‏إظهار الرسائل ذات التسميات آراء وأفكار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات آراء وأفكار. إظهار كافة الرسائل

المطران أثناسيوس فراس دردر: أخيرًا سيتحقّق الحلم

المطران أثناسيوس فراس دردر

بدأ العد التنازلي لاستقبال البابا فرنسيس في ربوع البلد الذي لم يذق الراحة والسلام منذ ثلاثة عقود وحتى هذه اللحظة. يأتي البابا فرنسيس ليحمل لنا أغصان الزيتون. برأيي، أرى أنه يأتي حاملاً ثلاثة أغصان رئيسة يمكن ترجمتها كما يأتي:

الغصن الأول: غصن الدعم المسيحي لما تبّقى من سكان هذه الأرض. وإنني أعتبر زيارته أشبه بأن يكون لدينا مريض ونقوم بإعطائه دفعة أخيرة من الأوكسجين، لأن الدنيا ضاقت بشعبنا الذي يعيش حالة مزرية جدًا، في خضم تحديات جمّة من كل جانب. كلنا يقين بأن تكون هذه الزيارة حافزًا لبقاء المسيحيين في العراق، وتشدّد على أهميّة تاريخهم ومستقبلهم في البلاد.

الغصن الثاني: هو غضن التعايش. بابا الفاتيكان ليس بابا المسيحين فقط، بل هو بابا كل الأديان، وإذا وضعنا زيارته في قالب تفقّد المسيحين فقط، نكون قد خسرنا كل شيء. إنّ زيارته لهي مسكونيّة من ناحية، وتفقدّية للأديان الأخرى من ناحية أخرى. 

فهو سيزور المرجع الديني الأعلى (سماحة السيد علي السيستاني)، وسيلتقي مرجعيات إسلاميّة أخرى وغير إسلامية، ليعطي رسالة ويقول إنّ معلمنا يسوع المسيح هو شامل في محبته للعالم، ولهذا لم يأتِ لفئة معينة بل جاء لخلاث العالم. وخير دليل على ذلك أنّ قداسته سيزور "أور" أيضًا، موطن سيدنا إبراهيم، أبو الأديان التوحيدية الثلاث.

إنّ هذه الزيارة جاءت لتؤكد الوحدة الإنسانيّة في التطلّع إلى السلام والتسامح والمحبة.

الغصن الثالث: تسلط زيارة البابا الضوء مجددًا على تاريخيّة موقع العراق المتميّز الإستراتيجي، هذا البلد الذي أصبح معزولاً دوليًا لأسباب، منها:

1. دخول تنظيم داعش الإرهابي إلى العراق، ومن ثم تشويه صورة العراق في المحافل الدوليّة والرأي العالمي، من قبل عصابات ومافيات لا تحب الخير والسلام، واضعة مصالحها فوق كل المبادىء والمعطيات والقيم.

2. لا يمكن النكران بأنّ هذه الجرائم التي حدثت في العراق قد وصلت لعموم الناس؛ من تزوير لأملاك المسيحيين، وانتهالك أعراضهم وسرقة أموالهم، واستفزازهم وتهجيرهم، إضافة لما شهده بلدنا العراق من اقتتال طائفي، وصرعات سياسيّة بين الأحزاب. كل هذه الأمور جعلت العراق معزولاً.

نختتم ونقول: إنّ زيارة البابا فرنسيس المنترة هي كالشمس الجديدة التي ستشرق قريبًا، ناشرة ثقافة التعايش والتآخي الإنسانيّ، ليعود العراق إلى موقعه الجديد محليًّا وعربيًّا ودوليًّا، معافىً من كل شيء، وشاهدًا لقيامة جديدة ملؤها الخير والسلام والاستقرار والسلام.

وليد فارس: ماذا تعني مطالبة "التدويل" في لبنان؟

وليد فارس الأمين العام للمجموعة الأطلسية النيابية - اندبندنت عربية

توسعت دعوات قوى المجتمع المدني لدعم نداء بكركي بينما رفضها "حزب الله" واعتبرها "تهديداً لاستقرار البلاد وأمنها"

منذ سنوات تعلو شعارات ما يسمى "التدويل" في لبنان تارة، وتنخفض أحياناً، حسب من في السلطة، ونوع الأزمات، والواقع الإقليمي، وميزان القوى داخل ذلك البلد الصغير، وفي هذه المرحلة بالذات، ترتفع الدعوات من جديد، لا سيما بعد أن أعلن البطريرك الماروني بشارة الراعي، أخيراً، بدعم من بعض المثقفين السنة والدروز، ومعارضي "حزب الله" بين الشيعة، أنه بات ضرورياً "على المجتمع الدولي أن يخلص لبنان من السلاح غير الشرعي"، وقد توسعت دعوات قوى المجتمع المدني لدعم هذا النداء، الجديد القديم، بينما رفضها "حزب الله"، واعتبرها "تهديداً لاستقرار البلاد وأمنها"، ما يدل على أن المعسكرات السياسية في لبنان منقسمة حول هذا الملف، وأحد هذين المعسكرين مصمم على محاربة التدويل أمنياً وحربياً مهما كلّف الأمر، ونظراً لدرامية هذا الطرح، وتجاربه السابقة، وطرحه المتجدد من قبل الكتلة المعارضة لـ"حزب الله"، والتغيرات الإقليمية، والوضع الدولي الحالي، بما فيه الأجواء في واشنطن، فلنراجع ما يعني التدويل عامة، وما يعنيه بالنسبة للبنان اليوم.

هناك دعوات، يميناً ويساراً، وشعارات تطلق من كل صوب وجهة، حول التدويل، والحياد، والفصل السابع، وقوات دولية، وقرارات مجلس أمن، والمجتمع الدولي، ومحاكم دولية، وعقوبات قانونية ومالية، خليط من رؤوس أقلام مقتبسة من أكثر من نصف قرن من وقائع مثيلة في مواقع عدة من العالم بما فيها الشرق الأوسط ولبنان نفسه. فما حقيقة الوضع، باختصار شديد؟

"التدويل" دولياً

التدويل "Internationalization"، بالمعنى العام النظري في العلاقات الدولية، هو أن يوضع ملف معين بين يدي دول عدة أو المنظمات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، إذاً، الحركة الأولى في إطار أي "تدويل" هي سياسية، ودبلوماسية، وإعلامية، أي أن يدعو طرف ما، سواء أكان دولة أو جهة غير حكومية "المجتمع الدولي" لكي يتحرك باتجاه حل معضلة لدى دولة أو أكثر، أو لدى مجموعة قومية، أو إثنية، أو دينية، أو إزاء كارثة طبيعية أو إنسانية. وأسباب السعي إلى التدويل عديدة بكثافة الأزمات المحلية، الإقليمية والدولية، ولها أشكال كثيرة حسب المرحلة الزمنية أو نوعية الأزمة المطروحة، إذاً، ليس هناك نوع واحد من الأزمات التي تستدعي التدويل، فكل الأزمات يمكن تدويلها، بإرادة من يطرحها، لكن هناك قاسماً مشتركاً لكل هذه الحالات، ألا وهو ضرورة أن يطرح أحد ما، طرف ما، مجموعة ما، أو المؤسسات العالمية، آلية كهذه، بكلام آخر، لا يمكن أن ينطلق التدويل من دون أن يطلقه أحد ويعمل بجهد على تجسيده فعلاً وعملياً، إذ لا توجد هيئة متخصصة في التدويل الأوتوماتيكي، كما يظن عديد من الناس في العالم، أو خصوصاً في الشرق الأوسط، ليس هناك في العالم فريق لا عمل له إلا مراقبة الأزمات عبر الكوكب وإحالتها إلى التدويل مباشرة، فحتى مجلس الأمن يحتاج إلى إحالة لملف ما، عبر أمانته العامة، أو أحد أعضائه، لمناقشات صعبة، لتصويت، لتجنب حق النقض، للوصول إلى قرار ما. أضف إلى ذلك أن هناك أشكالاً عدة من "التدويل" تحت مستوى مجلس الأمن، ومن بينها المنظمات الإقليمية، كـ"الناتو"، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، وفي الماضي، حلف "وارسو"، والجامعة العربية، ومن بين المبادرات الدولية السريعة، سواء أكانت إنسانية أو أمنية، القوات متعددة الجنسيات، أو التحالفات ضد الإرهاب، وما شابهها، وهي إما أن تحصل على تفويض من مجلس الأمن، أو لا.

التدويل إذاً ليس نزهة آلية تأتي من تلقاء نفسها، بل عملية معقدة، ربما الأكثر تعقيداً في العالم، وتحتاج إلى جهود جبارة، دقيقة، طويلة، وأهم شيء أنها تلبي مصالح عديدة، وليس فحسب مصلحة من هم بحاجة إليها، بعبارة واحدة، هي ليست "كوني فكانت".

خبرة لبنان مع التدويل

اختبر اللبنانيون، كغيرهم من شعوب المنطقة، حركات وتدخلات دولية في شؤونهم منذ القرن الـ19 في جبل لبنان، وبعد ذلك الانتداب الفرنسي الذي كان بحد ذاته بقرار من المجتمع الدولي وقتها، أي رابطة الأمم "Society of Nations"، وبعد ذلك، انتمت الجمهورية اللبنانية في 1945 إلى الأمم المتحدة، وباتت لها سيادة وطنية، إلا أن تركيبتها الداخلية، والأطماع الخارجية، وحروب المنطقة، لعبت دوراً سلبياً في حياة هذه الجمهورية منذ حربها الأهلية الأولى في 1958، فبعد عقد ونصف العقد، انفجرت حربها الأهلية الكبرى في 1975، فقامت مبادرة سلام إقليمية أولى، بمباركة دولية، قادتها السعودية لوقف الحرب واستتباب الأمن، بمساعدة "قوات ردع عربية" في 1976، إلا أن نظام حافظ الأسد استعمل "الغطاء العربي الدولي" لمحاولة السيطرة على الفلسطينيين، والمعسكرين المسلم والمسيحي، كل على حدة، فأرسل قواته لتحتل لبنان، فانفجرت الاشتباكات في البلاد مجدداً وتدريجياً، واجتاحت إسرائيل جنوب لبنان في مارس (آذار) 1978، وبطلب من الحكومة اللبنانية، أصدر مجلس الأمن القرار 425 يدعوها للانسحاب.

وفي السنة نفسها بعد حرب مدمرة بين قوات الأسد و"القوات اللبنانية" صدر في أكتوبر (تشرين الأول) القرار 436، بدعوة دول صديقة وموافقة الحكومة يدعو لوقف الحرب، وفي صيف 1982، وبعد حرب مدمرة بين إسرائيل، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وسوريا في لبنان، صدر القرار 520، الذي دعا "كل القوات الأجنبية لمغادرة لبنان"، وكان بطلب من الحكومة اللبنانية.

التدويل منذ 1990

بعد اجتياح قوات الأسد وحلفائها وزارة الدفاع والقصر الجمهوري في 13 أكتوبر 1990، وعلى الرغم من اتفاق الطائف عام 1989، الذي رعته السعودية، سيطرت قوات النظام على مؤسسات الدولة اللبنانية، بالتالي بات مستحيلاً أن تطلب أي حكومة لبنانية أي قرار دولي ضد مصلحة النظام أو "حزب الله" في لبنان، ولكن بعد 14 عاماً تمكنت مجموعات من المهاجرين اللبنانيين، لا سيما في أميركا، أن تقنع إدارة الرئيس بوش بإصدار قرار دولي لإخراج القوات السورية وتجريد "حزب الله" من سلاحه، كما نجحت هذه المجموعات في إقناع الأعضاء الآخرين في مجلس الأمن بعدم إصدار "فيتو" ضد قرار كهذا، الذي صدر في سبتمبر (أيلول) عام 2004، تحت رقم 1559، وكان القرار الدولي الوحيد الذي عارضته السلطات اللبنانية التي كانت تحت نفوذ دمشق وطهران منذ 1990، وتنفيذ البند الأول فيه، أي انسحاب الجيش السوري، وكان التدويل الوحيد في لبنان، بطلب من مواطنين من دون موافقة حكومة بيروت، إلا أن البند الثاني، أي نزع سلاح "حزب الله"، والميليشيات، لم ينفذ، ونتج عن هذا "التدويل" سلسلة من القرارات الأخرى، بما فيها القرار 1701 في عام 2006، للسيطرة على الحدود، وقرار إقامة المحكمة الدولية في قضية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري وآخرين.

هذا السيل من القرارات المتعددة، وغير المسبوق، انبثق عن القرار 1559 الأم، وتعزز بعد ثورة الأرز في عام 2005، ووافقت عليه حكومة "14 آذار"، المعارضة لإيران، وتوجت هذه القرارات بإقامة جهاز تنفيذي بإدارة السفير ترى رود لارسن لتنفيذ القرار، إلا أن انقلاب "حزب الله" على الحكومة واجتياحه بيروت والجبل، وتشكيل سلطة حليفة له بعد مؤتمر الدوحة في عام 2008، أنهى عصر "التدويل" ضد "حزب الله"، فباتت القرارات حبراً على ورق، ولا سيما أن إدارة أوباما كانت قد دخلت زمن مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران.

إدارة ترمب والتدويل

مع وصول ترمب إلى البيت الأبيض في 2017، عادت حظوظ التدويل للمسألة اللبنانية تعلو في واشنطن، لا سيما بعد انسحاب الإدارة من الاتفاق النووي في مايو (أيار) 2018، ووضع الحرس الثوري على اللائحة الأميركية للإرهاب في أبريل (نيسان) 2019، وكانت هذه المعادلة مواتية للبنانيين لكي يطالبوا بتدخل دولي بقيادة واشنطن لتطبيق القرار 1559، في وقت كان وزير الخارجية مايك بومبيو قد شكل فيه تحالفاً دولياً للضغط على إيران، ونسق السفير براين هوك اجتماعاً واسعاً في وارسو في هذا الاتجاه. وعلى الرغم من أن قراراً جديداً  حول لبنان، تحت الفصل السابع، لم يكن ممكناً من دون الاصطدام بـ"الفيتو" الروسي، فقيام تحالف متعدد الجنسيات كان قيد الدراسة.

الكرة انتقلت إلى ملعب المعارضة لـ"حزب الله" داخل لبنان، وانفجرت ثورة شعيبة واسعة داخل لبنان في أكتوبر 2019، في موازاة انتفاضتين في العراق وإيران، واستمر "الحراك الثوري" أشهراً عدة، وكان أوسع وأطول من انتفاضة 2005، وقد وصلت أصداؤه إلى العواصم العالمية، وباتت صورته لدى الرأي العام العالمي ذات رصيد ثقيل، وكان من الواضح أن "حزب الله" خشي أن تؤثر "الثورة" على الخارج، وتأتي بديناميكية التدويل، فاتحة الباب لتحالف واشنطن الدولي ضد إيران أن يشبك مع الحراك ويتدخل في لبنان ضد الحزب، وكانت المعادلة "مجتمعاً مدنياً مع مجتمع دولي" لمواجهة الميليشيات والإرهاب في 2019، تقريباً، موازية للمعادلة نفسها عام 2005، إلا أن بعض الإخفاقات أجهضت هذه المعادلة الحاسمة، وتتوزع المسؤوليات في كل الاتجاهات:

أولاً: ركزت قيادات الحراك على نغمة "الإصلاحات الجذرية لمؤسسات الدولة" أولاً، بدلاً من أولوية نزع سلاح "حزب الله"، وهذا كان خطآً استراتيجياً كبيراً، فالقوى الكبرى عالمياً لا تتحرك في مجلس الأمن من أجل ملف إصلاحات في أي بلد، بل تتحرك إذا كانت هناك أزمة أمنية أم سيادية في بقعة ما.

ثانياً: رفضت نخبة الحراك المركزية في بيروت أن تنفتح على إدارة ترمب لتعمل معها على التدويل، لارتباط جزء من هذه النخبة عاطفياً وعقائدياً بخصوم ترمب، كأوباما، وبايدن، وساندرز، الذين كانوا في المعارضة الأميركية وقتها، ففضلوا ألا يعملوا مع الولايات المتحدة مباشرة، ما دام ترمب في البيت الأبيض، ومن دون أميركا لن يدعو أحد مجلس الأمن للتحرك.

