‏إظهار الرسائل ذات التسميات آراء وأفكار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات آراء وأفكار. إظهار كافة الرسائل

في الأردن، لا يجوز استخدام تعبير «أقلية» – رأي قانوني

نوفان العجارمة، رئيس ديوان التشريع والرأي السابق :

يطلق بعض السياسيين وحتى القانونيين تعبير (الأقليات) على بعض مكونات المجتمع الأردني -لغايات تطبيق قانون الانتخاب– وهذا التعبير غير صحيح من الناحية القانونية الخالصة.



لقد هجر المشرع الدستوري الأردني تعبير (التمثيل العادل للأقليات) منذ عام 1952، وقد استخدم هذا التعبير لأول مرة في المادة (25) من القانون الأساسي لإمارة شرق الأردن لسنة 1928، وأعيد استخدامه في  المادة (33) من الدستور الأردني لسنة 1947.

أن إغفال الدستور الأردني لسنة 1952 (موضوع تمثيل الأقليات) مقصودًا لذاته، وينطوي على حكمة معينة، وهو استبدال مفهوم المواطنة -كأساس التنظيم الحقوق والواجبات- بأي مفهوم آخر كالعرق والدين، فالمواطنة تصهر الفوارق الدينية والعرقية بين أفراد المجتمع، وتجعل من التركيبة الاجتماعية تركيبة متجانسة ومنتمية للدولة، لذلك كان إغفال موضوع الأقليات في الدستور لسنة 1995 مقصودًا لذاته، وليس مجرد سهو أو خطأ.


إضافة إلى ما تقدّم، للأقلية مفهوم محدد لدى فقهاء القانون الدولي، فالبعض أخذ بالاتجاه العددي (يحدد هذا الاتجاه الأقلية بعدد أفرادها) وهو الاتجاه الذي تبنته اللجنة الفرعية للقانون الدولي بشأن الأقليات والتمييز العنصري، ويقصد بالأقلية حسب هذا المفهوم، مجموعة أصغر عددًا من باقي شعب الدولة أو جزء من مواطنيها يختلفون عن بقية شعبها من حيث الجنس أو الدين أو اللغة تكون في وضع غير مسيطر. 

وعليه يستبعد من دائرة الأقلية الأقليات التي تكون في وضع مسيطر في الدولة كالأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا التي كانت تسيطر على الأغلبية السوداء من السكان الأصليين.


والبعض أخذ بالاتجاه الموضوعي: من حيث منطلق التمايز والتباين بين أفراد شعب الدولة من حيث الجنس أو الدين أو اللغة أو الثقافة. فينصرف اصطلاح الأقلية إلى أية طائفة من البشر المنتمين إلى جنسية دولة بعينها، متى تميزوا عن أغلبية المواطنين المكونين لعنصر السكان في دولة معينة من حيث العنصر أو الدين أو اللغة. 


وهو الاتجاه الذي تبنته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر بشأن مدارس الأقليات في اسبانيا.

وأخيرًا الاتجاه الشخصي، حيث يعتمد أنصار هذا الاتجاه في تحديدهم لمفهوم الأقلية على عنصر شخصي بحت مبني على الإرادة والمشاعر ومفاده أن منشأ وجود الأقليات عندما توجد الرغبة من أعضائها في صيانة معتقداتها الشخصية التي تميزها عن باقي المجموع فضلاً عن ولائها لهذه المجموعة، أي هي مسألة تتعلق بالمشاعر والإرادات.

وعليه، نجد أن مفهوم الأقلية باتجاهاته المختلفة (العددي أو الموضوعي أو الشخصي) لا ينطبق بعض فئات مواطنينا الأعزاء الذين ساهموا في بناء الدولة، وكان وجودهم أيضًا سابق على تأسيسها، فمعتقداتهم الشخصية مصونة.


وهناك العديد من النصوص الدستورية تحقق الغايات التي ترمي إلى تحقيقها الفكرة من إنشاء الأقلية دوليًا، فالحريات الأساسية مكفولة كحرية العقيدة الدينية، وحرية تكوين الجمعيات، وحرية التعليم، والحق بالعمل، وقد سادت في العصر الحديث أفكار مثالية كفكرة التسامح الديني والعرقي.

وطغت تلك الأفكار على كافة المجالات واستقرت في الضمير الإنساني، وكل ذلك مغلف في إطار جامع مانع بين جميع مواطني الدولة ألا وهو مبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة (6) من الدستور، فالأردنيون أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين.


لقد صاغ المشرع الدستوري الأردني فكرة المساواة من ناحية قانونية خالصة، حيث تدور حول أن يكون جميع أفراد المجتمع إزاء القانون في مركز واحد دون تفرقة أو استثناء سواء كان هذا القانون يقرر منفعة (المساواة في المنافع العامة).

أو يفرض التزامًا (المساواة في تحمل التكاليف العامة)، أي أن يكون القانون عامًا عمومية مطلقة حتى ينطبق على جميع أفراد المجتمع دون استثناء، ولما كان من العسير أن يكون جميع أفراد المجتمع في مركز واحد حتى يكون القانون واحد بالنسبة للجميع، لذلك قيل بأنه يمكن الاكتفاء بالمساواة النسبية التي تنطبق على مجموعة من أفراد المجتمع التي تتوافر الشروط التي يتطلبها القانون.


وعليه، يمكننا قبول تعبير مقاعد مخصصة أو مقاعد محجوزة أو حتى كوتا، لكن لا يمكن قبول تعبير (أقلية).

وثيقة "نختار الحياة": مقاربة جديدة لدور المسيحيين في العالم العربي

قاسم قصير - عربي 21

شهدت كنيسة مار الياس في منطقة أنطلياس (القريبة من العاصمة اللبنانية بيروت) في الثامن والعشرين من أيلول؛ إطلاق وثيقة مسيحية عربية جديدة تحت عنوان: "نختار الحياة: المسيحيون في الشرق الأوسط نحو خيارات لاهوتية ومجتمعية وسياسية متجددة".



وقد أعد الوثيقة عدد من اللاهوتيين والمفكرين المسيحيين الناشطين في الشأن العام، وبعضهم كان مسؤولا في مجلس كنائس الشرق الأوسط الذي يجمع معظم الكنائس الشرقية. ومن هؤلاء: السيدة ثريا بشعلاني (من لبنان وكانت الأمينة العامة لمجلس كنائس الشرق الأوسط)، القس متري الراهب من فلسطين، الخوري روفايل زغيب (لبنان)، الخوري خليل شلفون (لبنان)، الباحث زياد الصايغ (لبنان)، الأخت إميلي طنوس (لبنان)، القس جورج جبرا القبطي (الأردن)، القسيسة نجلا قصاب (لبنان)، الأستاذ أسعد الياس قطان (من لبنان ومقيم في ألمانيا)، السيد ميشال نصير (من لبنان ومقيم في سويسرا)، الأب كابي الفرد هاشم (لبنان)، كما شارك في إطلاق الوثيقة عشرات المفكرين ورجال الدين والناشطين في الشأن العام.

واعتبر المعدون والمشاركون في إعداد وإطلاق الوثيقة أن المسيحيين في العالم العربي (وهم استخدموا مصطلح الشرق الأوسط) يواجهون تحديات كبرى تضعهم أمام خيارات يتوقف عليها مستقبل وجودهم وحضورهم. 


وهذا يتطلب مقاربات جديدة حول الأوضاع في العالم والعالم العربي ووضع تصورات عملية لمواجهة هذه التحديات، من خلال الاستفادة من دروس المراحل الماضية وخصوصا ما جرى خلال السنوات العشر الأخيرة والربيع العربي.

