‏إظهار الرسائل ذات التسميات آراء وأفكار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات آراء وأفكار. إظهار كافة الرسائل

الحوار الإسلامي المسيحي والحاجة إلى البشارة المريمية

رشيد سعدي – المغرب

أصبحت شخصية مريم العذراء عليها السلام، تُشكل في العقود الأخيرة صلة وصل روحية بين المسيحيين والمسلمين، بل قاعدة دينية للحوار الإسلامي المسيحي. 

لذا، ازداد عدد اللقاءات الحوارية التي تتخذ من السيدة مريم رمزًا روحيًّا ودينيًّا، ونشأت منظمات للحوار الديني على أساس الثقة بقدرة قدسية السيدة مريم على احتضان المؤمنين (المسلمين والمسيحيين).

وجعْلِهم يصنعون قِيمًا حول العيش المشترك أكثرَ صدقيةً وعمقًا، نابعة من فعل البشارة المريمية، أي مِن كشف الله لنفسه وحبِّه لنا.


في لبنان، تَحوَّل عيد بشارة السيّدة مريم (أو الست مريم)، إلى عيد وطني يجمع كل اللبنانيِّين/ات في يوم 25 آذار/مارس من كل عام. وثمة مزارات مريمية في الكثير من البلدان ذات الأغلبية المسلمة، يؤمُّها المسيحيون والمسلمون/ات، ويتوجهون فيها إلى السيدة مريم بصلواتهم راجين شفاعتها. 

في كنيسة "سيدة أفريقيا" في الجزائر العاصمة، التي يأتي لزيارتها الآلاف من الجزائريين المسلمين/ات سنويًّا، نجد صلاة منقوشة على الجدران بثلاث لغات، تقول: "يا سيدة إفريقيا صَلِّي من أجلنا ومن أجل المسلمين".


لا شك أن هناك اختلافات لاهوتية بخصوص السيدة مريم، مرتبطة بنظرة الديانتَين إلى طبيعة السيد المسيح نفسه. لكن، يشترك المسيحيون والمسلمون في الإيمان بقداسة السيدة مريم، وينظرون إليها نظرة إجلال، انطلاقًا من مكانتها المتميزة في القرآن وفي الأناجيل.

 يعتبرها المسيحيون المرأة القدِّيسة الممتلئة نعمة، في حين يعتبرها القرآن أفضل نساء العالمين، اصطفاها الله وطهَّرها. فهي السيدة الوحيدة المذكورة باسمِها فيه، ولها حضور كثيف في النص القرآني والتراث الإسلامي. 


يسميها المتصوفة "أم النور"، ذات "الحمل الشريف"، وهي أيضًا رمز النفس البشرية التي تنتظر ولادة عيسى، لكي ترتقي في الملكوت.

لكني أعتقد للأسف أن العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، لم تستطع بعدُ أن تدمج هذا العمق الديني والروحي للسيدة مريم، لكي يتجاوز الحوار طابعه الشكلي. 


إنْ كنا نتحدث بلاهوت خاص بحوار الأديان، فإني أعتقد أنه يمكن لشخص السيدة مريم -بوصفه مَعبرًا بين الإسلام والمسيحية-، أن يشكل مصدر لاهوت يمكن أن نطلق عليه اسم "لاهوت النعمة الشاملة"، يسعى لتجاوز مجرد الحوار إلى مفهوم الكرامة الإنسانية الجوهرية. 

أيضًا يشترك الإيمان الإسلامي والمسيحي في أن البشارة وولادة يسوع المسيح (أو ولادة عيسى من السيدة مريم)، هي حدث لاهوتي وروحي فريد. لكن السؤال الحقيقي هو: "كيف يمكن لدلالات هذا الحدث أن تُحْدث تحوُّلًا روحيًّا في علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين؟".


بالنسبة إليَّ، فإن البشارة المريمية هي تجسيد لجوهر العلاقة بالله، والتي يمكن أن نسميها شجاعة الإيمان، وشجاعة المرأة التي تلقَّت كلمة الله ورعَتْها في روحها وجسدها. فهي نموذج من الثقة بالله، التي تسمح لنا باستقبال مشيئته وكلمته. 

في حوارها مع الله -بحسب القرآن- خاطبَت مريم الملاكَ جبرائيل متسائلة كيف يكون ذلك: {أَنَّى يكُون لِي غُلَامٌ ولَم يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولمْ أَكُ بَغِيًّا}؛ ما يعني أن الحوار المبني على الحرية -وهو هنا قبول العرض الإلهي- هو أساس الإيمان الحقيقي والشجاع. 


البشارة هي أيضًا تجربة ما يحدث لنا، عندما يَدخل الله في حياتنا عبْر كلمته، ويُعلن اشتياقه إلى الإنسان الذي يستتبع اشتياق الإنسان إلى الله. تنتقل العلاقة بالله إلى علاقتنا بالآخر. لذا، فإنَّ قول المسيح عيسى: "أَحِبُّوا أعداءَكم"، يشكل دعوة أخلاقية للبشرية كلها.

يمكن أن نعتبر أمومة مريم لعيسى أمومة كونية. فكلنا يمكن أن يُولد في النعمة وفي حياة جديدة، إنْ وعَيْنا دلالات حضور الله فينا من خلال كلمته المتجددة. لذا، قد تكون السيدة مريم طريقًا نحو تحوُّل لاهوتي مَركزهُ الإنسان الممتلئ نعمة، أي الممتلئ والمقدَّسة كرامتُه وحريته.


أعتقد أن الحوار الإسلامي المسيحي لا يزال يحتاج إلى شجاعة الإيمان، لِتَجاوُز كل الأفكار التي تُلقي بالآخر إلى مستنقع اللعنات أو التكفير، أو الأفكار التي تَبني الإيمان على قوة الإكراه وليس على الثقة بالله، أو الأفكار التي تجعل من الله كائنًا منحازًا، يمكن أن يبرِّر العنف والمعاناة بدل أن يَحمل البشارة في تشوُّقه إلى الإنسان المحبوب.

تحكي بعض الروايات التاريخية، أن تمثال السيدة مريم استطاع في القرن التاسع عشر أن يخلِّص مدينة وهران الجزائرية من وباء الكوليرا الذي اجتاحها. 


بغض النظر عن مدى صحة هذه المعجزة، يظل المغزى هو أن البشارة المريمية دعوة لكي ندَعَ الله المحبَّ يدخل قلوبنا، فنتخلص من الأوبئة الدينية التي تنخر أرواحنا، وتجعلنا غير قادرين/ات على الحوار الحقيقي مع الآخر، لأننا لا نَرى فيهِ بعدُ الإنسانَ الذي خلقه الله على صورته.

يقول مولانا جلال الدين الرومي: "جِسمنا يشبه مريم العذراء: كل واحد منا يحمل عيسى بداخله. لكن ما لم تَظهر فينا آلام المخاض فإنَّ عِيسانا لا يولد". لذا، أقول: إنه لا حوار بين المؤمنين/ات إنْ هُم لم يولَدوا عِيسويًّا في الله نفسه، عبْر تأمل حياة القدِّيسة مريم، والله أعلم.

رفع الأدعية والصلوات

أشخين ديمرجيان

كان الرسل يطلبون أدعية الناس أي صلواتهم وشفاعتهم  كما جاء في الرسالة الأولى الى تيموتاوس "أسأل قبل كلّ شيء أن يُقام الدعاء والصلاة والابتهال والشكر من أجل جميع الناس... وهذا أمرٌ حسن ومَرضيّ عند الله مخلّصنا.

فإنّه يريد أن يخلص جميع الناس ويبلغوا إلى معرفة الحقّ، لأنّ الله واحد، والوسيط بين الله والناس واحد، أي المسيح يسوع الذي جاد بنفسه فِدًى لجميع الناس" (1 تيموتاوس الفصل 2: 1 وتابع).

ويحثّ القديس بولس جماعة المؤمنين على إقامة الدعاء والصلاة بقوله : "واظبوا على الدُّعاء لجَميع القدّيسين ولي أيضًا ليوهَب لي أن أتكلّم..." (أفسس 6: 18 وتابع). 

"صلّوا من أجلنا، فإنّنا واثقون أنّ ضميرنا صالح، وأنّنا نرغب في أن نُحسن السير في كلّ أمر. أسألكم ذلك بإلحاح لأُرَدّ إليكم في أسرع وقت" (عبرانيين 13: 18).


هل يلبّي الله شفاعة القدّيسين

استجاب الربّ لشفاعة القدّيس بولس وشفى المرضى: "كان والد بوبليوس يلزم الفراش مُصابًا بالحمى ... فدخل إليه بولس وصلّى واضعًا يديه عليه فعافاه. وما إن  حدث ذلك حتى أخذ  سائر المرضى في الجزيرة يأتونه فينالون الشفاء" (أعمال الرسل 28: 8-9).

في سفر أعمال الرسل تصلّي الكنيسة لأجل نجاة بطرس من السجن (12: 5 و12). وتصلّي من أجل  بولس وبرنابا (13: 3) ومن أجل بولس وسيلا (15: 4). 


ويصلّي بولس وبرنابا من أجل الكنائس في أسيا الصغرى (14: 23). ويصلّي بولس من أجل شيوخ الكنيسة (أي الكهنة) في أفسس  (20: 32–36). ويطلب الرسول يعقوب أن يصلّي شيوخ الكنيسة من أجل الأخ المريض (يعقوب 5: 14-18). "وصلاة الإيمان تُخلّص المريض والرب يُعافيه. وإذا كان قد ارتكب بعض الخطايا غُفِرَت له" (يعقوب 5: 15).

ولبّى الله شفاعة القدّيس بطرس وأقام  بقوّته تعالى الفتاة الميتة "طابيثَة". مرضَت طابيثة وماتت... أتى بطرس مسرعًا إلى يافا... أخرج بطرس الناس كلَّهم، وجثا وصلّى، ثمّ التفت الى الجثمان وقال: «طابيثة، قومي! « ففتحت عينيها، فأبصرت بطرس، فجلست. فمدّ يده إليها وأنهضها ، ثمّ دعا الإخوة فأراهم إيّاها حـيّة. فانتشر الخبر في يافا كلّها، فآمن بالرَّبّ خَلقٌ كثير" (أعمال الرسل 9 : 37-42).


عن طريق العهد الجديد من الكتاب المقدّس نعلم أن السيّد المسيح هو الوسيط الوحيد بين الله والناس (1 تيموثاوس 1:2) وأنّه الشفيع الوحيد في غفران الخطايا (1 يوحنّا 1:2). بينما الشفاعة تعني التوسّل بالدّعاء لأجل الآخرين، وشفاعة القدّيسين وصلواتهم من أجلنا. 

طلب شفاعة السيّدة العذراء أو الأولياء الصالحين الآخرين أو الملائكة لا يعني أنّنا نقدّم لهم العبادة - حاشى وكلاّ.. العبادة لا تقدَّم إلا لله سبحانه تعالى. ترفع الكنيسة أدعيتها إلى الله وحده، وتطلب من القدّيسين لقربهم من الله أن يشتركوا معنا في الدعاء إلى الله وأن يدعوا لله من أجلنا.


نقرأ في الكتاب المقدّس كيف استجاب الربّ  لشفاعة مريم العذراء في عرس قانا الجليل (يوحنّا 2: 1 –11). وكانت تلك أوّل شفاعة لها. وقام السيّد المسيح بالمعجزة الأولى حينئذٍ تلبية لرغبة السيّدة مريم العذراء. 

يلحظ المرء هنا أنّ السيّد المسيح تجاوز قوانين الطبيعة إرضاءً لمشيئة والدته الطهور وهي الملكة والأمّ. واهتمّت العذراء مريم بأحوال أبنائها الروحانيين وخصوصًا العروسَين وجميع الأسرة التي كانت في وضع مُحرج.


خاتمة

رفع الأدعية والصلوات لدى العرش الإلهي من أجل القريب أقوى وسيلة نمتلكها لتغيير العالم من حولنا نحو الأفضل والأكمل.  أخيرًا وليس آخر الكلّ شأنًا الشفاعة من أجل القريب دليل على ما نحمله له في قلوبنا من مودّة ومحبّة. "والمحبّة هي الوصيّة الأولى وقمّة الفضائل".

عالم افتراضي بعيد عن الواقع

أشخين ديمرجيان

عالم التكنولوجيا عالم لا يكنّ الاحترام للحقيقة، وهوعالم افتراضي يُبعدنا عن الواقع.  لذلك يعيش معظم الناس هذه الحياة غير الواقعية... وعدا مشاركة محبّي وسائل التواصل الاجتماعي لأحداث الحياة، يتشارك بعضهم بعضًا -على سبيل المثال- صورًا تُظهر بنية أجسامهم بطريقة تتناسب ونماذج اخترعها الإنسان. 

هيئة الإنسان في مقياس معيّن تُعَدّ ممتازة،  بناءً على مقاييس ابتدعتها وسائل الإعلام والأزياء والفن والمحطات الفضائيّة والأفلام والمسلسلات، وهذه المعايير لا ينجح جميع الناس في تطبيقها، وعليه يعاني الإنسان الذي يهتمّ بمثل هذه الأمور، يعاني من القلق حول مظهره.

إنّ احتكار مفهوم الجمال على فئة معيّنة من الناس، تقوم بها صفوة لها مصالح مادّيّة، ينبغي مراجعته وإعادة تعريفه من جديد، ضمن منظور أكثر شموليّة، لأنّ الجمال نسبيّ، تختلف مواصفاته ومقاساته من بلد إلى آخر. 


ويشمل أيضًا جمال الروح: الجمال الداخلي وما يحمله من صفات سامية ومزايا نبيلة مثل التهذيب والاستقامة والسموّ بالروح والإخلاص في العمل والضمير الحيّ ومحبّة العلم والمعرفة والثقافة والسعي لزيادة المعلومات وسعة أفق التفكير وغيرها كثير. وهذه كلّها لا يُروَّج لها في وسائل التواصل الاجتماعي.

في جميع الظروف والأحوال التفكير الإيجابي هو الحلّ. ينبغي أن يفكّر الإنسان بأنّه جيّد ومقبول كما هو، وإذا كان يرغب في تحسين مظهره، فليفعل ذلك من أجل قناعاته الشخصيّة، لا لنيل استحسان الآخرين، أو لأجل إرضاء الآخرين بتجاهل الذات.  


وباختصار كلّ ما في الأمر أنّ مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي ينهمكون في انتظار آراء الناس عن طلّتهم لا عن طلّة الآخرين.

تبقى كلّ المظاهر الخارجيّة سطحيّة. حكيم كلّ مَن يحاول أن ينمّي شخصيّته ويثقّف نفسه ويزداد علمًا ومعرفة. ويتجنّب الغوص في وسائل التكنولوجيا التي تُنسيه نفسه وحياته الأبديّة. وشعاره دومًا تطبيق وصايا الله في حياته كي يؤهّل للخيرات السماويّة.


إنّ مدمن شبكات التواصل الاجتماعية يفتخر بنشر كلّ تحرّكاته على منصّات التواصل الاجتماعيّ: سفر، عطلة أو رحلة، احتفال عائلي، الاشتراك بوليمة، شراء منتج جديد  والقائمة طويلة... 

وهذا التواصل أو ما يُسمّى بالتواصل، بينما يسمح للناس بتبادل خبراتهم في الحياة، لكنّه وللأسف الشديد يخلق أيضًا للغالبيّة العظمى معيارًا كاذبًا يتظاهرون من خلاله أنّ حياتهم جيّدة وعلى ما يُرام، وهي بخلاف ذلك...


حاجتنا الملحّة إلى اللجوء لوسائل الشبكات الاجتماعية كي نبدو وكأنّ حياتنا مليئة بالمغامرات مثل غيرنا، يجعلنا نكبت الانفعالات غير المرغوب فيها، وهذه العادة تجلب معها في كثير من الحالات التوترات والمشاكل النفسيّة، تؤدّي بنا إلى الشعور بفقدان هويّتنا، ممّا يغمرنا في النهاية بفيض من مشاعر صعبة للغاية مثل "القلق" أو الغضب أو انعدام الأمان. 

وتُعدّ الحاجة للأمان أحدى المقومات بل وأهمّها للحياة الإنسانية، وتتجلى أهميتها كما صنّفها علم النفس: في الأمن المعنوي والنفسي، الأمن الصحي، أمن الممتلكات الشخصية، والسلامة الجسدية من العنف والاعتداء. 


ويتمثّل الأمان في توفير الحقوق الخاصة بالأفراد والمواطنين على جميع الأصعدة والمجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.


خاتمة

للأسف الشديد نعيش اليوم -ولشدّة تعلّقنا بوسائل التواصل الاجتماعي وتصديقنا لكلّ خبر، من غير لجوء إلى مصادر ومعلومات علمية- نعيش الخوف والقلق والرعب يغزو القلوب، ونعيش حياة اختلّ فيها الاستقرار، ونبحث عن الطمأنينة والراحة والعيش الكريم بسلام.

 زمننا هو زمن الرجوع إلى الله خالقنا: "الساكن في ستر العليّ، يبيت في ظلّ القدير" (سفر المزامير 91: 1). لذلك من المستحسن أن نحافظ على خصوصياتنا ونعيش حياتنا حسب ظروفنا المالية وقناعاتنا الشخصية.

شوق واشتياق إلى الماضي

أشخين ديمرجيان - القدس

أعلن الفاتيكان أنّ قداسة البابا فرنسيس يتعافى بشكل جيّد بعد خضوعه لجراحة في القولون قبل عدّة أيام. ونقل بيان صادر من دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي تأثّر قداسته بما تَلَقّى من رسائل تعبّرعن المحبّة خلال هذه الأيام، وشكر جميع الذين رفعوا الصلوات على نيّته. مع أدعيتنا لشفاء قداسته .