ثالثاً: عندما بدأت القوى اللبنانية الواعية لأهمية التدويل للخروج من تحت سيطرة الميليشيات بالتحرك للمطالبة بالقرار 1559، كان الوقت قد دهمها، والظروف بدأت بالتبدل، ففي بداية 2020، تفجرت أزمة كورونا في العالم، وانحسرت اهتمامات واشنطن في مكافحة الجائحة، ثم تفجرت التظاهرات العنيفة في المدن الأميركية، وبعدها جاءت الحملات الانتخابية، فالأزمة في انتقال السلطة، فإعلان انتصار بايدن.

إدارة بايدن وتدويل أزمة لبنان

كما نرى منذ أسابيع، فإن إدارة الرئيس بايدن مستعجلة في التوجه إلى طاولة المفاوضات الأوروبية مع طهران لتخطيط طريق العودة إلى الاتفاق، في اليمن، وتضغط لوقف عمليات التحالف العربي، وفي العراق، تتأنى في الرد على هجمات الميليشيات الإيرانية، أما في لبنان، فالإدارة الجديدة توصي بحكومة جديدة "جامعة" لتدفع بالإصلاحات.

لا أرى إشارات لإدارة بايدن باتجاه حشد "طاقات دولية" لنزع سلاح "حزب الله" الآن، والنافذة التقليدية لتدويل تقوده أميركا الآن قد أغلقت في هذه المرحلة، هل يعني ذلك أن فرصة عمل دولي لإنقاذ لبنان انتهت؟ التدويل الجديد بالنسبة لأي آلية تدويل للمسألة الأمنية في لبنان، على الفئات التي تصبو إليها الآن، وفي الظروف الإقليمية والدولية القائمة، يجب أن يكون هناك وعي جلي بالآتي:

- السلطة الحالية في بيروت تحت سيطرة "حزب الله"، وهي بالتالي لن تطلب أي مبادرة دولية لن تكون في مصلحة الحزب، بل سترفض، وربما تتصدى لأي مبادرة تفرض من الخارج، وستتعاون مع روسيا لإسقاط أي تصويت في مجلس الأمن إذا كان مرفوضاً من طهران.

- إدارة بايدن لن تمس ملف التدويل في لبنان إذا كان ذلك يعني صداماً مع إيران وتهديداً للاتفاق.

- أي "تدويل مالي" كـ"مؤتمرات عالمية" لمساعدة الاقتصاد اللبناني، أو "لمحاربة الفساد" من دون نزع سلاح الميليشيات هو بمثابة "مورفين" لن تأتي بأي حل فعلي للأزمة الحقيقية.

- الاكتفاء بالمطالبة بقرارات دولية جديدة، أو تنفيذ القرارات السابقة، أو طلب الفصل السابع، أو الحياد، من دون جهود تحاكي الواقع الحالي ستتصدى لها إيران، ويواجهها "حزب الله". إذاً ما العمل بالنسبة للبنانيين السياديين؟

برنامج عمل جديد

اللبنانيون، داخل وخارج بلادهم، عليهم أن يحاكوا الواقع، ويفهموه، على معارضتهم أن تتوحد، وتتنظم، وتشكل شيئاً شبيهاً "بحكومة ظل" كتلك الموجودة في بعض الدول الديمقراطية، وذلك للتمكن من مخاطبة العالم والتعبير عن نيتهم باللجوء إلى "المجتمع الدولي".

ما دون ذلك لن يكون هذا المطلب على أي طاولة مفاوضات، وعلى كل التحركات الشعبية أن تركز على التدويل أولاً، وليس آخر، قبل أي مطلب آخر، ليفهم الخارج ألا حل في لبنان، إلا مع سحب سلاح الميليشيات، ولو جزئياً في مرحلة أولى. 

فإذا رأى العالم، كما كان الوضع مع تيمور الشرقية ومستعمرات سابقة، أن لبنان لن يرتاح قبل حل مشكلة الميليشيات المسلحة، بطريقة أو بأخرى، أياً كانت الحكومات في الغرب، سيجد مخرجاً، ولو مرحلياً للأزمة.

صحيح أن إدارة ترمب كانت في حال مواجهة مع إيران، بالتالي كانت في موقع أفضل لتدويل الأزمة، ولكنها لم تفعل لأسباب كثيرة، أولها أن اللبنانيين لم يطالبوا علناً بالموضوع، عندما قامت التظاهرات الكبرى. 

فالقوى الكبرى لا تضيف لنفسها مشاكل وجهوداً لوجه الله، أما إدارة بايدن، فعلى الرغم من تأنيها في أي موضوع يعرقل الاتفاق، فهي أيضاً تتأثر بالوقائع على الأرض، ومن أهم هذه الأخيرة، أن يرص "الفريق السيادي" صفوفه، ويعبر عن التزامه بمطالب هكذه، وأن يتواصل مع واشنطن وسائر أعضاء مجلس الأمن، بالإضافة إلى التحالف العربي ودول الاغتراب اللبناني.

فهذا كان الطريق الذي أوصل إلى القرار 1559، ولا طريق غيره، وفي الخلاصة، التدويل لا يحدث من تلقاء نفسه، بل يجب العمل له، وعلى اللبنانيين الذين يريدونه حلاً أن ينتقلوا من "الرووم سيرفيس Room Service " إلى "السيلف سيرفيس Self Service".

كتب المطران يوسف توما: صمت الله، لماذا أنت صامت يا رب؟

المطران يوسف توما، رئيس أساقفة كركوك والسليمانية للكلدان

عندما تحدث كارثة أو حرب أو ينتشر وباء وتشتد معاناة الإنسان وينظر إلى الفظائع العديدة أمامه، يرفع رأسه إلى السماء ويطرح السؤال: "لماذا؟". 

هذا سؤال قديم قِدَم الانسان، وغالبا ما يزعجه صمت الله ويدفعه للتساؤل عمّا إذا كان الله تخلى عن البشر.

صمت الله مزعج. وهو موضوع يتكرر بحسب الأزمنة ويأتي في الكثير من الأعمال الفكرية والأدبية، بل جاء في الكتب المقدسة. وأذكر، أني بعد زيارتي معتقل أوشفيتز، حيث قضى مئات الآلاف على يد النازيين في الحرب العالمية الثانية قرأت أن البابا بندكتس السادس عشر كان قد زاره أيضًا في نيسان 2010، وهتف أمام البشاعة: "لماذا، يا رب، هل كنت التزمتَ الصمت؟ كيف يمكنك السماح بهذا؟ أين كنتَ في ذلك الوقت؟".

بقيت هذه الصرخة ترنّ فيّ وتذكرتُ كل الذين تناولوا صمت الله في عصرنا من مختلف الناس، لعل أشهرهم هو الفيلسوف الوجودي ألبير كامو Camus (1913-1960) الذي ربط إلحاده بهذه المسألة، قال: "إن كان الله كليّ القدرة ويقبل بالشر فهو سيء، أو أنه صالح لكنّه عاجز!". هذا الموضوع محيّر للكثيرين، ويجعل كل واحد يجيب بطريقته الخاصة، ليس بحدّية ألبير كامو وبقية فلاسفة الشك، لكن واقعيًا، يشكل صمت الله، ثقلا حتى لدى المؤمن الذي يشعر أن الرب حرم البشرية من ميراثه عندما لم يتحرك أمام البشاعات التي حدثت وتحدث. 

فما عدا معتقلات أوشفيتز هناك ضحايا القنبلتين في هيروشيما ونكازاكي (قرأت في شبابي كتاب "أجراس ناغازاكي" للطبيب الياباني المسيحي بول ناغاي الذي فقد فيها زوجته)؛ وأنواع الابادات الجماعية للسكان الأصليين في كل مكان، وما أحدثته عصابات داعش في سوريا والعراق خصوصًا مع الايزيديين المسالمين؛ والآن جاء استخدام طائرات الدرون بدون طيار التي تسبّب الدمار والموت في الشرق الأوسط حتى في مستشفيات المنظمات الإنسانية. وماذا نقول عن جحافل المهاجرين وغرق الآلاف منهم في البحار سعيًا لحياة أفضل نحو أوهام الدول المتقدّمة التي تغلق حدودها وقلوبها فنسأل: "أين أنت يا رب؟".

هل الله صامت في عالمنا منذ أكثر من سنة مع جائحة كورونا؟ حيث تعرضت حياة الملايين للخطر والرعب في أنحاء العالم، الفيروس لم يفرق بين مؤمن وغير مؤمن، غني وفقير قوي وضعيف (راهبة فرنسية عمرها 114 سنة شفيت ورياضيون أبطال قضوا بالمرض!). أليست هذه الأسئلة هي التي دفعت الألماني نيتشه (1844-1900) أن يدعو الجميع أن يتجاهلوا الله باعتباره وهمًا يحاول في حياة ما بعد الموت، تعويضهم عن المعاناة التي لا يمكن لأحد في هذا الوجود أن يفسّرها؟

كيف يمكن لله أن يكون موجودًا حين يرى هذا العدد من الأطفال يحكم عليهم بالجوع، أو الأمراض المستعصية، أو يكونون ضحايا قسوة الكبار وشرورهم. المفكرون منذ القدم يسألون هذه الأسئلة، بل قال بعضهم: هل الذين يؤمنون بالله أكثر أخلاقًا وعدلاً من الملحدين؟ 

كم ارتكب من يدّعون الإيمان من فظائع عبر التاريخ، وفي أيامنا بالأخص من جميع الأديان، لا يمكن أن نستثني أحدًا منذ محاكم التفتيش والعبودية (القرن 16) والاستعمار (القرن 18-19) والنازية والحرب العالمية الثانية (1933-1945)، كلها تمّت على يد دول اعتبرت نفسها ذات أغلبية مسيحية. على الجميع إذن أن يكنس أمام بيته ويقرأ تاريخه بتمعن ولا يلقي الحجارة على الآخرين، الكل بيته من زجاج أمام هذا التساؤل!

الجميع إذًا سواسية، في الماضي والحاضر، كم من "مؤمن" يحلف يوميًا باسم الله ويذكره بلا توقف لكنه يملأ بفضله جيوبه، ما عدا امتلاء قلبه بالكراهية والانتقام والتحيّز ضد الآخرين وحتى ضد أبناء جلدته بسبب اختلافات طفيفة! كم منهم يستغل ثقة القطيع المخلص ويبتزّ ويفسد ويضاعف مكاسبه مقرّرا الجحيم وبئس المصير لمن ينكره أو يختلف عنه!

لعل أشهر من اختبر صمت الله هو يسوع المسيح نفسه، ألم يصلّ قائلا: "أبي، أبي، لماذا تتخلى عني؟" (مرقس 34:15). مثله مثل أي واحد منا مرّة ومرّتين أو ثلاثًا في حياتنا، خصوصا عندما ندخل تحت "حادلات" الزمان والبشر في سجون الديكتاتوريات المدنيّة والعسكرية وحتى الدينية منها، من حقنا أيضًا أن نتساءل: "أين كنتَ يا الله، لماذا تصمت؟".

إن الاعتقاد بوجود الله لم يكن المسألة التي تهمّ المسيح. فالإيمان عطيّة يتلقاها البعض ولا يعرفها آخرون كثيرون. لا يهم، لكن المهم لدى المسيح هو: على الرغم من عدم الإيمان عند البعض، إلا أنه يكفي لأن يحيا قيمًا إنسانية تتوافق مع إنجيله، مثل: محبة القريب، العدل للمظلوم، التضامن، التسامح والرحمة. ومن يسلك هكذا فهو يفعل ما يتوقع الله من كل واحد منا!

لقد أوضح المسيح، بالكفاية أن كثيرين قد لا يؤمنون بالله ظاهريًا لأنهم قد لا يعرفونه، لكنّهم يتبنّون القيم العليا، من هو مثلهم سيتفاجأ يوم القيامة عندما يُسأل في الجانب الآخر من جدار الحياة: "متى رأيناك جائعًا وأطعمناك؟...". وسيجيبهم: "كلما فعلتم هذا بأحد إخوتي الصغار فبي فعلتموه" (متى 25: 37-40).

الحقيقة هي: أن علينا قبول أمر صعب على من هو فقط "متديّن"، إذ لم يأت المسيح كي يؤسس مجرد ديانة بديلة عن اليهودية أو مؤسّسة فقط. جاء ليقترح خارطة طريق جديدة لقيام حضارة مبنيّة على المحبة والعدل، فهو أوّل من فكّر بعولمة التضامن البشري بلا تفاوت أو تفرقة تبعا للجنس واللون والعرق والمذهب. 

البابا فرنسيس منذ قدومه في 2013 يكرّر هذا في كل مداخلة، لأنه بالضبط ما حدث في عهد قيصر، حين دفع المسيح حياته ثمنًا لإعلان ملكوت آخر، "عالم يختلف عن مملكة قيصر وأمثاله"، عالم الله، ليس حتى كما اعتقد كثيرون حتى من أتباع المسيح، بل عالم لا يكون على الجانب الآخر البعيد من الحياة، بعد الموت بل هنا، والآن يمكن تحقيقه. فأعطى يسوع المسيح النموذج الأوّل حين بذل جسده ودمه وحتى روحه الذي نفخه في تلاميذه وعلمهم أن يقولوا: "ليأتِ ملكوتك، كما في السماء كذلك على الأرض".

الإيمان إذن ليس في وجود الله بمثابة "فكرة" بل في كيفية فهمنا إياه ضمن الحياة والتعامل مع ما عندنا، هذا واضح منذ العهد القديم بشكل رائع في قصّة أيوب، الذي لم يكن منتميًا إلى اليهود أو إسرائيل، بل كان إيدوميًا (مملكة Edom في البتراء وخليج العقبة، حاليًا جنوب الأردن)، حاربوا شعب إسرائيل، لكن سفر أيوب عميق يشبه اهتداء أهل نينوى على يد يونان الذي لم يفهم شيئا عن حنان الله لنينوى! 

كان أيوب حائرا بأصدقائه "المتفلسفين" عبّاد التكرار الفكري الجاف، لكن أيوب لم يرضخ لضغطهم عليه، بل بقي مصرا على إيمانه الذي لم يفهموه، هو رفض أن يحمّل الله سبب المعاناة، برّأ الله، فسمّي "أيوب البار"!

خلال دراستي في فرنسا، كان في ديرنا أب دومنيكي معروف، برنار برو  Bro(1925-2018) واعظ الصوم الكبير في كنيسة نوتردام بباريس، حكى قصة لرجل كان غاضبًا من صمت الله أمام الظلم والشرور، دخل كنيسة فارغة، واقترب من المذبح وصرخ: "هناك الكثير من الخبث في العالم وأنتَ لا تفعل شيئًا حيال ذلك؟ ألا يهمّك كل هذا العنف والعوَز ومعاناة شعبك؟". 

قال الراوي: "في هذه المرّة كسر الله الصمت وقال: "طبعا يهمّني الأمر، ولهذا فعلتُ...". صاح الرجل بغضب: "ماذا تعني، ماذا فعلتَ؟". قال الله: "خَلقتُكَ أنتَ"!

الكاردينال ليوناردو ساندري: البابا في العراق لكي يحمل الفرح والتعزية

فاتيكان نيوز

الاستعدادات النهائية لزيارة البابا فرنسيس إلى العراق من الخامس وحتى الثامن من شهر آذار المقبل. يذهب الحبر الأعظم إلى بلد جرحته الحروب وأعمال العنف حيث سيلتقي بالأقلية المسيحية وممثلي الديانات الأخرى. 

حول أسباب هذه الزيارة يتحدث الكاردينال ليوناردو ساندري، عميد مجمع الكنائس الشرقية.

إنَّ العراق بأسره ينتظر بفرح زيارة البابا فرنسيس من الخامس وحتى الثامن من شهر آذار مارس المقبل، وخلال زيارته سيلتقي الأب الأقدس بممثلي الديانات الأخرى. وفي مقابلة له مع موقع فاتيكان نيوز تمنى الكاردينال ليوناردو ساندري عميد مجمع الكنائس الشرقية بأن تكون زيارة البابا فرنسيس هذه الى العراق علامة رجاء.

قال عميد مجمع الكنائس الشرقية بالنسبة لي على زيارة البابا فرنسيس إلى العراق أن تكون زيارة تحت شعار الفرح، لأن البابا سيحمل الى هذا الشعب والكنيسة الكاثوليكية والى جميع العراقيين اعلان تعزية وسلام وإعجاب لكل ما عانوه، وهذه الرسالة موجّهة بشكل خاص للمسيحيين والكاثوليك وجميع الذين قدّموا الشهادة لإيمانهم وصولاً إلى إراقة الدماء.