وقد استعرضت الوثيقة واقع وأحوال المسيحيين في الشرق الأوسط وعرضت لعناصر القوة والضعف والعلاقة مع الحداثة المجهضة والعولمة الملتبسة، ومن ثم استعرضت تحولات الربيع العربي والتغيرات الناتجة عن الأوضاع البيئية والصحية، ولا سيما أزمة فيروس كورنا وانعكاس كل ذلك على الواقع المسيحي.


ومن ثم قدمت الوثيقة أفكارا واقتراحات عملية لمواجهة مختلف التحديات، وتحديد الدور الذي ينبغي أن تقوم به الكنائس في العالم العربي على مختلف الصعد الدينية واللاهوتية والتنشئة، ومواجهة إشكالية الوجود والعلاقة مع المجتمع، وتحدثت عن تحديات الحاضر والمستقبل داعية إلى مقاربات جديدة للدور المسيحي من خلال عقد اجتماعي جديد، والرهان على التعاون الجماعي وثقافة الأخوة الإنسانية واعتماد خطاب لاهوتي جديد.

وختمت الوثيقة بالدعوة لعدد من الخيارات والسياسات ومنها: الاستمرار بالوحدة المسكونية بين الكنائس مع تطوير تجربة مجلس كنائس الشرق الأوسط ونفض الغبار عنه، ومقاربة قضايا المنطقة وشعوبها بالاستناد إلى لاهوت سياقي وطني وإقليمي، وتجديد الخطاب الكنسي واللاهوتي بما يتلاءم وأحوال العصر، وتفعيل رابطة كليات ومعاهد اللاهوت في الشرق الأوسط، وتبني المسيحيين في الشرق الأوسط سياسات جديدة بعيدا عن السلطات القمعية واعتماد خيار الديمقراطية، وتوثيق العلاقة بالشباب وتبني هموم النساء ومشاكلهم والتواصل مع المغتربين، وتطوير الحوار الإسلامي- المسيحي واعتماد رؤية جديدة لهذا الحوار، وتعزيز حضور المسيحيين في مؤسسات الدولة والاهتمام بقضايا الشأن العام، وتطوير العلاقة مع أبناء الديانة اليهودية ومواجهة التيارات المسيحية الغربية الداعمة للصهيونية، وتبني قضايا الشعب الفلسطيني وصولا لقيام السلام الحقيقي والدولة المدنية في فلسطين، والعمل الجاد لقيام قوانين مدنية للاحوال الشخصية وتحقيق المساواة بين المواطنين، واعتماد حياد الدولة تجاه الأديان والالتزام بالمواطنة، والانحياز إلى قضايا الحريات وحقوق الانسان والديمقراطية والتدوال السلمي للسلطة، والاهتمام بالإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ومتابعة أوضاع اللاجئين والاهتمام بمشاكلهم وهمومهم.


هذا أبرز ما ورد في هذه الوثيقة المهمة، والتي تحتاج إلى قراءات هادئة ومناقشة لمختلف البنود فيها. وقد تم تعميمها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومن خلال صفحات خاصة تحت عنوان: نختار الحياة. ورغم أن الوثيقة لم تصدر عن جهات كنسية رسمية ولم يتم تبنيها من قبل الهيئات الكنسية المركزية التي تدير أوضاع المسيحيين عالميا وإقليميا، ولا يمكن اعتبارها مجمعا كنسيا جديدا، فإنها تعبر عن مناخ فكري وسياسي ولاهوتي واجتماعي داخل البيئة المسيحية في العالم العربي، ومن هنا أهمية التعاطي معها ومناقشتها.

وهذه الوثيقة تتلاقى مع المناخ السائد عالميا ولدى بعض الكنائس العالمية والأوروبية بالدعوة إلى لاهوت جديد تحت عنوان: "لاهوت الشأن العام"، والذي سبق أن جرى الحديث عنه في مؤتمرات ولقاءات فكرية في بيروت وعواصم عربية وأوروبية. كما أن هذه الوثيقة تقترب كثيرا من مضمون "وثيقة الأخوة الإنسانية"، والتي تبناها البابا فرانسيس مع شيخ الأزهر الإمام الدكتور أحمد الطيب. 


وهي تلاقي أيضا العديد من الوثائق الحوارية والداعية لحماية التنوع والمواطنة، وإن كانت تركز أكثر على موضوع الحريات والديمقراطية ورفض السلطات القمعية، مما يشير لخطاب كنسي جديد يخالف بعض الكنائس الرسمية التي تحرص على العلاقة مع السلطات القائمة في العالم العربي، بغض النظر عن شرعيتها وديمقراطيتها وقمعها لشعبها.

نحن إذن أمام حوار متجدد داخل البيئة المسيحية العربية حول مختلف القضايا المعاصرة. ورغم أنه من غير السليم أن يتم تقسيم النقاش في العالم العربي على أسس دينية أو طائفية، أو الفصل بين ما يجري في البيئات المسيحية عما يجري في البيئات الإسلامية المختلفة، وأننا نحتاج إلى حوار مشترك على أساس الانتماء للوطن وعلى قاعدة "إننا كلنا في الهم شرق"، وأن همومنا في العالم العربي موحدة ولا تنقسم بين همّ إسلامي أو همّ مسيحي، فإنه من الضروري رصد ومتابعة هذه النقاشات في البيئات المسيحية والبحث عمن يلاقيها في البيئات الإسلامية؛ للتأسيس لحوار عربي جديد قائم على أساس المواطنة وقيام الدولة المدنية، والدفاع عن حقوق الإنسان وحماية الحريات والتنوع وملاقاة قضايا العصر.


وللأسف، فإن الأطر العربية أو القومية أو الحوارية المشتركة قد تراجع دورها، مثل المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي ومؤتمر الأحزاب العربية ومؤتمر الحوار الإسلامي- المسيحي، وغيرها من اللقاءات المشتركة.

كما أن معظم مراكز الدراسات العربية التي كانت ناشطة في الحوار ومواكبة قضايا العصر قد تراجع دورها، وبعضها يواجه اليوم أزمات مالية كبرى كما يحصل مع مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت. 


ولذا فنحن بحاجة لعقل عربي جديد يواكب المتغيرات الحاصلة، ويعيد بناء أسس المشروع النهضوي العربي بعيدا عن المذهبية والطائفية.

وفي الختام لا بد من التأكيد على أهمية وثيقة "نحن نختار الحياة"؛ لأنها تشكل حافزا للحوار والنقاش حول مختلف القضايا في العالم العربي اليوم، وليس فقط حول أحوال وأوضاع المسيحيين في الشرق الأوسط.

معايير أخلاقية موحّدة

أمل الحارثي - الأردن - تعددية

اِنتشر قبل أيّام مقطع فيديو لشابّ يتمشى على أحد شواطئ مصر، وهو يُشير إلى النساء المستلقيات بملابس السباحة ضاحكًا مستهزئًا. "لَحْم رخيص"، جملة كرّرها الشابّ في مقطع لا يتجاوز الدقيقة.



لتبدأ بعدها حملة تحريض على الشاب، والمطالبة بعقابه على اعتباره متحرّشًا يسيء لسمعة مصر، ويؤثّر سلبًا في قطاع السياحة الذي بدأ بالتعافي بعد الركود، الذي تسبّبت به الأزمة الصحية العالمية.

لقد أزعجني الفيديو، وتمنّيتُ في بادئ الأمر أن يعاقَب الشاب حتّى يكون عبرة لصنّاع المحتوى، إلى أن رأيتُ الشابّ يَخرج في مقطع آخر مصدومًا من الحملة التي أثيرت عليه، وخائفًا من تداعيات مقاضاته لسبب لا يعرفه، وهو يتساءل بكلّ براءة عن الذنب الذي اقترفه. وهنا كانت نقطة التحوّل في رأيي. 


