأوضاع في العالم والعالم العربي ووضع تصورات عملية لمواجهة هذه التحديات، من خلال الاستفادة من دروس المراحل الماضية وخصوصا ما جرى خلال السنوات العشر الأخيرة والربيع العربي.

وقد استعرضت الوثيقة واقع وأحوال المسيحيين في الشرق الأوسط وعرضت لعناصر القوة والضعف والعلاقة مع الحداثة المجهضة والعولمة الملتبسة، ومن ثم استعرضت تحولات الربيع العربي والتغيرات الناتجة عن الأوضاع البيئية والصحية، ولا سيما أزمة فيروس كورنا وانعكاس كل ذلك على الواقع المسيحي.


ومن ثم قدمت الوثيقة أفكارا واقتراحات عملية لمواجهة مختلف التحديات، وتحديد الدور الذي ينبغي أن تقوم به الكنائس في العالم العربي على مختلف الصعد الدينية واللاهوتية والتنشئة، ومواجهة إشكالية الوجود والعلاقة مع المجتمع، وتحدثت عن تحديات الحاضر والمستقبل داعية إلى مقاربات جديدة للدور المسيحي من خلال عقد اجتماعي جديد، والرهان على التعاون الجماعي وثقافة الأخوة الإنسانية واعتماد خطاب لاهوتي جديد.

وختمت الوثيقة بالدعوة لعدد من الخيارات والسياسات ومنها: الاستمرار بالوحدة المسكونية بين الكنائس مع تطوير تجربة مجلس كنائس الشرق الأوسط ونفض الغبار عنه، ومقاربة قضايا المنطقة وشعوبها بالاستناد إلى لاهوت سياقي وطني وإقليمي، وتجديد الخطاب الكنسي واللاهوتي بما يتلاءم وأحوال العصر، وتفعيل رابطة كليات ومعاهد اللاهوت في الشرق الأوسط، وتبني المسيحيين في الشرق الأوسط سياسات جديدة بعيدا عن السلطات القمعية واعتماد خيار الديمقراطية، وتوثيق العلاقة بالشباب وتبني هموم النساء ومشاكلهم والتواصل مع المغتربين، وتطوير الحوار الإسلامي- المسيحي واعتماد رؤية جديدة لهذا الحوار، وتعزيز حضور المسيحيين في مؤسسات الدولة والاهتمام بقضايا الشأن العام، وتطوير العلاقة مع أبناء الديانة اليهودية ومواجهة التيارات المسيحية الغربية الداعمة للصهيونية، وتبني قضايا الشعب الفلسطيني وصولا لقيام السلام الحقيقي والدولة المدنية في فلسطين، والعمل الجاد لقيام قوانين مدنية للاحوال الشخصية وتحقيق المساواة بين المواطنين، واعتماد حياد الدولة تجاه الأديان والالتزام بالمواطنة، والانحياز إلى قضايا الحريات وحقوق الانسان والديمقراطية والتدوال السلمي للسلطة، والاهتمام بالإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ومتابعة أوضاع اللاجئين والاهتمام بمشاكلهم وهمومهم.


هذا أبرز ما ورد في هذه الوثيقة المهمة، والتي تحتاج إلى قراءات هادئة ومناقشة لمختلف البنود فيها. وقد تم تعميمها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومن خلال صفحات خاصة تحت عنوان: نختار الحياة. ورغم أن الوثيقة لم تصدر عن جهات كنسية رسمية ولم يتم تبنيها من قبل الهيئات الكنسية المركزية التي تدير أوضاع المسيحيين عالميا وإقليميا، ولا يمكن اعتبارها مجمعا كنسيا جديدا، فإنها تعبر عن مناخ فكري وسياسي ولاهوتي واجتماعي داخل البيئة المسيحية في العالم العربي، ومن هنا أهمية التعاطي معها ومناقشتها.

وهذه الوثيقة تتلاقى مع المناخ السائد عالميا ولدى بعض الكنائس العالمية والأوروبية بالدعوة إلى لاهوت جديد تحت عنوان: "لاهوت الشأن العام"، والذي سبق أن جرى الحديث عنه في مؤتمرات ولقاءات فكرية في بيروت وعواصم عربية وأوروبية. كما أن هذه الوثيقة تقترب كثيرا من مضمون "وثيقة الأخوة الإنسانية"، والتي تبناها البابا فرانسيس مع شيخ الأزهر الإمام الدكتور أحمد الطيب. 


وهي تلاقي أيضا العديد من الوثائق الحوارية والداعية لحماية التنوع والمواطنة، وإن كانت تركز أكثر على موضوع الحريات والديمقراطية ورفض السلطات القمعية، مما يشير لخطاب كنسي جديد يخالف بعض الكنائس الرسمية التي تحرص على العلاقة مع السلطات القائمة في العالم العربي، بغض النظر عن شرعيتها وديمقراطيتها وقمعها لشعبها.

نحن إذن أمام حوار متجدد داخل البيئة المسيحية العربية حول مختلف القضايا المعاصرة. ورغم أنه من غير السليم أن يتم تقسيم النقاش في العالم العربي على أسس دينية أو طائفية، أو الفصل بين ما يجري في البيئات المسيحية عما يجري في البيئات الإسلامية المختلفة، وأننا نحتاج إلى حوار مشترك على أساس الانتماء للوطن وعلى قاعدة "إننا كلنا في الهم شرق"، وأن همومنا في العالم العربي موحدة ولا تنقسم بين همّ إسلامي أو همّ مسيحي، فإنه من الضروري رصد ومتابعة هذه النقاشات في البيئات المسيحية والبحث عمن يلاقيها في البيئات الإسلامية؛ للتأسيس لحوار عربي جديد قائم على أساس المواطنة وقيام الدولة المدنية، والدفاع عن حقوق الإنسان وحماية الحريات والتنوع وملاقاة قضايا العصر.


وللأسف، فإن الأطر العربية أو القومية أو الحوارية المشتركة قد تراجع دورها، مثل المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي ومؤتمر الأحزاب العربية ومؤتمر الحوار الإسلامي- المسيحي، وغيرها من اللقاءات المشتركة.

كما أن معظم مراكز الدراسات العربية التي كانت ناشطة في الحوار ومواكبة قضايا العصر قد تراجع دورها، وبعضها يواجه اليوم أزمات مالية كبرى كما يحصل مع مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت. 