وللأساقفة والرعاة الذين بقوا مع المؤمنين ولم يذهبوا خلال هذه الحرب والعنف والانتهاكات والقصف والاضطهاد. لقد بقوا في خدمة المؤمنين، ولذلك ستكون هذه الزيارة زيارة فرح وتعزية ومشاركة وصداقة للكنيسة الكاثوليكية جمعاء تجاه هذا الشعب، مسيحيين وغير مسيحيين.

فالبابا فرنسيس، تابع الكاردينال ليوناردو ساندري يقول، قد تلقّى الدعوة من السلطات العراقية ويجب أن أقول إنّه في كل مرة كنت أزو فيها العراق أو بلدان أخرى ذات أغلبية مسلمة، لم أتلق أبدًا أيّة إشارات سلبية، لا كراهية، ولا شيء مزعج، بل على العكس، كانت جميعها إشارات وعلامات انفتاح. 

ولذلك أعتقد أن هذا هو الأساس لكي نتمكّن من أن نقول إنَّ البابا يقدم الآن للعالم "دستورًا عالميًا" جديدًا، إذا أردنا أن نسميه كذلك، في احترام هوية كل ديانة، والذي يمثل النية لبناء عالم جديد في السلام والعدالة والحرية، مع احترام حقوق جميع الأشخاص والحرية الدينية، لأننا جميعنا إخوة. 

بالنسبة لي، أعتقد أن هذا سيكون حجر الزاوية الكبير الذي سيوضح أن رحلة البابا هذه هي للكنيسة والمؤمنين والكاثوليك والمسيحيين، إذ توجد في العراق أيضًا كنيسة المشرق الآشورية، بالإضافة إلى الأرثوذكس، وأصدقائنا المسلمين، الذين يشكلون الأكثريّة في البلاد. واشير في هذا السياق بشكل خاص إلى لقاء الأب الأقدس بسماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني.

أضاف عميد مجمع الكنائس الشرقية مجيبًا على سؤال حول إن كانت هذه الزيارة تجسّد جميع الجوانب الموجودة في الوثيقة حول الأخوّة الإنسانية وقال بالتأكيد وأعتقد أن الأمر يشبه اتخاذ خطوة ملموسة للانتقال من الأقوال إلى الأفعال. 

وبالتالي سيكون الأمر أشبه بالقول: 'هنا يمكننا بناء هذا العالم الأفضل، وهي خطوة ربما يمكن أن تكون أكثر واقعية إذا ذهب البابا في أقرب وقت ممكن، كما قال، إلى لبنان، البلد الذي حدده القديس يوحنا بولس الثاني بانّه "البلد الرسالة" أو كما وصفه البابا بندكتس السادس عشر بـ "دولة المختبر".

لأنّ القدرة على العيش والعمل معًا على رغم انتمائنا إلى ديانات مختلفة هي رسالة سلام. ومن ثمَّ فهو مختبر، لأن جميع هذه النظريات حول القدرة على بناء عالم جديد لا يمكن تحقيقها إلا، وهذا هو الاختلاف الكبير، في الحياة اليومية الواقعية. فالمسيحيون، وهم أقلية، يعيشون معًا كل يوم مع الأغلبية، أي المسلمين، وعليهم أن يعيشوا باحترام، وفي حقيقة هويتهم، كونهم جميعًا أبناء ومواطنين في البلد الذي يعيشون فيه.

وختم الكاردينال ليوناردو ساندري عميد مجمع الكنائس الشرقية حديثه لموقع فاتيكان نيوز موجّهًا رسالة إلى الجماعة المسيحية في العراق التي تنتظر زيارة البابا فرنسيس بفرح وقال أعتقد أنّكم أيها الأصدقاء والأخوة المسيحيون الكاثوليك الأعزاء في العراق، كلدان وأرمن ولاتين، عليكم أن تستعدوا بفرح كبير، لأن هذه الزيارة ستكون نوعًا من الشهادة، التي سيمنحكم إياها البابا، لكونكم شعب أمين للمسيح حتى في أكبر الصعوبات والاضطهادات.

من يسأل عن لغة مقدسة؟

حبيب أفرام - رئيس الرابطة السريانية، أمين عام اللقاء المشرقي 

21 شباط اليوم العالمي للغة الأم

وأنت في زمن الوباء، تكاد كل القضايا تسقط أمام الموت الكاسح والسباق نحو اللقاح، وأمام إنهيار مخيف في الاقتصاد والأعمال، وأمام تغيير جوهري في نمط الحياة واولوياتها. حتى السياسات الوطنية والسيادات والحكومات صارت ثانوية، فكيف تتذكر بأن هذا اليوم ومنذ 1999 مكرس من الأمم المتحدة عبر الاونيسكو بأن يكون يومًا عالميًا للغة الأم.

أن تختفي لغة ويغيب تراث وفكر عن وجه الأرض ليس خبرًا (حوالي 27000 لغة مهددة بالإدثار) أصلاص يضج الإعلام يوميًا بالمجازر والحروب والاشتباكات والانفجارات، ولا من يهتم أو يكترث. الضحايا أرقام.

وهكذا، تبقى السريانية أو تندثر مسألة ليست على بال أحد، إلا الذين فيهم مسّ من عشقها، إنها لغة مقدسة تكلم بها السيد المسيح، وهي لغة حضارة وثقافة في هذا الشرق، وليست لغة مذهب أو دين أو كنيسة فقط، وهي هوية وانتماء. تعمقوا في اسماء المدن والقرى والانهر واللغة المحكية.

من يجرؤ أن يكرسها لغة وطنية؟ أن يحميها؟ لا لبنان الذي يدعي نظامه التنوع والتعدد، ولا سوريا ولا العراق، تعلنها متجاوزة الفكر الاحادي الالغائي. إنها مسؤوليتنا كلنا، انظمة احزابا كنائس مؤسسات، اذا كان التاريخ قد ظلمنا إبادات وسيوفًا، واذا كان انتشارنا واقعًا مؤلمًا، فعلى الأقل نجهد للحفاظ على لوننا وسرنا وجزء من ثروة تاريخنا.

وإلى كل ملافتنا الذين يحملون اللغة أمانة وندرًا تحية محبة ووفاء.

المطران يوسف توما، يكتب: ما خفي في الصوم الكبير

المطران يوسف توما

في هذا الأسبوع يدخل المسيحيون في مسيرة الصوم الكبير. وتتأرجح مدّته بين 40 و50 يومًا، فالمهم أن يتوزّع على سبعة أسابيع، يطرح منها أيام الآحاد "لا يصومون فيها لأن العريس معهم" (متى 9: 15)، وينتهي "سابوع الصوم" بالأسبوع المقدس، أسبوع الاستعداد لعيد القيامة. 

المهمّ أن هذه الفترة تستمل على الرقم 40، نصوم تشبهًا بالمسيح قبل بدء رسالته العلنية، لذا سمي أيضا: الصوم الأربعيني. ونظرا لقدم الكنيسة تراكمت المعاني والرموز وجاء كل جيل ليضيف خبرته وقراءته، لكن ما يجمع الكل هو الوصول والاستعداد للثلاثية الفصحيّة: آلام وموت وقيامة يسوع المسيح.

إنه إذن "صوم كبير"، كبير لكونه مسار يحمل الضوء لينير حياة الكنيسة كلها ويشتمل على عناصر ثلاثة أساسية: الصلاة والتوبة والاقتسام. وهذه العناصر تخفي شيئا مهما لذا تتطلب شرحًا.

إنها قبل كل شيء خبرة فردية (أي تجربة)، على كل جيل أن يجرّبها، التجربة مهمة ومعروضة في الصوم الكبير وهي أكبر وأجمل مما يعتقد المرء في الظاهر. 

أي إنها تتطلب إعطاء وقت أكثر للصلاة والاقتسام مع الآخرين، واختبار معاني "التخلي" عن أشكال الإدمان والرفاهية بالصيام وبالتوبة (تغيير العادات) والتكفير عن الذنوب، وهذا قد يؤدي عند بعضهم إلى الوقوع إما في الحزن أو في التقوى الكاذبة الفريسيّة.

منذ بداية إنجيل متى، يتطرق يسوع إلى الصيام، والغريب أنه يدعو من يصوم إلى الابتسامة ووضع العطر، كي لا يشتم أحد حزنه، ولا يظهر وجهًا غاضبًا وعابسًا، بل على العكس أن يعمل دعاية مضادّة فيثير إعجاب الناس، كما لو فاز بجائزة، إنها جهود ومظاهر الحياة الروحية الإيجابية! 

فالمسيح يستنكر ما يفعله النفاق الاجتماعي لدينا وفينا عندما يهدّد ما نفعل خصوصا أمام الناس وفي الأماكن العامة كالصلاة وممارسة الصيام المفضوح بالطبل والزمارة وكذلك إعطاء الصدقة أمام الجميع "كي يراك الناس". الصوم والصلاة والاقتسام بالنسبة إلى المسيح هي أولا دخول في مثل حوار للمسيح مع الله الآب.

غاية الصوم إذن هي الغوص في أعماق الروح، حيث يكون حضور الله "في الخفية" بلا ضجيج ولا حدود. فيتمكن المؤمن أن يصير "حاجًا إلى قلبه"، وينتقل من السطحية العادية التافهة إلى نبع كيانه. 

وفي زمن جائحة كورونا هذا الذي قلل السفر، لم يعد لدى المؤمن سوى أن "يختبر" هذه الرحلة العظيمة نحو الله الحاضر في روحه. وقد أسماها المعلم إيكارت (+1328) "قاع الروح الذي بلا قاع". أي عندما ينزل إلى أعماق الروح، لن يصطدم المؤمن بالجدار، بل سيكتشف النبع الحي للنعمة التي حصل عليه يوم عماذه وبقي النبع هناك بلا استكشاف.

كما أن الصلاة أكثر بكثير من مجرد طلب أو "تلاوة قليلة"، فهي تظل أسمى وأهم وأروع عمل إنساني. يمكن أن تكون الصلاة قصيرة، لكنها ليست صغيرة. "الصلاة الملفلفة" تبقى معاملة مؤسفة مع هدفها. المسيح الابن الذي صار إنسانًا، يصلي إلى أبيه ويدعوه "أبّا"، وتعني "بابا" بلغته الأم، الآرامية. 

لم يخاطب أي مؤمن من العهد القديم الله بهذه العبارة قط. أما يسوع فيتحاور مع أبيه بثقة وحنان. لذا فالصلاة لا تعني "تلاوة"، بل أن ندع الروح القدس يصلي فينا "أيها الآب، يا بابا!". "نحن لا نصلي، بل هو يصلي فينا"، هذا ما كان المعلم إيكارت يقوله معتمدًا على القديس بولس (في روم 8، 15؛ وغلاطية 4، 6).

القديس سيرافيم ساروف (+1883)، وهو من أشهر القديسين الروس، كان معاصرًا لكارل ماركس وتوفي في نفس السنة 1883)، يشاركنا بخبرته مع الله بشكل مدهش حقًا، فيقول: إن "هدف الصلاة ليس سوى الحصول على الروح القدس"!

هكذا بالنسبة إلى تلميذ المسيح الصلاة، هي صلاة بالروح القدس. به يصل المصلي إلى "حالة الصلاة" وليس بكلماتها. لذا بدل أن تكون الصلاة جهدًا وعملا، ستصبح حالة اتحاد مع الله. وأولئك الذين يحبّون الله المحبّ، سيحبّونه طول الوقت، حتى دون تفكير في ذلك.

بالروح القدس إذن يلتفت المؤمن إلى الآب، وكل وقت مناسب للارتفاع إلى الله، كما نقول في القداس الكلداني: "ارفعوا أفكاركم إلى العلى، إليك يا إله إبراهيم واسحق ويعقوب، أيها الملك المجيد". 

إنها صلاة ترتبط بالصوم والتكفير عن الذنب وهما: دخول في جهاد المسيح يسوع ضد الشر والشرير. لكن لا يمكن اختزال قطاعة الصوم الكبير بمجرد تكفير وسيطرة على الغرائز والميول والادمانات، أو لإحياء ذكرى عادية لصوم مارسه يسوع في البرية مدة أربعين يومًا في بداية حياته العلنية. إنما صوم الرب هو تواضع ابن الله الذي تجسّد وصار إنسانًا ليخلص البشر، ويواجه الشيطان.

أما عمليًا فعندما تطلب الكنيسة صيام أول يوم من الصوم والجمعة العظيمة، وفي باقي الوقت، تترك الخيار لكل مسيحي لما يراه مناسبا أن يتخلى عما يعجبه ويتنازل ويكفر عن ذنوبه بشكل يتلاءم مع سنّه وحالته وصحته. لكن عموما بالنسبة للإيمان المسيحي إن الصوم والتكفير عن الذنب، مثل الصلاة والاقتسام، يعيشها المسيح مع المؤمن وفيه. 

وهذه خطوات أكبر وأجمل مما تبدو في الظاهر. فالأمر يتعلق بمفهوم نعمة الله العاملة في الإنسان. أما الكبرياء والرياء فهما قطبان بعيدان عن سر الصوم الكبير، حيث تقود خبرة الله إلى التواضع والشكر. لنقرأ مرّة أخرى مَثَلَ "صلاة العشار والفريسي" (لوقا 18: 9 وما بعدها)، حيث كشف يسوع بوضوح دامغ الانحرافات الروحية لدى الإنسان "المتديّن" الذي يمدح ويمجّد نفسه ولا يبحث عن رحمة الله التي يعلنها أشعيا النبي: "كل أعمالنا أنت فعلتها لنا" (26، 12). الأعجب في يسوع أنه يقول يمكن للصلاة والصوم والاقتسام أن تصبح مناسبة لخطيئة الكبرياء واحتقار الآخرين!

الاقتسام: دخول في فصح المسيح يسوع

لقد أصابت جائحة كورونا الملايين من الناس وقتلت عددا لا يستهان به منهم، لكن الجوع لا يزال يقتل المزيد. فالذين يموتون من سوء التغذية ونقص الطعام من البالغين والأطفال من نقص الحليب وسوء التغذية كل عام هم أكثر بكثير من ضحايا كورونا. 

لذا المؤمن الحقيقي يدعى – في زمن الصوم خصوصا - إلى اقتسام ما لديه مع المحتاجين والفقراء. وهذا عمل تضامن ومحبة، يرتبط بالمشاركة في محبة الله الثالوث، كمشاركة الأقانيم الإلهية، حيث الآب والابن والروح القدس إله واحد بالمحبة.

الصلاة والصوم والاقتسام إذن ثلاثة عندنا كالمرآة تعكس ثالوث الله، عليها أن تكون مترابطة يقوّي أحدها الآخر. صلاة تؤدي إلى توبة ومشاركة. وزكاة (أو صدقة) تنقي القلب وتنشط الصلاة وضرورة التكفير عن الذنب.

ولد الصوم الكبير وترعرع لدى المسيحيين الأولين، بسبب حاجتهم إلى وقت لتحضير معموذيتهم كموعوظين سيولدون من جديد ليلة عيد القيامة من الماء والروح القدس، فاستقر الصوم الكبير في البيوت والعائلات كزمان تجديد في علاقاتها وعقلياتها وغسل النفس البشرية: "توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات" (متى 3: 2).

إن التوبة (أو التحوّل) تعني "الالتفاف" حول الصخرة التي سنصطدم بها لو استمرّينا في طريقنا المعتاد، هكذا هو الابتعاد عن الشر واللجوء إلى الله. وبذلك سيختبر من يطلب الرب فرح الله في أعماق قلبه.

هكذا يعزز الصوم الكبير التقدّم في المعرفة ويقرّب من حقيقة الله. وفوق كل شيء، يحمل الصوم بشارة دعوة لكل إنسان إلى المشاركة في حياة الله من خلال المسيح المنتصر على الموت، فيؤول كل ذلك للاحتفال بعيد قيامة المسيح المنتصر على الموت، الذي سيجعل كل يوم أحد، فصحًا أمام صليب مزهِر في فرحة من يقولون بلا كلل: "قام المسيح، حقا صحيح".