كلّ الظروف في هذه الأيام تجعلنا نحنّ إلى زمن الماضي الجميل... والحنين إلى الماضي هو جزء لا يتجزّأ من خبرات الإنسان ومشاعره. "يوهانس هوفر" هو أوّل من استخدم كلمة "nostalgia" سنة 1688. كان طالبًا في كلّيّة الطب السويسرية في جامعة بازل. 

لاحظ هوفر تعرّض الجنود السويسريين العاملين في الخارج لنوبات من الحنين، مع فقدان الشهيّة، والأرق وخفقان القلب. وأصبح الحنين أمرًا خطيرًا يؤدّي إلى الوفاة مرارًا وتكرارا. 

وكان أنجع علاج لمرضى الحنين إلى الوطن إعادتهم إلى بلادهم. والحنين nostalgia" لفظة مشتقّة من اللغة اليونانية تتكوّن من كلمتين "Nostos" أي العودة إلى الوطن و"Algos" أي الألم.


ونشعر بالحنين لدى استماعنا إلى أغانٍ قديمة تسحر الألباب، أو نشاهد صورًا لأفراد العائلة والأصدقاء، أو عندما نزور أماكن ما ارتدناها منذ سنوات عديدة. 

في الماضي كان الحنين يُعَدّ مرضًا لدى علماء النفس، واليوم يُقال أنّ آثاره مفيدة على عقل الإنسان وجسمه. نعم في الماضي كان يُعتقد أنّ الحنين "مرض عصبي يعود إلى أسباب شيطانية"، ولكنّه اتضح للعلماء فيما بعد، كما أثبتت دراسات وأبحاث كثيرة في علم النفس وعلوم أخرى أنّ: "الحنين إلى الماضي جيّد للدماغ". ولا نريد الخوض في هذا الموضوع لضيق المجال.

الحنين يعني الحنين إلى الماضي للغالبية العظمى من الناس، بمزيج من الذكريات السعيدة ويشوبها شعور بالفقدان أو الخسارة. ويتفاوت شعور الناس بالحنين، فمنهم من يعود  بالذكريات إلى  الماضي مرّة واحدة في الأسبوع، وغيرهم ثلاث أو أربع مرّات أسبوعيًا. 


يقول العالم النفسي "سيديكيد" أنّ الحنين يصدّ الشعور بالوحدة والملل والقلق. وهو كلام منطقيّ واضح لأنّ ذكريات الحنين تكون غالبًا إيجابيّة عن الذكريات مع الأصدقاء والعائلة. 

وهذه الذكريات تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء. ويقلّ الاحساس بالقلق لدى الإنسان عندما تزيد نسبة التفاؤل والإيمان اللذَين يتولّدان لديه بفضل الحنين.

الحنين بما فيه من شوق واشتياق إلى الماضي، يحمل معه الحلاوة والمرارة في آنٍ واحد. ويشعر الإنسان بالحنين إلى أيام الطفولة، وإلى رفيق الصّبا أو لقريبه المغترب.  


في قلب المشرّد واللاجىء والمهاجر الفلسطيني مثلاً حنين وحزن وشوق إلى الفردوس الفلسطينيّ المفقود والبيت المهدوم والأرض المصادرة والزّيتون المقتلع والكرمة المنزوعة من جذورها والقرى التي اختفت والمدن التي ما بقي منها إلاّ شجيرات الصّبر! وعند المغترب حنين إلى الوطن والشوق الممزوج بالكآبة التي تأخذ النفس بسبب البعد عن الوطن. 

كآبة تحدثها الحسرة على ما فات وابتعد. وفي معجم الأصوات "الحنين"هو صوت المشتاق وصوت الأمّ الى ولدها وصوت الذي في فؤاده نزعة ألم.هو صوت الريح والنسيم الرقيق وصوت العود عند النقر عليه. ويقال حنّت الناقة : أي مدَّت صوتها شوقًا إلى ولدها.


للحنين حدود

معروف في الشّعر الجاهليّ البكاء على الأطلال: " قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل..." ويبدو أنّ المبالغة في الحنين إلى الماضي قد يؤدّي إلى الاكتئاب، وفي الاعتدال، يبدو الحنين مفيدًا. 

ولعلّ الأكثر غموضًا من أي شيء  آخر أنّ الحنين يجعل الناس يشعرون بنسبة أعلى من الدفء الجسدي. لقد أجرى علماء النفس تجارب عديدة حيث أفاد المشاركون أنّهم يتمتّعون بدفء أكبر بعد الاستماع إلى موسيقى من الزمن الماضي. 

لذا، حينما نشعر بالوحدة أو البرد ونستمع إلى موسيقى أو أغان تعود بنا إلى الماضي،  يتحسّن وضعنا . والتفكير في الماضي السّعيد يجلب للمستمع أفكارًا إيجابيّة، قد يساعده في التغلّب على حالات غير سارّة وأيضًا على التخلّص من مشاعر سلبيّة يحملها لإنسان ما.


 وعلى سبيل المثال إذا كان الجو متوتّرًا (مكهرب) في البيت بين الزوج وزوجته، فالرجوع إلى الأيام الجميلة الماضية قد تزيل هذا التوتّر بينهما.

التفكير في الأحداث اللطيفة من الزمن الماضي يحسّن مزاجنا الحالي، ولذلك هو أمر جيّد لنا. ويساعدنا أيضًا للتفكير في المستقبل بشكل إيجابي (أي التفكير بمستقبل جميل). 

ولكن ينبغي أن نُدرك أنّه علينا أن نعيش معظم الوقت في الواقع وفي الحاضر، لأنّ العودة إلى الماضي تجعلنا نلفّ حول أنفسنا ونبقى "مكانك قف" لا نفيد المجتمع ولا نستفيد. 


ومن نقائص شعوبنا الشّرقيّة فرط في العواطف وتركيز على الماضي العريق المجيد، من غير استخلاص العِبَر منه ومن غير أخذ الحاضر في الحسبان ولا التّطلّع إلى المستقبل.


خاتمة

ليكن التخطيط لمستقبل أفضل حلم الإنسان بدل فتح الدفاتر القديمة باستمرار خاصة الملفّات السلبيّة المريرة التي يجب أن تكون في سراديب النسيان. 

ليكن الحنين إلى دفء البيت والأسرة هو الحافز الوحيد الذي يجعلنا نغوص في خضمّ  التجارب والمخاطر بشجاعة. وقد ورد في الرّسالة اإلى أهل روما (15: 4) حول أحداث الخلاص والكتابات المقدّسة: "إنّ كل ما كُتب من قبل إنّما كُتب لتعليمنا حتّى نحصل على الرّجاء، بفضل ما تأتي به الكتب المقدّسة من ثبات وتشديد".


وفي هذه المناسبة نحيّي فريق المهندسين الفلسطينيين الحاصلين على درجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة بيرزيت، في الضفة الغربية، الذين فازوا بالمركز الأوّل في مسابقة دولية لتصميم وإعادة إعمار مرفأ بيروت المدمّر في لبنان. وحصل فريق روسي على المركز الثاني، وآخر إيطالي بالمركز الثالث.

هل يمكن للديمقراطية أن تتحول إلى طغيان الأغلبية؟

إقبال الغربي -  تونس - تعدديّة

صدَّق البرلمانُ التونسي قبل أسابيع بكل ديمقراطية على تنقيحاتٍ حول إرساء المحكمة الدستورية -وهي أرقى مؤسسة في الجمهورية-، التي تنظر بطبيعتها في دستورية القوانين، حيث استُبعد من خلالها مبدأ أساسي، وهو مبدأ التناصف أو المساواة بين الذكور والإناث. 

وفي نفس الأسبوع، لوَّح رئيس بلدية ضاحية الكرم (المنتخَب بطريقة ديمقراطية) بمنع المِثليِّين من دخول منطقته. وفي السنة الماضية، قرر سكان بعض المدن -بكل عنصرية- منع دفن ضحايا جائحة الكورونا في المقابر العامة خوفًا من العدوى.

والغريب أن مثل هذه القرارات جرى اتخاذها بكل شفافية وحسب مبدأ الأغلبية، وهو ما يولِّد شعورًا بهشاشة الديمقراطية الناشئة في أوطاننا، وبإمكانية تَحوُّلها إلى استبداد ناعم قائم على الوصم والإقصاء، خاصة في مجتمعات لا تزال غير مستوعِبة للفرْدَنة والتفرد، وغير قادرة على القطع مع ثقافة تمييزية نشأت عليها واستبطنَتها.


نحن نعرف أن الديمقراطية تَعني -تعريفًا- سيادةَ الشعب، التي لا يمكن بالأساس أن تكون إلا مباشرة. لكن التاريخ حسم هذه المفارقات لمصلحة الديمقراطية التمثيلية. 

والهدف من هذه المنظومة هو حل النزاعات وإدارة المصالح توافُقيًّا، والتداول على السلطة سلميًّا، عبْر الانتخابات التي تُفرز أغلبية وأقلية، مع العلم أن أقلية اليوم قد تكون أغلبية الغد. 


ويَجدر بالملاحظة هنا أن الانتخابات هي مجرد إجراء تِقْني، وليست قيمة في حد ذاتها. لماذا؟ لأن التاريخ علَّمَنا أن الانتخابات بوصفها إجراءً ديمقراطيًّا، قد أفرزَت نقيض الديمقراطية، وخيْر دليل على ذلك صعود هتلر إلى السلطة. ولذلك، لا بد من إيجاد محاذير للديمقراطية حتى لا تتحول إلى فاشية، أو تنزلق إلى ما سمَّاه "توكفيل" و"جون لوك" و"جون ستيوارت ميل": "طغيان الأغلبية".

وهذا يعني أن الديمقراطية لا يمكن أن تكون مجرد وسيلة أو أداة للوصول إلى الحكم، ولا يمكن أن تكون شكلية. فمضمونها الفلسفي والأخلاقي تَحرُّري بامتياز، وهو قائم على معيارية الإنسان وسلطان العقل والحقوق الطبيعية للفرد. 


ومِن ثَمّ، فالانخراط في المنطق الديمقراطي يترتب عليه العديد من الالتزامات القانونية والأخلاقية. ثم إنه لا يمكن اختزال الديمقراطية في عملية الاقتراع العام، إذ إنها تُجسِّد قيمًا إنسانية راقية، مثل: قبول وجود الآخر المختلف‏،‏ ونسبية الحقيقة،‏ واحترام الأغلبية للأقلية، وقبول الأقلية لحكم الأغلبية‏، والسماح بحريات الاعتقاد والتعبير والاختلاف‏.‏

في عالمنا هذا، لا يمكن مثلًا للفريق الغالب أن يستعمل نفوذه لانتهاك حقوق المواطنين/ات، أو أن يتخذ قرارًا يُلغي الانتخابات، أو أن يُحرِّم الإضرابات العمالية، أو أن يَسنّ قوانين شاذة تَقهر الأقليات الإثنية أو الدينية وتنتهك منظومة حقوق الإنسان الكونية. 


لماذا؟ لأن لِسيادة الإرادة العامة حدودًا وخطوطًا حُمْرًا، تتمثل بحقوق الإنسان المؤسَّسة أخلاقيًّا. وهنا، يكمن التماسك الداخلي بين السيادة الشعبية من جهة، وحقوق الإنسان من جهة أخرى، لأن ذلك هو الأمر الذي سيَنتج منه بِناء العَقد الاجتماعي السليم والدائم.

مِن الواضح أن الديمقراطية تَضمن التعبير عن الإرادة الشعبية من خلال حكم الأغلبية. لكن من الواضح أيضًا، أنها يجب أن تَضمن أن الغالبية لن تسعى إلى التمكين، ولن تَستخدم قوَّتها ونفوذها وسيطرتها على دواليب الدولة ومفاصلها لانتهاك الحقوق الأساسية للأقلية.


 لذلك، يجب أن تَملك الأقلية (أي القوى السياسية التي ليست في الحكومة) الحقَّ في السعي لتصبح أغلبية، وأن تمتلك جميع الحقوق اللازمة للتنافس في الانتخابات، مثل حياد الإدارة والأمن والجيش، وأيضًا حق التعبير والتجمع والتنظيم.

إذًا، الديمقراطية وحقوق الإنسان، هما متلازمتان كوجه الورقة وقفاها، بل إن احترام هذه المبادئ والأخلاقيات والحقوق هو الذي يعطي الديمقراطية شرعيتها النهائية، ويحمي في نفس الوقت سيادة الشعب من الانزلاق في طغيان الأغلبية. 


وبتعبير آخر: إن حقوق الإنسان يُفترض فيها أن تكون بمنزلة سدٍّ شرعي، يحُول دون دَوس الإرادة العامة ذات السيادة لفضاء الحريات الفردية -على حد تعبير الفيلسوف الألماني "هابرماس"-.

فالديمقراطية هي أساسًا ضمان حقوق الأقليات العِرقية والدينية والسياسية، التي من حقها تجسيد قناعاتها، والمجاهَرة بها بكل حرية واستقلالية دون أن تخدش مشاعر الأغلبية، ودون أن تكون عُرضة لأيِّ حساب أو عقاب أو إقصاء.

العملة النادرة في أيّامنا

أشخين ديمرجيان

إنّ أواصر الصداقة الحقّة تزداد متانة وعمقًا مع مرور الأيام والسنين. وبينما تُشكّل الأسرة جزءًا لا يتجزّأ من حياتنا، إلاّ أنّ للصداقة نظامًا معيّنًا في الدعم والمساندة يختلف عمّا هو متّبع في الأسرة.

ويُقال: "لستَ حرًّا في اختيار أسرتك لكنك تتمتّع بالحرّيّة في اختيار أصدقائك". واختيارنا لأصدقائنا بحكمة يجعلنا أكثر استقرارًا وسعادة ... كما أنّه يُخبر عنّا وعنهم الكثير: "قُل لي مَن تعاشر أقُلْ لك مَن أنت". و"الطيور على أشكالها تقع". 

قد تختار الأصدقاء استنادًا إلى مصالح مماثلة. وقد تنتقي منهم مَن هو على طرفَي نقيض معك، وهذا الاختيار مثير للاهتمام. أو أنّ تشابُه الاتّجاهات والأمزجة يؤدّي إلى علاقة التفاعل أو التجاذب المتبادل. وفي بعض الأحيان الظروف ومحض الصدفة هي التي تجمع بين اثنين أو أكثر. ومن ثَمّ يتطوّر التعارف إلى صداقة.

هناك مقولة في أساطير العرب أنّ المستحيلات ثلاث: الغول والعنقاء والخلّ الوفيّ. لكن في رأيي المتواضع الدنيا بخير والصديق وفيّ العهد موجود، وهو "أخٌ لك لم تلده أمّك" إنّما أضحى عملة نادرة لذلك يُعَدّ كنزًا نفيسًا غالي الثمن.


فعلاً لقد أصبحنا نعيش في زمن تشحّ فيه الصداقة الحقيقيّة في زمن المصالح وانعدام الوفاء والودّ. وما أحوجنا للعودة إلى زمن الإخلاص من غير زيف في الصداقة وسائر العلاقات التي تربط الإنسان بكلّ مَن حوله من أهل وأقارب وأصدقاء وزملاء الخ .

ما أحلى الرجوع إلى الزمن الجميل الذي يُشارك فيه الصديق صديقه الأفراح والأتراح والمشاكل والهموم والآلام والآمال. "الصديق وقت الضيق" عندما تقع الواقعة الكبرى حينئذٍ بإمكاننا أن نميّز ما بين الصديق الصدوق وذاك المزيّف.

أيًّا كان الدافع إلى بناء الصداقة الجيّدة، التجربة بحدّ ذاتها مُجزية جداً. خاصةً عندما تتحوّل إلى صداقة وثيقة فريدة من نوعها مدى الحياة. رابطة الصداقة تربط الإنسان عادة بصديق حميم أو اثنين في حياته.


أولئك هم الأفراد الذين يثق بهم ويبادلهم الأفكار العميقة والهموم والمخاوف والأحلام والطموحات، بصراحة ووضوح مثل كتاب مفتوح. وهذا لا يعني أنّ الفرد لا يُقيم صداقات عمل أو أنشطة مع غيرهما على أساس منتظم أو شبه منتظم. 

كلّ ما في الأمر أنّ مستوى الصداقة مع الآخرين ونوعيّتها يختلفان. فهم زملاءه في العمل أو من ذوي القربى، أو شركاؤه في الأنشطة الرياضيّة أو الثقافيّة أو معارفه في المجالات الدينيّة أو السياسيّة أو الفنّيّة، يستمتعون بصحبة بعضهم البعض. 

يدعمون بعضهم في الإنجازات ، فضلاً عن الدعم المعنوي في الهزائم. كلّ هؤلاء الأصدقاء يحتلّون مكانة خاصة في حياة الإنسان. ويكوّنون  جوانب رئيسيّة في المجموعة التي تمنحه روح الأمل والانتماء. كما أنّ تخصيص الوقت للبقاء في صحبتهم يعني أنّهم يكوّنون جزءًا حيويًّا من حياته.


أصغيتُ إلى صديقتي الغالية بقلبي وعقلي وكياني. ها قد أصبحَت عرضة للقلق والعزلة الاجتماعيّة والاكتئاب وتفتقر إلى القوّة والثقة... غصتُ في بحر من الأفكار لدى استماعي إلى تجربتها في الحياة وهي على حق في كلّ استنتاجاتها. 