ولذا فنحن بحاجة لعقل عربي جديد يواكب المتغيرات الحاصلة، ويعيد بناء أسس المشروع النهضوي العربي بعيدا عن المذهبية والطائفية.

وفي الختام لا بد من التأكيد على أهمية وثيقة "نحن نختار الحياة"؛ لأنها تشكل حافزا للحوار والنقاش حول مختلف القضايا في العالم العربي اليوم، وليس فقط حول أحوال وأوضاع المسيحيين في الشرق الأوسط.

معايير أخلاقية موحّدة

أمل الحارثي - الأردن - تعددية

اِنتشر قبل أيّام مقطع فيديو لشابّ يتمشى على أحد شواطئ مصر، وهو يُشير إلى النساء المستلقيات بملابس السباحة ضاحكًا مستهزئًا. "لَحْم رخيص"، جملة كرّرها الشابّ في مقطع لا يتجاوز الدقيقة.



لتبدأ بعدها حملة تحريض على الشاب، والمطالبة بعقابه على اعتباره متحرّشًا يسيء لسمعة مصر، ويؤثّر سلبًا في قطاع السياحة الذي بدأ بالتعافي بعد الركود، الذي تسبّبت به الأزمة الصحية العالمية.

لقد أزعجني الفيديو، وتمنّيتُ في بادئ الأمر أن يعاقَب الشاب حتّى يكون عبرة لصنّاع المحتوى، إلى أن رأيتُ الشابّ يَخرج في مقطع آخر مصدومًا من الحملة التي أثيرت عليه، وخائفًا من تداعيات مقاضاته لسبب لا يعرفه، وهو يتساءل بكلّ براءة عن الذنب الذي اقترفه. وهنا كانت نقطة التحوّل في رأيي. 


فالشاب لم يعتذر، لأنه لم يدرك الخطأ الذي وقع فيه، ويظنّ أنّ ما فعله أمرٌ عاديّ طبيعي. فهو يعيد ما تَعلّمه في بيته ومدرسته وجامعته، وما سمعه من المنابر ومن المسلسلات والأفلام، ألم نسمع بجملة "لحم رخيص" في بعض المسلسلات؟ ألا يوجد فيلم يحمل نفس العنوان؟! ألا يَستخدم الأهل أو المَدرسة أو الداعية الجملة نفسها، لحثّ الفتيات على الحجاب؟

الشابّ لم يأتِ بأمر جديد، فهو أعاد فقط ما سمعه مئات المرّات ومن مصادر موثوقة، بل وبعضها معتمَد لدى الدولة. فلماذا يدفع هو ثمن كل هذه الفوضى؟! لماذا لا يعاقَب من علّمه أن كل مختلف هو شخص رخيص يستحق الازدراء، بدلًا من أن يُعلِّمه أن الآخر هو شخص مختلف في قناعاته، وله الحقّ في ممارسة حريته ما دام لا يؤذي الآخرين؟!


الأمر ذاته يتكرر مع شباب أردنيّين حاولوا تقديم محتوًى فكاهيّ، ليجدوا أنفسهم في فخّ التحريض على العنف ضد المرأة والتنمّر اللفظي، لأنّه -برأي متِّهِمِيهم- يندرج تحت باب الإساءة والتحريض، مع غياب تامّ للوعي بما يجوز تقديمه للمُشاهد وما لا يجوز تقديمه. 

هؤلاء الشباب -وإن وُجدَت فيهم الموهبة والشغف- يبقى حاجز المعايير الأخلاقية يَحُدُّ مِن موهبتهم، ويمنعهم من أيّ تقدّم، وتتكرر الآفة نفسها معَ صنّاع محتوى كثيرين/ات من دول عربية أخرى.


فتحت هذه الفيديوهات عندي باب التساؤلات، حول الظلم الذي يتعرض له شبابنا. فهم لا يُحاسَبون عندما يتجاوزون الأعراف والتقاليد فقط، بل أيضًا عندما يتشبعون بها ويعتنقونها. 

هذه الفوضى الأخلاقية التي يعيش فيها هؤلاء الشباب، تجعلهم معرَّضين لمشاكل عدة، بمجرّد خروجهم من البيئة التي تفرض عليهم معاييرها. 


وهذا ما نراه بوضوح عندما يغادر الشاب إلى بيئة عمل أخرى، أو عندما يهاجر إلى الغرب. بعضهم دفع من عمره وحياته ثمن هذه الفوارق في البيئات، كأنْ يتشبع الشاب بفكرة أنّ كل فتاة غير محتشمة هي فتاة سهلة جاهزة للعلاقات العابرة، ليجد نفسه يحاكَم بتهمة التحرّش أو الاغتصاب أو العنف اللفظي أو الجسدي.

هذا الخطاب الذي يزدري الآخر ويحطّ من قدره، بل ويبرّر انتهاكه، خطابٌ مدمّر لشبابنا ولمستقبلهم، قبل أن يكون مدمّرًا لنا بوصفنا مجتمَعًا. 


فنحن لا نعيش في بيئات منعزلة عن العالم، ولم يكن العالم صغيرًا كما هو اليوم. هناك معايير أخلاقية عالمية تحدّدها مبادئ حقوق الإنسان، ولا يمكن تجاوُزها. 

وإن كان تجاوُزها في بيئة معيّنة مقبولًا، على الرغم من تداعياته السيّئة على أبنائه، فهو مُجَرَّم في بيئة أخرى. إنها معايير تقوم على احترام الحريات الفردية وحقوق المرأة وحقّ التعبير وحقّ الدين والمعتقد، وعلى غيرها من مبادئ حقوق الإنسان التي أقرَّتْها أغلب دول العالم.


بالعودة إلى الشاب الخائف من تداعيات الفيديو الذي اتُّهم على أثره بالتحرّش اللفظي، وبالعودة إلى غيره من الشباب الذين ينشرون محتويات تنتقد هذه الفوضى الأخلاقية، فأنا أدعو إلى ألّا تجري معاقبتهم بما يهدّد مستقبلهم، فهم ضحايا أوّلًا وأخيرًا، ويمكن استبدال العقوبات بالخدمة المجتمعية، بل ويمكن استغلال شعبيّتهم على وسائل الاتصال الاجتماعي لتقديم محتوى يبيّن هذا الخلل، ويوضّح للشباب المعايير الأخلاقية التي يجب أن تُتّبع في كل البيئات، وإلّا فإنّ الحادثة ستتكرر كل يوم، وسيدفع شبابنا الثمن من مستقبلهم، وستدفعه بِلادُنا من سُمعتها.