لبنان.. الرسالة والرسول

محمد السماك - جريدة اللواء اللبنانية

عندما يتجرّد لبنان من رسالته، ماذا يبقى له ؟ وماذا يبقى منه ؟، بل ولماذا يبقى في الأساس؟

أخذ العالم «لبنان الرسالة» مأخذاً جدياً، خاصة بعد ان رفع هذا الشعار عن إيمان وثقة وحسن نيّة، البابا الراحل يوحنا بولس الثاني. فكانت هذه الرسالة بوابة الخروج من الحرب الدخلية (أو الحرب في الداخل). وكانت بوابة الدخول في السلم الأهلي فك الارتباط بالخارج، وكانت بالتالي القاعدة والأساس للوجود والاستمرار.

أما الرسالة في حدّ ذاتها فهي الحرية والعيش المشترك، واحترام التعدد الديني والمذهبي والعنصري. وهي أيضاً احترام كرامة الإنسان المواطن وحقوق الجماعات التي تشكل في مجموعها أسرة هذا الوطن.

ولكن عندما تتهاوى هذه القيم وتتساقط، وعندما يتولى إسقاطها المفترض بهم أن يكونوا المؤتَمنين عليها، ماذا يبقى من الرسالة؟ وماذا يبقى من لبنان؟

من دون هذه القيم الانسانية يتحوّل لبنان من رصيد أخلاقي معنوي يرعاه ويحميه ويدافع عنه الجميع، الى عبء مرَضي انحلالي يتخلى عنه الجميع. 

لا يعني التخلي هنا تخلٍّ عن الرسالة، بل يعني سحب الثقة من الرسول الذي خسر صدقيته عندما أثبت انه ليس في مستوى الرسالة المؤتَمن عليها. ولعله أثبت ايضاً انه لم يكن في الأساس مؤمناً بهذه الرسالة، وان تعامله معها كان تعاملاً استغلالياً ولم يكن تعاملاً أخلاقياً ورسولياً.

تشهد مواقف لبنان في السنوات الأخيرة انه في سلوكه الداخلي والخارجي على حدّ سواء، كان يتصرّف بشكل تشويهي لهذه الرسالة في الشكل والمضمون حتى بدا وكأنه على نقيض منها.

على المستوى الداخلي، كانت ثلاثة أحزاب سياسية كبيرة تعرضت للطعن في صدقيتها الوطنية على خلفية شعارات رفعتها تتجاوز الحدود السيادية للبنان، وهذه الأحزاب هي:

الحزب القومي الاجتماعي الذي يدعو الى سوريا الكبرى، وحزب البعث الذي يرفع شعار «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»، وحزب القوميين العرب الذي يقول « أمة واحدة من المحيط الى الخليج».

من حيث الشكل حُرمت هذه الأحزاب من الترخيص الرسمي وتالياً من العمل السياسي الرسمي. ولكنها بالإستقواء بالخارج لم تشارك في الحكم فقط، بل أن بعضها كان هو الحُكم.

ويتكرر ذلك الآن أيضاً. فحزب الله الذي يؤمن بولاية الفقيه ويستقوي بدولة ولاية الفقيه، يواجه علامة استفهام كبيرة هي : كيف يمكن لدولة يتألف مجتمعها من 18 طائفة دينية اسلامية ومسيحية، وتعتبر لبنان وطناً نهائياً لها، أن تتماهى أو أن تتعايش مع مشروع أو مع شعار ولاية الفقيه؟

تعني هذه النظرية ان الولاية للفقيه. اي انه هو وليّ الأمر، وان الأمر له؛ ثم انه لا يتمتع بالحصانة فقط، ولكنه يتمتع بالعصمة أيضاً. من هنا: كيف يمكن للمؤمنين بهذه النظرية من اللبنانيين حصراً أن يتماهوا في الوقت ذاته مع «لبنان الرسالة»؟

لست هنا بصدد مناقشة هذه النظرية في الحكم الديني، فذلك موضوع آخر. ولكنني أتساءل فقط عن العلاقة الجدلية بين الترجمة العملية لإنعكاسات الإيمان بها، على الأسس والقواعد التي تقوم عليها نظرية لبنان الرسالة ؛ هل يمكن الجمع بين الإيمان بالنظريتين : ولاية الفقيه ولبنان الرسالة؟. 

وكيف يمكن الجمع بين العيش المشترك بحرية وكرامة مع الآخر المختلف في وطن واحد متعدد الاعتقادات، وولاية الفقيه التي تجعل من المرجع الديني ناطقاً وحيداً بإسم الله والوطن؟

ثم ان الحزب الذي يرفع لواء ولاية الفقيه، ليس مجرد شريك في السلطة. انه يصنع الرؤساء. وهو يتمتع بكتلة نيابية كبيرة، ومع الحلفاء تصبح الكثلة الأكبر في مجلس النواب، مصدر التشريع.

وهكذا يبدو لبنان واقعياً في واد، والرسالة في وادٍ آخر.

تتراكم فوق لبنان الغارق في هذا الوادي السحيق وقائع سلبية عديدة أخرى معظمها من صنع يديه. فلبنان لم يعد جامعة الشرق ولا مستشفى العرب. ان جامعات ومستشفيات أميركية وفرنسية كبرى استحدثت فروعاً لها في دول مجلس التعاون الخليجي.

ولم يعد لبنان ملهى العرب ومصيفهم. ان دبي بما يتمتع به حاكمها الشيخ محمد بن راشد من رؤى ومن جرأة في تحويل الرؤى الى وقائع ومؤسسات تجاوزت لبنان حتى في سياحة التزلج على الثلج.

وها إن ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان يحقق قفزات تطويرية عبر سلسلة من المشاريع التي تؤهل المملكة السعودية لتصبح اضافة الى انها كعبة للحج والعمرة، كعبة للسياحة الثقافية والترفيهية معاً..

وبين التهديم الذاتي الذي يشهده لبنان والإنماء العام الذي تشهده دول مجلس التعاون، لم يعد مستغرباً أن يبادر أصحاب العقارات في المصايف اللبنانية من الأخوة الخليجيين الى التخلي عنها –أو التخلص منها- وبأبخس الأسعار!!

ثم لماذا يحتفظون بها إذا كانت سلامتهم الشخصية لم تعد مضمونة!!

ليس صحيحاً الإدعاء بأن اسرائيل ستكون البديل عن لبنان. التجربة المصرية تؤكد ذلك. الصحيح ان أهلنا العرب الذين فقدوا الأمل فينا يصنعون البديل في دولهم ويحولون الصحاري الى واحات خضراء. 

فمشروع تشجير مدينة الرياض مثلاً سوف يؤدي الى تخفيض الحرارة بنسبة اربع درجات!!

يترافق مشروع التشجير في عاصمة المملكة العربية السعودية مع تصحير متمادٍ في لبنان نتيجة حرائق الصيف (؟) التي تأكل الأخضر واليابس، والتي يشعل نارها الإهمال.

مع ذلك يمكن معالجة التصحير بمشاريع تنموية تحفظ ثروة لبنان المائية وتشجيع على التشجير. غير ان التصحير الفكري والقيمي والأخلاقي الذي يتجسد في واقع الفساد السياسي والاداري، يبدو انه يستعصي –حتى الآن على الأقل- على المعالجة.

لقد رحّب العالم بإعجاب، وتقدير أولاً، بإعلان أبو ظبي عاصمة للتسامح العالمي، ثم عاصمة للأخوّة الانسانية، وبتوقيع البابا فرنسيس والإمام الشيخ أحمد الطيب. 

جرى ذلك في الوقت الذي يحتدم فيه الصراع في لبنان حول حقوق هذه الطائفة أو تلك، وحول قوة هذا الرئيس أو ذاك. مع ان القوة في مكان آخر. انها في الرسالة الضائعة.

ومع هذا الواقع التدميري للذات، تصبح الرسالة بلا رسول الى أن تقع معجزة التغيير.. فالله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.

6 سنوات على استشهاد الأقباط الـ21 في ليبيا: أيقونة شهادة لعالمنا المعاصر

الأنبا هاني باخوم 

النائب البطريركي لشؤون الأبرشية البطريركية للأقباط الكاثوليك

ورئيس اللجنة الأسقفية للإعلام التابعة لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك بمصر.

 

بعد مرور ستة سنوات وما زالت هذه الذكرى تتخطى كل طائفة وديانة وجنسية. هولاء الشهداء أصبحوا أيقونة شهادة لعالمنا المعاصر، لكل شخص يؤمن ولإيمانه يعطي كل ما لديه حتى حياته ومستقبله. 

لأنه يؤمن والإيمان حياة أعمق وأكبر من الحياة بذاتها. نعم يبقى الإيمان حياة تفوق حياة. هذا ما أعلنه هولاء الشهداء، بموتهم أعلنوا حياة أعمق من حياة كثيرين احياء.

أتذكر شخصيًا مقابلتي لعائلتهم وأبنائهم عام 2016، وكم من منهم استقيت أمل ورجاء، ومعنى حتى للألم. واليوم قداسة البابا فرنسيس في رسالة فيديو يؤكد "إنهم قديسينا، قديسو جميع المسيحيين".

يؤكد قداسته: هؤلاء الرجال المسيحيين والمعمدين بالماء والروح القدس قد تعمدوا في ذلك اليوم أيضا بالدم. إنهم قدسيينا، قدِّيسو جميع المسيحين، وقدّيسو جميع الطوائف والتقاليد المسيحية. 

إنهم الذين بيَّضوا حياتهم بدماء الحمل، إنّهم شعب الله، شعب الله الأمين. رجالٌ عادين، أرباب عائلة، رجال يرغبون تربية ابنائهم، رجال بكرامة العمال، لا يسعون فقط لكي يحملوا الخبز إلى بيوتهم وإنما ليحملوه إلى البيت بكرامة العمل. هؤلاء الرجال قد قدّموا شهادة ليسوع المسيح. ذبحوا بوحشيّة.

هولاء امتزجت دمائهم بدماء البحر، ليبقى للأبد، بقاء البحر. مازال هذا البحر يلامس العديد والعديد من البلاد، ويعلن كل مرة: هناك من يعطي حياته ثمنا لايمانه، نعم هناك من يعطي دمائه ثمنًا لإيمانه.

هذه الذكرى، بكل ألم نتذكرها، ولكنها تصبح لنا اليوم نافذة رجاء، مصدرًا للشجاعة، سببًا للتضامن لكي لا يبقى بعد إرهاب، لكي تصبح البشرية كلها (أخوة). وهذه الأخوة قادرة أن تمسح كل تطرف، وتمحي كل تعصب، وتروي كل اعمال المحبة والتعاون والسلام.

وباسم اللجنة الأسقفية للإعلام، نتقدم لأهالي وأبناء وأحباء هؤلاء الشهداء بكل الحب والامتنان لتقدمتهم الكبيرة الذين مازلوا يتقدموا بها: دموعهم، آلامهم، حنينهم. ومعهم نرجوا في القيامة والحياة الأبدية.

الشخص الإيجابي في حياتنا.. هل بات مطلبًا ملحًا في كورونا؟

مجد جابر - جريدة الغد الأردنية

في كل مرة تشعر فيها إيناس علاء بحالة من الضيق والكآبة ومتاعب حياتية لا تنفك أن تفارقها، تختار الذهاب لإحدى صديقاتها التي تبث فيها طاقة إيجابية وراحة نفسية لا تجدها إلا لديها، فهي إيجابية، متفائلة، تملك الرضا، ترى الأشياء بمنظور آخر، ذلك كله رغم أي ظرف قد تمر به، وهو ما يجعلها ملاذا لها تجد عندها راحتها في كل مرة.

تقول إيناس “في بداية الأمر اعتقدت أن صديقتي تعيش حياة خالية من المتاعب والمشاكل والعقبات، فهي دائما إيجابية ومبتسمة، لا تشكو من شيء، ولا تتذمر، متفائلة دائما وأبدا”، ما جعلها تتقرب منها أكثر لحاجتها لهذا النوع من الأشخاص في حياتها، تحديدا مع مصاعب يومية لا تتوقف.

وتبين إيناس أنها حينما اقتربت منها أكثر، اكتشفت أن صديقتها تعيش حياة كأي إنسان آخر، يمر عليها لحظات متعبة، وتختبر مواقف مزعجة، ولديها مصاعب ربما أكثر من غيرها، لكنها اختارت أن تأخذ الأمور بطريقة إيجابية وتعيش اللحظة بعيدا عن الإفراط بالتفكير، وكل ما يؤثر سلبا عليها، أو تحميل الأمور أكثر من حجمها، ففي نهاية المطاف سيأتي الفرج.

إيناس تعترف أنها تعلمت من صديقتها الكثير من الأمور؛ أولها عدم إعطاء المشاكل أكبر من حجمها وأن تجد طرقا جديدة في الحياة تبث في نفسها التفاؤل، والابتعاد عمن يستنزفون الوقت بالشكوى والخوف والقلق، واستباق الأحداث السيئة.

تقول إنه من المهم جداً أن يكون في حياة كل إنسان شخص مثل صديقاتها يضيف لها طاقة إيجابية ويعلمها أمورا تبعث في حياتها الرضا والتفاؤل مهما كانت الظروف المحيطة صعبة.

ولعل هناك نوعا من الأشخاص الذين يعرفهم الشخص في حياته، يكونون إيجابيين راضين بظروف الحياة كافة حلوها ومرها قليلي الشكوى، لدرجة قد يعتقد الشخص أن حياتهم خالية من أي نوع من المشاكل، إلا أنه في الحقيقة هم أشخاص اختاروا الهدوء والرضا والبحث عن السعادة بكل شيء، وإحاطة أنفسهم بنوع من الطاقة الإيجابية من دون اللجوء الى الشكوى الدائمة، فكل إنسان لديه ما يكفيه. 

ومع جائحة كورونا وصعوبة تفاصيلها وتغييرها لكل مجرى الحياة الطبيعية، يحتاج الإنسان لمن يبث الأمل في قلبه وروحه، والتخفيف من همومه، ومساعدته على الاستمرار رغم كل شيء، خصوصا وأن نسبة من يبثون الطاقة السلبية زادت كثيرا في الآونة الأخيرة، وأصبح وجود أناس إيجابيين ليس بالأمر السهل.

وفي ذلك، يذهب الاختصاصي النفسي والتربوي الدكتور موسى مطارنة، الى أن الأشخاص الإيجابيين الموجودين هم من لديهم القدرة على التوازن النفسي والتفاعل رغم كل ظروف الحياة المتغيرة بطبيعتها.

ويشير الى أن الإنسان الإيجابي المرن هو الذي دائما يحول الحزن لفرح والأوقات العصيبة لأوقات سعيدة ومبهجة، ولديه القدرة على التكيف والمرونة في تبسيط الصعاب واقتباس المعاني الإيجابية من أي زاوية، مبينا أنهم أشخاص مفيدون في المجتمع وقادرون على صنع الابتسامة في أي مكان، وعلى نشر المودة والمحبة بغض النظر عن الظروف المحيطة بهم.

ويعتبر أن الجميع يحتاج لهؤلاء الأشخاص، فوجودهم ضروري ومهم في الحياة، لأنهم يؤكدون بطاقاتهم ودافعيتهم أن الحياة مستمرة وفيها محطات كثيرة من الفرح، وهم قادرون على تخفيف آلام الشخص بمنحه حالة من التغيير الإيجابي، وزيادة هرمونات السعادة لديه، وبالتالي تغير مزاجه للأفضل.

لذلك وجودهم دائما مساند، ويحفز مشاعر الأمل والتقدم والإنجاز، وتواجدهم في أي مكان يعطي حالة من التفاؤل والشعور بطاقة المكان الإيجابية، الى جانب أن الفرد يلجأ للتعامل معهم وأخذ رأيهم واستشارتهم كونهم لا يحملون الأمر أكثر من حجمه، ويعطون نكهة إيجابية، وبالتالي التخفيف من حجم المشكلة وإيجاد حلول تنعكس بالراحة عليهم.

وكانت منظمة (Johns Hopkins Medicine) قد أجرت بحثاً حول انعكاس التفكير الإيجابي على صحة القلب، وقد كانت النتيجة لصالح الأشخاص الذين يتميزون بموقف إيجابي من الحياة.

وتم تقييم هذا الموقف من خلال أدوات تقييم الرضا عن الحياة، أدوات تقييم القلق، أدوات تقييم البهجة. وأشارت نتيجة البحث إلى أن الأشخاص الإيجابيين الذين يمتلكون تاريخاً عائلياً من أمراض القلب أقل عرضة للإصابة بمشاكل قلبية من أولئك الذين يمتلكون تاريخاً عائلياً إلى جانب تفكير سلبي أو موقف سلبي من الحياة.