وراقني ما تتحلّى به من تناسق في الأفكار وترابط... ومن إيجابيّة والرغبة للتخلّص من كلّ ماهو مضرّ لصحّتها النفسيّة والجسديّة.

وحينما تبادلنا الحديث بخصوص وسائل التواصل الاجتماعي، والحديث ذو شجون، كان ردّي لها كالآتي:  لم ولن يتمّ استبدال الصداقات أو العلاقات العائلية والاجتماعية بالروبوتات والذكاء الاصطناعيّ وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي الدارجة في أيامنا العصيبة. 

"الصداقة هي الأسمى في علاقات البشرمع بعضهم البعض" على رأي الاديب اللبنانيّ الكبير جبران خليل جبران بعبقريّته الفذّة، في معرض حديثة عن الصداقة في كتابه الشهير "النبي".


خاتمة

يُشير الكتاب المقدّس إلى الصداقة في كثير من الآيات: "المحبّة تتأنّى وترفق، المحبّة لا تحسد ولا تتباهى ولا تنتفخ ولا تأتي قباحة ولا تلتمس ما هو لها ولا تحتدّ ولا تظنّ السّوء ولا تفرح بالظّلم بل تفرح بالحقّ" (قورنثوس الأولى 13: 4-6). 

أجمل الآيات وأعظمها: "ليس لأحد حبّ أعظم من أن يبذل نفسه في سبيل أحبّائه" (يوحنّا 15: 13)، لأنّها روحانيّة غير مبنيّة على المنفعة بل على أسس متينة من المحبّة والعطاء ونبل الأخلاق.

ثالوث المقترحات للقاء بطاركة الشرق مع البابا: صمود... نهوض... إشعاع

المحامي ربيع الشاعر - لبنان - نداء الوطن

يقول أرسطو: "على الكائن السياسي أن يمتلك بعض المعرفة بكل ما هو مرتبط بالروح". والروح في بلد مثل لبنان ترتبط ارتباطاً عضوياً بالديانات السماوية أي بالله، لذا جمع الدستور اللبناني بطريقة غريبة بين مبدأي حرية الاعتقاد المطلقة المنصوص عليها في المادة (9) وواجب تأدية الدولة لفروض الإجلال لله تعالى وكأنها كائن بشري تسري عليه طقوس الطوائف والمؤمنين.

من هذا المنطلق لعبت المرجعيات الروحية للطوائف اللبنانية دوراً في تذكير الدولة بفروضها تجاههم وتجاه الله تكريساً لجدلية أرسطو والتي تفترض أيضاً على "الكائن الروحي" أن يمتلك بعض المعرفة بكل ما هو مرتبط بالسياسة!

ولأن الدولة في لبنان أفلست أخلاقياً قبل أن تفلس مادياً، ولأن ذلك له الأثر الكبير على توازن وتنوّع لبنان الثقافي حيث الانتماء الطائفي يتجه الى أن يصبح وراثيّاً أكثر منه إيمانيّاً - منطقيّاً، دعى قداسة البابا فرنسيس، الراهب اليسوعي الإصلاحي والمدافع عن الفقراء والبساطة والسلام، ممثلي الطوائف المسيحية الى لقاء معه في دولة الفاتيكان حول الوجود المسيحي في لبنان.

ولبنان اليوم هو في زمن شبيه بزمن قيام السلطنة العثمانية سنة 1516 حيث سعى العثمانيون الى القضاء على كل الموروث الثقافي للعرب واللبنانيين. 


وقد واجه المسيحيون الهيمنة العثمانية بالعلم والوعي وأنشأت لهم روما سنة 1584 المدرسة المارونية واستحقوا اللقب الذي أطلق عليهم في القرن السادس عشر: "عالم كماروني". 

وواصل الموارنة نهضتهم الثقافية بمساعدة موفدي الكرسي الرسولي الى لبنان وصولاً الى "المجمع اللبناني" الذي انعقد سنة 1736 وسبق الثورة الفرنسية في حداثته حيث أمر بالتعليم الالزامي والمجاني للأحداث والبنات وبأن تدفع الكنيسة جزءاً من "أجرة" المعلمين.

هذا الشغف بالعلم والثقافة أدى الى لعب الموارنة والمسيحيين دوراً أساسياً في النهضة العربية بل وانقاذ اللغة العربية مروراً بالمساهمة في الإشعاع الحضاري من خلال تطوير الاعلام والمسرح والأدب والرواية وصولاً الى قيام لبنان الكبير.


أربعمئة عام احتاج المسيحيون لكسر الاحتلال التركي تحت مسمى الخلافة، فهل لدى المسيحيين اليوم ترف الوقت لتحرير لبنان من احتلالاته؟ بالطبع لا! من هنا الانتظارات من لقاء بطاركة الطوائف المسيحية اللبنانية مع قداسة الحبر الأعظم كبيرة وهي تفترض منهم بلورة خطة من ثلاثة محاور هذه أعمدتها:


1. مرحلة الصمود

هذه مرحلة انتفاضة الكنيسة على ذاتها، فكما يقول القديس نعمة الله الحرديني: "الشاطر يخلص حالو". فالمطلوب من الكنيسة ومن أحبارها قبل الصلاة وقبل إدانة السلطة السياسية، مطلوب منهم ثورة على الذات كي يزيلوا عنهم شبهة الفساد وأن يعودوا الى بساطة إيمان الأجداد لا إيمان الفريسيين لأنه كما يقول القرآن الكريم: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ]الرعد:11[. 

فالكنيسة عامة بدأت بنفض غبار التكتم عن ممارسات بعض مسؤوليها التي تتعارض مع تعاليم المسيح وآن الأوان للكنيسة اللبنانية والمشرقية أن تسقط من حساباتها قاعدة الصمت "أومرتا" وتعمل على إعادة ثقة أبنائها بها لا على أساس ديني دوغماتي بل على أساس إيماني وطريقة عيش المحبة والعطاء اللذين هما أساس الحياة المسيحية.

كما على الكنيسة أن تطبق توصياتها لا سيما توصيات المجمع البطريركي الماروني لعام 2006 التي نصت وبوضوح على ضرورة الاستثمار في الأوقاف لتأمين السكن للشباب والعائلات الأكثر عوزاً من خلال بناء وحدات سكنية صغيرة وبيئية وتأجيرها من الفئات المهمشة ولمدد زمنية معينة تأميناً لمقومات بقائهم في لبنان وصمودهم بوجه الانهيار الاقتصادي. 


الى جانب الخطة العمرانية-السكنية يجب التفكير بكيفية تأمين الأمن الزراعي والغذائي لهذه العائلات وخلق فرص عمل تتناسب مع احتياجات السوق لا سيما في ظل تدهور الليرة اللبنانية وقابلية لبنان على المنافسة مع الأسواق الخارجية.

بالطبع ليس المطلوب من "الكنيسة" أو "رجال الدين" أن يحلوا محل الدولة وخدماتها ولكن عليهم بما لهم من حضور اجتماعي ومؤسساتي أن يضعوا استراتيجية ذكية وفعالة لشبك البلدات مع بعضها البعض في إطار لامركزي حقيقي كما وشبكها مع الاغتراب والشركات الأجنبية وبناء توأمة بين الرعايا بما يسمح بتبادل الخبرات والتعاضد والمقاومة على الحفاظ على أدنى درجات الكرامة الانسانية التي بدونها لا قيمة لأي دين.

هذا يمرّ أيضاً من خلال إعطاء قطاع التعليم الأولوية على باقي القطاعات تماماً كما جاء في آخر تقرير للبنك الدولي والذي اعتبر فيه أن التعليم في خطر ويجب إعطاء الأولوية للإرتقاء بجودة التعليم للجميع تماماً كما فعل اللبنانيون والمسيحيون أيام الاحتلال العثماني كشرط أساسي "للتأسيس لمستقبل أفضل". 


وهذا يمر حتماً عبر الاستثمار في الحضانات ونوعية التعليم فيها والحفاظ على الأساتذة وتطوير مهاراتهم وتغيير مفهوم التعليم والمدارس لا سيما في مجالات ثلاثة ضرورية لصناعة أجيال متحررة فكرياً وقابلة على التأقلم مع تحديات العصر التكنولوجي من خلال الاستثمار في الرياضيات وتطويرها وعلم الفلسفة واللغات.


2. مرحلة النهوض

يقول الفيلسوف الإلماني هيغل في كتابه (the Phenomenology of Spirit) أن "التاريخ مدفوع بصراع الأشخاص باعتراف الآخرين بذاتيتهم" (history was driven by a struggle for recognition). 

ففي محاضرة له بعنوان "لبنان الكبير وفلسفة تآلف الاختلاف" بتاريخ 22 حزيران 2021 استشهد الفيلسوف اللبناني البروفسور الأب جورج حبيقة أمام المؤسسة البطريركية المارونية العالمية للإنماء الشامل بالفيلسوف الكندي وعالم السياسة شارلز تيلور Charles Taylor وكتابه (Multiculturalism and “The Politics of Recognition”). 

وقد قصد بذلك ضرورة التمثيل النيابي على أساس طائفي ضمانة للتعددية والتنوع والفروقات في المجتمعات البشرية، تماماً كما جاء في رسالة البطريرك الحويك والأساقفة الموارنة الى المفوض السامي هنري دي جوفنيل في 8 كانون الثاني 1926، والتي أكدت على أن "الانتخاب على قاعدة الطائفية يمثل هذه الطوائف على نسبة معينة في ذلك المجلس، فتتعارف وتتآلف ويضحي كل منها بشيء من مطلبه بحكم الأخذ والعطاء، ويؤدي ذلك تدريجياً الى الامتزاج وتوحيد السياسة...".


ويقول المفكر والفيلسوف الأميركي من أصول يابانية فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama في كتابه (Identity: Contemporary Identity Politics and the Struggle for Recognition) أن هذا الصراع على الاعتراف بخصوصية الكائن البشري والجماعات على أنواعها ينقسم الى نوعين Isothymia وهو الحاجة بأن يكون الشخص محترماً على قدر المساواة مع الأشخاص الآخرين وMegalothymia وهو الرغبة بأن يتم الإعتراف بفوقية الشخص أو المجموعة على سائر الأشخاص والمجموعات تماماً كما هو الحال مع الطوائف اللبنانية التي لا تسعى في صراعها مع الطوائف الأخرى الى المساواة بل الى التفوق عليها وممارسة عنصرية مقنعة تضع هذه الطائفة بمقام متقدم على الأخريات بحجة الدفاع عن حقوق الطائفة وصلاحياتها.

وقد أفرزت هذه الحالات المرضية ديكتاتوريات داخل كل طائفة تحتكر التمثيل السياسي بقوة الدم والمال والتجييش الطائفي وتلغي أي إمكانية للركون للعقل والحكمة كما تلغي أي مساواة بين حقوق الفرد وحقوق الطائفة والمتنفذين داخل تلك الطائفة. 

حتى أصبح "ديكتاتور" كل طائفة يتعاطى مع سائر الطوائف بمنطق العزل والتهديد والتهميش ويميّز أبناء طائفته لا سيما أتباعه عن سائر المواطنين ويخصهم بالوظائف وصرف النفوذ وتوزيع الغنائم. 


كما يدعي هؤلاء "الزعماء" حماية "مصالح الطائفة" فتخال أن لديهم توكيل من الله يواجهون به تهديد الطوائف الأخرى لوجود طائفتهم وهويتها، بينما في الواقع يساهم هؤلاء الزعماء واتباعهم في تشويه صورة الله وتحجيمها بما يخدم غرائزهم المحدودة التي تدفعهم الى التحريض على العنف والعنصرية والكراهية. 

من هنا، على رجال الدين لا سيما المسيحيين منهم تحرير الهيكل من التجار ليتحرر المسيحيون واللبنانيون ويتساوون أمام القانون بالحقوق والواجبات.

من هنا أيضاً الدعوة الى السادة البطاركة المجتمعين في روما الى إجراء إحصاءات دقيقة حول نظرة اللبنانيين والمسيحيين الى الله والدين ورجال الدين ونظرتهم الى الطوائف والأحزاب والوطن ليبنوا على أساسه استراتيجيتهم التبشيرية والإنقاذية. 


فلا يمكن أن ينهض لبنان من دون صحوة الضمير هذه. فأي حياد نرجو في ظل عدم إيمان اللبنانيين في وطنهم. وأي لامركزية في ظل المنطق العائلي والقبلي؟ وأي قضاء وعدالة في ظل الاستقواء على القانون ومحاباة القوي؟ وأي حريات في ظل أحوال شخصية قمعية تلغي في بعض الأحيان الكرامة الإنسانية؟ وأي ضرائب عادلة وإنماء متوازن في ظل ثقافة السرقات والتباهي بالسارق؟ وأي ديمقراطية تمثيلية في ظل اندماج السلطات الثلاث في حفنة من الأشخاص لا تتعد عدد الأصابع تحظى ببركات الهية؟

نحن قادمون على عقد اجتماعي جديد شئنا أم أبينا، ستتم محاولة فرضه علينا من خلال فراغ دستوري بدأت تتكون ملامحه وفوضى أمنية أبطالها معروفون.

على الكنيسة بشكل عام والكنيسة المارونية بشكل خاص أن تكون مهيأة لأن تدعم قيام عقد اجتماعي عادل بين اللبنانيين لا يكون لصالح طائفة على بقية الطوائف. 


من هنا، هذه الكنيسة مدعوة الى موقف تاريخي وشجاع تكسر فيه حلقة الـMegalothymia على الأقل بين الطوائف المسيحية من خلال القبول بالمساواة بين كافة الطوائف المسيحية وأبنائها لتبوؤ المناصب المخصصة للمسيحيين في الدولة كمرحلة أولية للمساواة بين جميع اللبنانيين وقيام دولة المواطنة لا دولة الطوائف.

لماذا لا يكون رئيس الجمهورية المقبل ارثوذكسيا أو كاثوليكياً إذا كان يتمتع بمواصفات قيادية جامعة ومعترف بها لا يتمتع بها أي ماروني آخر مرشح لهذا المنصب؟ إن الدعوة للمساواة بين جميع أبناء الطوائف المسيحية هي الدليل على تقديم مبدأ الخدمة العامة والكفاءة على سائر الانتماءات الطائفية. 

وإذا كان إلغاء الطائفية السياسية بين جميع الطوائف بحاجة الى خطة وطنية نصت عليها المادة (95) من الدستور ولم تتبلور بعد، فما الذي يمنع أن يبادر المسيحيين الى القبول بمساواة جميع أبناء طوائفهم أمام الدستور والقانون؟ سيخلق ذلك ديناميكية وتعاضد داخل المجتمع المسيحي ويحد من هجرة أبنائه الذين يشعرون بالغبن والتهميش ويدفع سائر الطوائف الى أن تخطو خطوة مماثلة نحو تقديم حقوق الأشخاص على حقوق الطوائف وإلغاء الزعامات الطائفية والخطاب الطائفي والتفكير الطائفي والمداورة في كافة المناصب الأساسية على قدم المساواة بعد السعي الى تقديم الضمانات الدستورية اللازمة التي تمنع سيطرة طائفة أو عدة طوائف على الطوائف الأخرى والتي لا يجب أن يخجل الآباء البطاركة من الإشارة اليها اليوم وقبل أي وقت آخر.


إن الدعوة الى عقد اجتماعي جديد بين اللبنانيين يجب أن يضمن أيضاً قيام أحزاب مدنية غير دينية وغير مرتهنة للخارج وأن تكون الحريات والحقوق والواجبات مقدسة ومضمونة للجميع على أساس الشراكة الإيجابية والثقة في إدارة التنوع بسلام ووعي.

وكي لا تنزلق الكنيسة في دهاليز السياسة الوعرة عليها أن تطلق محركات دبلوماسيتها من روسيا الى أميركا مروراً بأوروبا والدول العربية والقوى الإقليمية المؤثرة في موازين الاستقرار الداخلي لألف سبب وسبب فيكون لها مواقف مشرفة من موضوع اللاجئين وترسيم الحدود والقضية الفلسطينية واتفاقية الهدنة والعمق العربي والانفتاح على الحضارة الأممية وضمان حياد إيجابي للدولة اللبنانية تجاه جميع هذه المسائل الشائكة والمتفجرة مما يساهم في الدفاع عن القضايا الإنسانية والوطنية المحقة وتحصين سيادة لبنان وسلامة أبنائه.

لا يمكن أن تنكر الكنيسة المجتمعة في روما هذا الشق الأساسي في استمرار لبنان "وطن الرسالة" من خلال بناء الإنسان وإعادة تفسير مفهوم الله وهي التي كانت الرائدة في احترام خصوصية الكائن البشري لا سيما مع مطلق عصر الاصلاح في أوروبا مارثن لوثر وانبعاث البروتستانتية ولاهوت التحرير وفي ظل وجود البابا الحالي الذي كما وصفته الصحافة الإيطالية "ثورة في تاريخ الكنيسة" وهو القائل بأن الكنيسة "ليست ذات رسالة محصورة فقط بمؤمني شعب الله، بل تتجه الى جميع العالم في بشارة جديدة". 


كما يجب أن تضع الكنيسة سقوف مطالبها بشجاعة ومسؤولية تسهيلاً لسائر الطوائف كي تحذو حذوها كشرط أساسي لنهوض لبنان واستقراره الاقتصادي والأمني ضمن فترة العشر سنوات القادمة.