فالشاب لم يعتذر، لأنه لم يدرك الخطأ الذي وقع فيه، ويظنّ أنّ ما فعله أمرٌ عاديّ طبيعي. فهو يعيد ما تَعلّمه في بيته ومدرسته وجامعته، وما سمعه من المنابر ومن المسلسلات والأفلام، ألم نسمع بجملة "لحم رخيص" في بعض المسلسلات؟ ألا يوجد فيلم يحمل نفس العنوان؟! ألا يَستخدم الأهل أو المَدرسة أو الداعية الجملة نفسها، لحثّ الفتيات على الحجاب؟

الشابّ لم يأتِ بأمر جديد، فهو أعاد فقط ما سمعه مئات المرّات ومن مصادر موثوقة، بل وبعضها معتمَد لدى الدولة. فلماذا يدفع هو ثمن كل هذه الفوضى؟! لماذا لا يعاقَب من علّمه أن كل مختلف هو شخص رخيص يستحق الازدراء، بدلًا من أن يُعلِّمه أن الآخر هو شخص مختلف في قناعاته، وله الحقّ في ممارسة حريته ما دام لا يؤذي الآخرين؟!


الأمر ذاته يتكرر مع شباب أردنيّين حاولوا تقديم محتوًى فكاهيّ، ليجدوا أنفسهم في فخّ التحريض على العنف ضد المرأة والتنمّر اللفظي، لأنّه -برأي متِّهِمِيهم- يندرج تحت باب الإساءة والتحريض، مع غياب تامّ للوعي بما يجوز تقديمه للمُشاهد وما لا يجوز تقديمه. 

هؤلاء الشباب -وإن وُجدَت فيهم الموهبة والشغف- يبقى حاجز المعايير الأخلاقية يَحُدُّ مِن موهبتهم، ويمنعهم من أيّ تقدّم، وتتكرر الآفة نفسها معَ صنّاع محتوى كثيرين/ات من دول عربية أخرى.


فتحت هذه الفيديوهات عندي باب التساؤلات، حول الظلم الذي يتعرض له شبابنا. فهم لا يُحاسَبون عندما يتجاوزون الأعراف والتقاليد فقط، بل أيضًا عندما يتشبعون بها ويعتنقونها. 

هذه الفوضى الأخلاقية التي يعيش فيها هؤلاء الشباب، تجعلهم معرَّضين لمشاكل عدة، بمجرّد خروجهم من البيئة التي تفرض عليهم معاييرها. 


وهذا ما نراه بوضوح عندما يغادر الشاب إلى بيئة عمل أخرى، أو عندما يهاجر إلى الغرب. بعضهم دفع من عمره وحياته ثمن هذه الفوارق في البيئات، كأنْ يتشبع الشاب بفكرة أنّ كل فتاة غير محتشمة هي فتاة سهلة جاهزة للعلاقات العابرة، ليجد نفسه يحاكَم بتهمة التحرّش أو الاغتصاب أو العنف اللفظي أو الجسدي.

هذا الخطاب الذي يزدري الآخر ويحطّ من قدره، بل ويبرّر انتهاكه، خطابٌ مدمّر لشبابنا ولمستقبلهم، قبل أن يكون مدمّرًا لنا بوصفنا مجتمَعًا. 


فنحن لا نعيش في بيئات منعزلة عن العالم، ولم يكن العالم صغيرًا كما هو اليوم. هناك معايير أخلاقية عالمية تحدّدها مبادئ حقوق الإنسان، ولا يمكن تجاوُزها. 

وإن كان تجاوُزها في بيئة معيّنة مقبولًا، على الرغم من تداعياته السيّئة على أبنائه، فهو مُجَرَّم في بيئة أخرى. إنها معايير تقوم على احترام الحريات الفردية وحقوق المرأة وحقّ التعبير وحقّ الدين والمعتقد، وعلى غيرها من مبادئ حقوق الإنسان التي أقرَّتْها أغلب دول العالم.


بالعودة إلى الشاب الخائف من تداعيات الفيديو الذي اتُّهم على أثره بالتحرّش اللفظي، وبالعودة إلى غيره من الشباب الذين ينشرون محتويات تنتقد هذه الفوضى الأخلاقية، فأنا أدعو إلى ألّا تجري معاقبتهم بما يهدّد مستقبلهم، فهم ضحايا أوّلًا وأخيرًا، ويمكن استبدال العقوبات بالخدمة المجتمعية، بل ويمكن استغلال شعبيّتهم على وسائل الاتصال الاجتماعي لتقديم محتوى يبيّن هذا الخلل، ويوضّح للشباب المعايير الأخلاقية التي يجب أن تُتّبع في كل البيئات، وإلّا فإنّ الحادثة ستتكرر كل يوم، وسيدفع شبابنا الثمن من مستقبلهم، وستدفعه بِلادُنا من سُمعتها.

المساحات الرمادية في فهم الدين

روجيه أصفر - سوريا - تعددية

كثيرًا ما تصطدم النقاشات الدينية التي تدور في الحياة الواقعية أو في ساحات مواقع التواصل الاجتماعي، برفض كثيرين/ات لآراء دينية وتفسيرات -يمكن وصفها بالمعتدلة- حول هذا الدين أو تلك الطائفة أو هذا النص أو تلك العقيدة، إذ يعبِّر الرافضون/ات –سواء أَمِنَ المحافظين دينيًّا كانوا أمْ من غير المؤمنين- عن تمسكهم بالرأي الأكثر تطرفًا، والذي قد يكون لأسباب عديدة الرأيَ الأكثر رواجًا.



واحدة من مشكلات هذا الرفض، هي استناده إلى رواج الأفكار المتطرفة. فالطائفيُّ الذي يناقش عقيدة طائفة أخرى أو دين مختلف، أو اللاديني الذي يريد تبيان ما يراه خطأً في الدين، لا يستند بالضرورة إلى التعليم الرسمي أو المعتمَد للدين، بل إلى ما هو رائج. وإنْ خُيِّر بين رأيَيْن مال إلى الأكثر تشددًا منهما بحجة انتشاره ورواجه، ونظر إليه باعتباره الأكثر تمثيلًا لجوهر الدين. الخطر في هذه الممارسة هو حصر فهم الدين في هذه الحالة في صورة واحدة، حيث لا خيار مقبول غيرها، وكأنه لا مرونة في فهم الدين، ولا تنوُّع في الآراء والممارسات الدينية -ولو ضِمن حدود تَضيق أو تتسع-.


في نقاش مع رجل دين مسيحي كاثوليكي خلال محاضرة جامعية، طرح أحدهم موضوع قبول الكنيسة الكاثوليكية عقد زواج بين طرف مسيحي وآخر غير مسيحي، بغض النظر عن كون الطرف المسيحي هو الرجل أو المرأة، ضِمن شروط محددة واضحة ومتاحة. فما كان من رجل الدين إلا أن احتدَّ ورفض ذلك رفضًا قاطعًا، مشدِّدًا على عدم صحته أو جوازه، في حين أن الحقيقة كانت إلى جانب من طرح فكرة صحة عقد زواج مماثل؛ إذ إنَّ مجموعة قوانين الكنائس الشرقية التي تَحكم ممارسات الكنائس الكاثوليكية الشرقية في هذا الإطار، تُجيز بوضوح زواجًا مماثلًا. في هذه الحالة/المثال تَمسَّك رجل الدين -عن علم أو عن جهل- بالرأي الخاطئ الأكثر تشددًا، رافضًا حقيقة وجود قانون أكثر رحابة أو قبولًا للآخر مما هو سائد ومتعارَف عليه اجتماعيًّا.