وعلى الرغم من الرابط الغامض بين الإيجابية والصحة -كما تشير الدراسة- إلا أنه من الواضح وجود صلة قوية بين التفكير الإيجابي والصحة الجيدة. كما يبدو أن التفكير الإيجابي يساعد الناس على اتخاذ قرارات أفضل والتركيز على الأهداف طويلة الأمد. 

يزداد الاهتمام العلمي بالرابط بين التفاؤل والصحة، فهناك العديد من الدراسات التي تشير إلى احتمال وجود هذا الرابط وتأثيره الكبير على صحة الإنسان.

كما يرتبط التفكير الإيجابي أو التفكير المتفائل “ارتباطاً إيجابياً” باحترام الذات والرضا عن الحياة، فضلاً عن كون التفكير الإيجابي إجراء وقائيا وعلاجيا بمواجهة الاكتئاب والقلق. 

فالأشخاص الذين يتمتعون بملَكة التفكير الإيجابي يستطيعون التعامل مع الخيبات أو الصدمات بطريقة أفضل، هذا طبعاً إن لم يتخطوا عتبة التفكير الإيجابي إلى الانفصال عن الواقع!

عيد العشاق: حبّ عن "بُعد" أو حبّ "افتراضي"؟!

الأب د. نجيب بعقليني، أخصائي في راعوية الزواج والعائلة

تعثّر الحياة

يتخبط العالم بأسره بشتى أنواع العراقيل والصعوبات، بسبب تفشي وباء كورونا "كوفيد-19"، ممّا أفقد المجتمع حالة الاستقرار والامان. هذا التخبّط أثّر سلبًا على الحياة العائلية والزوجيّة، كما عيش حالة العشق والغرام، وحرم البعض من التعبير عن تلك الحالة بطريقة تقليدية واعتيادية (كالعناق واللمس وغيرها)، بسبب التباعد الاجتماعي والجسدي معًا.

لسنا بحاجة إلى سرد وتوصيف مرارة الواقع الأليم، الذي طرأ على العلاقات الانسانية وبدّل نمط الحياة الإجتماعية والعائلية والزوجية، مما زاد من حالات التوتر الشديد وانعكس بشكل مزعج على نوع ومسيرة الحياة الزوجية، فتفاقمت الازمات والحالات النفسيّة المعقدة والمضطربة، ولونها بالاشمئزاز والاحباط والابتعاد عن مفاتيح وينابيع الحياة، وبخاصةٍّ المبادئ والقيم والمفاهيم الصحيحة للحب والعشق.

احتفال بفرح الحبّ

إنّ الاحتفال بعيد العشّاق هو احتفال بنجاح عيد الحبّ واستمراريته، كما باعادة تقويم وتقييم دائمين. من هنا لا بدّ للشركاءعامة وللمحبّين خاصةٍ، النظر نحو العلى حيث الآفاق مفتوحة والأبواب مشرّعة نحو "الأفضل" و"الممكن". يدعو عيد العشاق كل محبٍّ، مهما بلغ عمره او فترة ارتباطه بالحبيب، الى ان يكون ويبقى "إيجابيًا" ومناضلًا من أجل تحقيق بعض الاهداف الايجابية نحو عيش فرح الحبّ وتحقيقه.

بالتأكيد عيش فرح الحبّ وتحقيقه، بالرغم من كلّ شيء، ليس عملية حسابية او ارتجالية او اعتباطية، بل هو عملٌ جادٌ ورصين، مكلّلٌ بالمنطق والقلب معاً. ألا نؤمن بأن وجود الانسان بسبب الحبّ وان يكون في الحبّ، اي في ذات الله، الذي فاضت محبته فقام بفعل الخلق، واعطى المحبين نعمة وقدرة الخلق والابداع؟

خُلق الانسان من الحبّ ومن أجله. فالحبّ لقاء الروح بالروح والقلب بالقلب، والجسد بالجَّسد، وهذا يسهم في المشاركة معاً في وليمة الحياة. الحبّ يُحي الانسان، من دونه الحياة موت بطيء. 

الحبّ يخرج الانسان من الظلمة والتقوقع والأنانية والخوف والغربة، ويساعده في معرفة ذاته بعمق، لاسيما في معرفة الآخر. ألا يسهم الحبّ في ايجاد مخارج للصعوبات والتعقيدات التي هي من تركيبة الحياة المشتركة؟ 

ألا يهب الحبّ الناضج والواعي والمسؤول حالة من الفرح والامان والاستقرار والتوازن؟ ألا يعزّز الثقة بالنفس وبالآخر؟

بالتأكيد من أجل الوصول الى حالة الفرح و"السعادة المعقولة "ضمن الحياة الزوجية، لا بدّ من معرفة وإدراك ماهية الحبّ والزواج والعائلة، متّكلين على الوعي والنضج والعاطفة والانجذاب والغرام وغيرها من العوامل الأساسية والجوهرية لنجاح مسيرة الشراكة المتعافية. 

من هنا لا بدّ من وضع حدٍ للوهم والخيال والافكار المسبقة والمعتقدات الخاطئة، بل التركيز على الحكمة والقدرة العملية والعقلية والمنطق والواقع. يُطلَب من المحبّين التحلّي بقوة "التمييز" التي تحدد الاولويات كما تحدّ من النزاعات. 

ألا يتوجب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، من الشابة والشاب، معرفة التمييز بين حالات الغرام والاعجاب والانجذاب وبين الحبّ؟ هل يميّز شبابنا وشاباتنا بين الحبّ الرومانسي والحبّ التملكي؟ وبين الحب الرزين والحبّ الوهمي؟

حب يتجدّد ولو عن بعد

نعم للحبّ، نعم للمشاركة والتفاعل الايجابي بين الحبيب والحبيبة. هذه الامور تتطلب التفاهم والثقة والصبر والاتّصال الجيد والحنان والاحساس والعاطفة والارادة القوية والنوايا الحسنة. 

نعم، بالرغم من كل شيء، ينشد الانسان الفرح والراحة والطمأنينة والسلام والنمو، اي السعادة " الممكنة" و"المعقولة".

أظهر تفشي وباء "كورونا" تصدعًا لمفهوم الحبّ داخل الزواج، مما تسبب في ارتفاع وبروز حالات العنف الاسري، ومن أبرز الأسباب، ان الشركاء لم يفقهوا مسبقًا ماهية الحب ومتطلباته. 

ألم نلاحظ أيضاً تلك النزعة القوية الى احتضان العائلة، لافرادها، من خلال اكتشاف مزاياهم الجميلة وقدراتهم ومواهبهم المتعددة، وخوفهم من فقدان أحبائهم. 

بالرغم من كلّ ما جرى ويجري. سيعود الناس قريبًا ومن جديد الى اللقاءات الفعليّة لاسيّما العشاق منهم، على امل ان تكون تلك المرحلة، التي جعلت بعض الاشياء والمواضيع والحالات "افتراضية" وعن "بعد"، درسًا يفهمنا قيمة الحياة المجبولة والمغمّسة بالحبّ الواعي والناضج.

بالرغم من كلّ شيء يبقى الحبّ الجّامع والدّاعم  والركن الاساسيّ لاستمرارية الحياة. الحبّ لا يحتاج الى عيد، لانه حالة يعايشها المحبون على مدى ساعات العمر. 

نعم، عيد العشاق هو عيد تجديد العهد والوعد بين الشريكين. إننا نرجو للحب ان يبقى مشعّاً كالقمر، وان كان "قصيًا". لا نريده حبًا وهميًا وسرابيًا، إنما ساطعًا بنوره الحالم. فالحب لا نتوخاه "لحظة فرحٍ" مسروقة من كوكبنا، انما نفضّله تواصلًا واستمرارية.

نعم الحب مستقبليّ، يطمح أبدًا الى الخلود.

البطريرك ساكو يكتب: العلاقة بين الله والإنسان

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

إيماننا المسيحي ينبغي أن يكون واضحًا ومفهومًا وواعيًا لنلتزم به، وليس مجرد  معلومات نُلَقَّن إياها سطحيًّا في التعليم المسيحي ثم لا تعنينا كثيرًا. من هذا المنطلق أود ببساطة أن أوضح باختصار هذه المفاهيم الأساسية لمسيحيّتنا.

العلاقة بين الله والانسان

علاقة بُنيوية جوهرية وديناميكية وفقًا للديانات السماوية، وحتى في الديانات القديمة كالسومرية والبابلية (ملحمة التكوين السومرية البابلية اينوما أليش) والمصرية مع بعض توصيفات حسيّة وخيالية متباينة. 

إنها علاقة وجودٍ مصيرية متلازمة بين الله الخالق- علة الوجود والإنسان المخلوق. الله أزلي- أبدي، والإنسان زمني "معدودة أيامه"، لكن الله منحه إمكانية الأبدية، إنْ سلك بحسب مشيئته. الأبدية مستوى آخر من الوجود، نسميه الخلاص. ولهذه العلاقة بين الله والانسان أهمية كبرى في المسيحية واليهودية والإسلام، لأن مستقبل الأنسان مرتبط بالله.

الإنسان على صورة الله

يقول سفر التكوين: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ ومثاله. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَه" (1/26-27). لا يقصد الكتاب المقدس هنا الصورة الخارجية، أي الشكل المنظور لأن الله روح، وإنما تُشير "الصورة" إلى الطاقة الفكرية (العقل) والروحية من إرادة وحكمة وحُبّ وجمال وخير وبرّ، والقدرة على التواصل مع الآخرين والإبداع. يقول الكتاب المقدس ايضًا: "ونفخ الله في أنفه نسمةَ حياةٍ فصار الإنسان نفسًا حيًّة" (تكوين 2/7). 

هذا يعني أنّ الله الخالق والمحبة وَهَبَهُ امتيازًا ومسؤوليةً وفوّضه لإدراة الكون، مثلما فعل المسيح مع التلاميذ عندما نفخ فيهم الروح القدس (يوحنا 20/22) ليُفوِّضَهم مسؤولية التبشير بالإنجيل.

الإنسان على صورة الله، أي أعطاه بُعدًا إلهيًا، لكنه ليس مساويًا له في الطبيعة والجوهر، أي في المستوى الانتولوجي، لأنّ الله والإنسان مستويان من الوجود مختلفان تمامًا، إنما العلاقة مع الإنسان هي على المستوى الروحي، فالمثال – الشبه هو التحلي بصفات الله.

الثالوث المسيحي: لا يعكّر البتّة إيمان المسيحيين بالله واحد في ثلاثة أقانيم  وحدانية الله في الجوهر. إنهم يختمون دائمًا شهادة إيمانهم بـ"الإله الوحد آمين". 

التمييز بين الأقانيم الثلاثة هو في الوظائف أو كما  يسميها المتكلمون (اللاهوتيون) المسيحيون العرب الصفات الذاتية: أبوة وبنوة وروح قدس. الله محبة هذا هو الوحي المتميز في الإيمان المسيحي. طبيعيٌّ إنّ سر الله لا يمكن للعقل البشري إدراكه تمامًا.

الإلهي على الأرض الإنسان يسوع المسيح

جاء في انجيل يوحنا: "في البَدءِ كانَ الكَلِمَة، والكَلِمَةُ كانَ لَدى الله،… والكَلِمَةُ صارَ بَشَرًا فسَكَنَ بَينَنا، فرأَينا مَجدَه، مَجدًا مِن لَدُنِ الآبِ لابنٍ وَحيد مِلؤُه النِّعمَةُ والحَقّ (1/1 و14). 

أراد الله أن يتواجد بين البشر من خلال يسوع المسيح للاهتمام بهم، وتوجيههم وخلاصهم. وهذا يبيّن مدى محبة الله لهم. ورسم الإنجيل تعليم – طريق يسوع، طريق النور حتى يسلكه البشر فتكون لهم الحياة: "أنا الطريق والحق والحياة" (يوحنا 14/6). 

المسيح هو المثال الرئيسي archetype الواقعي، وليس النظريٌّ لصورة الله، والإنسان كما نقول في القداس الكلداني: "مثال الله والانسان". 

وتشرح موشحات سليمان القرن الرابع شكل هذه العلاقة: "صار شبيهًا بي، لكي استقبلَه. بالشكل صار مثلي، لاتَّشِحَ به، لم أخَفْ لما رأيته، لانه صار لي من يُحبُّني بحنانه" (الأب أفرام سقط موشحات سليمان، دار المشرق، بيروت طبعة 2 2006، ص 105).

مضامين أخلاقيّة وروحيّة

خلق الإنسان ليكون طاهرًا وحرًا وعاقلاً وحكيمًا ومحبًا، وفاعل الخير على صورة الله، أي مختلفًا عن الموجودات الطبيعية الأخرى. عليه أن يخلق تناغم البعدين الروحي والمادي في سلوك  حياةٍ سليم، أي أن يُطابق حياته مع "المشيئة الالهية".

هذا التدّرج الموعود إلى الحياة الأبديّة (الخلود) يتحقق عبر الليتورجيا (الطقوس الدينية)، أي الصلوات والأسرار السبعة لاسيما الافخارستيا. ممارسات واعيّة تُنشيء وتُنمي هذه العلاقة. "أخذ القربان والمشاركة في الأسرار، يوفر لنا القيامة والتنعم بالخلود" (ثيودورس اسقف المصّيصة، العِظات التعليمية، نقلها الى العربيىة وقدّم لها، الخوري بولس الفغالي، دار المشرق بيروت 1989 الموعظة 15/2-3).

باختصار: طريقُ الخلاص هو الاندماج المحب في المسيح: "لأني أحبّ ذلك الابن (المسيح)، صرتُ ابنًا. من إنضمَّ إلى من لا يموت، صار هو أيضًا غيرَ مائتٍ. 

ومن يَسُرُّ بالحياة يُصبح حيًّا" (موشحات  سليمان ص 97). وهذا هو معنى ترتيلنا صباحًا ومساءً: "قدوس الله، قدوس القوي، قدوس اللامائت، ارحمنا". أتمنى لكم حياةً مسيحية مليئة بالفرح.

مهرج نوتردام

سوزان نادي - مسيحيو دوت كوم

نحن صنيعة الله وخليقته لم نوجد فى الأرض عبثاً بل نحن بمشيئته قد خلقنا وبمحبته لنا نفخ فينا نسمة حياة، فكلنا أوانى تحمل روح الله ونسماته.

وكلنا نظهر أذا أرادنا ذلك برغباتنا الكثير من صفاته ومواهبه التى قد آهداها إلينا لكى ما نمجده بها وربما نحيد عن ذلك أيضاً بإرادتنا فنصبح كائنات مشوهه قبيحة.

ومواهب الله لنا كثيرة ومتعدده منها الظاهرة الجسدية والمتعارف عليها لنا جميعا مثل إجاده العزف على أحد الآلات الموسيقية ومنها التمثيل،الغناء والرسم والكثير الكثير.

وثمه أشخاص يشعرون أنهم لا يمتلكون ايا من تلك المواهب ويتسائلون دائما لماذا لم يكن لنا نصيب من تلك المواهب الموزعة فلما لا آجيد العزف والغناء وأبهر الحاضرين او أجيد التمثيل المتميز الذى يخطف معه الأنفاس.

وفى يوم كتب الكاتب أناتول فرانس قصة بعنوان مهرج نوتردام أسردها هنا كما خطها الكاتب بيده

فيحكى فيها عن مهرج فقير يدعى برنابا كان يعيش بفرنسا أيام الملك لويس وكان هذا المهرج يمر بالبلاد ويلعب العابا كثيرة ففى إيام الأسواق يفرش فى الطريق العام سجاده بالية قديمة ويجذب حوله بعض الأطفال ببعض الجمل الخلابة التى قد تعلمها من مهرج آخر.

ولم يكن يعرف سوى هذه الكلمات والحركات البسيطة التى يجتمع بها الأطفال حوله فكان يقذف فى الجو ست كرات نحاسية ويلتقطها بقدميه بينما تكون رأسه ويداه على الأرض وكان بتلك الحركات البهلوانية تتصاعد همسات المعجبين ويلقون بقطع النقود على السجاده.