3. مرحلة الإشعاع

أما المرحلة الثالثة التي لا يجب أن تغيب عن ذهن بطاركة الكنيسة المسيحية في لبنان وممثليها فهي نتيجة حتمية لمرحلتي الصمود والنهوض وهي مرحلة الإشعاع التي يجب أن تكون الهدف من أي رسالة بشارة دينية وإنسانية والتي تقوم على الحفاظ على ثلاث ثروات أساسية لبقاء لبنان وليس فقط لبقاء المسيحيين فيه وهي أولاً الثروة الإنسانية من خلال تحديد دور لبنان الحضاري في محيطه وفي العالم، وثانياً الثروة المادية من خلال تحديد وظيفة لبنان الاقتصادية والابتكارية، وثالثاً الثروة الطبيعية من خلال تقديس البيئة والأرض التي خصها قداسة البابا فرنسيس سنة 2015 برسالة عامة بابوية حول العناية بالبيت المشترك بعنوان كن مسبّحًا Laudato Si’.

في الختام، يقول الفيلسوف البريطاني توماس هوبس Thomas Hobbs إن الإنسان هو ذئب لأخيه الإنسان. لذا، وأزاء خوف الانسان المتزايد من خطر الموت الذي يتسبب به، ارتضى أن يتخلى عن جزء من حريته لصالح دولة تحفظ أمنه. 


أما وقد بدأت الدولة اللبنانية بالتخلي عن وظائفها الخدماتية والأمنية مما يترك المجال واسعاً للبنانيين وليس فقط المسيحيين إما الى الهجرة أو اعتماد منطق الدفاع الذاتي بكافة أشكاله، تظهر الحاجة أكثر من أي وقت مضى لكل شخص أو مجموعة مسؤولة في هذا البلد الى تحمل مسؤولياته المصيرية درءاً للأسوأ وحفاظاً على اعتراف الآخرين بكرامته الانسانية. 

وكما يقول "بابا الإصلاح" أو "بابا الحوار" بولس السادس: "إن وظيفة الكنيسة هي بناء الإنسانية أو بناء حضارة المحبة" ولا كنيسة ولا حضارة ولا محبة في لبنان من دون حرية فردية وحرية تقرير مصير أو من دون مساواة بين اللبنانيين وهذه شروط أساسية للحفاظ على السلام بين الطوائف والمواطنين بل للحفاظ على لبنان أرضاً وشعباً وكياناً ورسالة.

المسيح وتحرير الإنسان من عقليّة العبوديّة

الأب د. بشارة ايليا الأنطوني - النشرة

اجتهد عمّال الفلسفة، على مرّ التّاريخ، على تحرير العقل من سلطة الوصاية، إلّا أنّهم لم يستطيعوا تحرير الإنسان من عقليّة العبد المتربّصة في كيانه، ممّا حدا شرعة ​حقوق الإنسان​ (1948) في المادّة الرّابعة، إلى إدانة الاستعباد: "لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده. ويحظّر الرّقّ والاتجار بالرّقيق بجميع صورهما".

وبالعودة إلى الأيّام الغابرة، نجد أنّ الإغريق قد عرّفوا الحرّيّة باللّاعبوديّة الّتي تجتاح الإنسان، على المستويات كافّة. فما إن يتحرّر من مفهوم حتّى يجد نفسه عبدًا لمفهوم آخر. 

في ملء الأزمنة، أتى السيّد ​المسيح​ ليحرّر الإنسان، أيضًا، على المستويات كافّة. فعندما قال: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، انتزع من قيصر صفة الألوهة، واستعباد الشّعوب بغطاء إلهيّ. 


كما دعا المسيح إلى تحرير الإنسان من الشّريعة نفسها، وقد اختصرها بقوله إنّ "السّبت للإنسان وليس الإنسان للسّبت". وقد كلّل تحرير الإنسان بعلاقته مع الله، إذ قال لتلاميذه: لا أدعوكم عبيدًا بعد اليوم بل أحبّائي. 

وعندما سألوه عن الصّلاة، قال يسوع إنّ "الله أباكم يعرف ما تحتاجون إليه". وعلّمهم الصّلاة الأبسط في التّاريخ، والأعظم على الإطلاق: "أبانا الّذي في السّموات...". 


لقد حافظت الكنيسة، من بولس الرّسول إلى المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، ولا تزال إلى يومنا، مع ​البابا فرنسيس​ على العمل على تحرير الإنسان حتّى من عبوديّته لنفسه، ولملذّاته الجسديّة؛ وما الصّلوات والتّقشّفات والأصوام إلّا الطّريق الّذي يسعف الإنسان في مسيرته على هذه البسيطة.

ومن نافل القول بأنّ العبادات الرّوحيّة ليست لتصغير الإنسان، ولا لتعظيم الله الغنيّ عن تسابيحنا وتمجيدنا، إنّما لرفع الإنسان إلى مستوى الملكوت السّماويّ. 


وما قول السيّد المسيح للمرأة السّامريّة الّتي تعبد من تجهل "العابدون الصّادقون يعبدون الآب بالرّوح والحقّ" إلّا إثبات أنّ الصّلاة ليست فعل عبادة وحسب، إنّما فعل لقاء بالرّوح والحقّ. 

وإذا ما وجد لكلمة عبادة من دلالات أخرى، في عقول المؤمنين كالخنوع والقنوط، فلا يستحقّ أحد إذًا، أن يُعبد إلّا الله وحده. بيد أنّ الأنبياء والرّسل والقدّيسين مكرّمون نسبةً إلى الكنيسة، فمن غير المعقول أن يعبد الإنسان نفسه، فيكون عندئذ مريضًا، كما لا يحقّ لأيّ كان أن يستعبده، فكلّنا متساوون في الكرامة.


إذًا، يتطلّب الإيمان الحقيقيّ إرادة حرّة، وفعل محبّة في حفظ الوصايا الإلهيّة، "ليدوم فيكم فرحي ويكون فرحكم كاملًا"، كما قال السيّد المسيح، وإلّا تحوّل عبادة وثنيّة أو إلحاديّة لا تعرف الله. 

فلا يكوننّ أحد فينا مستعبدًا لأحد، ولنحرّرنّ عقولنا من عقليّة العبد المستشرية في هشاشة إنسانيّتنا الّتي أتى المسيح ليحرّرنا منها، ويعيدنا باختيارنا إلى بناء علاقة بنويّة بيننا وبين الله الآب.

لقاء الفاتيكان... أربعة أخطاء وحقيقة واحدة

محمد السماك

لبنان منقسم طائفيًّا بين المسلمين والمسيحيين. خطأ. الفاتيكان يقف إلى جانب المسيحيين في هذا الانقسام. خطأ. من أجل ذلك دعا الفاتيكان إلى لقاء الأوّل من تمّوز. خطأ. ومن أجل ذلك أيضًا استبعد الفاتيكان دعوة مسلمين للمشاركة في الاجتماع. خطأ.

أربعة أخطاء تؤكّد أمرًا صحيحًا واحدًا، وهو أنّ الفاتيكان معنيّ في الدرجة الأولى بالعيش المشترك في لبنان، وامتدادًا في دول العالم العربي.. والعالم، وأنّ همّه إنقاذ لبنان من بين براثن سياسيّيه إنقاذًا لرسالته ولدوره في أداء هذه الرسالة.


أكّد على ذلك أربعة بابوات حتى الآن:

  • البابا بولس السادس من خلال إقرار نصّ وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني – نوسترا إيتاتي.
  • البابا يوحنا بولس الثاني من خلال عقد السينودس حول لبنان.
  • البابا بنديكتوس السادس عشر من خلال السينودس حول الشرق الأوسط.

البابا فرنسيس من خلال زياراته لـ: مصر (الأزهر)، والعراق (النجف)، وبينهما أبو ظبي حيث وقّع على وثيقة الأخوّة الإنسانية مع الإمام الشيخ أحمد الطيّب. كان لبنان الغائب الحاضر في كلّ هذه المبادرات الفاتيكانية. كان حاضرًا برسالته، إلا أنّه كان غائباً (وليس مغيَّباً) بسياسته.


لقاء الأول من تمّوز يهدف إلى البحث في إعادة تأهيل لبنان ليرتفع من جديد إلى مستوى الرسالة، وليتمكّن من أداء الدور الذي يعلّق عليه الفاتيكان آمالاً عريضة في حمل هذه الرسالة. ذلك أنّ الرسالة النبيلة، رسالة العيش المشترك، لا يمكن أن تحملها دولة فاشلة لم يعُد العيش فيها مشتركاً.. بل لم يعد فيها معنى للعيش الكريم، الذي يحفظ للإنسان كرامته وحقوقه.

يرسم الفاتيكان علامة استفهام كبيرة لتحديد المسؤول عن هذا الانهيار القيمي والأخلاقي والوطني الذي دفع لبنان إلى الهاوية. ويحاول البحث عن جواب لها في اجتماع الأول من تمّوز. ولأنّ دور الكنيسة، إضافة إلى بعده الديني، هو دور تربوي يقوم على القيم والأخلاق والوطنية، فقد كان استفرادها بالدعوة. 


وهو استفراد يطرح علامات استفهام: لماذا؟ وكيف؟ أي لماذا وقع الانهيار؟ وكيف الخروج منه؟ وما هو دور الكنيسة في الأمرين؟ حتى إذا اكتملت عملية النقد الذاتي، يكون الانفتاح على الشريك الآخر في الوطن الذي لا تكتمل رسالة العيش المشترك إلّا به ومعه. 

وهو ما يبدو أنّ الفاتيكان حريص على تجسيده في لقاء ثان مشترك، يعقب لقاء الأول من تموز. وهذا يعني أنّ اللقاء الأول هو أشبه ما يكون بعملية نقد ذاتي، واللقاء الثاني أشبه ما يكون بعملية تجديد العمل المشترك لإنقاذ لبنان ورسالته من الهوّة التي سقط أو أُسقط فيها.

ليست الكنائس المدعوّة إلى الاشتراك في لقاء الفاتيكان على موقف واحد. إنّ مقارباتها مختلفة ومتباينة. ومهمّة الفاتيكان هي التجسير بينها على قاعدة "رسالة العيش المشترك" التي يكون بها لبنان أو لا يكون. 


وهي مهمّة دقيقة جدّاً لا تحتاج في مرحلتها التصحيحية إلى مشاركة إسلامية. تأتي هذه المشاركة بعد التصحيح الذاتي وبعد التوافق عليه للانطلاق معه، وبه، نحو الخلاص المنشود.

لقد أثبت الفاتيكان إيمانه بمبدأ العيش المشترك والتزامه به. ترجمت ذلك سلسلة من مبادرات البابوات الذين تعاقبوا على السدّة البابوية منذ منتصف الستّينيات من القرن الماضي حتى اليوم، وخاصة اليوم.

فالبابا فرنسيس، الذي سوف يرئس اجتماع الأول من تموز، ذهب إلى بنغلادش للتضامن مع مسلمي الروهينغا الذين تعرّضوا لجريمة جماعية في ميانمار. 


وكان بذلك المرجع الديني الوحيد في العالم الذي اتّخذ مثل هذه المبادرة الأخلاقية النبيلة والجريئة. ثمّ أكّد من خلال وثيقة الأخوّة الإنسانية على البعد الإنساني للعيش المشترك الذي يريد أن يكون لبنان نموذجًا له ورسالة.

صحيح أنّ أصحاب السلطة، أو المتسلّطين، في لبنان في وادٍ آخر، ولكنّ المرجعيات الدينية المسيحية والإسلامية تتماهى في مواقفها مع هذا الموقف الأخلاقي للفاتيكان، وتعتبره ركناً من أركان رسالتها الوطنية المشتركة.

من هنا، ليس لقاء الأول من تموز استدارة مسيحية أو فاتيكانية عن العيش المشترك مع المسلمين. ولكنّه مراجعة نقدية ذاتية لإخراج لبنان من الهوّة التي سقط فيها. وهي مدخلٌ لا بدّ منه لإعادة منح الصدقية إلى العيش المشترك، صيغةً ورسالة.

من "التربية الإسلامية" إلى "التربية الدينية"

رشيد سعدي - المغرب - تعددية

يُعتبر السؤال حول دور المؤسسات التربوية في بناء مشروع دولة المواطَنة، إشكاليةً حقيقية في أغلب الدول العربية ذات الأغلبية المسلمة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالتربية الدينية، وقدرتها على المساهمة في سياسات الاعتراف والتعددية، في زمن تَنامي الوعي بالهُوية والحقوق الكونية، مثل حرية التعبير والمعتقَد والضمير.

 لهذا، يَحضر الوعي في كل هذه الدول، بضرورة الانخراط في إصلاح عميق لمناهج تدريس مادة التربية الإسلامية.

في هذا السياق، جرى في المغرب تَداوُل مشروع إصلاح جذري لطرق تدريس الإسلام، من خلال فكرة تغيير اسم مقرَّرات "التربية الإسلامية" إلى "التربية الدينية"؛ ما خلَق -ولا يزال- نقاشًا مجتمعيًّا واسعًا، بغضِّ النظر عن الاستعمال الإيديولوجي لهذا الإصلاح في سياق التنازع السياسي. 

يمكن القول: إن الوظيفة التقليدية لبرامج التربية الإسلامية، هي صناعة أفراد يشكلون جماعة المسلمين السُّنَّة، دونما استحضار الأسئلة التي تطرحها العلاقة بين جماعة المؤمنين وجماعة المواطنين التي هي أكثر شمولًا. 


عمومًا، يعتقد أغلب المغاربة برأيي أن المُواطن المَغربي مسلم سُنِّيٌّ بالضرورة، وأنه لا يحق له أن يعبِّر عن اختلافه مع هذه العقيدة الجَمعيَّة في الفضاء العام؛ ما يَخلق وهْمَ التطابق بين جماعة المسلمين السُّنَّة وجماعة المواطنين.

أعتقِد أن الكثير من المضامين الإسلامية التي يجري تلقينها، قد تكون حاملة لإمكانية تأويل عنيف، مثل فكرة الجهاد ضد الكفار والمارقين والزنادقة. 

وقد تتناقض مع كونية منظومة حقوق الإنسان، أو حتى مع فكرة المواطَنة (مثل فكرة "الولاء والبراء")، إذ كيف أَكْره أو أبغض شخصًا بسبب عقيدته، ثم أعتبِره شريكًا لي في المواطنة؟


قد يساهم تلقين مشابه في خلق برمجة ذهنية ذات بُعد أحادي، يميل نحو الانغلاق الفكري؛ ما يفسِّر تراجُع الفكر النقدي عند المتعلمين/ات، وتَنامي ذهنية التحريم والتبديع وسيادة التفكير التبسيطي، لا سيَّما في الأُطُر التربوية التي تُردِّد مقولة "الإسلام هو الحل"، متناسيةً أن الشريعة أو الفِقْه أحْرَى بأن يكون صناعة بشرية. 

ثم إنَّ المجتمع المَغربي غدَا أكثر قابليةً للفكر السلفي، الذي يتميز بالعَوَز الفكري والانتكاس نحو أسطورة العصر الذهبي، ورفْض قيم الحريات الأساسية. 

لا يمكن أن نُغْفل أن فكرة التكفير غدت أكثر ترسُّخًا، ومجالَها أكثر اتساعًا؛ إذ الكافر هو المسيحي أو اليهودي أو الشِّيعي أو البهائي أو الصوفي غير السُّنِّي...


وعْيًا بهذه المخاطر، جاء القرار الملكي بمراجعة مقرَّرات "التربية الدينية". 

وانطلاقًا من مقولة "الإسلام المعتدل"، استُبدلَت سورة "الفَتْح" المتضمنة لآيات الجهاد، الواردة في مقرَّرات مادة "التربية الإسلامية" في التعليم الإعدادي الثانوي، بسورة "الحَشْر" المتضمنة لآيات التزكية والحكمة؛ وأيضًا بِناءً على فكرة مهمة وهي أن قيم التوحيد تَسمح للمتعلم(ة) انطلاقًا من وحدانية الخالق ووحدة النفس البشرية وكرامتها، بالدخول في أخلاق الاعتراف والتعايش. 

كذلك دعا مؤتمرُ مراكش وإعلانه حول حقوق الأقليات المؤسساتِ الدينيةَ إلى الاشتغال على المناهج الدراسية، من أجل بناء "المواطَنة التعاقدية".


 لكن هذه الإصلاحات تبقى جزئية، في انتظار عملية إصلاح معرفي حقيقي يبدأ بفكرة الحياد الديني لبرامج التربية الإسلامية، من خلال تربية دينية قادرة على إدماج الانتماءات الدينية أو اللادينية، داخل تصوُّر إسلامي يسمح لكل مكونات المجتمع بالتماهي مع المبادئ الكبرى للحياة الأخلاقية. 

من هنا، برزَت الحاجة إلى قراءة مَقاصدية تَنقل المتعلمين/ات من إسلام الفقهاء والمفسرين والمحدِّثين إلى إسلام الكليات الأخلاقية العامة، مثل: الكرامة، والمساواة، والعدالة.

لذا، أعتقد أنه يجب إلغاء مقولة الكفر من مقررات التربية الإسلامية. فمِن حق أي مُواطن(ة) أن يرفض أن يُلقَّن ابنه في المستوَيَيْن الابتدائي والثانوي أو حتى الجامعي، مضامينَ يَعتبرها مصدر تحريض على الكراهية. 


فكيف يمكن أن تَدرس حديث "الفِرقة الناجية"، دون إحداث تشوُّه على مستوى البناء الفكري للمتعلم(ة)؟ أيضًا يمكن إدراج الأديان الأخرى في برامج التربية الدينية، لخَلْق الوعي بقيمتها الدينية الروحية، وتدريسها بحسب رؤية هذه الأديان لنفسها، وليس كما يتصورها الإسلام التقليدي، باعتبار أنها مجرَّد عقائد مزيَّفة ومنسوخة؛ ما سيسمح بنقل المتعلم(ة) من سياق متمركز حول الذات الدينية والصراط المستقيم، إلى سياق متمركز حول الإنسان ومختلف الصُّرُط المستقيمة.