المساحات الرمادية في فهم الدين

روجيه أصفر - سوريا - تعددية

كثيرًا ما تصطدم النقاشات الدينية التي تدور في الحياة الواقعية أو في ساحات مواقع التواصل الاجتماعي، برفض كثيرين/ات لآراء دينية وتفسيرات -يمكن وصفها بالمعتدلة- حول هذا الدين أو تلك الطائفة أو هذا النص أو تلك العقيدة، إذ يعبِّر الرافضون/ات –سواء أَمِنَ المحافظين دينيًّا كانوا أمْ من غير المؤمنين- عن تمسكهم بالرأي الأكثر تطرفًا، والذي قد يكون لأسباب عديدة الرأيَ الأكثر رواجًا.



واحدة من مشكلات هذا الرفض، هي استناده إلى رواج الأفكار المتطرفة. فالطائفيُّ الذي يناقش عقيدة طائفة أخرى أو دين مختلف، أو اللاديني الذي يريد تبيان ما يراه خطأً في الدين، لا يستند بالضرورة إلى التعليم الرسمي أو المعتمَد للدين، بل إلى ما هو رائج. وإنْ خُيِّر بين رأيَيْن مال إلى الأكثر تشددًا منهما بحجة انتشاره ورواجه، ونظر إليه باعتباره الأكثر تمثيلًا لجوهر الدين. الخطر في هذه الممارسة هو حصر فهم الدين في هذه الحالة في صورة واحدة، حيث لا خيار مقبول غيرها، وكأنه لا مرونة في فهم الدين، ولا تنوُّع في الآراء والممارسات الدينية -ولو ضِمن حدود تَضيق أو تتسع-.


في نقاش مع رجل دين مسيحي كاثوليكي خلال محاضرة جامعية، طرح أحدهم موضوع قبول الكنيسة الكاثوليكية عقد زواج بين طرف مسيحي وآخر غير مسيحي، بغض النظر عن كون الطرف المسيحي هو الرجل أو المرأة، ضِمن شروط محددة واضحة ومتاحة. فما كان من رجل الدين إلا أن احتدَّ ورفض ذلك رفضًا قاطعًا، مشدِّدًا على عدم صحته أو جوازه، في حين أن الحقيقة كانت إلى جانب من طرح فكرة صحة عقد زواج مماثل؛ إذ إنَّ مجموعة قوانين الكنائس الشرقية التي تَحكم ممارسات الكنائس الكاثوليكية الشرقية في هذا الإطار، تُجيز بوضوح زواجًا مماثلًا. في هذه الحالة/المثال تَمسَّك رجل الدين -عن علم أو عن جهل- بالرأي الخاطئ الأكثر تشددًا، رافضًا حقيقة وجود قانون أكثر رحابة أو قبولًا للآخر مما هو سائد ومتعارَف عليه اجتماعيًّا.


في مثال آخر، يرفض مثقف لاديني حقيقة أن الكنيسة تقول بخلاص غير المسيحيين إن كانت حياتهم ملتزمةً القيم الخيِّرة ومتجنِّبة الشرور، حتى ولو لم ينالوا العماد، أو حتى إنْ كانوا مؤمنين بدين آخر وممارسين لطقوسه. وتتضمن أمثلة مشابهة نقاشات متعلقة بأديان وطوائف أخرى بطبيعة الحال، لكن يبقى الرفض المذكور في إطار التمسك بالتصور أو الفكرة المسبقة السلبية عن الآخر ومعتقده، أو في مسعى شيطنته وتحميله -فردًا كان أو مجموعةً- مسؤولية ما قد اقترف بِاسم الدين.


لا يعني كل هذا عدمَ انزلاق تفسيرات دينية عُدَّت مقبولة -في الماضي والحاضر-، نحو التأسيس لأفعال وممارسات غير مقبولة، لكنه يعني في المقابل أن الدين -كغيره من أمور الحياة مِثل السياسة وغيرها- أمر يَحتمل آراءً متعددة، وفهمًا متنوعًا للعقائد والنصوص، وهذا منبت المذاهب والطوائف والتيارات ضمن الدين الواحد.


من يَدخل كليات اللاهوت ومعاهد العلوم الشرعية، يلحظ في كثير منها ظهور هذا التنوع المقبول، بل المرحَّب به في الآراء. ومعنى المقبول هنا أنَّ الاختلاف في الرأي والممارسة ضِمن حدود معيَّنة، لا يُخرج صاحبه من الدين (أو بتعبير آخَر لا يُكفِّره). وبطبيعة الحال، يتدرج هذا التنوع من الأكثر مرونة أو تحرُّرًا وليبرالية، إلى أكثرها محافَظة وتشدُّدًا. من المهم هنا، ألَّا يكون فهم الدين وتفسير نصوصه وعقائده حكرًا على رجال الدين، بل ينبغي أن يمتد أكثر فأكثر ليشمل فهم المؤمنين "العاديين" له، وطُرقَ عيشهم إياه. لا يمكن نكران وجود نصوص رسمية صادرة عن مؤسسات دينية لها وزنها، تَحمل آراء وأحكامًا متشددة، ولكنها لا تلغي وجود آراء أخرى مختلفة تكرِّس التنوع.


الموقف من هذه الآراء المختلفة -من أي جهة أتى- يجب أن يتضمن الدفاع عنها بوصفها حرية رأي مشروعة، وأن يعمل على تعزيزها، لِكونها توفر البيئة لإنتاج فكري ديني أكثر اعتدالًا، ولأنها -بصفتها مثالًا على حقيقة وجود التنوع في هذا الوسط- تُعتبر مَدخلًا أساسيًّا إلى أي تغيير إيجابي، وأيِّ إصلاح أو تطوير ديني. دعْمُ التنوع في هذا المجال –وفي غيره- هو دعم للحقيقة والغنى الفكري.


أيضًا من وجهة النظر المعادية للدين، لا يمكن لعاقل أن يفكر في إلغاء مليارات المؤمنين بالأديان، بل يجب تعزيز الفكر النقدي وتنوع الآراء، الذي قد يفضي إلى فهْمٍ وصورة وممارَسةٍ أصحَّ للدين، وُصولًا إلى تحقيق المقصد الإلهي الذي يعتقده المؤمنون من وراء الدين، دون مسِّ حقوق غير المؤمنين. أما حصر الفكر الديني المقابل في ثنائية أبيض وأسود لا ثالث بينهما، فلا يصبُّ إلا في مصلحة المتطرفين والمتشددين، الذين -إنْ سادوا وحدهم- ما بقي في الساحة إلا غلاة التشدد من كل طرف، وحينها ستكون العاقبة وخيمة.