ومع ذلك كان يشعر برنابا بأنه غير مقدر وكان يلاقى مصاعب كثيرة فى سبيل العيش وكان عمله هذا غير دائم فكان يقاسى البرد والجوع ولأنه كان طيب القلب كان يتحمل كل هذه المعاناة فى صبر وسكون، وكان دائما يفكر فى الحياة الأخرى والأمل فى حياة سعيدة عندما يذهب إلى الملكوت فكان يحى حياة الآمانة ومع أنه لم يكن متزوجا فإنة لم يشته لنفسة أمرآة جارة او طمع فى نوالها لقد كان رجلا طيب يخاف الله ولم يتوقف ابدا عن ذهابة إلى الكنيسة وان يركع إلى صورة والده الاله العذراء مريم  ويوجه إليها هذه الصلاة (سيدتى أحرسى حيائى إلى آن يحلو للرب أن أموت وعندما آموت دعينى آتمتع بمسرات النعيم).

وفى ليله كان برنابا عائدا من عمله محنى الظهر يحمل فى يده كراته النحاسية والعابه فلمح كاهنا يسير فى نفس طريقة فأحنى له رأسه بإحترام واذا كان يسيران معا تبادلا الحديث، وعند سؤال الكاهن له عن ملابسة العجيبة قال له برنابا أنه يشتغل وظيفة المهرج وأنها لتكون أحسن وظيفة فى العالم لو آمكن منها الحصول على طعامه كل يوم، واذ ببرنابا يتحدث مع الكاهن فقال له ياسيدى إننى إنشد مثلكم كل يوم مديح السيده العذراء وأننى على أستعداد أن أهجر هذه الحرفة كى أحيا حياة الكهنة وقد تأثر الكاهن من بساطة المهرج وبالفعل أخذه معه إلى الدير الذى كان يشرف على رئاسته. 

وبالفعل أصبح برنابا راهبا وقد وجد فى هذا الدير إن الرهبان الموجودين كل واحدا  منهم يستعمل فى خدمته كل علم ومهارة وموهبة منحهما الله اياها فمنهم من كان يؤلف كتابا ومنهم من يرسم صورا صغيرة، ومن ينقش تماثيل حجرية بلا آنقطاع حتى ابيضت لحيته وحاجباه ولما رأى برنابا إن لكل راهب طريقته وموهبته لمدح العذراء تحصر وندم على جهله وبساطته وكان يسير حزينا فى حديقة الدير يندب حظة.

فكان يقول فى قلبه واسفاه لكم انا سئ الحظ لا يمكننى مثل اخوتى ان أمدح أم الآله، وفى ليله سمع أحد الرهبان يقص قصه راهب آخر كان لا يعرف صلاة غير السلام لك يامريم وكان بالنسبة للأخرين ساذج وجاهل إلا أنه عندما مات صعدت من فمه خمس زهرات تمجيدا لكل حرف من حروف ماريا وبذلك ظهرت قداسته

فلما سمع برنابا هذه القصة بارك وأعجب مرة آخرى بطيبة العذراء ولكنه كان مازال حزينا لآنه لم يعرف آن يفعل شئ ، وفى صباح آحد الآيام أستيقظ مسرورا وجرى مسرعا إلى الكنيسة ومكث هناك منفردا أكثر من ساعة ولم يرجع الدير إلا بعد إنتهاء زمن تناول الطعام وظل على هذه الحالة أياما كثيرة

وأثار بتلك الطريقة حوله الرهبان فكانوا يتساءلون عن ماذا كان يفعل برنابا طيلة هذه المده فى الكنيسة، وفى يوم اذا كان برنابا منفردا فى الكنيسة حضر الأب بصحبة راهبين من أكبر الرهبان سنا، وأخذوا يراقبون من شقوق الباب ما كان يحدث داخل الكنيسة واذ فجاءة رأوا برنابا أمام مذبح.

 العذراء ورأسه على الأرض وكان يلعب وهو فى هذا الموقف بست كرات نحاسية واستمر بلعب هذه الألعاب التى كانت عمله الذى يعيش عليه فى الماضى ولكنه الأن يقدمها تكريما للعذراء مريم، واذا شاهد الرهبان هذا المنظر فأحتدوا وصاحوا وقالوا بإن هذا الذى يصنعة هذا الرجل دنسا محرما.

ولكن رئيس الدير كان يعلم بطهارة قلب برنابا ورجح أنه فقط أصيب بمس فى عقله وكان يستعدون للدخول والأسراع بإخراجة من الكنيسة ولكنهم رآوا فجاءة العذراء المقدسة تنزل درجات المذبج كى تجفف العرق من جبهة المهرج بثنية من ثنيات طرحتها الزرقاء، وقال رئيس الدير وقد ركع على الأرض طوبى لأنقياء القلب، لآنهم يرون الله وردد الرهبان الذين كانوا معه وهم ساجدون على الأرض أمين.

انتهت قصة المهرج البسيط وأصبح بقلبه النقى يفوق أصحاب المواهب والحرف فنظرة الله لنا تختلف اختلاف كليا عن نظرات العالم والأخرون فقبل ان يمنحنا الله المواهب منحنا القلب الذى منه مخارج الحياة فعلينا ملأه بالحب اولا وهذا لديه يكفى.

دير سانت كاترين

سوزان نادي - مسيحيو دوت كوم

هل أنتابك هذا الشعور فى يوما ما أن تجد نفسك وسط بهو عالى وأماكن معتقة برونق وروائح زمن جميل، أماكن قد شهدت على حوادث وقصص حياة أناس عاشوا فى فترة من الفترات التى تحمل بالتأكيد سمات وظروف مغايرة عن العصر الذى نحيا فيه، منها ظروف مثيرة وعجيبة ومنها المحزنة والمؤلمة بل وأحيانا المفجعة.

دير سانت كاترين إحدى الأماكن الأثرية  الهامة التى  تنطبق عليها هذه المشاعر والكلمات بجدارة وذلك لأن الدير به قوة ومهابة تجعلك خاشعا منبهرا من حيث الموقع والقصة التاريخيه الموجوده أثره والتى سوف نعرفها فى السطور الآتية، يقع دير سانت كاترين تحديدا جنوب سيناء إسفل جبل سانت كاترين والمعروف بإنه أعلى جبل فى مصر وكأن الجبل فى شكله يظلل على هذا الدير  وبجانبه ايضا يوجد جبل موسى الذى فيه كلم الله موسى واشتغلت فيه العليقة المقدسة.

تعود قصة إنشاء هذا الدير منذ زمن بعيد عندما  جاءت قديسة تدعى هيلين إلى تلك الآرض ومعها جزء من صليب يسوع المسيح المقدس، فبدأ الرهبان القدوم إليها للمباركة من القطعة المجتزئة من الصليب المقدس الذى تملكه وتدريجيا  بدأوا فى الأعتكاف وأصبح ذلك المكان مقر للرهبان الذين يتركون العالم ليجلسوا فى حضرة الله وفيما بعد تم أنشاء فى هذا المكان كنيسة تحمل اسم القديسة مريم العذراء.

وفى يوم جاءت فتاة هربا إلى هذا المكان كانت فتاة رقيقة تدعى كاترين قد هربت من أسرتها التى كانت تحيا معهم فى مدينة الآسكندرية وذلك بعد أن أمنت بالمسيحية وتخلت عن الوثنية التى كانت تعتنقها هى و أسرتها.

بعد أن توفى والدها حاول عمها الآمبراطور مكسيمينوس الوثنى أن  يردها عن أيمانها فبعث إليها الكثير من العلماء  والمفكرين  لكن  بعد الكثير من المناقشات والمجادلات بينها وبين هؤلاء العلماء كانوا يقتنعون بكلامها ولايعودون إلى هذا الآمبراطور مرة أخرى  مما جعله ذلك يثور ويغضب ويأمر بأحضارها لتعذيبها حتى الموت لتفارق كاترين حياتها  فى سبيل أيمانها ومعها هؤلاء العلماء والمفكرين، وبعد أستشهاد هذه القديسة العظيمة بحوالى خمس قرون.

تجلت للرهبان الموجودين فى الدير انذاك رؤية فى حلم الليل بظهور سانت كاترين فوق الجبل وعندما أستيقظوا قاموا وصعدوا إلى الجبل فوجدوا  بالفعل بعض من رفات جسدها المقدس فتيقنوا من رؤيتهم  وأن الملائكة قد جمعت جسدها  المعذب ليضعوه فوق سفح هذا الجبل ليدفن  جسدها فى المكان الذى اختارته وعاشت فيه حياتها مع الله لذلك قام الرهبان بتكفينه و حفظه فى كنيسة العذراء التى كانوا يعتكفون بها  حتى ظهرت لهم القديسة مريم العذراء وطلبت منهم تغير اسم الكنيسة ليصبح بأسم دير سانت كاترين و هكذا ظل معروف بدير سانت كاترين حتى يومنا هذا تخليدا لذكرها.

الديرعبارة عن بهو واسع يضم  اثنتى عشر عمودا لكل عمود ايقونة ترمز لمجموعه من القديسين  من الداخل يوجد الهيكل المقدس به فيسفاء للسيد المسيح، ويوجد مكان محفوظ به رفات القديسة سانت كاترين ونشاهد باب الكنيسة الضخم المصنوع من خشب قادم من لبنان، كما يوجد بها كرسى ذو منظر مهيب يرجع تاريخة للقرن السادس عشر قد جاء هدية من القدس لبابا الدير آنذاك ويوجد على هذا الكرسى رسمة او لوحة فنية جميلة للقديسة مريم العذراء.

بجانب الدير توجد منطقة الوادى المقدس هى الأرض التى كلم فيها الله موسى وهى عبارة عن هيكل مقدس تمتد جذور الشجرة أو العليقة فى داخلة، فوقه تمتد الشجرة بأوراقها الخضراء والجدير بالذكر أن العلماء حاولوا زرع بذور هذه الشجرة فى اماكن أخرى لكن ومن الغريب فى الأمر أنها كانت تتطرح اشجار أخرى مغايرة عن نفس نوع البذور المزروعة.

كما يوجد بئر موسى هناك، يوجد ايضا إحدى أهم المتاحف  الموجوده فى العالم والتى يضم بها العديد من المخطوطات والايقونات كما أنها تعد اكبر مساحة من مكتبة الفاتيكان فبها ثلاثة وثلاثون الف مخطوطة.

ووثائق وخطابات هامة منها خطاب نابليون بونابرت الذى كتبه لحماية الدير وعدم المساس به أثناء الحملة الفرنسية، كما يوجد فيه العهدة المحمدية بكف سيدنا محمد وفيه كتب ان لا يتعدى إحدى على الدير او على مساحة الدير، أيضا مخطوطات الأعمال الكاملة لأفلاطون.

وأخطر وأعجب جزء موجوده فى مقر هذا الدير منطقة تسمى بغرفة الجماجم وهى واحده من الغرف المغلقة التى تحوى العديد من الجماجم  وجزء بها يعتبر مقبرة، هذه الغرفة عندما يموت راهب الدير يدفن فى المقبرة المخصصة بها وذلك بعد إن يتم رفع اشلاء الراهب القديم ليدفن الجديد وبذلك دير سانت كاترين يعتبر من أهم  وأجمل واغنى الأماكن الموجوده فى العالم كله على الإطلاق.

الشجرة المقدسة

سوزان نادي - مسيحيو دوت كوم

شجرة عتيقة جذورها كبيرة متداخلة بطريقة مبهرة  تقع فى وسط حى ملئ بالسكان بها ملامح تدل على إن ورائها قصة ما، يأتى الناس من جميع أقطار الأرض يتباركون بها، على فروعها نحتت كلمات شكر من بعض الأشخاص وكأنها بصمات منهم تؤكد لجميع الأجيال القادمة أنها شجرة مباركة.. وهى حقا كذلك.


بدأت قصة تلك الشجرة بهروب العذراء مريم وخطيبها يوسف النجار حاملين بين ذراعيهم الطفل يسوع من بطش الملك هيرودس الذى قرر قتل جميع أطفال بيت لحم بعد علمه من المجوس بميلاد طفلا صغير سوف يصبح ملك عظيم فيما بعد، جعله هذا الكلام يثور وينهض لقتل جميع أطفال بيت لحم  الذى تتراوح أعمارهم من بين يوم إلى عامين خوفا على مملكته التى أصابتها التهديد من هذا الطفل العجيب.

من هنا أنطلقت العائلة المقدسة من أرض اليهود إلى أرض مصر بعد إن ظهر ملاك الرب ليوسف فى حلم  قائلاً له قم خذ الصبى وأمه وأهرب إلى مصر كانت تلك رحلة غنية مليئة بالأحداث والمعجزات بمثابة محطات مباركة لمصر من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب.

الشجرة سنة 1897م

وكانت الشجرة إحدى المحطات التى توجهت إليها العائلة المقدسة وأحتمت تحت فروعها واستراحت من تعب الطريق وشربت العذراء والطفل يسوع من البئر الذى بجانبها حتى تقدس هذا المكان وأصبح من الآثار القبطية وإحدى المزرات السياحية الهامة الذى يتوافد إليه الكثير لينال البركة والشفاء.

من بعض القصص المتداولة والمؤكده لتلك الشجرة إن الجنود الفرنسيين أثناء الحملة الفرنسية على مصر أصيب البعض منهم بمرض الطاعون فكانوا يذهبون لتلك الشجرة يشربون من بئرها ويستخدمون نبات البلسان الذى كان ينبت أسفل جذعها حتى تم شفائهم ونحتوا بسيوفهم على جذورها كلمات شكر والعرفان. 

وأيضاً من أبرز القصص الشعبية التى قامت على إثر تلك الشجرة  ان الست العاقر إذا تباركت من ماء البئر الذى يوجد خلف الشجرة تقدر بعد ذلك على الإنجاب.

وتقع الشجرة تحديدا فى منطقة المطرية بجانب بئر عذب يحاط بها سور كبير ومن الداخل بهو به بعض النباتات والأشجار وبعض اللوحات الفنية والكتابات القبطية وعلى مدخل باب المزار توجد تلك الكلمات  (محكى بئر وشجرة مريم) و فى المكان لوحة فنية رائعة لفنان كورى تأثر بقصة الرحلة المقدسة فرسم العذراء مريم وهى تحمل الطفل يسوع بجانب القديس يوسف النجار قائد تلك الرحلة وهم جالسون تحت الشجرة وخلف الشجرة البئر ومعالم الطريق الذى قد جاؤوا منه وبجانبه بعض سواقى مياه ليستطيع الزائر بذلك تخيل الرحلة بأدق وأجمل التفاصيل.

وهذه الشجرة التى آحتمت بها العائلة المقدسة عبارة عن شجرة جميز توجد فقط فى  مصر و فى بلاد أفريقيه وهى شجرة حجمها كبير و يصل طولها لـ 20 متر و عرضها لـ 6 متر،  فروعها كثيفه ولكن ما تبقى من جذوع تلك الشجرة الأن مثبت على بعض من الحوامل الخشبية حيث أنها قديمة للغاية.

وهناك بعض المصادر تشير إلى أن الشجرة الحقيقية قد تم هدمها إلا إن بعض الرهبان أهتموا بها مرة أخري وأعادوا زراعتها وأصلاحها حتى أصبحت ذكراً جميلة يتبارك بها الجميع على مر العصور والأجيال.

المطران يوسف توما: مرحبًا بك يا بابا فرنسيس في العراق

المطران يوسف توما، رئيس أساقفة كركوك والسليمانية للكلدان

مرحبًا بك في قلوبنا قبل أن تطأ قدمُك أرض العراق المقدّسة حيث كتبت نصف أسفار العهد القديم ونصوص أخرى يقدّسها الملايين، وقبل أن تأتي إلينا نقشتَ ابتسامتك الآسرة وبساطتك النادرة في أولئك الذين، ينتظرون بركاتك ودعواتك.


مرحبًا بك لشجاعتك الإنجيلية بدخول العراق، كما فعل المسيح عندما دخل أورشليم: لم يدخلها على حصان أبيض كالأباطرة، ولا كما يدخل اليوم العظماء بسيارات الليموزين المصفّحة، هو دخلها على "حمار"، يشبه اليوم سيارتك "اللادا"، سيارة الطبقة المتوسطة كما في ذلك الزمان. 

إنك ستدخل بلدنا من دون أن تخاف الوباء المتفشّي (كوفيد19). لذا سيرحّب بك شعبنا ترحيبًا حارًا، لأنك حققتَ أحلاما قديمة عمرها، على الأقل 20 عاما، مذ أراد سلفك البابا القديس يوحنا بولس الثاني أن يحجّ إلى بيت إبراهيم أبي المؤمنين في محافظة الناصرية (أور القديمة) مع حلول الألفية الثانية.