يُفترض في الدور التربوي للإسلام، أن يكُون موضوعَ تعاقُد اجتماعي يتجاوز المؤسسات الدينية. 

وأيضًا يجب الدفاع عن فكرة كون المَدرسة فضاءً عامًّا تَحكمه أخلاق التواصلية والنقاش العام، المبنيَّة على مبدأ أنَّ كل الأفكار الدينية قابلة للتداول والدحض على أساس سلطة العقل العمومي، بدل استمرار طُرق الحفظ والاستظهار.


لذا، أعتقد أن التربية الدينية يجب ألَّا تروم صناعة المسلم(ة) السُّنِّي ذي العقائد المطلقة، لأن ذلك جزء من المجال الخاص، بل يجب -كما يقول كانط- بِناء "مُواطن العالم"، وبناء أخلاق الاعتراف، ونسبية المَعارف، والحقِّ في الاختلاف؛ لكي لا يكون الدين مجرد قلعة نحتمي داخلها، بل أرضًا للأخوَّة في الإنسانية.

الشرق والسلام والإستقرار المفقود

د. ميشال أ. عبس

دعا مجلس كنائس الشرق الأوسط المسيحيين وكافة أهالي هذا الشرق المعذّب الى الإنضمام إلى الكنائس الكاثوليكيّة لتكريس الشرق للعائلة المقدّسة، وذلك في قداس يقام يوم الأحد 27 حزيران المقبل تحت مسمّى "يوم السلام للشرق".

السلام، الذي يُعتبر مفتاح الإستقرار والرقيّ والتقدّم للشعوب، أضحى هدفًا بحدّ ذاته لكثرة ما ضحّت به الحضارة الحديثة. السلام غاية مرحليّة، تتبعها غايات، والوصول إليه ضروري، وبشتّى الوسائل ومهما كلّف ذلك من تضحيات!

كلِّ الوسائل متاحة للوصول إلى السلام... إلّا الحرب... وغالبًا ما تتوسّل الدول الحرب للوصول إلى السلام. عذرٌ أقبحُ من ذنب! لقد عاشت البشريّة مراحل لا نهاية لها من الحروب، منها ما دام سنوات، منها ما دام عقودًا، ومنها ما دام لقرون.

ولم تتعلّم البشريّة الدرس وها هي تزجّ نفسها في حروب عند كل منعطف من التاريخ، فيُقتَل من يُقتَل، ويُشرّد من يُشرّد ويَخرَب ما يَخرَب وقد تُباد شعوب وحضارات بأكملها.


الحرب عزيزة على المجتمع الحديث، مجتمع الصناعة، مجتمع "لولا الكاسورة لم تعمر فاخورة"، أي ندمّر مجتمعك ونحن نعيد البناء ونرسل لك الفواتير، ديون وطنيّة تسترّد سيادة منقوصة وتبعيّة وحتى عبوديّة.

مجتمع الآلة لا يعيش إلّا على الحرب، لكنّ العبرة في مَن تعلّم الدرس وأبعد الحرب عن مجتمعه وحوّله إلى مجتمعات غبيّة ومنقسمة على ذاتها، أوكلَها أن تقوم بالحرب بدلًا عنه وأن تشَغِّل مصانع الأسلحة والذخائر لديه، إضافة إلى مصانع ما قد دُمّر في الحرب، من تجهيزات البنى التحتيّة وصولًا إلى أثاث المنازل.

الحروب تجري اليوم بالواسطة، بواسطة شعوب لم تستطع بعد أن تنجز عقدها الإجتماعي وترسي حياتها على قواعد الحداثة والتقدّم. وإذا كان المجتمع متصالحًا مع ذاته وبعيدًا عن الحرب، إخترع له صاحب معمل الأسلحة والذخائر حججًا نوويّة أو كيماويّة لإجتياحه والقضاء على إستقراره ومن ثم الإعتذار من شعبه ومن مليون أو أكثر من الضحايا.


نحن في الشرق، في قلب الشرق، في المشرق الإنطاكي، ما زلنا نعيش الحروب منذ عقود. حروب تنتهي في مكان لتشتعل في آخر. انها ملحمة القتل المتنقّل.

موقعنا الجغرافي يجعلنا مكانًا جذابًا للحروب. كذلك مواردنا. ولكن الأهم من ذلك هو فقداننا لسيادتنا على أرضنا القوميّة. أوطاننا مقطّعة الأوصال، تزدحم فيها المعاقل من كل نوع، معاقل يتبيّن لاحقًا أنّها بؤر التهابات سوف تفتك بالجسم بكامله عند ساعة الصفر.

لكثرة ما تعرّضنا لزعزعة الإستقرار والنكبات والكوارث، المفتعلة في أكثر الأحيان، تكوّنت لدينا قناعة أنّ فقط رحمة الرب الخالق هي التي تنقذنا. 


كوارثنا ونكباتنا لم نعد قادرين على لجمها أو السيطرة عليها، لذلك لا بدّ لنا من إستدارة نحو الخالق، نحو قوّة ماورائيّة، تتخطّى القدرة البشريّة، لأن الحلول من صنع الإنسان قد استُنفدت.

في النهاية لا نستطيع إلّا أن نردّد مع السيِّدْ: «لِمَاذَا أَنْتُمْ نِيَامٌ؟ قُومُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ»." (لو 22: 46). لقد دخلنا في التجربة أيّها السيِّد، تجربة الإنقسام والخيانة والتبعيّة والتنابذ والأنانيّة الجامحة، فألهِمنا بروحك القدّوس أن نخرج منها!

في اليوم العالمي للاجئين: في كنيسة المسيح ليس من لاجئ ولا غريب

د. ميشال أ. عبس

  • كتب الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط في اليوم العالمي للاجئين

للاجئين يوم عالمي في العشرين من حزيران.

تحتاج الظاهرة أن نتوقّف أمامها إذ أصبح عددهم أكثر من 80 مليونًا في العالم وهم يزدادون بوتيرة عشرين لاجئ، يشرّدون قسرًا، في كل دقيقة. تصوّروا كم هي البشريّة جريحة وكيف يتصاعد عدد المستضعفين من شتى الأنواع ولشتى الأسباب.

لقد صنفت منظّمة الأمم المتحدة هذه المجموعة من ثقيلي الأحمال إلى فئات مختلفة، وقد إقتبسنا من موقعها بعض التعريفات من أجل تفادي الخلط بين الفئات التي تحتاج إلى مدّ يد العون والإنتشال من الفاقة والبؤس.

 الفئة الأولى تتكوّن من اللاجئين، "وهم الأفراد الذين يضطرّون إلى مغادرة ديارهم حفاظًا على حرّيتهم أو إنقاذًا لأرواحهم. فهم لا يتمّتعون بحماية دولتهم - لا بل غالبًا ما تكون حكومتهم هي مصدر تهديدهم بالإضطهاد. 


وفي حال عدم السماح لهم بدخول بلدان أخرى وعدم تزويدهم في حال دخولهم بالحماية والمساعدة، تكون هذه البلدان قد حكمت عليهم بالموت - أو بحياة لا تطاق في الظلال، دون الحصول على سُبل الرزق ودون أيّة حقوق."

أمّا الفئة الثانية فهي تتكوّن من ملتمسي او طالبي اللجوء وهُم من يصرّحون أنّهم لاجئون دون أن يكون قد جرى البتّ بطلبهم بشكل نهائي.

امّا الفئة الثالثة فإنّها تتكوّن من النازحين أو اللاجئين داخليًا، "وهم أشخاص أو جماعات أُجبروا على أو اضطرّوا إلى الفرار - دون أن يعبروا حدودًا دوليّة معترف بها - من ديارهم أو من أماكن إقامتهم المعتادة، أو تركها تجنبًا لصراع مسلّح، أو بسبب تفشّي العنف، أو انتهاكات لحقوق الإنسان، أو كوارث طبيعية، أو كوارث من صنع البشر." وتعتبر منظّمة الأمم المتحدة أنّه "غالبًا ما تطلق بشكل خاطئ تسميّة "لاجئين" على الأشخاص النازحين داخليًا".


امّا الفئة الرابعة فتتكوّن من عديمي الجنسيّة، أو مكتومي القيد، وهي " حال الفرد الذي لا يُعتبر مواطنًا من قبل أيّ دولة. وعلى الرغم من أنّ عديمي الجنسيّة قد يكونون أيضًا لاجئين في بعض الأحيان، فثمّة تباين بين الفئتين. 

قد ينتج انعدام الجنسيّة عن أسباب متنوّعة، بما في ذلك التميّيز ضد الأقليّات في التشريعات المتصّلة بالجنسيّة وعدم إدراج السكان المقيمين كافة ضمن مجموعة المواطنين عند إعلان استقلال دولة ما، وتنازع القوانين بين الدول.

" لقد جسّد المُبدعَين دريد لحام ومحمد الماغوط هذه الحالة وبطريقة المضحك-المبكي في فيلمهما الناجح والمعَبر "الحدود".


وتأتي اخيرًا الفئة الخامسة وتسمّى "العائدون"، "وهُم اللاجئين الذين قرّروا عودة طوعيّة وآمنة وكريمة، إلى ديارهم التي اضطرّوا إلى مغادرتها قسرًا. 

ويحتاج الأفراد في هذه الفئة إلى الدعم المستمرّ لإعادة إدماجهم وضمان توفير المناخ المساعد لهم على بناء حياة جديدة في أوطانهم الأصليّة."

هذه هي، حسب تصنيف الأمم المتحدة الفئات التي توصف باللاجئين والتي انكبّت شتى المنظّمات الدوليّة على مساعدتها بمختلف السُبل على الإستقرار وتجويد حياتها.


منذ نشأته، عمل مجلس كنائس الشرق الأوسط على إقامة برامج تُعنى باللّاجئين وتنفيذها وذلك بالتعاون مع منظّمات الأمم المتحدة المتخصّصة وغيرها من مؤسّسات العالم المسكونيّ.

إضافة الى ذلك، لا بدّ لنا من أن نؤكّد أنّ الفئة المسمّاة "لاجئين" قد إحتلّت حيّزًا متميّزًا في برامج الهيئات المسكونيّة ودخل تعبير "لاجئين" في كل تسمياتها.

إنّ عملنا، في المجلس والهيئات المسكونيّة التي تشكّل معه جسمًا كونيًا واحدًا، ينطلق ممّا تعلّمناه على السيّد المسيح وما جسّدته كنيسّة المسيح.


أليس هو الذي علّمنا أنّ "لا تنسوا إضافة الغرباء، لأن بها أضاف أناس ملائكة وهُم لا يدرون. أذكروا المقيّدين كأنّكم مقيّدون معهم، والمذليّن كأنّكم أنتم أيضًا في الجسد" (عبرانيين 13 :2)؟

أليس على لسانه ورد " مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا (متى 10 :8)؟ "ولا تنظروا كلُّ واحد إلى ما هو لنفسه، بلّ كلُّ واحد إلى ما هو لآخرين أيضًا (فيلبي 2 :4)؟

لقد تماهى السيّد مع الغرباء والمتعبين والبائسين الى آخر الحدود! "جعت فأطعمتموني. عطشت فأسقيتموني. كنت غريبًا فآويتموني. عريانًا فكسوتموني. مريضًا فزرتموني. محبوسًا فأتيتم إلي. 


فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين: يا ربّ، متى رأيناك جائعًا فأطعمناك، أو عطشانًا فأسقيناك؟ ومتى رأيناك غريبًا فآويناك، أو عريانًا فكسوناك؟ ومتى رأيناك مريضًا أو محبوسًا فأتينا إليك؟ فيجيب الملك ويقول لهم: الحقّ أقول لكم: بما أنّكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتُم. (متى 25:35 -40).

لقد برّت كنيسة المسيح بوصيّة بانيها، فكانت وراء تأسيس أعداد لا تُحصى من المنظّمات والبرامج والمشاريع التي تعنى بالغرباء واللاجئين والبائسين محاوِلة التعامل مع شتّى اشكال الحاجات التي تنوء تحتها الأُسَر اللاجئة. والأهم من ذلك، أنّ القيم التي نضحت بها المسيحيّة كانت وراء ثقافة كونيّة تتوق إلى السند والمعاضدة لمن جارت عليهم الأيّام، دونما تميّيز بين عرق ودين وعقيدة.

لقد دخل هاجس الغرباء واللاجئين والمعوزين في صميم ثقافة الكنيسة، حيث أخذ حيزًا مميّزًا في طقوسها وترانيمها، بشكل يؤكّد أنّ في كنيسة المسيح ليس من لاجئ ولا غريب.


في هذا السياق نقتبس ترنيمة "أعطني هذا الغريب" من الصلاة الطقسيّة الأنطاكيّة لعشيّة الجمعة العظيمة حيث يرنِّم المصلّون: "إن يوسف، لمّا شاهد الشمس قد أخفت أشّعتها وحجاب الهيكل قد أنشّق لموت المخلّص، دنا من بيلاطس وتضرّع إليه صارخًا:

أعطني هذا الغريب، الذي منذ طفولته إغترب كغريب. أعطني هذا الغريب، الذي أماته أبناء جنسه كغريب. أعطني هذا الغريب، الذي أدهشٌ لمشاهدتي إياه ضيفًا للموت. أعطني هذا الغريب، الذي يعرف أن يقري الفقراء والغرباء.

أعطني هذا الغريب، الذي غربه اليهود من العالم حسدًا. أعطني هذا الغريب، لكي أواريه في لحد. أعطني هذا الغريب، الذي بما أنّه غريب ليس له موضع يسند إليه رأسه.


أعطني هذا الغريب، الذي لمّا رأته أمه ميتًا صرخت: يا ابني وإلهي، وإن كانت جوانحي تتجرّح، وكبدي تتمزّق عندما أراك ميتًا، فأنّي واثقة بقيامتك فأعظّمك.

بهذه الأقوال يوسف التقيّ إبتهل إلى بيلاطس، فأخذ جسد المخلّص، وبخوف لفّه بكفن ووضعه في قبر هو المانح الكلّ الحياة الأبديّة وعظيم الرحمة."

ان أوحى هذا النص بشيء فإنه يوحي، بما لا يقبل الجدل أنّ خارج كنيسة المسيح، اللجوء والغربة هما لجوئين وغربتين، واحد داخل وطن الإنسان ومجتمعه والآخر خارجه، وكليّهما أمرُّ من بعضهما البعض.

أليس هذا ما يعانيه أبناء المشرق الأنطاكي؟

بعض الجوانب الخفيّة في علم النفس

أشخين ديميرجيان

توفّر النظريات النفسية نظرة ثاقبة لكلّ جانب من جوانب السلوك البشري. من البديهي أنّ كلّنا يرغب وتتوق نفسه لمعرفة نفسه بشكل أفضل ، وتقطع النظريات النفسية شوطًا طويلاً نحو توفير رؤية صائبة للعقل والنفس البشرية. 

من المرجّح أن تكون معرفتنا لها سببًا في تغيير حياة الإنسان إذا استخدم المعلومات التي تحتويها بشكل صحيح.

يبحث علم النفس باستمرار عن الجوانب الخفيّة في السلوك البشري. رغم مختلف الأبحاث العلمية التي تناولت أنماط الشخصية بالدراسة إلاّ أنّ بعض علماء النفس توصّلوا في دراستهم عن "النفوذ (السلطة)"، توصّلوا وبشكل قاطع إلى أنّ "النفوذ يُفسد النفس البشرية". 

يُفسدها أخلاقيًا وسلوكيًا واجتماعيًا. لماذا؟ لأنّ النفس أمّارة بالسوء.


في الدراسة ، تمّ تقسيم البشر الذين أجريَت عليهم التجارب إلى مجموعات، تتكوّن كلّ مجموعة من ثلاثة أفراد، ولكلّ مجموعة قائد. وتمّ تكليف قادة الفرق بإعطاء كلّ عضو ما يستحقّه من درجات، بناءً على مساهمته في المهمّة الموكلة إليه. 

في أثناء الدراسة، قرّر علماء النفس وضع أطباق فيها خمس قطع من الحلوى في جميع غرف المجموعات. وتناول معظم القادة حصة الأسد من الحلوى (أي قطعتين) وتناولوا الحلوى بطريقة غير لائقة، بينما تبعثر فتات الحلوى وتناثرعلى الأرض.

وأكّدت أبحاث الدراسات النفسيّة أنّ ممارسة النفوذ والقدرة الأحاديّة تُحدث تغييرًا ملحوظًا في حياة ممارسها، لدرجة أنّه ينسى أخلاقه ويُصبح جشعًا وقحًا. 


ومع ذلك، لم تكن تلك الصفات من السلوكيات السلبية الوحيدة في الدراسة ... وقد أشار الباحثون إلى أن ذوي السلطان أظهروا أيضًا علامات محدّدة من السلوك العدواني السلبي: مثل التحرّش الجنسي في داخل المجموعة، أو التمييز العنصري لانتماء البعض لجماعة أو لعِرقٍ ما...  جرس الإنذار يحذّر كلّ صاحب نفوذ ألاّ ينسَ أنّ السلوكيّات سالفة الذكر بإمكانها أن تسيطر عليه وتتحكّم به وتغيّره إلى الأسوأ.

الكلام صفة المتكلّم ويعكس أخلاق المرء وتربيته. وهناك نظرية نفسية تقول انّ الكلمات التي نستخدمها تحدّد نظرتنا إلى العالم. كما أنّ الأحاديث المعتادة التي نتجاذب أطرافها مع الآخرين، والكلام الذي نتلفّظ به، يجعل الناس يحكمون علينا لأنّ الكلام يعكس طبيعة شخصيتنا، وهذا أمر معروف أصلاً. 