يُخيّرنا الله فنختار!

أشخين ديمرجيان 

كتب الفيلسوف الفرنسي "جاك ماريتان" كتاباً تحت عنوان "الإنسانيّة الكاملة"، بيّن فيها عظمة الإيمان فكريّاً وفلسفيّاً ونفسيّاً واجتماعيّاً وعالميّاً في بناء الحضارة على أسس التفكير القويم والمنطق السليم والقيم الإنسانيّة النابعة عن الإنجيل المقدّس. 



ولا عجب،  فالسيّد المسيح هو الإنسان الكامل، وسيرته وتعاليمه كفيلة في الماضي والحاضر والمستقبل بأن توصل الأفراد والمجتمعات والشعوب إلى شريعة الكمال، بما أنّه له المجد (هو هو أمس واليوم والى الأبد).

وفي رأيي المتواضع الإيمان القويم لا يعني تسخير الأمور لتسير بناءً على رغباتنا وهوانا، بل يعني تبنّي نظرة إيجابية تجاه كلّ شيء حتّى الألم. 


والثقة أنّ الصعوبات والعوائق يسمح بها الله كي نعرف طريقنا إليه عزّ وجلّ، ونسلم بوجوده الخفيّ في حياتنا وكياننا ، ونستودعه شؤون حياتنا فيختار لنا الخير دوماً، فنكون قد وجدنا الطاقة الخفيّة التي تولّد الهناءة (أهمّ ما في الكون) لأنّ هذا السلام الداخلي هو  الحياة الحقّة ، حينئذٍ فقط نملك الحريّة والفرح.

وهكذا نكون قد وصلنا إلى ممارسة الإيمان الصادق مع التفكير الإيجابي. وقد وضعنا المستقبل القريب والبعيد بين يدي الله بثقة عمياء لأنّه لا يخذلنا أبداً. والإيمان لا يعني الشفاء من الأمراض بل الاتّكال على رحمته تعالى سواء شفينا أو واجهنا المرض والموت. 


ولا يعني أننا وأحباءنا معفيين من مواجهة الموت. فإذا فقدنا عزيزاً نحبّه أو عشنا مآس محزنة لسبب أو لآخر، ما علينا إلا أن نضع أنفسنا وآلامنا بين يدي الله، لأنّه يعرف عمق الألم الذي نختبره، فتفيض علينا قوّته العليا لكي تعيننا في اجتياز المحنة –مهما طالت مدّتها أو قصرت– ونتغلّب عليها. 

وهكذا يعترينا تغيير شامل في اللحظة التي يريدها الله... ويُنعش التغيير حياتنا، ويزيح عنّا الحزن والخوف، ثمّ نكتشف فجأة أنّ الحياة جميلة رغم كلّ المحن.


ومهما كانت الأسباب التي تؤلمنا في الوقت الراهن من مرض أو صعوبات في الحياة أو ضيق مادي أو مدير عمل ينغّص حياتنا أو خيانة أو فقدان شخص عزيز... ينبغي أن نستسلم ونتنازل عن رغباتنا وتوقّعاتنا كي نتسامى على الألم الذي نختبره في حياتنا الراهنة. هكذا نتغلّب على الظروف الصعبة ممّا يساعدنا على بناء أنفسنا لتحقيق راحة البال المنشودة.

يترك لنا الله ملء الحريّة في الاختيار. إمّا الإيمان الثابت والإيجابيّة والفرح والثقة بالنفس، أو النزعة إلى عدم الإيمان وما نُجرجره من خيبة أمل واكتئاب وأمراض. بقي أن نعرف أنّ الإيمان يحرّرنا ويُشعرنا بالأمان والراحة ويمتّعنا بصحّة جيدة في أوقات حياتنا الصعبة. يُعطي الإيمان القويم لآلامنا صبغة روحانيّة ومعانٍ سامية. 


الإيمان الراسخ هو الاستعداد الدائم لاستقبال ما لا نتوقّعه أو لا نريده. باختصار في غاية الإيجاز هو التفكير الإيجابي والتصالح مع الواقع مهما كان أليماً وتُصبح الحياة حلوة اذا كانت ثقتنا بالله عمياء.

هذا مع العلم أنّ الإنجيل المقدّس يشجّعنا على التفكير الإيجابي في آيات كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: "وبعد، أيّها الإخوة، فكلّ ما كان حقًّا وشريفًا وعادلاً وخالصُا ومُستَحَبًّا وطيّبَ الذكر وما كان فضيلة وأهلاُ للمدح، كلّ ذلك قدّروه حقّ قدره" (فيلبي 4: 8).


خاتمة

خلاصة القول اذا كان إيماننا صادقاً يُصبح نمط تفكيرنا إيجابياً. واذا كنّا إيجابيين تمتّعنا بالصحة النفسيّة وراحة البال. كما ورد في الكتاب المقدس: "وإنّنا نعلم أنّ جميع الأشياء تعمل لخير الذين يُحبّون الله..." (رو 8 : 28) أي الذين دعاهم الله إلى محبّته فلبّوا دعوته.

حقوق الإنسان وحقوق المرأة

أمل الحارثي - الأردن - تعددية

"حقوق الإنسان لا تُختزل بحقوق المرأة"، بهذه الجملة بدأ أحد المغرّدين سلسلة تغريدات داعمة ومؤيّدة، بل وفرحة باستلام طالبان الحكم في أفغانستان. 



لقد رأى صاحب التغريدة -الذي يعتقد أنّه من محبّي الحرّيّة والحالمين بها- أنّ حقوق 50% من الشعب، ليست بالأهمّيّة التي يروّجها دعاة حقوق المرأة، بل إنّه ذهب أبعد من هذا، ليتّهم كل شخص لم يهلّل لحكم طالبان بأنّه مُحبّ للاحتلال الأميركيّ وراغب فيه.