في مثال آخر، يرفض مثقف لاديني حقيقة أن الكنيسة تقول بخلاص غير المسيحيين إن كانت حياتهم ملتزمةً القيم الخيِّرة ومتجنِّبة الشرور، حتى ولو لم ينالوا العماد، أو حتى إنْ كانوا مؤمنين بدين آخر وممارسين لطقوسه. وتتضمن أمثلة مشابهة نقاشات متعلقة بأديان وطوائف أخرى بطبيعة الحال، لكن يبقى الرفض المذكور في إطار التمسك بالتصور أو الفكرة المسبقة السلبية عن الآخر ومعتقده، أو في مسعى شيطنته وتحميله -فردًا كان أو مجموعةً- مسؤولية ما قد اقترف بِاسم الدين.


لا يعني كل هذا عدمَ انزلاق تفسيرات دينية عُدَّت مقبولة -في الماضي والحاضر-، نحو التأسيس لأفعال وممارسات غير مقبولة، لكنه يعني في المقابل أن الدين -كغيره من أمور الحياة مِثل السياسة وغيرها- أمر يَحتمل آراءً متعددة، وفهمًا متنوعًا للعقائد والنصوص، وهذا منبت المذاهب والطوائف والتيارات ضمن الدين الواحد.


من يَدخل كليات اللاهوت ومعاهد العلوم الشرعية، يلحظ في كثير منها ظهور هذا التنوع المقبول، بل المرحَّب به في الآراء. ومعنى المقبول هنا أنَّ الاختلاف في الرأي والممارسة ضِمن حدود معيَّنة، لا يُخرج صاحبه من الدين (أو بتعبير آخَر لا يُكفِّره). وبطبيعة الحال، يتدرج هذا التنوع من الأكثر مرونة أو تحرُّرًا وليبرالية، إلى أكثرها محافَظة وتشدُّدًا. من المهم هنا، ألَّا يكون فهم الدين وتفسير نصوصه وعقائده حكرًا على رجال الدين، بل ينبغي أن يمتد أكثر فأكثر ليشمل فهم المؤمنين "العاديين" له، وطُرقَ عيشهم إياه. لا يمكن نكران وجود نصوص رسمية صادرة عن مؤسسات دينية لها وزنها، تَحمل آراء وأحكامًا متشددة، ولكنها لا تلغي وجود آراء أخرى مختلفة تكرِّس التنوع.


الموقف من هذه الآراء المختلفة -من أي جهة أتى- يجب أن يتضمن الدفاع عنها بوصفها حرية رأي مشروعة، وأن يعمل على تعزيزها، لِكونها توفر البيئة لإنتاج فكري ديني أكثر اعتدالًا، ولأنها -بصفتها مثالًا على حقيقة وجود التنوع في هذا الوسط- تُعتبر مَدخلًا أساسيًّا إلى أي تغيير إيجابي، وأيِّ إصلاح أو تطوير ديني. دعْمُ التنوع في هذا المجال –وفي غيره- هو دعم للحقيقة والغنى الفكري.


أيضًا من وجهة النظر المعادية للدين، لا يمكن لعاقل أن يفكر في إلغاء مليارات المؤمنين بالأديان، بل يجب تعزيز الفكر النقدي وتنوع الآراء، الذي قد يفضي إلى فهْمٍ وصورة وممارَسةٍ أصحَّ للدين، وُصولًا إلى تحقيق المقصد الإلهي الذي يعتقده المؤمنون من وراء الدين، دون مسِّ حقوق غير المؤمنين. أما حصر الفكر الديني المقابل في ثنائية أبيض وأسود لا ثالث بينهما، فلا يصبُّ إلا في مصلحة المتطرفين والمتشددين، الذين -إنْ سادوا وحدهم- ما بقي في الساحة إلا غلاة التشدد من كل طرف، وحينها ستكون العاقبة وخيمة.

يُخيّرنا الله فنختار!

أشخين ديمرجيان 

كتب الفيلسوف الفرنسي "جاك ماريتان" كتاباً تحت عنوان "الإنسانيّة الكاملة"، بيّن فيها عظمة الإيمان فكريّاً وفلسفيّاً ونفسيّاً واجتماعيّاً وعالميّاً في بناء الحضارة على أسس التفكير القويم والمنطق السليم والقيم الإنسانيّة النابعة عن الإنجيل المقدّس. 



ولا عجب،  فالسيّد المسيح هو الإنسان الكامل، وسيرته وتعاليمه كفيلة في الماضي والحاضر والمستقبل بأن توصل الأفراد والمجتمعات والشعوب إلى شريعة الكمال، بما أنّه له المجد (هو هو أمس واليوم والى الأبد).

وفي رأيي المتواضع الإيمان القويم لا يعني تسخير الأمور لتسير بناءً على رغباتنا وهوانا، بل يعني تبنّي نظرة إيجابية تجاه كلّ شيء حتّى الألم. 


والثقة أنّ الصعوبات والعوائق يسمح بها الله كي نعرف طريقنا إليه عزّ وجلّ، ونسلم بوجوده الخفيّ في حياتنا وكياننا ، ونستودعه شؤون حياتنا فيختار لنا الخير دوماً، فنكون قد وجدنا الطاقة الخفيّة التي تولّد الهناءة (أهمّ ما في الكون) لأنّ هذا السلام الداخلي هو  الحياة الحقّة ، حينئذٍ فقط نملك الحريّة والفرح.

وهكذا نكون قد وصلنا إلى ممارسة الإيمان الصادق مع التفكير الإيجابي. وقد وضعنا المستقبل القريب والبعيد بين يدي الله بثقة عمياء لأنّه لا يخذلنا أبداً. والإيمان لا يعني الشفاء من الأمراض بل الاتّكال على رحمته تعالى سواء شفينا أو واجهنا المرض والموت. 


ولا يعني أننا وأحباءنا معفيين من مواجهة الموت. فإذا فقدنا عزيزاً نحبّه أو عشنا مآس محزنة لسبب أو لآخر، ما علينا إلا أن نضع أنفسنا وآلامنا بين يدي الله، لأنّه يعرف عمق الألم الذي نختبره، فتفيض علينا قوّته العليا لكي تعيننا في اجتياز المحنة –مهما طالت مدّتها أو قصرت– ونتغلّب عليها. 

وهكذا يعترينا تغيير شامل في اللحظة التي يريدها الله... ويُنعش التغيير حياتنا، ويزيح عنّا الحزن والخوف، ثمّ نكتشف فجأة أنّ الحياة جميلة رغم كلّ المحن.


ومهما كانت الأسباب التي تؤلمنا في الوقت الراهن من مرض أو صعوبات في الحياة أو ضيق مادي أو مدير عمل ينغّص حياتنا أو خيانة أو فقدان شخص عزيز... ينبغي أن نستسلم ونتنازل عن رغباتنا وتوقّعاتنا كي نتسامى على الألم الذي نختبره في حياتنا الراهنة. هكذا نتغلّب على الظروف الصعبة ممّا يساعدنا على بناء أنفسنا لتحقيق راحة البال المنشودة.

يترك لنا الله ملء الحريّة في الاختيار. إمّا الإيمان الثابت والإيجابيّة والفرح والثقة بالنفس، أو النزعة إلى عدم الإيمان وما نُجرجره من خيبة أمل واكتئاب وأمراض. بقي أن نعرف أنّ الإيمان يحرّرنا ويُشعرنا بالأمان والراحة ويمتّعنا بصحّة جيدة في أوقات حياتنا الصعبة. يُعطي الإيمان القويم لآلامنا صبغة روحانيّة ومعانٍ سامية. 


الإيمان الراسخ هو الاستعداد الدائم لاستقبال ما لا نتوقّعه أو لا نريده. باختصار في غاية الإيجاز هو التفكير الإيجابي والتصالح مع الواقع مهما كان أليماً وتُصبح الحياة حلوة اذا كانت ثقتنا بالله عمياء.