لكن الكلام الذي نستخدمه يجعلنا نلاحظ أشياء معيّنة ونتجاهل غيرها. هذا ما توصّل إليه بعض الأخصائيين  حينما درسوا لغة السكان الأصليين في أستراليا. 


لقد لاحظوا أنّ سكان أستراليا الأصليين ليس لديهم مفردات للاتجاهات المكانية "يمين" و"يسار"، لذلك يستخدمون كلمة "شرق" و"غرب" لوصف تلك الاتجاهات. 

وفي الواقع لا يقولون اليد اليمنى أو اليسرى على سبيل المثال. ويقولون إنّ لغتنا تؤثرعلى تفكيرنا لدرجة كبيرة، يعجز عنه أي أسلوب تعليمي. 

لذلك إذا كنت تُتقن أكثر من لغة واحدة، حاول التفكير بعدّة لغات حول موضوع معيّن يُزعجك أو يؤرقك، لاستكشاف وجهات نظر مختلفة، ممّا سيُتيح لك المجال ويساعدك على التوصّل إلى حلول واستنتاجات أفضل وأكثر وضوحًا.


خاتمة

صاحب النفوذ الصالح هو الذي يبثّ الثقة في النفوس، ويساعد الآخرين في التغلّب على العقبات ويدرّبهم على مواجهة التحدّيات، وعلى التكيّف مع الظروف والمتغيّرات وخاصة في الأزمات، للمضي قدمًا نحو الهدف المنشود. 

استخدم السيّد المسيح الأمثال لتوضيح حقائق روحانية سماوية من خلال تشبيهها أو مقارنتها بأمور الحياة العادية. في مَثَل الزارع من الكتاب المقدّس: "هوذا الزارع قد خرج ليزرع. 

وفيما هو يزرع سقط بعض الحَبّ في الشوك، فارتفع الشوك وخنقه فلم يُثمر" (مر 4: 1-7). والتفسير أنّ الزارع يزرع كلمة الله، والذي زُرع في الشوك، دلالة على الذين يسمعون الكلمة، ولكن هموم الدنيا وإغراءات الحياة من غنى ونفوذ وغيرها تُداخلهم فتخنق كلمة الله في نفوسهم.

والنفوذ (وهو من إغراءات هذا العالم) هو الشوك الذي يخنق "الكلمة" وأحيانًا يدمّر الدول.

الكاتبة الصحفية محاسن حدارة تكتب: لبنان... إلى اللقاء

محاسن حدارة

ممنوع العبور إلى الدولة، مُحرَّم الإيمان بوطن الرسالة، وُضِع الشعب بزنزانة «العبودية»، اغتالوا العقل المُدبِّر للحياة، قتلوا الفِكر وسيطر الكُفر، وهجّروا الشيب والشباب من أجل «القضية».

الطبقة السياسية الحاكمة قتلت اللبنانيين أجمعين بمذبحة علنية تاريخية نووية هزَّت عرش الإنسانية، وأصبح سكان لبنان يعيشون في بلاد ما بين «المقبرتين»، واحدة تضم «الشهداء الأحياء» وأخرى للأموات. 

شوَّهوا وجه بيروت بماء النار التي بَكتها عواصم العالم، ووضعوا لنا شريطة حمراء بعنوان «لاحياة ولا موت».

كيف نعيش مع طبقةٍ حاكمةٍ تتغذى على لغة الحرّب والدمّ؟ فقدنا لبنان الدولة بعقولٍ مُلطخة بالكراهية تدسّ السُّم لكلّ من فَكر ويُفكر ببناء دولة. متى تفهم الطبقة الحاكمة أن لبنان ليس صك مُلكية باسمها؟! أليس بسببهم اجتمع فساد العالم في بقعة جغرافية لا تتعدى 10452 كم2؟!


الطبقة الحاكمة قررت بإثم «الشرعية» أن تحكم بنظام «الفوضى» عن سابق إصرار وتصور، وحوَّلت البلاد إلى جمهورية الخوف المستدام، حيث نعيش منذ العام 1975 تحت حكم الفوضى، لا دستور أرضي ولا سماوي أهابَها، حتى أصبح أسلوب حياتنا أن نُصبح ونُمسي على لحن الموت البطيء.

لا توجد فوضى وعمالة أكثر من فقدان البوصلة الوطنية والانتماء والارتهان للخارج، لا توجد فوضى أكثر من الخيانة والولاء لأجندات تخريبية تُغرق البلاد والعباد في أتون الجحيم المُنظّم. وبناءً عليه، الطبقة الحاكمة في لبنان ليست سياسية بل طبقة «قوى اللادولة» التي أسست باحتراف لـ «جمهورية الفوضى».

معظم الطغاة دمروا العالم من أجل مصلحة دولتهم العليا، إلا في لبنان دمروا دولتهم من أجل الغير، وأصبح اللبناني منفيًا من أرضه لأسباب «سياسية» قاهرة، وأصبح اللبناني رقمًا صعبًا ومُهمًا فقط عندما يحين وقت استحقاق «صندوقة الاقتراع».


هل يُعقَل أن لبنان أصبح جسرًا لعبور المخدرات وتبييض الأموال بدل الحضارات والثقافات؟ هل يُعقَل أن العالم يَتَحضَّر للحرب من أجل الماء، ومياهنا الصافية لقمة سائغة للمجاري؟ 

هل يُعقَل أن أعمدة لبنان السبعة من الاقتصاد إلى المطار والمرفأ والاستشفاء والتعليم والمصارف والسياحة، تمَّ هدمها بكلّ راحة ضمير؟ 

هل سألت المنظومة السياسية كم بلغ عدد سكان لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت؟ هل يعلم المسؤولون الكرام أن أبواب السفارات والمراكز الرسمية المعنية بالهجرة تحوّلت إلى ما يشبه «يوم الحشر»؟


لا أصدق أن هذا هو لبناننا، وكأن روح لبنان انتقلت الى غير جغرافيا، هاجرت كما فعل الأنبياء حين ضاقت بهم الأوطان.

كيف لا يتحول لبنان إلى «وطن المنفى»، سكانه مقسمون بين من يتجرع منفى«الطائفية والمذهبية والعنصرية» كمبدأ رئيسي للعيش فيه، وبين من ينتظر بـ «منفى الأمل» على قارعة الطريق، وبين من رحل إلى «منفى الخارج» حيث استحالة العيش مع هذا وذاك.

بناء الدولة الحلم في لبنان أصبح مستحيلًا في الوقت الراهن، طالما الإصلاح والتغيير قائم على نظام «التسوية» التي تنتهي صلاحيتها بمرور 10 أو 15 عامًا بحسب التغيرات الجيوسياسية وأجندات ومصالح الدول الكبرى. وبطبيعة الحال، لم نعد نملك الخيار والقدرة على التعايش مع الفساد والمفسدين في الأرض، والوقت يمرّ، وعلينا بناء مستقبلنا.


نعم الوقت يمر، والعُمر يمر وأنا أنتظر، فغلبني القدر وأبلغني قرار المغادرة. نعم سأغادر ولن أرحل، سأغادر عن دولة اغتصبت وطنًا يحمل شهادة رسمية بالسيادة والحرية والكرامة والعدالة، سأغادر عن دولة «العبودية» غير الشرعية وأحمل وطني المضطهد في قلبي وعقلي وكلمتي. سأغادر لأنني أريد النضال من أجل رسالة الحياة، لا من أجل الموت، سأغادر لأنني لا أستطيع رؤية بلدي جثة هامدة ينهشها من ظنوا أنفسهم كبارًا.

سأغادر دولتي ولن أرحل عن وطني، لأن لبنان ليس «قضية» لنحارب من أجلها، إنما رسالة لنؤمن بها، وحيث تكون الرسالة تكثر «الشياطين». سرقوا ونهبوا ودمروا الدولة صحيح، ولكن الوطن مستحيل. لبنان كان أمل الشعوب، واليوم أصبح بلا لقب، بلا وظيفة، عاطل عن العمل.

سأغادر ولن أرحل، وإرث لبنان الكبير أمانة مُصانة لدى البطريركية المارونية وراعيها سيد بكركي، البطريرك بشارة الراعي.

إلى اللقاء.

البطريرك ساكو: العيش المشترك في العراق كان مشرقاً، فلنعد إليه

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

التعددية والتنوع والاختلاط والعولمة ظاهرة عالمية، لذا يشكل موضوع العيش المشترك الهاجس المشترك والمحوري للشعوب، بكونه ضمان وحدة تعددية المجتمع، وتنوعه، وتماسك اللحمة الوطنية، والعيش معاً بتفاعل وتناغم. 

ضروريٌّ البحث عن القواسم المشتركة التي تساعد على فهم الآخر وتقييمه واحترامه، وتجنب البحث عن الاختلافات التي تُوسع الخلافات والانقسام.

موضوع العيش المشترك وتعزيز قيم الاعتدال والتسامح والاحترام ليس عملية ترويج شعارات “slogans”، بل هو عملية تنشئة مستدامة للناس وبناء مؤسساتي. هناك الكثير مما يجب القيام به في مسائل الدولة المدنية والمواطنة، والعدالة الاجتماعية، والمصالحة.


العراق جامع للحضارات

كانت بلاد ما بين النهرين (العراق) مهد الحضارات والفكر، كالحضارة السومرية والأكدية والكلدانية- البابلية والآشورية والفارسية والعربية والمسيحية والإسلامية. 

فيها ولدت أولى الكتابات، ومنها انطلقت أولى الديانات التوحيدية مع إبراهيم الخليل. العراق كله متحف كبير. هذه الحضارة الأُم ينبغي ان تتواصل اليوم وتتفاعل مفرداتُها القيميَّة وتتعزز.

في العراق الحديث عاش العرب والكورد والتركمان والأقليات الأخرى، والمسلمون والمسيحيون والصابئة والايزيديون جنباً الى جنب بتسامح وأمان لأنهم كانوا يشعرون بانتمائهم الى ارض واحدة، ولهم صلات القرابة واللغة والإيمان بالرغم من اختلاف الدين. 


لم يكونوا ينظرون الى بعضهم البعض كمواطنين مختلفين، بل كإخوة متنوعين ومتحدين. ولم يكونوا يسألون عن الدين والمذهب والطائفة والقومية. 

كانوا كلهم يشكلون شعباً واحداً يحتضنهم الوطن الواحد، ساهموا في بنائه وازدهاره. هنا أحبُّ أن اشير الى إسهام المسيحيين الكبير في التراث العربي في زمن العباسيين والعراق الحديث.

 يتحسر اليوم العراقيون على أيام زمان، لانهم يشعرون بان ذهنية المحاصصة والاقصاء الديني والمذهبي والعرقي والفوضى السياسية، خرَّبت وطنهم، وفكَّكت مجتمعهم، وأربكت مستقبلهم ومستقبل وطنهم. يتمنون ان تكون لهم الإرادة والقدرة لإستعادة العيش المشترك الذي فقدوه.


كيف يعود العيش المشترك أكثر قوة وتماسكاً؟

أطرح هذه الأفكار للتفكير والتحليل من أجل البحث عن أسباب الفرقة والتشتت، ومن أجل التشجيع على إيجاد سبل المعالجة لارساء قاعدة سليمة والارتقاء بالعيش المشترك ليكون سلوكاً طبيعياً للعراقيين فيعيشوا بوئام:

1. الاستفادة من مخرَجات زيارة البابا للعرق. خطابات البابا فرنسيس خلال زيارته للعراق 5-8 آذار 2021 شدَّدت على اننا اخوة متحدون بتنوعنا. 

ودعت لتصمت أصوات الاسلحة، وألا يقوم إنسان بقتل آخر باسم الدين، وحان وقت السلام السلام السلام. هذه الرسائل الى جانب وثيقة الاخوّة الانسانية (أبو ظبي، 4 فبراير 2019) الموقّعة بين البابا فرنسيس وشيخ الازهر د. احمد الطيب من أجل السلام العالمي والعيش المشترك، فضلاً عن قول المرجع الشيعي الاعلى آية الله العظمى السيد علي السيستاني في 6 آذار 2021 للبابا: انتم جزءٌ منّا ونحن جزءٌ منكم، هذه المواقف والتصريحات تشكل قاعدة أساسية للعيش المشترك. 


فالكل مدعو للعمل على بلورتها وارسائها، خصوصاً وان دولة رئيس الوزراء العراقي السيد مصطفى الكاظمي اعلن ان يكون يوم 6 آذار من كل عام يوم التسامح والوئام.

2. نبذ الاصولية بكل أشكالها. الاصولية ليست الأصالة، أي العودة الى الجذور الممتازة. الاصولية تعني التعصّب والتطرّف، وغدَت ايديولوجية خطرة. 

الاصولية غالباً ما تستعمل الدين غطاءً للوصول الى مصالح سياسية ومالية. الاصولية تؤمن بلون واحد، وترفض التعددية وتحرّض على الغاء الآخر. 


الاصولية غريبة عن طبيعة العراقيين وحضارتهم المتَّسمة بالتعددية وقبول الآخر باحترام. لذا لابد من تفكيكها عبر وسائل التنوير للرسالة الدينية السمحاء. 

وهنا اُشدّد على دور علماء الدين ورجاله في جعل الديانات جسراً للتفاهم والاحترام المتبادل والمصالحة والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم.

3. إصلاح القوانين. إصلاح القوانين القديمة ضروري، وثمة حاجة الى سنّ قوانين جديدة خصوصاً ما يتعلق بالاحوال الشخصية وحرية المعتقد لتتلاءم مع الواقع الديني والثقافي والاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه المجتمع المعاصر.


4. التربية البيتية والمدرسية. خلق بيئة معتدلة، سليمة ومتكاملة، ينمو فيها الأطفال في البيت، والطلاب في المدرسة تساعدهم على تطبيق تعاليم دينهم بثقة، واحترام ديانة زملائهم على أساس الاُخوّة والمواطنة والقيَم التي ذكرناها. وكما قال البابا فرنسيس: “مهم جداً ان يتحلّى الطالب بضمير حيّ”.

أما التربية المدرسية فيمكن اعتماد شرعة حقوق الانسان العالمية كقاعدة أساسية للعيش المشترك لمناداتها بالحرية والعدالة والمساواة. وتدريب الطلاب عليها عبر ورشات مختلطة، للحيلولة دون الانجرار وراء التعصب والتشدد والكراهية، واستخدام كراس للاخلاق العامة وتعريف الديانات بايجابية كما هو معمول في العديد من دول العالم.

5. وسائل الاعلام. الاعلام رسالة وليس إثارة. الاعلام المسؤول والمتزن يركز على المشتركات الوطنية والاجتماعية ويقلل الكلام عن الخلافات، فيخلق ثقافة ووعياً خصوصاً عندما يقدم المعلومة الصحيحة بمهنية عالية.


6. التربية الروحية في الجوامع والكنائس. وسط ما يعيشه مجتمعنا من تشظي وتشتت يتعين على القيادات الدينية إبراز غنى المجتمع المتنوع دينياً واجتماعياً وثقافياً. 

ثمة آيات من الكتاب المقدس والقرآن الكريم تدعم هذا التوجه، ينبغي إبرازها في المناهج الدينية لان جوهر الدين هو الإيمان بالله والمعاملة الحسنة. 

للبعد الروحي أهمية بالغة في حياة الناس، ويؤثر على علاقتهم ببعضهم. هذه العلاقة الروحية السليمة ستسهّل العيش المشترك في بلد متعدد الأديان على أساس أنهم جميعاً إخوة وأبناء لخالقٍ واحدٍ أوجدهم مختلفين. وتصميمه أن يعيشوا معاً بالتسامح والمحبة والتضامن لتستقيم الامور.


حبذا ان تقتني المدارس والعائلات نسخة من كتاب تعريف الديانات في العراق بشكل منهجي وايجابي اعددته لجنة مشتركة من فريق الحوار المسيحي الإسلامي. وقد ذكر معالي وزير الثقافة د. حسن ناظم وهو عضو في اللجنة ان الكتاب جاهز للطباعة.

مفهوم الجاهلية وصورة العرب قبل الإسلام

عامر الحافي - الأردن - تعددية

لا تكاد تجد أمَّة من الأمم تحتقر أسلافها، كما يحتقر كثير من العرب أسلافهم وتاريخهم. ويعود هذا الخلل إلى مفاهيم مغلوطة، ومِن أبرز تلك المفاهيم مفهوم "الجاهلية"، الذي يشيع في خطابات كثير من الناس وكتاباتهم، ويختصر كل ما هو قبيح ومذموم ومخالف للدين والأخلاق.

جاءت كلمة الجاهلية في القرآن في أربعة مواضع، أولها في قوله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154]، وهو يتصل بضعف الإيمان والخوف من الموت عند القتال. 

والثاني يتعلق باتّباع الرغبات والأهواء وعدم الرجوع الى أحكام الشريعة: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]. 

والثالث يتصل بنقد بعض مسلكيات النساء قبل الإسلام: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33]. والموضع الرابع يشير إلى نقد نزعات العصبية التي كانت عند العرب قبل الإسلام: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [الفتح: 26].


بشكل عام، جاء مصطلح الجاهلية في القرآن في سياق تقويم بعض "المظاهر السلوكية" المرفوضة، التي كانت عند العرب قبل الإسلام، وكان الخِطاب فيها موجَّهًا إلى المسلمين، وليس إلى العرب غير المسلمين. 