مرحبًا بك يا فرنسيس، الاسم الذي اخترته عمدًا، وأنت أوّل من يحمل هذا الاسم بين البابوات، القديس فرنسيس الفقير قديس أسيزي، عاشق التجرّد، الذي حاول أن يذكّرنا قبل ثمانية قرون أن الثروة الحقيقية ليست بالمال ولا بالإقصاء الاجتماعي، في حين كان والده "برناردوني" غنيًا، تاجر أقمشة، الوالد حيره ابنه الشاب فرنسيس، ولاحقه حتى دار المطران، الذي احتضنه بعد أن خلع فرنسيس ملابسه وأعطاها لأبيه، فلفه المطران بمعطفه، بحلة الكنيسة الأم!


مرحبًا بك يا قداسة البابا في اختيارك الفقراء، وشجبك الفساد داخل الكنيسة وخارجها، وتنديدك بـ"عولمة اللامبالاة" تجاه موجات الهجرة التي أثارها ويثيرها الفقر الذي زرعه الاستعمار الأوروبي والأمريكي في جميع القارات في إفريقيا وآسيا وبلادنا ومنطقتنا المدمرة خصوصا.

مرحبًا بك يا من وضعتَ بعض المذاق الطيب في حياتنا الإيمانية الواسعة، بغض النظر عن أدياننا ومذاهبنا وطقوسنا وذكرتنا "أننا جميعا إخوة" لأن الله أب للجميع، وأن "الأرض بيتنا المشترك" لأنها هدية من خالقنا، أعطيَت لنا كي نشكر ونسبّح، كما لم تتوانَ عن تذكير كل الذين "يلتزمون بالعدالة الاجتماعية"، أن من "يعمل من أجل عالم أكثر عدلاً وتضامنًا" لا يتعب.

مرحبًا بك يا فرنسيس في منطقتنا، كي تشجع أولئك الذين يناضلون ضد "ثقافة السرعة والعجالة"، فنحن مثلك نعتقد أن "مقياس عظمة المجتمع يظهر من خلال الطريقة التي يتمّ فيها التعامل مع الأشخاص الأكثر احتياجًا، ومن ليس لديهم سوى فقرهم"!


مرحبًا بك في كنيسة العراق المتألمة التي فقدت بالهجرة ثلثَي أبنائها فانطلقوا على طرقات العالم، جئتَ لتدعونا "إلى تبنّي العدل والدفاع عن الفقراء ضد أشكال التفرقة والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي، التي أصبحت لا تطاق وجعلت صراخ شبابنا يصل عنان السماء، لم تعد الكنيسة تتذرّع بحجة "عدم التدخل في السياسة"، كي تعيش في ظل الأغنياء والأقوياء، ولم تعد تسكت صوت أنبيائِها، بل صارت تكرز بألم المسيح الحي اليوم أيضا، وهي لا ترفض حمل الألم خوفا أو لاعتبار المقبول سياسيا (politically correct) فالتشهير والاضطهاد لم يعودا لعنة بل نعمة.

مرحبًا بك أنت الذي أردتَ إصلاح الكنيسة، وبدأت بالتغيير الذي أدخلتَه على "مَهمّة" البابوية. فتخلصتَ من القصور والذهب والحذاء الأحمر. قلتَ يوما لقد "انتهى الكرنفال"! لمن أراد أن يلبسك مثل الأمراء. لم تعد تريد مزيدًا من الألقاب "قداستك"، "الحبر الأعظم"، "الأب الأقدس"، ولكن بكل بساطة: "البابا"، أسقف روما، خادم خدام الله.


مرحباً بك يا فرنسيس في الكنيسة التي تحتاج إلى أشكال الدعوات لخدمة المذبح من كهنة متزوجين وغير متزوجين ورهبان وراهبات، ولمَ لا من النساء الشماسات اللواتي لديهن دعوة للخدمة والأسرار!

مرحبًا بك في شعب متألم، وأنت تقدّر معنى الألم منذ أول يوم تنصيبك عام 2013، فالألم يحدث كثيرًا بسبب السكوت وعدم الكلام أو النقاش حول موضوعات جانبية وما أكثر من يضيع بسببها. لسنا بحاجة إلى فتاوى، وإنما إلى رحمة الرب، وهذه قلتها في الطائرة لدى عودتك من البرازيل، للصحفيين عام 2013: "ومن أنا لكي أحكم عليهم؟..."، أنت تريد شعبا مؤمنا ناضجا يفهم ويقرّر ما يخصّه كعائلة وكأفراد من منطلق احترام الآخر واحترام جسده وروحه.

مرحبًا بك في خطواتك الحثيثة لإصلاح المؤسسة الكنسية ومبادرتك للتخفيف عن كاهلها فتدعوها لتتجذر في جميع القارات، كي تقدّم المشورة للجميع "فتكون لهم الحياة أوفر" (يو 10/10). يا حبذا لو أعطيتَ الكنائس المحلية فسحة أكبر لاتخاذ القرارات التي تخصها، السينودس (مثل مجالس الأساقفة)، هو الذي يمكنه أن يقدّر بروح جماعية كما دعانا إليه المجمع الفاتيكاني الثاني.


مرحبًا بك يا فرنسيس في هذا الجزء من العالم "المعولَم"، لكنه مستعمَر بهذه العولمة، ويحتاج بشدة إلى كلمتك التي تذكرنا بعولمة أخرى جاء بها يسوع المسيح بأبوة الرحمة الإلهية، وطبّقها فرنسيس الأسيزي، عولمة: تسامح، حب الفقراء، رحمة، فرح، خدمة العدالة، تأسيس على احترام الاختلافات الدينية وتعزيز العلاقة بين الأديان واستنكار صريح لأشكال الانغلاق القومي والمذهبي والديني التي تسبّبت بمآسينا في هذه المجتمعات وظلمت الجميع.

باركك الله يا فرنسيس، وليمنحك سميّكَ القديس فرنسيس الأسيزي مزيدا من الشجاعة! وهذه هي صلاتي من أجلك، كما كنتَ طلبت مني لدى آخر زيارة لي في الفاتيكان مع أساقفة الكلدان بتأريخ (6 تشرين الأول 2017) قلتَ لي عندما حيّيتُكَ: "أنا بحاجة إلى صلاتِكَ!" فدَمعتُ، وتذكرتُ ما كتبَت عنكَ صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، كان عنوان مقالها: "وأخيرا صار لنا بابا" “finally we got a Pope” (عدد 25/12/2014).

هنرى بركات سحر السينما

سوزان نادي - مسيحيو دوت كوم

كما يمسك الرسام بريشته ويبدع فى رسم أبهى اللوحات الفنية مستخدما أجمل العناصر والألوان ليصنع أحلى تكوين فنى يخطف الأبصار والقلوب، هكذا أيضا فعل المخرج العبقرى هنرى بركات.



فهو أحب المخرجين إلى قلبى يتميز برومانسية وحس فنى مرهف ليحول برشاقة وخفة القصة المكتوبة أمامه على الورق لتابلوه متناسق الألوان، لا يشذ منه لونا أو ينحرف عنه خطأ تماما ككل مشاهد أفلامه التى تأتى مترابطة متجانسة، كل منها يكمل الأخر دون زيادة أو نقصان، لتتجلى أمامى بوضوح عند رؤيتى ﻷحد أعمالة كلمة سحر السينما.

هنرى بركات من مواليد حى شبرا ﻷسرة عادية مكونة من الأب والأم وأربعة إخوة، إلا أنه فقد أحد أخواته عندما كان يلعب أخيه ذات يوم على سلم المنزل مع ابنة الجيران وفى لحظة مشئومة دفعته الفتاة دون قصد فوقع مرتطما بالأرض فاقدا للحياة.

عاش هنرى حياته مع والديه وأخواته الثلاثة فى جو عائلى يسوده الدفء والمحبة والسلام، كان أبوه دائما يعود إلى المنزل حاملا وردة ﻷمه ولا يوما تخلى عن تلك العادة لتترك قصة الحب هذه بين والديه أثرا رائعا فى نفسه، وربما مظاهر الحب التى عاش فيها هى التى جعلت أفلامه تنبع بصدق الإحساس والعاطفة ودفء المشاعر.

تعلم هنرى فى مدرسة الفرير بحى شبرا، وكان متميزا فى دراسته بل من المتفوقين وتمنى لو أصبح طبيبا كوالده، لكن والده رفض دخوله كلية الطب، واقترح عليه دراسة القانون فالتحق هنرى بكلية الحقوق بناء على رغبة والده فى ذلك الحين، وبعد تخرجه من الجامعة حاول العمل فى مجال القانون، إلا أن مجال القانون لم يكن يستهويه على الإطلاق.

ولم يخطر فى باله يوما العمل بالسينما أو أن هذا النوع من الفن يستهويه، إلا أن القدر يدرك جيدا ذات الإنسان ونفسه أكثر مما يدركها هو فيرتب خطواته بصورة رائعة ليكتشف من خلالها مواهبه وإمكانياته.

وبالمصادفة عرض عليه أخيه الكبير ذات يوم أن يستثمروا ميراث أبيهم فى إنتاج فيلم بعد أن شاهد أخيه أحد المصورين من معارفه قام بصناعة فيلم، ونجح هذا الفيلم نجاحا كبيرا وربح كثيرا من الأموال.

فوافق هنرى من منطلق التجارة والربح ليس إلا .. وبدأوا فى إنتاج فيلم عنتر أفندى الذى تشاركوا فيه بالمال فقط، ومن هنا كانت رحلته فى عالم السينما ليجلس مترقبا كواليس العمل من إخراج وتمثيل لكنه وجد بحسه الفنى الفطرى أن الفيلم به الكثير من الأخطاء ويخلو من المنطق فى أحداثه الدرامية، وكان يناقش المخرج فى هذا قائلا له رأيه ببساطه شديدة، إلا أن المخرج كان يعترض على أفكاره وسرعان ما فشل الفيلم وخسر هنرى وأخيه خسارة فادحة.


لكنه صمم على دراسة قواعد هذا الفن وأصوله، وكان أحد أخواته يعمل فى باريس فسافر إليه ليحاول أن يلتحق بأحد المعاهد هناك، ولكنه لم ينجح فى ذلك فبدأ يذهب بنفسه إلى استوديوهات تصوير الأفلام ليتلصص ويتجسس على كواليس العمل وكيف يعمل المخرج والمصور وكيف يؤدى الممثلون أدوارهم، وقد واجه الكثير من الصعوبات فى السماح بدخوله لتلك الاستوديوهات لكن إصراره فى النهاية هو ما جعله المخرج العبقرى هنرى بركات الذى ترك للسينما أجمل الأفلام منها.

دعاء الكروان، هذا الفيلم الذى كتبه طه حسين وكان صاحب فكرة تحويل هذه القصة لفيلم سينمائى فريد الأطرش، وتمنى فريد لو يقوم هو بدور البطل لذلك جاء بهذه الرواية لهنرى بركات، ولكن هنرى أوضح له أنه لا يصلح لهذا الدور.


ظلت فكرة تحويل هذه الرواية إلى فيلم فى ذهن هنرى، ولكنه كان يخشى تلك الأجواء الريفية وكيفية التصوير والتعامل معها حتى بدأ يتلامسها ويتعامل معها فى فيلمه حسن ونعيمة، ثم تمكن من أدواته ورسم خطته المحنكة فى تجسيد دعاء الكروان التى باتت سيمفونية رائعة فى تاريخ السينما المصرية، وكثير من السيمفونيات التى تركها لنا على الشاشة مثل أفواه وأرانب، والحب الضائع، وفى بيتنا راجل.

والباب المفتوح أحد إبداعاته وهى قصة الناقدة والكاتبة لطيفة الزيات، كل هذه الأفلام تشترك فى ثقل الفكرة المطروحة وروعة تجسيدها بالطريقة المنطقية التى تعلمها من دراسته للقانون، ففى أحد حواراته قال، إنه تعلم من القانون فن المنطق، ليترك لنا رصيد عظيم من أفضل أفلام السينما المصرية التى حازت على العديد من الجوائز.

دراما اليوم ودراما الأمس

سوزان نادي - مسيحيو دوت كوم

هل اختلفت الدراما منذ عشر سنوات عن دراما اليوم فى الشكل والمضمون؟.. فى الحقيقة نعم.


وهذه ليست إجابتى أنا فقط بلا إجابة، قطاع كبير من الجمهور الذى بدأ يشعر بالاشمئزاز وأحيانًا ضيق فى التنفس عند مشاهدة المسلسلات التى تعرض على القنوات بسبب كم العشوائيات والألفاظ البذيئة والملابس السيئة التى يرتديها الممثلون بحجة محاكاة الواقع حتى ولو كان هناك موضوع جيد وإيقاع سريع مثل مسلسل سجن النسا للكاتبة فتحية العسال وللمخرجة الرائعة كاملة أبو ذكرى ومسلسل السبع وصايا.

ورغم أنها أعمال رائعة ولاقت نجاحًا كبيرًا إلا أننا نريد تغيير هذا الواقع السيئ وهذا لا يحدث إلا إذا تغيرت تدريجيًا صورة الدراما المصرية، فتغيب عن ذهن المؤلفين والمخرجين أن الدراما المصرية كما أنها تحاكى الواقع وتنقل ما يوجد فيه أيضًا، الواقع يحاكى الدراما المصرية ويقلدها فعلى سبيل المثال إذا قدم أحد المخرجين عملاً كتابته جيدة وإخراجه محكم عن ظاهرة ما، وقام بحلها بشكل جيد، وإذا أختار فنان يحبه الناس يقوم بأداء دور البطل الشجاع الذى يريد إصلاح جميع المظاهر السلبية التى حوله فهل ذلك لا يصنع من الواقع السيئ أبطالاً يريدون تغيره وجعله بالصورة التى رأوها فى الدراما؟ بالطبع.. سوف نرى كثيرًا من الأبطال فتذكروا فيلم النمر الأسود عندما قدم كيف أن شبابًا كثيرين قرروا أن يصبحوا ناجحين مثل بطل الفيلم.


فالدراما تؤثر فى الواقع وتغيره ليس العكس على طول الطريق.. فالمسلسلات والأفلام فى الفترة الأخيرة لها تأثير سلبى بشكل كبير فهى تدخل المشاهد فى عالم أكثر قبحًا من العالم القبيح الذى يتواجد فيه ولا مفر، لست أدرى ماذا حدث هل العشوائيات والبيوت الضيقة والمناظر السيئة شيء جديد لم يكن موجودًا فى الواقع وإذ فجاة اكتشفها المخرجون والمؤلفون ليظهروها على الشاشات.

وأعتقد أن هذا الأمر ليس بجديد فكثير من المسلسلات قديمًا كانت تصور حكايات فى أحياء شعبية ولم نشعر على الإطلاق فى لحظة من اللحظات أن المخرج فشل فى محاكاة الواقع عن قصص ناس تتفاعل حياتهم بين الخير والشر فلن ننسى مسلسل الساعة الثامنة الذى كان الكل ينتظره بشغف وأيام ليالى الحلمية وزيزينا وأرابيسك فكانت حقا درامًا ممتعة وليس بالخيال منفصلة عن الواقع ولكنها مقدمة من أشخاص يفهمون جيدًا معنى السيناريو المحكم والإخراج البسيط والجميل الذى يوصل الصورة مريحة للنفس والعين وفى النهاية أراد المخرجون أن يعبروا عن الأحداث بصور أكثر مصداقية ولكنها أصبحت أكثر فجاجة وسوءًا فكفا علينا هذا القدر من الأفلام والمسلسلات التى تشوه الدراما والواقع معًا.

رحيل الملاك صاحب الوجه المبتسم .. و السبب كوفيد 19

نرمين هارون - مسيحيو دوت كوم

كانت ضحكته تملأ كل مكان كان يوجد به، كان خادماً للكل وحياته نور لكل من يعرفه، أنه نزيه يعقوب.. الخادم بأسرة مارمينا هندسة التابعة لأسقفيه الشباب، بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية.


نشرت عدة صفحات عبر موقع التواصل الاجتماعى "الفيسبوك" بصور شخص اسمه نزيه يعقوب، وتحولت العديد من الصفحات بصورة نفس الشخص، وبما أننى اعرف بصورة شخصيه المهندس نزيه فأستطيع أن اسرد لكم عنه الكثير من الواقع.

رحل المهندس نزية يعقوب بسبب الوباءالعالمى كوفيد 19، فهو شخص من أنقى الخدام فى الأسرة بحسب روايات من خدموا معه، او حتى من تمت خدمتهم بواسطته.