هذا مع العلم أنّ الإنجيل المقدّس يشجّعنا على التفكير الإيجابي في آيات كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: "وبعد، أيّها الإخوة، فكلّ ما كان حقًّا وشريفًا وعادلاً وخالصُا ومُستَحَبًّا وطيّبَ الذكر وما كان فضيلة وأهلاُ للمدح، كلّ ذلك قدّروه حقّ قدره" (فيلبي 4: 8).


خاتمة

خلاصة القول اذا كان إيماننا صادقاً يُصبح نمط تفكيرنا إيجابياً. واذا كنّا إيجابيين تمتّعنا بالصحة النفسيّة وراحة البال. كما ورد في الكتاب المقدس: "وإنّنا نعلم أنّ جميع الأشياء تعمل لخير الذين يُحبّون الله..." (رو 8 : 28) أي الذين دعاهم الله إلى محبّته فلبّوا دعوته.

حقوق الإنسان وحقوق المرأة

أمل الحارثي - الأردن - تعددية

"حقوق الإنسان لا تُختزل بحقوق المرأة"، بهذه الجملة بدأ أحد المغرّدين سلسلة تغريدات داعمة ومؤيّدة، بل وفرحة باستلام طالبان الحكم في أفغانستان. 



لقد رأى صاحب التغريدة -الذي يعتقد أنّه من محبّي الحرّيّة والحالمين بها- أنّ حقوق 50% من الشعب، ليست بالأهمّيّة التي يروّجها دعاة حقوق المرأة، بل إنّه ذهب أبعد من هذا، ليتّهم كل شخص لم يهلّل لحكم طالبان بأنّه مُحبّ للاحتلال الأميركيّ وراغب فيه.

وهذا ما أكَّده مُغرّد آخر اتَّهم كلّ الأفغان الذين يحاولون الفرار من حكم طالبان بأنّهم عملاء لأميركا، في ظُلم متعمَّد لقطاع كبير من الشعب الأفغانيّ الذي عانى الأمرّين خلال عقود، سواء من الاحتلال الأجنبيّ أو من الجماعات المسلّحة التي تَحكم بِاسم الدين. ذلك الشعب لم يقترف ذنبًا سوى أنّه رغب في أن يحيا حياة آدميّة، بعيدًا عن الدماء والحروب والقمع.


من الغريب أن تُهلّل أعداد ليست بالقليلة من الشعوب العربيّة للحكم الدينيّ في بلد ما، وهم أنفسهم ذاقوا ويلاته في بلاد أخرى، أو على الأقلّ شاهدوا بأمّ أعينهم نتائجه في دول مجاورة. 

والأكثرُ غرابةً أن يهلّل الشخص لحكم دينيّ في بلد ما، ثم يسعى بكلّ ما أوتي من وسائل للهجرة إلى بلد علمانيّ تَحكمه قوانين حقوق الإنسان واحترام الحرّيّات، ولا أجد تفسيرًا لحالة هؤلاء الناس سوى أنّهم يعانون الازدواجيّة الحادّة. 


فهم من جهة لا يتمنّون ولا يرغبون في العيش تحت حكم دينيّ، لكنّهم من جهة أخرى يهلّلون له، ولا يأبهون بغيرهم ممّن يعانون تحت وطأته.

هذه الازدواجيّة ليست جديدة أو بعيدة عن مجتمعاتنا، بل يا للأسف هي سمة من سماتها، ونجدها بشدّة في استطلاع الآراء تجاه قضايا اجتماعيّة شتّى. فمثلًا: القسوة في الأحكام على كلّ مخطئ، والتعليقات الجارحة، وعدم مراعاة نفسيّة الآخرين، كلّها مشاكل يمكن أن تُحلّ إذا ما وضَع أحدنا/إحدانا نفسه مكان الآخر. 


هي الازدواجيّة نفسها التي نراها، عندما يهلّل أحدهم لحكم دينيّ في بلد ما في تغريدة، وهو نفسه الذي كتب تغريدة قبل يومين يفخر فيها بابنته التي تخرّجت في جامعة غربيّة عريقة. 

هو يريد لابنته أن تحيا وتنجح وتعمل، ولكنّه لا يأبه بنساء الأرض كلّهنَّ، إنْ جرت معاقبتهنّ بالجلوس في البيوت والمنع من العمل. 


أيضًا هناك فئة في المجتمع تنظر إلى أيّ قضيّة من منظور جماعيّ، حيث حياة الأفراد ليست مهمّة أمام الجماعة. بالنسبة إلى هؤلاء، الحرّيّات الشخصيّة كلّها غير مهمّة في سبيل المصلحة العامّة، التي هي رفعة الدين وعلوّ شأنه. 

إنه تفكيرٌ رجعيّ لم يعُد يصلح في هذا الزمن، الذي لا تُبنى فيه أمّة على قوّة أجسام أبنائها وأعدادهم وقدرتهم الجسديّة على حمل السيف والقتال به، بل تُبنى على عقول أبنائها وكفاءتهم(نّ) وقدرتهم(نّ) على الابتكار والإبداع الذي لا تَحدُّه قيود أو عوائق... بِناء الأمَّة يأتي نتيجة لبناء الإنسان أوّلًا.


مسكين هذا الذي يعتقد أنّ المرأة وحدها مَن ستدفع الثمن نتيجة أيّ حكم دينيّ. لطالما استُخدم الدين للسيطرة على الناس، وكان سلاحًا فعّالًا في يد الحكومات الاستبداديّة لقمع كلّ مخالف. 

ثم إنَّ الحرّيّات بعضُها مرتبط ببعض ارتباطًا وثيقًا، ولا يمكن فصل حرّيّة المرأة عن حرّيّة التعبير والفكر والحرّيّات الشخصيّة، وما المرأة إلّا مفتاح يُستخدم لغلق باب يأتي بالأعاصير للحكومات الاستبداديّة. 


مِن مصلحة هذه الحكومات أن يظلّ الشعب خائفًا مرعوبًا من الحرّيّة. فهي من جهة، تَستغلّ كلّ صوت مُعارِض له أفكار مغايرة لعامّة الناس بتخويف الناس على دينهم، حيث تَنشر بينهم الخوف من المؤامرات الأجنبيّة والأصابع الخفيّة، التي تريد أن تقضي على دينهم، وتَنشر الإلحاد في صفوف أبنائهم. 

تخترع هذه الحكومات عدوًّا خفيًّا يعمل ضدّ الدين، وتحشد الناس ضدّ هذا العدوّ الخفيّ، وتضمن ولاءهم رعبًا من البطش بهم من جهة، وخوفًا على الدين من جهة ثانية.


أيضًا تَستخدم الحكومات سلاح التخويف هذا، لإلهاء الناس عن القضايا المهمّة الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة. فتجد الشعوب في هذه الدول منشغلة بقضيّة لبس المرأة، أكثر من انشغالها بالتعليم والصحّة والقطاعات الأخرى المتدهورة. 

أمَّا تلك الحكومات، فتَصنع انتصارات وهميّة في كلّ مرّة تقمع فيها النساء والمعارضين. فيهلّل لها العامّة عن جهل، في حين تستمرّ دائرة الفقر والجهل، وما يترتّب عليها من أجيال مظلومة وظالمة في آنٍ معًا.


أتفهَّمُ أهمّيّة انتهاء الاحتلال الأجنبيّ لأيّ بلد كان. لكنْ، ما مررنا به من تجارب في عشر سنوات ماضية، كان كفيلًا بجعلنا ندرك أنّ عدوّ أيّ وطن ليس المحتلّ الأجنبيّ فقط، بل عدوّ الحرّيّات هو عدوّ الوطن أيضًا، خصوصًا العدوّ الذي يقمع بِاسم الدين. 

فلا ينفع معه نقاش على الصعيد الإنسانيّ، لأنّه يعتقد أنّ أوامره تأتي من الله. ولا أجد فرقًا بين مَن يحتلّ الأرض وينهب الخيرات، ومَن يحتلّ العقول ويسرق الأعمار وينهب الخيرات أيضًا.