فالجاهلية التي ينتقدها القرآن تتصل ببعض المشكلات السلوكية، ويمكن أن يقترفها المسلم وغير المسلم. فمعادلة الخير والشر، أو المعرفة والجهل، تشمل البشرية في مختلف أطوارها وعصورها. 

ليست المشكلة في المصطلح ودلالاته القرآنية، بل هي في طريقة استعماله، وما لحق بها من تصورات وتبعات، والتي لم تتوقف على الإساءة إلى العرب قبل الإسلام والاستخفاف بمنجزاتهم الحضارية، ولكنها امتدت إلى عصرنا الراهن، حيث أصبح كل ما هو "غيْر ديني" بمنزلة "جاهلية جديدة".


وهنا، نشير إلى استعمال العديد من الأدبيات الدينية المعاصرة لمصطلح الجاهلية، بوصفه مصطلحًا عَقدِيًّا يؤسس لرفض النُّظم السياسية والاجتماعية غير الدينية. 

ويتضمن ذلك تكفيرًا مبطَّنًا للمجتمع، وتبريرًا لاستعمال العنف ضده، وأيضًا ينطوي على شعور بِهُوِيَّة دينية مستَعْلية، تستوعب الهداية والمعرفة من دون بقية الناس.

كيف يوصَف العرب قبل الإسلام بأنهم بلا أخلاق ويستبيحون القتل والدماء، وهم الذين ابتكروا "حِلْف الفُضول"، وكانوا يحترمون الأشهر الحُرُم؟ لم يتجرَّأ العرب قبل الإسلام على انتهاك حرمة الكعبة، في حين انتُهكت حرمتها بعد البعثة ثلاث مرات: مرة في عهد "يزيد"، والثانية في عهد عبد الملك على يد الحجاج. والثالثة على يد القرامطة في القرن الرابع الهجري!


الإصرار على تشويه صورة المجتمع العربي قبل الإسلام، يشير إلى خلل في فهم الدور الحضاري للدين، باعتباره بديلًا للحضارة البشرية، وليس مجرَّد مكوِّن أساسي من مكوناتها. 

وربما يعود ذلك الإصرار إلى ظن بعضهم، أن المبالغة في الانتقاص من العرب قبل الإسلام يمثِّل إثباتًا قطعيًّا لعظمة الإنجازات التي جاء بها الإسلام. 

وقد أصبحت الإساءة للعرب أكثر تعقيدًا واختراقًا للعقل الإسلامي، حتى إنه لم ينْجُ منها رجل في حجم "ابن خلدون"، الذي عنْوَن في مقدمته لأحد الأبواب: "أن العرب إذا تَغلَّبوا على أوطان أسْرَع إليها الخراب".


لا تقتصر دلالة "الجاهلية" على الإساءة للعرب قبل الإسلام، ولكنها تمتد إلى جميع الأمم والشعوب التي كانت قبل الإسلام: كالفُرس والرومان وغيرهم. 

فالمدلول السائد للجاهلية ينطوي على نظرة تُضاهي مفهوم "الجوييم" في بعض الأدبيات اليهودية، والذي يرى في الآخر نقيضًا للخير والفضيلة.

هناك خلل منهجي يتمثل بالبحث عن جوانب قبيحة في المجتمع العربي قبل الإسلام، وتعميمها على العرب، كما هو الحال في تضخيم وثنيَّة العرب وعبادتهم الأصنام والأوثان، وبيان أنهم كانوا دومًا يقتَتِلون، ويعاقرون الخمور، ويقترفون الفواحش، ويحتقرون المرأة، ويئدون البنات... إلى آخر ذلك.


ولم يتنبَّه المروِّجون لهذا الخطاب على أن هذا المجتمع "القبيح"، كان هو الأرض التي نبت فيها زرع الإسلام الأول، وأن الإساءة للعرب ستُفضي إلى الإساءة إلى الإسلام. 

فالإسلام ليس نبتة جميلة أينعت من أرض قذرة "خَضْراء الدِّمَن"، بل إنه جاء ليتمِّم مكارم الاخلاق التي كان العرب أقرب الناس إليها. فالكثيرون من العرب كانوا على ملَّة إبراهيم أو من أهل الكِتاب أو الحُنَفاء، ونَذكر هنا كلام الزمخشري في تفسيره للآية 36 من سورة التوبة، وعلاقة "الدِّين الْقَيِّم" بالأشهر الحُرُم: "يعنى أنّ تحريم الأشهر الأربعة هو الدين المستقيم، دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب قد تمسكت به وِراثةً منهما، وكانوا يعظِّمون الأشهر الحرم ويحرِّمون القتال فيها، حتى لو لقِي الرجلُ قاتل أبيه أو أخيه لم يَهْجُه".

ويكفي لِنَعرف أخلاق العرب قبل الإسلام أن نستحضر قول خديجة رضي الله عنها، عندما رجع إليها الرسول من غار حِرَاء بعد أن جاءه الوحي، فقالت له: "كلَّا! واللهِ ما يُخْزيك اللهُ أبدًا؛ إنك لَتَصِل الرَّحِم، وتَصْدُقُ الحديثَ، وتَحمِل الكَلَّ، وتَكسِبُ المعدومَ، وتَقْري الضَّيف، وتُعين على نَوائب الحقِّ" (رواه مسلم). 

فالأخلاق التي أشارت إليها خديجة تؤكد أخلاق العرب وقيمهم الجوهرية، وهي في الوقت نفسه تمثِّل مشترَكات أخلاقية يجتمع عليها الناس على اختلاف أديانهم وأعراقهم.

البطريرك ساكو: وحدة الكنائس ليست سهلة كما يتصورها البعض!

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

يعود باستمرار النقاش حول وحدة الكنائس، إن كان في البلد الواحد أو في العالم. هذا موضوع معقَّد وغير واقعي بالرغم من جهود بعض قياديي الكنيسة. 

موضوع الوحدة متشابك بسبب تعدد الكنائس والثقافات واللغات والقوميات. فالتعددية ميزة عالمنا المعاصر. والتعدد يعني الاختلاط والتعاون وليس الانعزال.


صورة الوحدة مثالية بعيدة المنال

لقد امتازت وحدة الكنيسة الاولى –عدد أفرادها محدود وجغرافيتها واحدة-  بالشهادة لقيامة المسيح عن طريق الصلاة والاقتسام والمواظبة على تعليم الرسل. 

يصف لوقا هذه الوحدة القائمة بين المسيحيين الأولين في اورشليم، بهذه الكلمات الرائعة: "كانت جماعة المؤمنين قلباً واحداً وروحاً واحدة، ولم يكن أحدٌ يقول عن شيء يملكه إنّه خاصٌّ به، بل كان كلّ شيء لهم مشتركاً" (أعمال الرسل 4/ 32).

وحدتهم مبنيّة على القلب أي المحبة، وعلى الروح أي الايمان. والمحبة تحترم ولا تُذوِّب الخصوصيِّات، تجمع ولا تُفرِّق، تقرب ولا تبعد، تتفهم كل شيء ولا تُسقط أي شيء (1 قورنثية 13/4-8).


اما الروح فهو يهب حيث يشاء (يوحنا 3/8)، أي يعمل خارج نطاق فكر الانسان ومنطقه. فهناك وحدة في القلب والايمان، وتعددية رائعة في انماط التعبير : في اللاهوت والعبادة والتنظيم بحسب الثقافات واللغات والحضارات والبلدان.

القلب الواحد والروح الواحد في الكنيسة الاولى ينبغي ان يكونا اليوم ايضاً في كلِّ الكنائس بحيوية وفعالية وقناعة بالرسالة المسيحية والشهادة لها.

هذه الوحدة الجوهرية موجودة في العمق (الايمان والروح) غير منظورة، وقانون الإيمان واحد في جميع الكنائس. هذه الوحدة غير تامة كنسياً، لأن شكل الكنائس مختلف، جغرافيتها مختلفة، ولغتها مختلفة وهكذا بالنسبة لطقوسها وتقاليدها وقوانينها. 


هذه الكنائس إما رسولية قديمة أو بروتستانتية مصلَحة حديثة نسبياً، فلا يمكن تجريد هذه الكنائس من هويتها بمجرد قرار. هذه مغالطة أو جهل. الكنيسة ليست مجرد وحدة إدارية، بل بُعدٌ لاهوتي. 

ولا تخفى أهمية العمل لبلورة بعض التعابير اللاهوتية والعقائدية وتوحيدها. هذا ممكن، وثمة محاولات جادة في هذا الصدد، لتقليص الاختلافات.

الكنائس مدعوة إلى عيش هذه الروحانيّة التي كانت رغبة المسيح وهي رغبة كل مسيحي. الوحدة تتطلب من جميع الكنائس التوبة والتجدد والطفولة الروحية بحيث نحترم بعضنا البعض، ونهتم ببعضنا البعض ونتعاون. 


على كل واحدٍ منَا ان يرى في وجه كنيسة الآخر وجه الكنيسة الواحدة في الجوهر، وان يسعى للبلوغ الى كمال الشركة. هذا هو المسعى والرجاء، وهو ما يجب ان يكون موضوع صلاتنا الى الروح القدس لكي يعضد مسيرة وحدتنا وينميها.


إشكالية مجلس رؤساء "الطوائف" في العراق

في العراق توجد رسميًا 14 طائفة (كنيسة) متفاوتة العهد والعدد. وجاء هذا المجلس، الذي تأسس عام 2006، تلبية للحاجة الى توحيد المواقف والخطابات الرسمية. المجلس وجاهي بروتوكولي كما هو في بعض دول الشرق الأوسط وغير معترف به رسميًا من قبل الدولة.

عندما كنت رئيسًا لأساقفة كركوك اعترضتُ على هيكلية المجلس وفعاليته وإشكالية تركيبته، وكذلك عندما صرتُ بطريركًا عام 2013. وقد كتبتُ الى المجلس أكثر من رسالة وكان آخرها في 20 نيسان 2017.

المجلس هيئة كنسية وليست طائفية (بالرغم من تسمياتنا الرسمية والتي تحتاج الى التعديل) تضمُّ العائلات الكنسية الكاثوليكية والاشورية والارثوذكسية والبروتستانتية في العراق. 


وقد اقترحتُ أن تكون التسمية: مجلس كنائس العراق، اسوةً بمجلس كنائس الدول العربية الاخرى.

المجلس يهدف الى تعزيز روح التعاون بين الكنائس المختلفة، وتنسيق نشاطاتها التعليمية والاجتماعية، وتوحيد موقفها وخطابها تجاه القضايا الوطنية، كالعدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق المسيحيين، كما تسعى لتفعيل الحوار مع الاخوة المسلمين وابناء الديانات الاُخرى، بغية إشاعة ثقافة التسامح والسلام والعيش المشترك.

ثمة ثلاثة بطاركة هم رؤساء كنائس في العراق: بطريرك الكلدان (مع عشرة أساقفة)، بطريرك كنيسة المشرق الاشورية (اُسقفان)، بطريرك الكنيسة الشرقية القديمة (بدون اُسقف)، اما الكنائس الاخرى لبعضها أكثر من مطران، فمن يمثلها في الهيئة التنفيذية؟ هذه كانت الاشكالية.

اقترحتُ ان يترأس المجلس البطاركة الثلاثة بالتناوب، لكن رُفض الاقتراح. وحاولتُ ان نلتقي (سبع مرات) لكن من دون جدوى. لماذا لا نتعلم من الكنائس في مصر والاردن ولبنان لنفعل نفس الشيء. 


خصوصاً أن المطلوب منّا تفعيل خدمة المحبّة الإجتماعيّة، ومساعدة أبناء كنائسنا وبناتها على الصمود بوجه الأزمة السياسية والإقتصاديّة والماليّة والإجتماعيّة الخانقة.

 وبخصوص توحيد الأعياد، أعلنتُ بأنني مع توحيد عيد القيامة بشكل خاص. ولكن في اللقاء الأول كانت النتيجة أن  معظم كنائس العراق تُعيّد بتاريخ مشترك، أي بمعدل 95% من الحضور، وبقيت 5% لا تعيّد، فلم أشأ ان اُسبب شرخاً آخر في الكنيسة، وبقيت القضية معلقة للأسف.

الكنيسة الكاثوليكيّة والمسلمون.. الحالة الراهنة والتطلّعات

المونسنيور د. خالد عكشة

فيما يلي المداخلة التي قدّمها المونسنيور د. خالد عكشة في لقاء افتراضي نظّمته اللّجنة الثّقافيّة في المجلس المذهبيّ لطائفة الموحّدين الدّروز، بالتّعاون مع الفريق العربيّ للحوار الإسلاميّ المسيحيّ، تحت عنوان: "الحوار الإسلاميّ المسيحيّ: الرؤية، التجارب، التّحدّيات"، الجمعة 28 أيار 2021.

 

يتردّد المرء أحيانًا، لسببٍ أو أكثر، عن قبول دعوةٍ للمشاركة في مؤتمرٍ أو لإلقاء محاضرة. 

ولكن هذا لم يحدث، عندما عرض عليّ الشيخ د. سامي أبو المُنى، أن أكون أحد المشاركين في هذا الّلقاء، بسبب صداقةٍ تربطنا منذ سنين طوال، وكذلك لرغبتي في لقاء أصدقاء آخرين، شاءت العناية الالهيّة أن يكونوا متحدّثين هم أيضًا: القاضي عبّاس الحلبي، الدكتور محمّد السمّاك -الّذي أدعو له بالشّفاء العاجل- والسيّد دكتور جواد الخوئي. أحيّيكم جميعًاّ، متحدّثين ومشاركين، في لقائنا الخيّر هذا.

أرى من الضروري أن أبدأ بتوضيحٍ عن الكنيسة الكاثوليكيّة. فهناك الكنيسةُ المركزيّة، المسؤولة عن إدارة الكنائس المحلّية المنتشرة في كلّ بقاع العالم، ويرأسها الحبر الأعظم، الّذي هو معاون السيّد المسيح على الأرض وخليفة القدّيس بطرس، هامة الرّسل. 


ومن أهمّ تجليّات الرّئاسة البطرسيّة تعيين الأساقفة في كلّ أبرشيّات العالم.

أمّا الكنائس المحليّة، فهي، كما ذكرت، تلك المنتشرة في العالم بأسره وتضمّ مؤمنين من مختلف الأعراق والشعوب والدّيانات والثّقافات. ويعيش أفراد هذه الكنائس في دولٍ ومجتمعاتٍ هي أيضًا متعدّدة عرقيًا ودينيًا وثقافيًا. 

والمسلمون هم كذلك من أعراقٍ وشعوبٍ وثقافاتٍ متعدّدة، ونستطيع القول بأنّه ما من بلدٍ يخلو من المسلمين، الذين يكوّنون، كما هو الحال بالنسبة للمسيحيّين، إمّا أكثريّةً أو أقليّة عدديّة، أهل بلادٍ أصليّين أو وافدين أو لاجئين.

عنوان هذه المداخلة هو "الكنيسة الكاثوليكيّة والمسلمون: الحالة الرّاهنة والتطلّعات". وكان اختيار مصطلح "الحالة الرّاهنة" عن قصد، ليذكّرنا بإعلان المجمع الفاتيكانيّ الثّاني عن علاقة الكنيسة الكاثوليكيّة بالدّيانات الأخرى (28 تشرين الأول/أكتوبر 1965)، وعنوانه باللاتينيّة Nostra aetate، وترجمته "حالتنا الرّاهنة".


علاقة الكنيسة الكاثوليكيّة المركزيّة –الكرسيّ الرسوليّ– بالمسلمين جيّدة ويشهد على هذا، ضمن أمورٍ أخرى، زيارة البابا فرنسيس لدولٍ عربيّةٍ، وأخرى غير عربيّةٍ ذات غالبيةٍ سكانيّة مسلمة: الأردنّ وفلسطين (24-26 أيّار/مايو 2013)، ألبانيا (21 أيلول/سبتمبر 2014)، تركيا (28-30 تشرين الثّاني/نوفمبر 2014)، أذربيجان (2 تشرين الأوّل/أكتوبر 2016)، مصر (28-29 نيسان/ابريل 2017)، الإمارات العربيّة المتّحدة (3-5 شباط/فبراير 2019)، المغرب (30-31 آذار/مارس 2019)، العراق (5-8 آذار/مارس 2021).

وتكتسي الزيارات البابويّة إلى مصر والمغرب والإمارات العربيّة المتّحدة والعراق أهمّيًة خاصًّة، وذلك لمشاركته في مؤتمر الأزهر عن السّلام في القاهرة؛ وتوقيعه وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب في أبو ظبي على وثيقة الأخوّة الإنسانيّة؛ وتوقيعه والملك محمّد السّادس، بصفته رئيس لجنة القدس في منظّمة التّعاون الإسلاميّ، على "نداء القدس"، الرّامي الى الحفاظ على المدينة "تراثًا مشتركًا" للدّيانات التوحيديّة الثلاث. 

أمّا زيارة العراق، فمن أهمّ محطّاتها لقاء الحبر الأعظم للمرجِع الشيعيّ الأعلى، آية الله العظمى عليّ السيستاني؛ ويستحقّ الذّكر كذلك اللّقاء الرّوحيّ الّذي جرى في أور، مدينة إبراهيم أبي المؤمنين.


ويقيم الكرسيّ الرسوليّ علاقاتٍ دبلوماسيًّة مع غالبيّة دول منظّمة التّعاون الإسلاميّ التي تعدادها 57 دولة.

والدّائرة الفاتيكانيّة التي تُعنى بالعلاقات الدينيّة مع مؤمني الأديان الأخرى -عدا اليهود- هي المجلس البابويّ للحوار بين الأديان. ويمتاز الإسلام في هذا المجلس عن بقيّة الدّيانات بوجود "لجنة العلاقات الدينيّة مع المسلمين"، ويعود هذا الى الروابط الروحيّة الخاصّة القائمة بين المسيحيّين وأخوتهم المسلمين. 