وهذا ما أكَّده مُغرّد آخر اتَّهم كلّ الأفغان الذين يحاولون الفرار من حكم طالبان بأنّهم عملاء لأميركا، في ظُلم متعمَّد لقطاع كبير من الشعب الأفغانيّ الذي عانى الأمرّين خلال عقود، سواء من الاحتلال الأجنبيّ أو من الجماعات المسلّحة التي تَحكم بِاسم الدين. ذلك الشعب لم يقترف ذنبًا سوى أنّه رغب في أن يحيا حياة آدميّة، بعيدًا عن الدماء والحروب والقمع.


من الغريب أن تُهلّل أعداد ليست بالقليلة من الشعوب العربيّة للحكم الدينيّ في بلد ما، وهم أنفسهم ذاقوا ويلاته في بلاد أخرى، أو على الأقلّ شاهدوا بأمّ أعينهم نتائجه في دول مجاورة. 

والأكثرُ غرابةً أن يهلّل الشخص لحكم دينيّ في بلد ما، ثم يسعى بكلّ ما أوتي من وسائل للهجرة إلى بلد علمانيّ تَحكمه قوانين حقوق الإنسان واحترام الحرّيّات، ولا أجد تفسيرًا لحالة هؤلاء الناس سوى أنّهم يعانون الازدواجيّة الحادّة. 


فهم من جهة لا يتمنّون ولا يرغبون في العيش تحت حكم دينيّ، لكنّهم من جهة أخرى يهلّلون له، ولا يأبهون بغيرهم ممّن يعانون تحت وطأته.

هذه الازدواجيّة ليست جديدة أو بعيدة عن مجتمعاتنا، بل يا للأسف هي سمة من سماتها، ونجدها بشدّة في استطلاع الآراء تجاه قضايا اجتماعيّة شتّى. فمثلًا: القسوة في الأحكام على كلّ مخطئ، والتعليقات الجارحة، وعدم مراعاة نفسيّة الآخرين، كلّها مشاكل يمكن أن تُحلّ إذا ما وضَع أحدنا/إحدانا نفسه مكان الآخر. 


هي الازدواجيّة نفسها التي نراها، عندما يهلّل أحدهم لحكم دينيّ في بلد ما في تغريدة، وهو نفسه الذي كتب تغريدة قبل يومين يفخر فيها بابنته التي تخرّجت في جامعة غربيّة عريقة. 

هو يريد لابنته أن تحيا وتنجح وتعمل، ولكنّه لا يأبه بنساء الأرض كلّهنَّ، إنْ جرت معاقبتهنّ بالجلوس في البيوت والمنع من العمل. 


أيضًا هناك فئة في المجتمع تنظر إلى أيّ قضيّة من منظور جماعيّ، حيث حياة الأفراد ليست مهمّة أمام الجماعة. بالنسبة إلى هؤلاء، الحرّيّات الشخصيّة كلّها غير مهمّة في سبيل المصلحة العامّة، التي هي رفعة الدين وعلوّ شأنه. 

إنه تفكيرٌ رجعيّ لم يعُد يصلح في هذا الزمن، الذي لا تُبنى فيه أمّة على قوّة أجسام أبنائها وأعدادهم وقدرتهم الجسديّة على حمل السيف والقتال به، بل تُبنى على عقول أبنائها وكفاءتهم(نّ) وقدرتهم(نّ) على الابتكار والإبداع الذي لا تَحدُّه قيود أو عوائق... بِناء الأمَّة يأتي نتيجة لبناء الإنسان أوّلًا.


مسكين هذا الذي يعتقد أنّ المرأة وحدها مَن ستدفع الثمن نتيجة أيّ حكم دينيّ. لطالما استُخدم الدين للسيطرة على الناس، وكان سلاحًا فعّالًا في يد الحكومات الاستبداديّة لقمع كلّ مخالف. 

ثم إنَّ الحرّيّات بعضُها مرتبط ببعض ارتباطًا وثيقًا، ولا يمكن فصل حرّيّة المرأة عن حرّيّة التعبير والفكر والحرّيّات الشخصيّة، وما المرأة إلّا مفتاح يُستخدم لغلق باب يأتي بالأعاصير للحكومات الاستبداديّة. 


مِن مصلحة هذه الحكومات أن يظلّ الشعب خائفًا مرعوبًا من الحرّيّة. فهي من جهة، تَستغلّ كلّ صوت مُعارِض له أفكار مغايرة لعامّة الناس بتخويف الناس على دينهم، حيث تَنشر بينهم الخوف من المؤامرات الأجنبيّة والأصابع الخفيّة، التي تريد أن تقضي على دينهم، وتَنشر الإلحاد في صفوف أبنائهم. 

تخترع هذه الحكومات عدوًّا خفيًّا يعمل ضدّ الدين، وتحشد الناس ضدّ هذا العدوّ الخفيّ، وتضمن ولاءهم رعبًا من البطش بهم من جهة، وخوفًا على الدين من جهة ثانية.


أيضًا تَستخدم الحكومات سلاح التخويف هذا، لإلهاء الناس عن القضايا المهمّة الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة. فتجد الشعوب في هذه الدول منشغلة بقضيّة لبس المرأة، أكثر من انشغالها بالتعليم والصحّة والقطاعات الأخرى المتدهورة. 

أمَّا تلك الحكومات، فتَصنع انتصارات وهميّة في كلّ مرّة تقمع فيها النساء والمعارضين. فيهلّل لها العامّة عن جهل، في حين تستمرّ دائرة الفقر والجهل، وما يترتّب عليها من أجيال مظلومة وظالمة في آنٍ معًا.


أتفهَّمُ أهمّيّة انتهاء الاحتلال الأجنبيّ لأيّ بلد كان. لكنْ، ما مررنا به من تجارب في عشر سنوات ماضية، كان كفيلًا بجعلنا ندرك أنّ عدوّ أيّ وطن ليس المحتلّ الأجنبيّ فقط، بل عدوّ الحرّيّات هو عدوّ الوطن أيضًا، خصوصًا العدوّ الذي يقمع بِاسم الدين. 

فلا ينفع معه نقاش على الصعيد الإنسانيّ، لأنّه يعتقد أنّ أوامره تأتي من الله. ولا أجد فرقًا بين مَن يحتلّ الأرض وينهب الخيرات، ومَن يحتلّ العقول ويسرق الأعمار وينهب الخيرات أيضًا.