ملح الأرض

أشخين ديمرجيان

يحفظ الملح الأطعمة من الفساد ويعطي للطعام مذاقه... كما أنّ بعض أنواع الأملاح تُستخدم لتسميد الأراضي الزراعية. تأتي الآيات في الكتاب المقدّس لتؤكّد للمؤمن أن يكون قدوة صالحة لغيره كي يجتذب الآخرين إلى الإيمان بالله ويردّ النفوس عن الضلال فيكون سبباً في خلاصهم.



وللملح رموز في الكتاب المقدّس. في العهد القديم، يرمز الملح إلى عهد الله مع البشر، وإصلاح كلّ تقدمة  للربّ بالملح،  كمدلول للأمانة في العهد مع الله. لذلك كان كهنوت اللاويين في عهد النبي موسى يربط الملح ب "العهد" أي عهد الله مع الخلائق، "الميثاق الأبديّ" بين الله والناس. 

"وكلّ تقادم الأقداس التي يقدّمها الشعب للربّ، لك أعطيتها ولبنيك وبناتك معك فريضة أبديّة: ذلك عهد ملح أبديّ أمام الربّ لك ولنسلك معك" (سفر العدد 19:18). و"عهد الملح" أي الميثاق الأبديّ مذكور في سفر (الأخبار الثاني 5:13) وسفر اللاويين (3:2).


وعلاوة على ذلك، روح الله يرفّ على وجه المياه المالحة واهبًا الحياة في (سفر التكوين 1) ويرمز إلى (عهد الخلق).  وكانت المياه في فيضان نوح مالحة (عهد نوح). كان البحر الأحمر مالحًا (عهد موسى).

ويُشار أيضًا إلى أليشاع النبي، حينما قال له أهل المدينة : «إنّ موقع المدينة حسن، كما يرى سيّدي، إلاّ أنّ ماءها رديء والأرض مجدبة». فقال: «ائتوني بصحن جديد، واجعلوا فيه ملحًا». فجاؤوه بذلك. 


فذهب إلى منبع الماء وطرح فيه ملحًا وقال: «هكذا قال الرب: إنّي قد شَفَيت هذه المياه، فلا يكون منها بعد اليوم موت ولا جدْب».فبرئت المياه إلى هذا اليوم، حسب قول أليشاع الذي نطق به. (سفر الملوك الثاني 2 وتابع).

كان أليشاع يستخدم الملح النقي فتصبح الأشياء غير نقيّة. ويصبّ الماء على الذبيحة ومع ذلك تحترق الذبيحة. أي أنّ عمل أليشاع كان يُعطي خلاف النتيجة المعروفة والمُتوقّعة، وهذا التحوّل الغريب يُعدّ معجزة.


ولاهوت الملح واضح في أقوال السيّد المسيح في العهد الجديد. بعد عظة الجبل الشهيرة، يقول سيّدنا المسيح لتلاميذه: "أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح، فأيّ شيء يملّحه؟ إنّه لا يصلح بعد ذلك إلاّ لأنْ يُطرح في خارج الدار فيدوسه الناس" (متّى 13:5). 

يحذّرنا السيّد المسيح من الضلال، كي نفيد العالم ونحفظه من الفساد عن طريق ميثاقنا الأبدي مع الله. رسالتنا أن نكون ملح الأرض ونور العالم المستمدّة من هويّة السيّد المسيح،  لذا علينا ان نراجع أنفسنا ونفحص ضمائرنا كي نكون من الملح الجيّد. هل نحن أهل لأنْ نوصف بالملح الجيّد الذي يطيّب الدنيا ومَن عليها؟! إنْ لم نكن كذلك لا قيمة لنا.


وكلّ هذا يذكّرنا بالصداقات ومقولة "العيش والملح" أي "عمق العشرة" وهذا يتطلّب طيب المعشر. ونعرف ذلك من خلال حياتنا اليوميّة والأمثال العامّيّة والحكايات والمعتقدات الشعبيّة. ونلاحظ أنّهما (أي الخبز والملح) مُحاطان بهالة من القداسة ممّا يزيد من أهمّيتهما.

لدينا نموذجان من الملح في الكتاب المقدّس. النموذج الأوّل هو ملح "الإدانة" في العهد القديم. الملح العقيم. عصت زوجة لوط أمرالمَلَك،‏ وبعدما ابتعدت مسافة عن سدوم، توقّفت ونظرت إلى الوراء.‏ 


وحينئذ صارت عمود ملح. اشتهر أهل سدوم وعمورة (بالانحراف والفجور الجنسي العقيم) وهذا التمثال هو "ملح الإدانة" ويقع على مقربة من البحر الميت.

النموذج الثاني هو ملح "الخلاص" في العهد الجديد. الملح مادّة حافظة. تعامل الرسل وكلّهم صيّادين بالملح يوميًا. وكانت وسائل التبريد معدومة في حينه. 


كان يتمّ نقل الأسماك دائمًا بالملح كي تبقى بحالة جيّدة. كان الصيادين بحاجة إلى قوارب وشباك، وكمّيات كبيرة من الملح كي يدخلوا في قائمة التجّار الناجحين.


خاتمة

دعا السيّد المسيح تلاميذه من صيد السمك ليكونوا "صيادي الناس" (مرقس 17:1) كما أنه شبّه ملكوت السموات بشبكة تجمع مختلف أنواع السمك (متى 13: 47) - ينبغي أن يثبّت خلفاء الرسل (الكهنة) جميع المؤمنين بالنعمة ويُحافَظوا عليهم بـ"ملح العهد". 

ومن ثمّ، يصبح الملح علامة لمكافحة عدوى الفساد. وعلامة للوعظ الجيّد والتعليم القويم والنزاهة في الخدمة.

القديسة تيريزا دي كالكوتا، أم الفقراء ورسولة المحبة

إعداد الأب وليم عبدالمسيح سعيد الفرنسيسكاني

وُلدت غانشي بوياخيو في 26 آب عام 1910  في سكوبجي الألبانيّة. والدها نيكول ووالدتها درانا. لها أخوين أكبر منها وهما آجي ولعازر. لاحظت الأمّ أنّ ابنتها غانشي تميل إلى التأمّل بصمت، وتقرأ بشغف قصص المرسَلين المسيحيِّين إلى الهند. 



تقول الأمّ تيريزا عن نفسها: "لم أكن أتعدى 12 سنة من عمري عندما شعرت برغبتي في أن أكون مرسَلة". وبدأتْ غانشي بالتردّد على الكنيسة المجاورة لبيتها يوميًّا مشاركةً في نشاطها، وانتسبتْ إلى أخويّة بنات مريم وساعدتْ، هي وأمها، البنات الفقراء. على أقدام العذراء في ليتينشي "سمعتُ دعوتي الإلهيّة لأدخل في خدمة الله فامتلأ داخلي بالفرح".

عندما بلغت غانشي 18 سنة لبّت دعوتها الإلهيّة القويَّة فسافرت إلى إيرلندا والتحقت برهبنة "عذراء لوريتو" حيث درست، ثم أُرسلت بناءً على طلبها إلى الهند، وبعد رحلة بحريّة دامت 37 يوماً وصلتْ كالكوتا في 6 كانون الثاني 1929 وكان عمرها آنذاك 19 سنة فقط. 


والتحقت بدير الرَّهبنة في داريلينغ القريبة من كالكوتا ودرست فيه لمدّة سنتين. نذرت نفسها للرهبنة في 24 أيار 1931 واختارت لها أسم: تيريزا تيمناً بالقدّيسة تيريزا الطفل يسوع. 