ولهذه الدّائرة علاقاتٌ وطيدةّ مع منظّماتٍ ومؤسّساتٍ دينيّةٍ إسلاميّة منها الأزهر والرابطةُ المحمّديّة للعلماء (المغرب) والمعهد الملكيّ للدّراسات الدينيّة (الأردنّ) ورابطة العالم الإسلاميّ (المملكة العربيّة السعوديّة) ورابطة الثّقافة والعلاقات الإسلاميّة (إيران). 

وهناك كذلك المنتدى الكاثوليكيّ الاسلاميّ، الذي تمّ تأسيسه من قِبل المجلس، عن الجانب الكاثوليكيّ، والموقّعين على الرّسالة الموجّهة للبابا بندكتس، عن الجانب الاسلاميّ.


كما أودّ الإشارة إلى أنَّ لدى المجالس الأسقفيّة في مختلف البلدان لجانٌ تعنى بالحوار بين الأديان وتعمل على تعزيز العلاقات بين الكاثوليك والمسلمين في تلك البقعة من العالم. 

ومن أهمّ مبادراتها تبادل الزّيارات في الأعياد الدينيّة، وعقد ندواتٍ وورش عملٍ لمعرفة الإسلام وأتباعه الموجودين في ذلك البلد والتّواصل معهم.

أمّا عن العلاقة بين المسلمين والكاثوليك على مستوى الكنائس المحليّة، فمن البديهيّ أنّها تختلف من بلدٍ لآخر وتخضع لتغيّراتٍ مستمرّةٍ لأسبابٍ سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ واقتصاديّة. 


وهناك عامل الأكثرية والأقليّة العدديّة، ووضع الديموقراطيّة وحقوق الإنسان والحريّات الأساسيّة الّتي تؤثّر على العلاقات بين أتباع الأديان والطوائف. 

ويرتبط بكلّ ما سبق الجهد المبذول من الجانب الاسلاميّ الرّامي إلى تجديد الخطاب الدينيّ، وهو ما تناوله وليّ العهد السعوديّ في مقابلته الأخيرة، وكذلك شيخ الأزهر. 

وهناك أيضًا تطوّراتٌ إيجابيّةٌ في الإمارات العربيّة المتّحدة وفي السّودان، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. كما أنّ إعلان مرّاكش ووثيقة مكّة وحلف الفضول الجديد، بجهدٍ مِن العلاّمة عبد الله بن بية، وغيرها من المبادرات، أسهمت في تحسين العلاقات بين أتباع الدّيانتين.


لكن هناك، من جانبٍ آخر، تصاعد الغلوّ في الدِّين والتشدّد والعنف المرتَكب باسم الدّين في أمكنة عديدة، وبخاصّة في دول الساحل الأفريقيّ وبعض دول جنوب آسيا. 

كما أنّ خطاب الكراهية، وما يتبعه من ازدراء للمختلِف دينًا والتّضييق عليه ومحاولة تهميشه أو اضطهاده، ينعكس على حياة الجماعات الدينيّة والمجتمع بأسره.


أمّا عن التطلّعات في مجال العلاقة بين المسيحيّين، وبخاصّة الكاثوليك منهم، والمسلمين، فهي كثيرة، أذكر منها:

أن ننظر بعضنا الى بعضٍ باحترامٍ وتقديرٍ ومودّة، وأن نربّي أولادنا على السّلوك عينه؛ أن نعي دومًا المشتركات الإنسانيّة والدّينية والقيميّة، وهي كثيرة وتتجاوز ما نختلف فيه، دون إغفال هذه الاختلافات؛ أن نتكلّم عن اختلافاتنا الدّينية والثقافيّة بموضوعيّة واحترام، معترفين بالحقّ في الاختلاف المشروع في الدّين والثّقافة والفكر؛ أن نواكب، كمؤمنين ومواطنين، التّغيرات العميقة والسّريعة التي يشهدها عالمنا، وبخاصةٍ فئة الشّباب، لنستطيع أن نعيش كلّ جديدٍ في نور الإيمان.


أن نستنير في حياتنا بهدي الإيمان وبنور العقل؛ أن يصالح حوارنا ومجمل علاقاتنا الحقيقة مع المحبّة؛ أن تسير مجتمعاتنا نحو علاقةٍ سليمةٍ بين الدّين والدّولة، ما يمنع التّوظيف السّياسي للدّين والتوظيف الدينيّ للسّياسة؛ أن نقدّم الصّالح العامّ على المصلحة الشّخصيّة؛ أن نحارب آفةَ الفساد فينا وفي مجتمعاتنا؛ أن نتخلّى عن العنف في كافّة أشكاله، سواء كان نفسيًا أو لفظيًا أو جسديًا؛ أن نعيش كلّ يومٍ من أيّام حياتنا كأخوةٍ أصدقاء، ونلاقي وجه ربّنا دون رهبة وبطمأنينة.

طالت أعماركم وطاب مساؤكم!

البطريرك ساكو: خلاصنا في وحدتنا وتماسكنا.. الأحزاب المسيحية ومسؤولية الإنقسامات

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

عاش المسيحيون خصوصًا بعد زوالِ النظام عام 2003، أوضاعًا صعبة من المافيات المنظمة والمنفلتة، التي ارتكبت عمليات ذبح وخطف.

وعملت على تهديدهم وتخويفهم للاستحواذ على بيوتِهم وممتلكاتِهم، إلى جانب دور منظمات ارهابية كالقاعدة وداعش، فهجرتهم ودفعتهم للجوء الى الغرب. ومن تبقى منهم لا يزال يتعرض لمضايقات متنوعة. فنحن أمام وضعٍ صعبٍ مليء بالتحدّيات.


من هنا سؤالي الى اين نحن ماضون؟

أول التحدّيات يتمثل بالسؤال: هل نعمل على وحدَّتِنا وهي السبيل للحصول على حقوقنا القومية والمدنية وكرامة وطنيّتنا بالتساوي، ام تستمر احزابنا القومية في الانقسام والتشتت بسبب تعصبها وتنافسها على المصالح الفئوية والشخصية عبر الحصول على المناصب والمال ان كان في المركز أو الاقليم، مِمَّا يُشكِّل عائقا امام ايجاد مساحات التقارب والتوصل الى التفاهم المتبادل!

ثمة حاجة ملحّة إلى وثبة ضميرية، من الناشطين الغيورين والنزيهين في إحزابنا القومية، مدعومة بقناعة وطنية من شعبنا، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

أذكر أن عدد المرشحين الحاليين للانتخابات المقبلة هو 34 وهذا دليل التحزب والتشتت (ليس صحيحا انني وراء ترشيح أشخاص  من الرابطة أو غيرها، الخبر علمته من  النائب السابق عماد يوخنا، اني لن اتدخل في الترشيحات).


أليست هذه حالة مؤلمة ومحزنة؟ الكوتا هي خمسة مقاعد كان الاجدر بالاحزاب ان تبذل الجهود للجلوس معا والاتفاق على قائمة واحدة من خمسة اشخاص تمثل الكوتا ممن لهم الاقتدار على العمل السياسي ومعرفة الواقع العراقي في المركز والاقليم، والتعاون مع البرلمانيين الاخرين في تحقيق الاهداف الشرعية النبيلة للعملية السياسية. وهذا كان يغلق الطريق امام التدخلات الخارجية.

من المحزن ان بعض هذه الاحزاب تحول الى لون واحد، والى خلية تعصُّب، والتحريض على الغاء الاخر وتسقيطه مٍمَّا اوصل الى ردات فعل عنيفة، بينما المفروض ان هدفها رسالة وطنية وانسانية مشتركة!

هذا الوضع المؤلم لن يتغير الا بوعي الجميع لمسؤولياتهم والخروج من التعصب والتشنج القومي للحوار والتواصل والمشاركة واحتضان التنوع ضمن العمل المشترك الواعي، والا سيسير المكون نحو الاسوا ، خصوصا انه يعاني حاليّاً من الظلم والتهميش والفقر والهجرة .


ممارسة ممثلينا المسؤولية والتعامل باحترام مع الاخرين على أساس التسامح والتنوع سينجح وحدة المكون وتماسكه.

اني مقتنع جداً ان الغالبية هي مع الخط الوحدوي الايجابي وتماسكه،  وليست مع القلة التي تبحث عن المصالح الحزبية والفئوية والشخصية.

لنتوقف قليلا عند زيارة البابا فرنسيس الى العراق ولنتأمل بالرسائل التي وجهها والرجاء الذي زرعه في قلوب العراقيين خصوصا من خلال دعوته المتكررة اننا اخوة والتي تجلت في رسالته الشاملة الاخيرة “كلنا اخوة”..

آمل ان يعي المسيحيون هذه الدعوة لاسيما أن القواسم المشتركة بينهم كثيرة والاختلافات محدودة، ويعيشوا المحبة التي تحمل معنى الحياة والبقاء، فيكونون مثالا صالحا لمواطنيهم.


أعجبت بلقاء اربيل الذي نظمته جامعة كوردستان في 19 من الشهر الحالي حول الوحدة والدستور. كيف أن الأحزاب الكوردية قيّمت الوضع العام في الإقليم ومستقبله بكل حرية وبطريقة حضارية بعيدًا عن التشنج والتجريح والتخوين. متحدون حول القضية الكبرى مستقبل الإقليم، لكنهم مختلفون في الآلية والتنفيذ.. وهذا أمر طبيعي. 

وجاء كلام رئيس الإقليم السيد نيجرفان البارزاني مطمئنًا عندما صرح قائلا: "نحن مختلفون، لكننا نتحاور، ولن نلجأ أبدًا إلى حرب أهلية".

البطريركية مستعدة لتنظيم ورعاية كذا لقاء للاحزاب القومية والفعاليات المدنية وللتواصل والحوار لئلا يبقى المسيحيون مشتتين، مع الترحيب باية كنيسة او جهة حزبية او مدنية تقوم بهذه المبادرة لخير المسيحيين. نحن ككنيسة كلدانية مستعدّون للاسهام والمشاركة من دون اية نية للحلول محل الاحزاب السياسية.


قد يبادر البعض بالسؤال:  لماذا لا تعالجون وحدة كنائسنا؟

الجواب أن كنائسنا قديمة، عكس الاحزاب التي هي ظاهرة جديدة نسبيًا. لكنائسنا تواتر رسولي وتاريخ عريق ورئاسات منتخبة قانونيًا، وتراث ثري وفكر لاهوتي وليتورجي واداري خاص ولغة.

هذه الوحدة تحتاج إلى لجان ودراسة ووقت وصبر وايمان وصلاة. وليسمح لي بالقول إنّ العمل على توحيد صفوف شعبنا، سواء بمبادرة أي من كنائسنا او أحزابنا، ينسجم مع مسيرتنا نحو وحدة كنائسنا.

لا يبقى سوى الرجاء

القضية الفلسطينية وبناء الضمير الأخلاقي العالمي

رشيد سعدي - المغرب - تعددية

كشَف العدوانُ الإسرائيلي الأخير على حقوق المَقدسيِّين وأهالي غزة، عن حجم المأساة التي صنعها تواطؤ القوى الكبرى منذ أكثر من قرن؛ إذ لا يقتصر مجالها على الأراضي الفلسطينية، بل شكلت -ولا تزال- مصدر توتُّر وعنف في المنطقة كلها، ولا تزال تُنذر بمَآسٍ أخرى.

ومما يحزُّ في القلب -في سياق تنامي سياسات التطبيع- أن نرى بروز خطابات تُشكِّك في مشروعية القضية الفلسطينية، أو نرى تحوُّل هذه القضية إلى مجرد سردية تاريخية هامشية، بعد تراجع أهميتها، وفقدانها القدرة على صنع التعاطف على المستوى الكوني. 

تُشكل مثل هذه الخطابات مغالطة عميقة، لأن القضية الفلسطينية -منذ النكبة- لم تكن مجرد قضية سياسية عادية، بل شكلت -ولا تزال- امتحانًا حقيقيًّا أمام الضمير العالمي، يُجلِّي قدرته على بناء أخلاقيات، تَمنح عالَمًا يَصِف نفسه بالمتمدن والمتحضر معنًى حقيقيًّا.

لم تكن هذه القضية يومًا ما مسألة صراع ديني، بل قضية إنسانية كونية، رغم السعي لإضفاء الطابع الديني والمقدس على الصراع. ليس الصراع صراعًا دينيًّا بين اليهودية والإسلام، بل بين آلة الظلم والإنسان المقهور. 

لذا، فإنَّ أسْلَمة الصراع أو تهويده يعني منحه بُعدًا دينيًّا يضعه خارج سياق الإنسانية. ولِكَون مأساة الفلسطينيين هي قضية كلِّ الإنسانية، وجريمة أخلاقية في حق البشرية كلها، فإنه من المهم التركيز على أن مأساة الفلسطينيين استطاعت أن تصنع شكلًا إنسانيًّا راقيًا من التوافق الأخلاقي، بل وأخلاقًا عالمية تُشكِّل الشرط الأساسي للإنسانية، لكي لا تتحول إلى مجرد أفراد أو جماعات متراكمة، متنافرة ومتناحرة.


انطلاقًا من مسؤوليتهم الأخلاقية، عبَّر العشرات من  المثقفين -أكثرُهُم من أصول  يهودية- عن  انحيازهم الصريح إلى الحقِّ الفلسطيني. 

يمكن أن نَذكر "حنَّة أرندت" التي قامت بنقد جذري للسياسات الصهيونية، و"جاك دريدا" الذي انتقد الانسحاب الأخلاقي الدولي أمام مأساة الفلسطينيين و"غياب حكومة عالمية عادلة"، و"جيل دولوز" الذي ندَّد باللاإنسانية الجذرية للمشروع الصهيوني الذي قام بتهجير الفلسطينيين من وطنهم وبتحويلهم إلى لاجئين، و"ألان باديو" الذي انتقد بشدة تشبيه الجرائم الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني بالجرائم الني تَعرَّض لها اليهود على يد النظام النازي، و"نعوم تشومسكي" الذي فضح الأساطير الإسرائيلية حول الأرض الموعودة، وحذَّر من أن مأساة الفلسطينيين سيكون لها تأثير مدمر على الصعيد العالمي، ودون أن ننسى "مايكل نيومان" الذي دافع في كتابه ''قضية ضد إسرائيل'' عن الحق التاريخي للشعب الفلسطيني، وفضَح الاستعمال الإيديولوجي لمقولة "معاداة الساميَّة"، وأخيرًا الحاخام اليهودي "آرون تيتلبوم" الذي رفض الاعتراف بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، لاعتباره أن: "القدس مدينة مقدَّسة ومدينةُ تَقْوَى، والصهيونية لا صلة لها بالقدس".

لا يمكن أن ننسى أيضًا المواقف المشرِّفة للفاتيكان تجاه القضية الفلسطينية، مثل: رفضه "وعد بلفور" وتهجير اليهود إلى فلسطين، وأيضًا اعترافه بالوضع الخاص للقدس بصفتها مدينة لكل الأديان. 

وقد سعدتُ كثيرا برسائل أصدقائي المسيحيين الذين عبَّروا عن رفضهم للعدوان الإسرائيلي، وبالموقف المشرف والعادل للكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة. 

لهذا، فالأديان ليست هي التي صنعَت القضية الفلسطينية، بل إن القضية الفلسطينية هي التي سمحت للأديان -خصوصًا الأديان التوحيدية الثلاثة منها-، بأنْ تعي أن أساسها اللاهوتي رهين بقدرتها وشجاعتها في الاعتراف بحق المستضعفين -مهْما كانت عقائدهم-.

يستدعي هذا الالتزامُ الأخلاقي العالمي للقضية الفلسطينية، تفكيكًا مستمرًّا للأساطير والقراءات الدينية التي تُبرر القتل والتهجير، مثل فكرة انحياز الله إلى شعبه المختار، أو اعتبار مؤمني الأديان الأخرى مجرد "أغيار" سخَّرهم الرب لخدمة شعبه، أو بناء الكيان الإسرائيلي على مبدأ "الحق الإلهي"، أو فكرة العودة لأورشليم ولأرض الميعاد من أجل استقطاب يهود العالم. لا شك أن مثل هذه التأويلات الهادمة لمفهوم الإنسانية، تتربص بكل الأديان بدون استثناء.

أيضًا يجب رفض أطروحة الجماعات الدينية التي تؤْمن بوجود خطة إلهية، مُفادها أن العودة الثانية للمسيح المخلِّص وبداية حكمه الألفي، رهينتان بعودة اليهود واجتماعهم في أرض الميعاد وتأسيسهم لكيان صهيوني؛ إذ لا يمكن تبرير سياسات عنصرية بانتظارات دينية أخروية أو غائية -مهْما كان مصدرها-. 

أعتقد أن التزام قيمتَي الحب والعدل داخِلَنا وتجاه من حولنا، هو الشرط الوحيد لكي يأتي ملكوت الرب، ويتحقق وعده بالاستخلاف. فبالحب والعدل وحْدَهما، يتحرر الإنسان والعالم من العنف والنرجسيات القاتلة. 

لهذا أقول: إن القضية الفلسطينية هي الهيكل الحقيقي الذي تتجلى فيه معجزة الرب، وترتقي فيه الأنفس التوَّاقة إلى العدل، لأن العهد الحقيقي -بالنسبة إلى الأديان الثلاثة- هو مسؤوليةٌ أخلاقية، لا امتياز إلهي.. والله أعلم