نزيه يعقوب الشخص البسيط الذى كان يعيش مع أمه ويرعاها لأنه لم يتزوج،  كان يعتنى بكل شخص يأتى إلى أجتماع أسرة مارمينا، كان حريصاً أن يسأل على كل الأشخاص بلا مبالغة (كل) شخص ويفتقده بالرسائل و الصور وأحيانا مكالمات تليفونيه، كان يحتفظ بسجل هائل من أعياد الميلاد و التليفونات، وحريصاً أن يهنئى الجميع بأعياد ميلادهم او بمناسباتهم الحزينه قبل المفرحة.


نزيه ابو ضحكه جنان هكذا تم تسميته من قبل محبيه، كانت خدمته بسيطة للغايه لا تكاد تذكر ليست مثل باقى الخدمات الكنيسة الكبيرة من وعظ وترنيم و صلاة، اختار نزيه على عكس جميع الخدمات الموجودة بأى كنيسة خدمة الترحيب بكل الأعضاء، فكان يقف عند باب الكنيسة قبل بداية الأجتماع للترحيب بجميع الأعضاء على السواء، وتوزيع عسيله او سمسميه فى الصيام و فى أيام الفطار توزيع الشيكولاته على الأعضاء عند انتهاء الاجتماع، كان حركته بين الأعضاء بعد انتهاء الأجتماع للسؤال على الجميع و الأطمنان على صحة كل شخص و معرفة احواله، بل واخذ الصور التذكارية معهم، وكأنه كان يعلم أن سوف يرحل مبكراً.

كان مهندساً استشارياً ولكنه فى الحقيقة خادماً للكل، عندما سمعت خبر انتقاله على مدار ثلاثه أيام استمع إلى قصة كل شخص معه وكيف كان يفتقده، ما الذى يقولون عنه، لم يدرس نزيه فى علم النفس أو حتى المشورة النفسيه حتى يتعامل مع كل هؤلاء على اختلاف اعمارهم وثقافتهم.

كان واقع كلماته شافيه على قلب كل شخص ممن تعاملوا معه، كان يُشعر أعضاء الأسرة بأهميتهم عنده، وبأهمية وجودهم، كان يفتقد بقلب محب كل شخص، وكان يعبر للجميع عن مدى حبه لهم، كان يُرسل كلمات مثل "وحشتني" أو "نفتقد وجودكم" للتعامل مع الجميع، كان فى الخدمة يخضع للصغير قبل الكبير، رغم انه كان اكبر اعضاء أسرة مارمينا سناً، نيزو هكذا يلقبونه اعضاء الأسرة، الجميع كان يشعر بسعادة بالغة عندما يرونه كان له ضحكة تستطيع أن تزحزح الجبال من على كتفيك وانت مهموم، اعتاد الجميع أن يتلقوا رسائله فى الصباح الباكر وكأنه كان يقول لهم "صباح الخير" ولكن دون كلمات تذكر.


لم اراه يوما يعظ، أو ينصح ولكنه كان يربت على كتف الجميع بمحبة أبويه عظيمة، كان يوجه رسالة مباشرة للجميع "أنا بحبك" وكأنه كان يعوض نقص الحب و الاهتمام و الرعاية التى نفتقدها جميعاً اليوم، فالجميع  مشغول بالوعظ والأعمال العظيمة ولكن نزيه كان مشغول بافتقاد محبيه.

لم أرى يوماً أعضاء مكان بهذا الحزن مثل أسرة مارمينا الذى خيم عليها وجع الفراق بهذا الشكل لرحيل هذا الملاك صاحب القلب النقى و صاحب الوجه المبتسم نزيه يعقوب، فنزيه من جمع العطر رحل وها عطره يفوح بسيرته العطره، وتدرس حالياً أسرة مارمينا الاقتراحات المطروحة من الشباب لتدشين سيرة هذا الشخص النادر الوجود، يرسل الله الصبر و التعزيه للجميع.

ذكرى "الأخوة الإنسانية".. الأهمية والدلالات

د. رضوان السيد - الاتحاد الإماراتية

ليس مصادفةً أن تحصل وثيقة الأخوة الإنسانية التي رعى ولي عهد أبوظبي إصدارها بين البابا فرنسيس وشيخ الأزهر، على هذا الاهتمام العالمي، ولذلك أربعة أسباب:


1. أهمية الشخصيات التي أصدرتها والتي رعتها. فالُمصدران الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، والبابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية. أما الرعاية والإطلاق والاهتمام فيأتي من جانب دولة الإمارات العربية ممثَّلةً بشخص ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد. وقد عُرفت دولة الإمارات العربية المتحدة بسياسات السلم والتضامن في العالم العربي والعالم الأوسع، وصارت هذه الاستراتيجية معروفة لدى القريب والبعيد.

أما شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، فهو رئيس أهم المؤسسات العلمية والاعتبارية في العالم الإسلامي. وبالطبع هناك مؤسسات ومرجعيات أُخرى دينية في العالمين العربي والإسلامي، إنما في مائة عام الأخيرة صار الأزهر أهمّ مرجعيات المسلمين السنة الذين يشكّلون نسبة 85% من مسلمي العالم، أي أكثر من مليار نسمة.


أما بابا الفاتيكان فهو المرجعية الدينية المركزية والوحيدة للمسيحيين الكاثوليك في العالم (أكثر من مليار نسمة). وقد صارت سياساته الودودة تجاه المسلمين معروفة. 

لقد زار الأردن وفلسطين ومصر والإمارات والمغرب، واستقبل وفودًا إسلاميةً كثيرةً. وجاءت وثيقة الأخوة الإنسانية المشتركة مع شيخ الأزهر ذروةً في هذا المجال، وتُكلّل جهود البابا للصداقة والتضامن من أجل السلام بين الأديان والسلام في العالم. وما يزال البابا يذكرها مراراً وتكراراً في كل رسائله وكلماته، لإحساسه بأهمية العمل المشترك الذي تمثله الوثيقة.


2. المقاربة الجديدة ذات الطابع القيمي والأخلاقي للمشكلات العالمية: مشكلة الفقر، مشكلة الاختلال البيئي، مشكلة الحريات الدينية، مشكلة حريات المرأة، وقبل ذلك وبعده مشكلات إحقاق السلام العالمي. ولهذه المقاربة الأخلاقية منطلقان: أولهما منطلق الأخوة الإنسانية الناجمة عن وحدة الإنسانية أصولاً وفروعاً ومقتضيات فيما فوق الفروق الدينية والإثنية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وثانيهما منطلق المسؤولية التي ينبغي أن تحدو الجميع إلى التصدي للمشكلات التي يحفل بها نظام العالم، والعالم الإنساني.

إنّ هذين الدينين الكبيرين يعتبران عبر رأسيهما أنّ لديهما اعتبارات ومسؤوليات يستطيعان بمقتضاها مخاطبة المؤمنين، ومخاطبة أديان وشعوب العالم أجمع. وبالطبع هي ليست المرة الأولى التي تُطرح فيها مقولة «الأخوة الإنسانية»، لكنها المرة الأولى التي يلتقي عليها رجلا المسيحية والإسلام بما يتضمن المؤمنين وكل الناس في العالم. ومع هذه المسؤولية يعيد الزعيمان الدينيان ربط القيم والأخلاق بالدين، دونما جدالٍ مع مَنْ لا يرون ذلك، إنما همهما التوافق على القيم والاعتبارات التي تصون الوجود الإنساني بالسلام الشامل.


3. الوثيقة تمثل أعلى لقاءٍ على هذا المستوى بين المسيحية والإسلام. والبابا فرنسيس تَسمى باسم سلفٍ صالحٍ له هو القديس فرنسيس الأسيزي الذي قاد أول حوارٍ مع المسلمين إبّان الحروب الصليبية، حيث مضى إلى مصر وتحدث إلى الملك الكامل الأيوبي، ودعا إلى سلامٍ بين الدينين. البابا فرنسيس يمشي على خُطاه. وشيخ الأزهر يرى أنه بهذا التحالف على الأخوة تنتهي الحروب، ولا تنحسم بالقتال والنزاعات التي لا يربح فيها أحد. إنه عهدٌ ووعدٌ من جانب هاتين الديانتين الإبراهيميتين للمؤمنين بهما، وللعالم أجمع.

4. الأهمية المنقطعة النظير للوثيقة لنا نحن المسلمين. فنحن في زمان أفسد فيه المتطرفون والإرهابيون القتلة والمجرمون علاقاتنا بالأشقاء من المواطنين المسيحيين، وبسائر شعوب العالم التي أدخلوا عليها الخوف منا ومن ديننا. وعلى الرغم من ذلك كله يأتي إلينا البابا فرنسيس رسول سلامٍ وأخوةٍ لا تتزعزع، تعطي ولا تأخذ، وتشترع للحب والتضامن لا للإعراض والكراهية.

المناورات الإيرانية تجاه إدارة بايدن انطلقت

وليد فارس الأمين العام للمجموعة الأطلسية النيابية - اندبندنت عربية

الآن، وقد جاءت إدارة جديدة إلى واشنطن، كيف ستتحرك إيران معها لتنفذ ما تريده في المرحلة المقبلة؟ الجواب عن هذا السؤال الوجيه يبدأ بمحاولة معرفة ما الأولويات لدى طهران، وما معرفتها بأجندة الرئيس جو بايدن وفريقه، وما خطوط النظام الحمراء؟ فلنحاول الغوص في أعماق الاستراتيجيات الإيرانية.


الأولويات الإيرانية

مما لا شك فيه أن أولوية الأولويات الإيرانية مالية، أي عملياً سيولة سريعة، ما يعني مداخيل جديدة، أو رفع عقوبات، والنخبة الحاكمة في طهران تعيش حياتها المادية طبيعياً، ولكن عسكرها، وميليشياتها، وبيروقراطييها، وأنصارها، بحاجة دائمة لتمويل ميداني، بينما النظام يضع أولوية أمنه، وقدراته المالية قبل حاجات مختلف قطاعات الشعب، كما تروي المعارضة.

والأولوية الثانية هي مسألة الاستمرار بالإمساك بالبلاد ومختلف القطاعات بطريقة استبدادية، ما يعني عدم الإقدام على إصلاحات سياسية واجتماعية، خوفاً من تغيير كبير يطيح النظام، وزاد القلق لدى النخبة الحاكمة بعد تظاهرات خريف 2019، التي كشفت عن عمق الرفض الشعبي للنظام.


أما الأولوية الثالثة فهي التمسك بنشر الميليشيات بما باتت شبه "مستعمرات إيرانية" في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، إذ إن سحب هذه الميليشيات في هذه الدول قد يقود لانهيار في إيران نفسها.

والأولوية الرابعة هي استمرار طهران بتوسيع أسلحتها الاستراتيجية، بدءاً بالصواريخ الاستراتيجية، والصواريخ المضادة للطائرات، والدرونات، والزوارق السريعة، بالإضافة طبعاً لبرنامجها النووي العسكري.


طهران غير قادرة على التغيير

إن طبيعة النظام الخميني، كالأنظمة الكلية الأخرى من الاتحاد السوفياتي إلى "طالبان"، لا يمكن أن ينجو من تغييرات جوهرية تصيب أولوياته الأساسية، إذا ما تم القبول بها، فأي تراجع على أي "محور" سيتسبب بانهيار على كل المحاور، كما حدث مع موسكو بعد إصلاحات الـ"غلاسنوست" والـ"بيريسترويكا"، ولهذا الموضوع مراجعة في ما بعد. 

والسؤال الآن هو، كيف يمكن لطهران أن تأخذ ما تريده من بايدن، وتقنعه بالعودة إلى الاتفاق، ولا تعطيه شيئاً لا يمكنها أن تعطيه؟ سؤال كهذا يشغل نصف الكونغرس، والشرق الأوسط ومختلف معارضات النظام الإيراني في المنطقة. وهذه هي مقاربي.


أولاً: الاستفادة من خروج ترمب

إن النقطة الأولى التي تستفيد منها إيران، هي من دون شك خروج دونالد ترمب من البيت الأبيض، واحتمال تراجع سياسة "الضغوط القصوى" التي هندسها بومبيو وبراين هوك، هذا الواقع هو أهم ما ستستفيد منه طهران فوراً، على الرغم مما يؤكده بعض المحللين من أن إدارة بايدن لن تتراجع عن هدفها لمنع حصول طهران على القنبلة النووية، والمسألة اليوم ليست بافتراضيات المستقبل، بل بمعادلات الحاضر، وما سيتغير، وقد بدأ بالتغير، هو وقف التصعيد في العقوبات، على الرغم من إبقاء العقوبات بعض من الوقت.

وإن كان وقف التصعيد تدريجياً، شبه خفي، فهو عملياً ما تنتظره طهران من الإدارة الجديدة في واشنطن في هذه المرحلة، وليس أكثر بكثير.


العودة إلى المفاوضات

النقطة الثانية بالنسبة للقيادة الإيرانية هي العودة للمفاوضات مع الولايات، أياً كان شكلها ومحتواها، إذ إن مجرد الجلوس مع إدارة بايدن سيعيد بعض الرصيد السياسي والدبلوماسي "للجمهورية الإسلامية"، بعد أن خسرت الكثير من هذا الرصيد خلال أعوام إدارة ترمب، وجهود هذه الأخيرة لعزل النظام الإيراني. 

عندما سيجلس ممثلو خامنئي مع طاقم المفاوضات الأميركي، سواء أكان في إطار ثلاثي مع الأوروبيين، أو في إطار الخمسة زائد واحد، أو غير أطر، فإن تلك الصورة ستستعمل من قبل القيادة الإيرانية في الداخل الإيراني لزعزعة أمل الناس العاديين بأي تغييرات، وإضعاف ثقة المعارضات في المنطقة، وتصلب الميليشيات في مواقعها، وإعادة الإيرانيين إلى الطاولة ستقويهم إعلامياً ودبلوماسياً.


بعض السيولة

النقطة الثالثة هي المحاولة للحصول على سيولة باتت صعبة المنال منذ العقوبات الأميركية والدولية، لذا، فإذا كانت هناك من مساومة مع فريق بايدن، فستكون على موضوع الـ"cash"، ومفاوضو بايدن سيعدون النظام بمداخيل، إما عن طريق رفع بعض العقوبات غير الكبيرة، وإما عن طريق شركات تعطى استثناءات، وفي المقابل، تتعهد إيران بألا "تخربط" سياسة بايدن الدقيقة خلال 2021، بما يعنيه أن طهران ستحصل على سيولة كأكسجين، بينما إدارة بايدن ستحصل على "الرصيد السياسي" مع الرأي العام الأميركي، ومع إسرائيل، ومع التحالف العربي، بمعنى أنها لن تستسلم لإيران، أما ما بعد الانتخابات النصفية، فلكل حادث حديث.


"المستعمرات"

النقطة الرابعة تتعلق بالعراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، أي "المستعمرات الإيرانية"، فستحاول طهران، وقد تنجح نسبياً، بتحييد هذه الدول عن تدخل إدارة بايدن في ملفاتها المتعلقة بحقوق الإنسان، والديمقراطية، والميليشيات، والاستفادة الاقتصادية، لقاء أن تمتنع إيران، أو تخفف، من أعمالها الأمنية ضد دول التحالف العربي، وهنا النتائج ستكون أكثر رمادية، فالمصالح الاقتصادية الأميركية ستحاول الاستفادة أيضاً من تخفيف التشنج في الدول التي يسيطر عليها الحرس الثوري، وإيران ستحاول إضعاف الخليج وإرباكه كلما سنحت الفرصة. من المبكر التكهن.


أما ما دون هذه الأولويات الإيرانية الرئيسة، فالعناوين تبقى هي هي، حتى استقرار الوضع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة في السنتين المقبلتين، لذا فشعوب الشرق الأوسط التي كانت تأمل بتغييرات كبرى يأتي بها ترمب في السنوات الأربع المقبلة، ولو عشوائياً، وبضجيج، وأخطاء من وقت إلى آخر، ستحصل على أربع سنوات إضافية من سياسة أوباما، وإن لم تشبهها بالشكل، والتوقيت، والخطاب الدبلوماسي.

والاستثناء الوحيد هو انفجار القنابل البشرية، كما حدث إبان "الربيع العربي"، ولكن في دول أخرى، أم حرب غير محسوبة في معادلة غير مضبوطة. سنرى.