بدأت الأخت تيريزا بتدريس مادّة الجغرافيا والتاريخ في مدرسة "القدّيسة مريم" الثانويّة الوحيدة للبنات في كالكوتا وهي تضمّ بنات الطبقة المتوسطة والغنيّة. ثمّ أصبحت بعدها مديرة لهذه المدرسة. 


وأيضاً أدارت مدرسة للبنات الفقراء، فزاد عملها وانشغالها. وقدّمتْ الأخت تيريزا نذورها الدّائمة للرَّهبنة في 24 مايو 1937.  تعرّفت الأخت تيريزا إلى أخوات "بنات القدّيسة آنا"، التابعة لرهبنتها، وكُنَّ راهبات هنديّات من بنغالا، يعيشنَ ضمن التقاليد البنغاليّة فيلبسنَ السَّاري الهنديّ المصنوع من القطن الرَّخيص ويأكلن بالأيدي وهنّ قاعدات على الأرض، وأصبحتْ الأخت تيريزا مرشدة روحيّة لهنَّ وتعلمت منهنَّ هذه العادات.

في 10 أيلول 1946 وبينما كانت مسافرة في القطار إلى داريلينغ الهنديّة لقضاء رياضتها الرُّوحيّة، ووسط المسافرين الفقراء وصراخ الأطفال، سمعتْ دعوة واضحة من الرَّب لخدمة الفقراء والعيش بينهم، واعتبرت هذا إلهام إلهيّ لها ونور داخليّ. 


بعد هذا تلقت الأخت تيريزا دروساً في الطّب والتمريض وطلبت من رؤسائها الإذن بترك الدّير للإنصراف إلى خدمة الفقراء. وافق البابا بيوس الثاني عشر عام 1948 على طلبها، فتركت الدّير والمدرسة والنعيم الذي كانت فيه واشترت ساري رخيص الثمن أبيض اللّون ذا إطار أزرق وعلقت صليب على الكتف الأيسر، وذهبت إلى  كالكوتا، وصارت تعتني بالفقراء والمساكين وخصوصاً المحتضرين فتنقلهم إلى بيتٍ خاصّ لكي يعيشوا ويموتوا بكرامة وسلام. 

انضمَّت إليها نساء هنديّات ليساعدنها في خدمتها هذه. في عام 1949 طلبت الأمّ تيريزا الجنسيّة الهنديّة فأُعطيت لها. وفي عام 1950 أسَّست رهبنة "مرسلات المحبّة" واعترف البابا بيوس الثاني عشر بالرَّهبنة. 


كانت مهمّة رهبنة الخدمة هذه "العناية بالجائعين والعُراة والمشردين والعاجزين والعميان والمنبوذين والمحتضرين والمرضى الغير قابلين للشّفاء والإحاطة والعناية بهم لكي يشعروا بالعطف والمحبّة والقبول والكرامة". وسمّت مقرّ الرَّهبنة "بيت القلب النقيّ" ويعرف شعبياً بـ"بيت المحتضر".

تلقت الأمّ تيريزا جوائز دولية عديدة وكانت تحول دائما قيمة الجوائز الى الفقراء ، وخاطبت الأمهات قائلة: "إذا سمعتم بامرأة تريد الإجهاض، أقنعوها بأن تحافظ على جنينها وعندما تولد أعطوني المولود، أنا سأحبّه، سأرى فيه علامة محبّة الله لنا".


منذ عام 1997 أُصيبت الأمّ تيريزا بذبحات قلبيّة متكرِّرة وخضعت لعمليّة جراحيّة في القلب. وأُصيبت بالملاريا وبالتهاب الصدر وبذات الرِّئة، ممّا أضعف جسمها الصّغير وفي 5 سبتمبر1997 توقّف قلبها عن الخفقان وهو الذي أحاط بفقراء ومساكين العالم، توفّت الأمّ تيريزا بعد حياة خدمة قدّمتها إلى يسوع ذاته ممثلاً بالفقراء والمحتاجين والمساكين. 

طوّبها البابا يوحنّا بولس الثاني الأمّ تيريزا في يوم الأحد 19 تشرين الأول 2003، واعلنها البابا فرنسيس قديسة يوم 4 أيلول عام 2016.


"شكّلت الرّحمة للقديسة تيريزا بالنسبة لها "الملح" الذي أعطى نكهة لكلّ أعمالها، و"النّور" الذي أضاء ظلمات الذين لم تَعُد لديهم حتى الدموع ليبكوا فقرهم وألمهم. 

أنّ رسالة الأمّ تيريزا في ضواحي المدن وفي الضواحي الوجوديّة تظلّ حتى يومنا هذا كشهادة بليغة لقرب الله من أفقر الفقراء، لنحمل في قلبنا ابتسامتها ولنقدّمها للذين نلتقي بهم في طريقنا لاسيّما المتألمين. فنفتح هكذا آفاق فرح ورجاء لأناس كثيرين يائسين يحتاجون إلى التفهّم والحنان".

مغالطات حوارية شائعة

روجيه أصفر - سوريا - تعددية

تبقى مواقع التواصل الاجتماعي ساحات نقاشات وجدالات لا تنتهي، تزداد حماوة مع حدث أو حملة ما. وبحكم طبيعة هذه الوسائل المتاحة لأعداد هائلة ومتنوعة من المستخدِمين/ات، تتنوع المداخلات والآراء تنوعًا كبيرًا، بين الغثِّ منها والسَّمين، والهزلي والجادّ، والسُّوقي والحضاري...



خلال متابعة جولات عديدة من النقاشات حول مواضيع مختلفة، لُوحِظ في الكثير من المرات تكرار لمغالطات أو أفكار في حاجة إلى تقويم، تعود للظهور مع كل نقاش. وفيما يأتي عرضٌ لأهم تلك الأفكار، أو ربما تصويب لبعض منها:


الموضوعية والحياد: في حالات عديدة يطالب طرف ما محدِّثَه بالتحلي بالموضوعية والحياد، وكأنهما قيمتان لا بد منهما، مُلزِمتان متلازمتان، مع الخلط بين معانيهما.

في الحقيقة بوصفي صحفيًّا أو باحثًا، يجب أن أتحلى بالموضوعية، لكي لا أرصد أخطاء طرفٍ ما -قد يكون خصمي- وأنتقدها، وأتغاضى عن أخطاء الطرف الآخَر -قد يكون حليفي- وأُبرِّرها. 


الموضوعية تفترض عدمَ الكيل بمكيالين، ورؤيةَ طرفَي المنافسة أو الخلاف على أساس المعايير نفسِها. ولكن، لا يمكنني مع ذلك أن أكون -في أغلب الحالات على الأقلّ- حياديًّا. فبين القاتل(ة) والضحية، أو بين المغتصِب(ة) والناجي(ة)، أو بين الظالم(ة) والمظلوم(ة)؛ أنا لست حياديًّا، بل منحازًا إلى الحق ولو كان مع الأضعف، كإنسان أولًا، أي ما لا ينفصل عن كوني صحفيًّا أو باحثًا أو صاحب رأي...

الانحياز -ولو بحقٍّ- يجردني من حياديتي، لكنه لا ينفي موضوعيَّتي. وإنْ كنتُ منحازًا إلى قضية اللاجئين مثلًا، فهذا لا ينفي واجبي أو قدرتي على الرصد أو النقد لِمَا هو غير مناسب، في سلوكيات بعض منهم وممارساتهم.


الموضوعية ليست معيارًا أو قيمة سهل المنال، فهي تزداد صعوبة كلما اقترب الموضوع المعالَج من حيِّزنا الشخصي واهتماماتنا. وهنا قد يأتي دور المشرف أو المحرر، أو المهنية والخبرة، في إبقاء الموضوعية متيقظة رغم الانحياز إلى أحد من أطراف القضية.