ملح الأرض

أشخين ديمرجيان

يحفظ الملح الأطعمة من الفساد ويعطي للطعام مذاقه... كما أنّ بعض أنواع الأملاح تُستخدم لتسميد الأراضي الزراعية. تأتي الآيات في الكتاب المقدّس لتؤكّد للمؤمن أن يكون قدوة صالحة لغيره كي يجتذب الآخرين إلى الإيمان بالله ويردّ النفوس عن الضلال فيكون سبباً في خلاصهم.



وللملح رموز في الكتاب المقدّس. في العهد القديم، يرمز الملح إلى عهد الله مع البشر، وإصلاح كلّ تقدمة  للربّ بالملح،  كمدلول للأمانة في العهد مع الله. لذلك كان كهنوت اللاويين في عهد النبي موسى يربط الملح ب "العهد" أي عهد الله مع الخلائق، "الميثاق الأبديّ" بين الله والناس. 

"وكلّ تقادم الأقداس التي يقدّمها الشعب للربّ، لك أعطيتها ولبنيك وبناتك معك فريضة أبديّة: ذلك عهد ملح أبديّ أمام الربّ لك ولنسلك معك" (سفر العدد 19:18). و"عهد الملح" أي الميثاق الأبديّ مذكور في سفر (الأخبار الثاني 5:13) وسفر اللاويين (3:2).


وعلاوة على ذلك، روح الله يرفّ على وجه المياه المالحة واهبًا الحياة في (سفر التكوين 1) ويرمز إلى (عهد الخلق).  وكانت المياه في فيضان نوح مالحة (عهد نوح). كان البحر الأحمر مالحًا (عهد موسى).

ويُشار أيضًا إلى أليشاع النبي، حينما قال له أهل المدينة : «إنّ موقع المدينة حسن، كما يرى سيّدي، إلاّ أنّ ماءها رديء والأرض مجدبة». فقال: «ائتوني بصحن جديد، واجعلوا فيه ملحًا». فجاؤوه بذلك. 


فذهب إلى منبع الماء وطرح فيه ملحًا وقال: «هكذا قال الرب: إنّي قد شَفَيت هذه المياه، فلا يكون منها بعد اليوم موت ولا جدْب».فبرئت المياه إلى هذا اليوم، حسب قول أليشاع الذي نطق به. (سفر الملوك الثاني 2 وتابع).

كان أليشاع يستخدم الملح النقي فتصبح الأشياء غير نقيّة. ويصبّ الماء على الذبيحة ومع ذلك تحترق الذبيحة. أي أنّ عمل أليشاع كان يُعطي خلاف النتيجة المعروفة والمُتوقّعة، وهذا التحوّل الغريب يُعدّ معجزة.


ولاهوت الملح واضح في أقوال السيّد المسيح في العهد الجديد. بعد عظة الجبل الشهيرة، يقول سيّدنا المسيح لتلاميذه: "أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح، فأيّ شيء يملّحه؟ إنّه لا يصلح بعد ذلك إلاّ لأنْ يُطرح في خارج الدار فيدوسه الناس" (متّى 13:5). 

يحذّرنا السيّد المسيح من الضلال، كي نفيد العالم ونحفظه من الفساد عن طريق ميثاقنا الأبدي مع الله. رسالتنا أن نكون ملح الأرض ونور العالم المستمدّة من هويّة السيّد المسيح،  لذا علينا ان نراجع أنفسنا ونفحص ضمائرنا كي نكون من الملح الجيّد. هل نحن أهل لأنْ نوصف بالملح الجيّد الذي يطيّب الدنيا ومَن عليها؟! إنْ لم نكن كذلك لا قيمة لنا.


وكلّ هذا يذكّرنا بالصداقات ومقولة "العيش والملح" أي "عمق العشرة" وهذا يتطلّب طيب المعشر. ونعرف ذلك من خلال حياتنا اليوميّة والأمثال العامّيّة والحكايات والمعتقدات الشعبيّة. ونلاحظ أنّهما (أي الخبز والملح) مُحاطان بهالة من القداسة ممّا يزيد من أهمّيتهما.

لدينا نموذجان من الملح في الكتاب المقدّس. النموذج الأوّل هو ملح "الإدانة" في العهد القديم. الملح العقيم. عصت زوجة لوط أمرالمَلَك،‏ وبعدما ابتعدت مسافة عن سدوم، توقّفت ونظرت إلى الوراء.‏ 


وحينئذ صارت عمود ملح. اشتهر أهل سدوم وعمورة (بالانحراف والفجور الجنسي العقيم) وهذا التمثال هو "ملح الإدانة" ويقع على مقربة من البحر الميت.

النموذج الثاني هو ملح "الخلاص" في العهد الجديد. الملح مادّة حافظة. تعامل الرسل وكلّهم صيّادين بالملح يوميًا. وكانت وسائل التبريد معدومة في حينه. 


كان يتمّ نقل الأسماك دائمًا بالملح كي تبقى بحالة جيّدة. كان الصيادين بحاجة إلى قوارب وشباك، وكمّيات كبيرة من الملح كي يدخلوا في قائمة التجّار الناجحين.


خاتمة

دعا السيّد المسيح تلاميذه من صيد السمك ليكونوا "صيادي الناس" (مرقس 17:1) كما أنه شبّه ملكوت السموات بشبكة تجمع مختلف أنواع السمك (متى 13: 47) - ينبغي أن يثبّت خلفاء الرسل (الكهنة) جميع المؤمنين بالنعمة ويُحافَظوا عليهم بـ"ملح العهد". 

ومن ثمّ، يصبح الملح علامة لمكافحة عدوى الفساد. وعلامة للوعظ الجيّد والتعليم القويم والنزاهة في الخدمة.

القديسة تيريزا دي كالكوتا، أم الفقراء ورسولة المحبة

إعداد الأب وليم عبدالمسيح سعيد الفرنسيسكاني

وُلدت غانشي بوياخيو في 26 آب عام 1910  في سكوبجي الألبانيّة. والدها نيكول ووالدتها درانا. لها أخوين أكبر منها وهما آجي ولعازر. لاحظت الأمّ أنّ ابنتها غانشي تميل إلى التأمّل بصمت، وتقرأ بشغف قصص المرسَلين المسيحيِّين إلى الهند. 



تقول الأمّ تيريزا عن نفسها: "لم أكن أتعدى 12 سنة من عمري عندما شعرت برغبتي في أن أكون مرسَلة". وبدأتْ غانشي بالتردّد على الكنيسة المجاورة لبيتها يوميًّا مشاركةً في نشاطها، وانتسبتْ إلى أخويّة بنات مريم وساعدتْ، هي وأمها، البنات الفقراء. على أقدام العذراء في ليتينشي "سمعتُ دعوتي الإلهيّة لأدخل في خدمة الله فامتلأ داخلي بالفرح".

عندما بلغت غانشي 18 سنة لبّت دعوتها الإلهيّة القويَّة فسافرت إلى إيرلندا والتحقت برهبنة "عذراء لوريتو" حيث درست، ثم أُرسلت بناءً على طلبها إلى الهند، وبعد رحلة بحريّة دامت 37 يوماً وصلتْ كالكوتا في 6 كانون الثاني 1929 وكان عمرها آنذاك 19 سنة فقط. 


والتحقت بدير الرَّهبنة في داريلينغ القريبة من كالكوتا ودرست فيه لمدّة سنتين. نذرت نفسها للرهبنة في 24 أيار 1931 واختارت لها أسم: تيريزا تيمناً بالقدّيسة تيريزا الطفل يسوع. 

بدأت الأخت تيريزا بتدريس مادّة الجغرافيا والتاريخ في مدرسة "القدّيسة مريم" الثانويّة الوحيدة للبنات في كالكوتا وهي تضمّ بنات الطبقة المتوسطة والغنيّة. ثمّ أصبحت بعدها مديرة لهذه المدرسة. 


وأيضاً أدارت مدرسة للبنات الفقراء، فزاد عملها وانشغالها. وقدّمتْ الأخت تيريزا نذورها الدّائمة للرَّهبنة في 24 مايو 1937.  تعرّفت الأخت تيريزا إلى أخوات "بنات القدّيسة آنا"، التابعة لرهبنتها، وكُنَّ راهبات هنديّات من بنغالا، يعيشنَ ضمن التقاليد البنغاليّة فيلبسنَ السَّاري الهنديّ المصنوع من القطن الرَّخيص ويأكلن بالأيدي وهنّ قاعدات على الأرض، وأصبحتْ الأخت تيريزا مرشدة روحيّة لهنَّ وتعلمت منهنَّ هذه العادات.

في 10 أيلول 1946 وبينما كانت مسافرة في القطار إلى داريلينغ الهنديّة لقضاء رياضتها الرُّوحيّة، ووسط المسافرين الفقراء وصراخ الأطفال، سمعتْ دعوة واضحة من الرَّب لخدمة الفقراء والعيش بينهم، واعتبرت هذا إلهام إلهيّ لها ونور داخليّ. 


بعد هذا تلقت الأخت تيريزا دروساً في الطّب والتمريض وطلبت من رؤسائها الإذن بترك الدّير للإنصراف إلى خدمة الفقراء. وافق البابا بيوس الثاني عشر عام 1948 على طلبها، فتركت الدّير والمدرسة والنعيم الذي كانت فيه واشترت ساري رخيص الثمن أبيض اللّون ذا إطار أزرق وعلقت صليب على الكتف الأيسر، وذهبت إلى  كالكوتا، وصارت تعتني بالفقراء والمساكين وخصوصاً المحتضرين فتنقلهم إلى بيتٍ خاصّ لكي يعيشوا ويموتوا بكرامة وسلام. 

انضمَّت إليها نساء هنديّات ليساعدنها في خدمتها هذه. في عام 1949 طلبت الأمّ تيريزا الجنسيّة الهنديّة فأُعطيت لها. وفي عام 1950 أسَّست رهبنة "مرسلات المحبّة" واعترف البابا بيوس الثاني عشر بالرَّهبنة. 


كانت مهمّة رهبنة الخدمة هذه "العناية بالجائعين والعُراة والمشردين والعاجزين والعميان والمنبوذين والمحتضرين والمرضى الغير قابلين للشّفاء والإحاطة والعناية بهم لكي يشعروا بالعطف والمحبّة والقبول والكرامة". وسمّت مقرّ الرَّهبنة "بيت القلب النقيّ" ويعرف شعبياً بـ"بيت المحتضر".

تلقت الأمّ تيريزا جوائز دولية عديدة وكانت تحول دائما قيمة الجوائز الى الفقراء ، وخاطبت الأمهات قائلة: "إذا سمعتم بامرأة تريد الإجهاض، أقنعوها بأن تحافظ على جنينها وعندما تولد أعطوني المولود، أنا سأحبّه، سأرى فيه علامة محبّة الله لنا".


منذ عام 1997 أُصيبت الأمّ تيريزا بذبحات قلبيّة متكرِّرة وخضعت لعمليّة جراحيّة في القلب. وأُصيبت بالملاريا وبالتهاب الصدر وبذات الرِّئة، ممّا أضعف جسمها الصّغير وفي 5 سبتمبر1997 توقّف قلبها عن الخفقان وهو الذي أحاط بفقراء ومساكين العالم، توفّت الأمّ تيريزا بعد حياة خدمة قدّمتها إلى يسوع ذاته ممثلاً بالفقراء والمحتاجين والمساكين. 

طوّبها البابا يوحنّا بولس الثاني الأمّ تيريزا في يوم الأحد 19 تشرين الأول 2003، واعلنها البابا فرنسيس قديسة يوم 4 أيلول عام 2016.


"شكّلت الرّحمة للقديسة تيريزا بالنسبة لها "الملح" الذي أعطى نكهة لكلّ أعمالها، و"النّور" الذي أضاء ظلمات الذين لم تَعُد لديهم حتى الدموع ليبكوا فقرهم وألمهم. 

أنّ رسالة الأمّ تيريزا في ضواحي المدن وفي الضواحي الوجوديّة تظلّ حتى يومنا هذا كشهادة بليغة لقرب الله من أفقر الفقراء، لنحمل في قلبنا ابتسامتها ولنقدّمها للذين نلتقي بهم في طريقنا لاسيّما المتألمين. فنفتح هكذا آفاق فرح ورجاء لأناس كثيرين يائسين يحتاجون إلى التفهّم والحنان".

مغالطات حوارية شائعة

روجيه أصفر - سوريا - تعددية

تبقى مواقع التواصل الاجتماعي ساحات نقاشات وجدالات لا تنتهي، تزداد حماوة مع حدث أو حملة ما. وبحكم طبيعة هذه الوسائل المتاحة لأعداد هائلة ومتنوعة من المستخدِمين/ات، تتنوع المداخلات والآراء تنوعًا كبيرًا، بين الغثِّ منها والسَّمين، والهزلي والجادّ، والسُّوقي والحضاري...



خلال متابعة جولات عديدة من النقاشات حول مواضيع مختلفة، لُوحِظ في الكثير من المرات تكرار لمغالطات أو أفكار في حاجة إلى تقويم، تعود للظهور مع كل نقاش. وفيما يأتي عرضٌ لأهم تلك الأفكار، أو ربما تصويب لبعض منها:


الموضوعية والحياد: في حالات عديدة يطالب طرف ما محدِّثَه بالتحلي بالموضوعية والحياد، وكأنهما قيمتان لا بد منهما، مُلزِمتان متلازمتان، مع الخلط بين معانيهما.

في الحقيقة بوصفي صحفيًّا أو باحثًا، يجب أن أتحلى بالموضوعية، لكي لا أرصد أخطاء طرفٍ ما -قد يكون خصمي- وأنتقدها، وأتغاضى عن أخطاء الطرف الآخَر -قد يكون حليفي- وأُبرِّرها. 


الموضوعية تفترض عدمَ الكيل بمكيالين، ورؤيةَ طرفَي المنافسة أو الخلاف على أساس المعايير نفسِها. ولكن، لا يمكنني مع ذلك أن أكون -في أغلب الحالات على الأقلّ- حياديًّا. فبين القاتل(ة) والضحية، أو بين المغتصِب(ة) والناجي(ة)، أو بين الظالم(ة) والمظلوم(ة)؛ أنا لست حياديًّا، بل منحازًا إلى الحق ولو كان مع الأضعف، كإنسان أولًا، أي ما لا ينفصل عن كوني صحفيًّا أو باحثًا أو صاحب رأي...

الانحياز -ولو بحقٍّ- يجردني من حياديتي، لكنه لا ينفي موضوعيَّتي. وإنْ كنتُ منحازًا إلى قضية اللاجئين مثلًا، فهذا لا ينفي واجبي أو قدرتي على الرصد أو النقد لِمَا هو غير مناسب، في سلوكيات بعض منهم وممارساتهم.


الموضوعية ليست معيارًا أو قيمة سهل المنال، فهي تزداد صعوبة كلما اقترب الموضوع المعالَج من حيِّزنا الشخصي واهتماماتنا. وهنا قد يأتي دور المشرف أو المحرر، أو المهنية والخبرة، في إبقاء الموضوعية متيقظة رغم الانحياز إلى أحد من أطراف القضية.

حرية الرأي ومضمونه: كثيرًا ما نُواجَه أثناء الحوار بجملة استغرابية، مثل: "ألستَ تنادي دومًا بالحرية والديمقراطية وحرية الرأي؟ هذا رأيي، وعليك أن تحترمه"!


حسنًا، حريتك في التعبير عن رأيك –أو رأي أحد آخر-، يجب أن تكون حقًّا مقدسًا يكفله القانون، ما عدا تلك الآراء المتعلقة بالحض على العنف والكراهية وما شابه. وأيُّ مُدافع عن الحريات أو نصير لحقوق الإنسان، يجدر بأن يبذل ما في وسعه لضمان توافرها للجميع، ويَشمل ذلك الخصوم والأعداء على السواء.

على هذا الأساس، يجب التفريق بين الحرية في تكوين الرأي والتعبير عنه من جهة، ومضمون هذا الرأي من جهة أخرى؛ إذ عليَّ أن أحترم حقك في الرأي والتعبير، ولكن هذا لا يعني بالضرورة موافقتي عليه أو حتى احترامي لمضمونه. 


فمثلًا: مِن حق أحدهم في نقاش ما التعبير عن رأيه والقول: "إن الإسرائيليين هم الضحية، في حين يقف الفلسطينيون في موقف الجلَّاد"، أو يقول: "هتلر كان محقًّا فيما فعله في الهولوكوست". 

ولكن برأيي، الحقُّ في التعبير وقول أحد الرأيَين السابقين، لا يلغي كونهما في الحقيقة فاسدَين ومُضلِّلَين، ولا يُؤخذان بعين الاعتبار.


أحقية القضية وسلوك أنصارها: يَحدث في حالات كثيرة أن تُقيّم قضية ما، ومدى أحقيتها، بناءً على سلوك أبنائها ومناصريها. وهنا قد يتخلى أصحاب هذا المنطق عن تَبنِّي قضية ما، لأن سلوك المنتمين إليها -أو بعضهم- هو سلوك خاطئ أو عنفي أو لا يتوافق مع قيم أصحاب هذا المنطق، كأنْ يقال مثلًا: "أنا ضد الثورة على الديكتاتورية، لأن كثيرًا من الثائرين أو بعضهم متطرفون أو عنيفون أو لهم ماضٍ مشبوه، أو في مثال آخر: قد يقع التخلي عن تَبنِّي القضية الفلسطينية أو التشكيك في أحقيتها، بسبب عدم الموافقة على سياسات حركة فتح أو حماس أو ممارسات بعض اللاجئين الفلسطينيين.


يكاد يشبه هذا إمكانيّةَ أن تتوقف عن حب ابنك، لأنه -مثلًا- لم يكن مجتهدًا في مدرسته أو خسر سباقًا مع ابن الجيران أو تَفوَّه بكلام نابٍ سمعه في مكان ما. القضية يجب أن تكون محقة بذاتها، لا بسبب السلوك الحسن أو السيِّئ لِمَن يناصرونها اليوم. 

وبدل الموقف المعارض للثورة على الديكتاتور، يجب أن يُوجَّه النقد والرفض إلى الوسيلة وطرق تنفيذها؛ أمَّا معاداة الديكتاتورية والسعي لتغيير واقع وجودها، فيجب أن يظلَّا ثابتَيْن.


النص الديني (أو المقدَّس) والحجة: قد تبدو هذه النقطة بديهية أكثر من غيرها، لكنها تبقى رائجة في بعض أنواع النقاشات، ومثالها: استعمال أحدهم نصًّا دينيًّا من كتاب مقدس لدين يؤمن به، باعتباره حجةً في شأن غير ديني، أو مع طرف لا يؤمن بدين صاحب الحجة.

 فكيف يمكن تَصوُّر إقناع عالِم فيزياء لاديني بخطأ نظرية الانفجار الكبير، بحجة نصٍّ ديني من التوراة أو غيرها يقول: إن الله هو خالق السماوات والأرض؟!