حرية الرأي ومضمونه: كثيرًا ما نُواجَه أثناء الحوار بجملة استغرابية، مثل: "ألستَ تنادي دومًا بالحرية والديمقراطية وحرية الرأي؟ هذا رأيي، وعليك أن تحترمه"!


حسنًا، حريتك في التعبير عن رأيك –أو رأي أحد آخر-، يجب أن تكون حقًّا مقدسًا يكفله القانون، ما عدا تلك الآراء المتعلقة بالحض على العنف والكراهية وما شابه. وأيُّ مُدافع عن الحريات أو نصير لحقوق الإنسان، يجدر بأن يبذل ما في وسعه لضمان توافرها للجميع، ويَشمل ذلك الخصوم والأعداء على السواء.

على هذا الأساس، يجب التفريق بين الحرية في تكوين الرأي والتعبير عنه من جهة، ومضمون هذا الرأي من جهة أخرى؛ إذ عليَّ أن أحترم حقك في الرأي والتعبير، ولكن هذا لا يعني بالضرورة موافقتي عليه أو حتى احترامي لمضمونه. 


فمثلًا: مِن حق أحدهم في نقاش ما التعبير عن رأيه والقول: "إن الإسرائيليين هم الضحية، في حين يقف الفلسطينيون في موقف الجلَّاد"، أو يقول: "هتلر كان محقًّا فيما فعله في الهولوكوست". 

ولكن برأيي، الحقُّ في التعبير وقول أحد الرأيَين السابقين، لا يلغي كونهما في الحقيقة فاسدَين ومُضلِّلَين، ولا يُؤخذان بعين الاعتبار.


أحقية القضية وسلوك أنصارها: يَحدث في حالات كثيرة أن تُقيّم قضية ما، ومدى أحقيتها، بناءً على سلوك أبنائها ومناصريها. وهنا قد يتخلى أصحاب هذا المنطق عن تَبنِّي قضية ما، لأن سلوك المنتمين إليها -أو بعضهم- هو سلوك خاطئ أو عنفي أو لا يتوافق مع قيم أصحاب هذا المنطق، كأنْ يقال مثلًا: "أنا ضد الثورة على الديكتاتورية، لأن كثيرًا من الثائرين أو بعضهم متطرفون أو عنيفون أو لهم ماضٍ مشبوه، أو في مثال آخر: قد يقع التخلي عن تَبنِّي القضية الفلسطينية أو التشكيك في أحقيتها، بسبب عدم الموافقة على سياسات حركة فتح أو حماس أو ممارسات بعض اللاجئين الفلسطينيين.


يكاد يشبه هذا إمكانيّةَ أن تتوقف عن حب ابنك، لأنه -مثلًا- لم يكن مجتهدًا في مدرسته أو خسر سباقًا مع ابن الجيران أو تَفوَّه بكلام نابٍ سمعه في مكان ما. القضية يجب أن تكون محقة بذاتها، لا بسبب السلوك الحسن أو السيِّئ لِمَن يناصرونها اليوم. 

وبدل الموقف المعارض للثورة على الديكتاتور، يجب أن يُوجَّه النقد والرفض إلى الوسيلة وطرق تنفيذها؛ أمَّا معاداة الديكتاتورية والسعي لتغيير واقع وجودها، فيجب أن يظلَّا ثابتَيْن.


النص الديني (أو المقدَّس) والحجة: قد تبدو هذه النقطة بديهية أكثر من غيرها، لكنها تبقى رائجة في بعض أنواع النقاشات، ومثالها: استعمال أحدهم نصًّا دينيًّا من كتاب مقدس لدين يؤمن به، باعتباره حجةً في شأن غير ديني، أو مع طرف لا يؤمن بدين صاحب الحجة.

 فكيف يمكن تَصوُّر إقناع عالِم فيزياء لاديني بخطأ نظرية الانفجار الكبير، بحجة نصٍّ ديني من التوراة أو غيرها يقول: إن الله هو خالق السماوات والأرض؟!

البطريرك ساكو يكتب: العلمانيون في الكنيسة شركة، تعاون، وحدة

الكاردينال لويس روفائيل ساكوِ، البطريرك الكلداني

عالمنا يتحول بسرعة الى "الرقمية"، فلا توجد مسافات أمام التواصل الاجتماعي social media والمعلومات. وتغيرت بالتالي القواعد الاجتماعية التي ورثناها من أهلنا، وتعودنا على احترامها. 



كذلك تغيرت النظرة الى الديانات وبعض مفاهيمها. فثمة تفكيرٌ جديدٌ خصوصا عند جيل الشباب، وثقافة جديدة، ومنطق جديد مختلف عن السابق، لذا يتعين على قادة المجتمع والكنيسة أخذها بنظر الاعتبار جديّاً، وتقييم خططها، وبلورة نظرة مستقبلية، وآلية جديدة بالنسبة للكنيسة لنقل الإيمان الى أجيال هذه الثقافة الجديدة، والتعامل معهم بمسؤولية، منعاً للسقوط في  الفوضى والغوغائية!


 العِلمانيون  أعضاء في الجسد الواحد

في المسيحية، الكنيسة جسد واحد، عائلة واحدة. والمؤمنون هم أبناؤها وبناتها. والكنيسة بيت الكل، وشأن الكل بالعماد والحياة الإيمانية. والكل مدعو الى التعاون والشراكة والتكامل والتناغم من اجل إشاعة رسالة المسيح في العالم، وتقوية حضور الكنيسة وخدمة الإنسانية. 

ثمة تحدٍ اليوم أمام الهوية المسيحية في الغرب وحتى لدى جالياتنا الشرقية في بلدان الانتشار، حيث تهيمن على المجتمع الغربي العقلية الفردية والاستهلاكية، على مقاس قاعدة عامة وليبرالية لحقوق الإنسان، مما اثر في القيم الدينية والأخلاقية، فشهدت لدى المؤمنين المسيحيين تراجعا فيها.


لنقرأ بتركيز ما جاء في الرسالة الأولى الى كورنتس، حيث يرسم بولس لوحة نموذجية عن الكنيسة وأعضائها والأدوار فيه، من دون الخلط أو الإلغاء.

"كما أَنَّ الجَسَدَ واحِدٌ، ولَه أَعضاءٌ كَثيرَة، وأَنَّ أَعضاءَ الجَسَدِ كُلَّها على كَثرَتِها لَيسَت إِلاَّ جَسَدًا واحِدًا، فكذلكَ المسيح…. فلا تَستَطيعُ العَينُ أَن تَقولَ لِليَد: لا حاجَةَ بي إِلَيكِ ولا الرَّأسُ لِلرِّجْلَينِ: لا حاجَةَ بي إِلَيكُما…فأَنتُم جَسَدُ المَسيح وكُلُّ واحِدٍ مِنكُم عُضوٌ مِنه. والَّذينَ أَقامَهمُ اللهُ في الكَنيسةِ همُ الرُّسُلُ أَوَّلا والأَنبِياءُ ثانِيًا والمُعلِّمون ثالِثًا، ثُمَّ هُناكَ المُعجِزات، ثُمَّ مَواهِبُ الشِّفاءِ، والإِسعافِ وحُسْنِ الإِدارةِ والتَّكَلُّمِ بِلُغات (12/ 12-27).


هذه هي صورة سرّ الكنيسة، الشركة والالتزام، والرجاء، وبُناها بوصفها جسد المسيح. من المؤكد لقد تعرضت الكنيسة لتطورات وتشويهات في فهمها لهويتها ودورها، على مرّ تاريخها الطويل، خصوصاً عندما سيطر الاكليروس (الاكليروسانية) على حوكمة الكنيسة، لكن ظهرت في منتصف القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين توجهات كنسية ولاهوتية جريئة، تطالب بالاصلاح والتجديد.

 وكان ثمرة هذه التوجهات انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني 1962-1965، خصوصاً الدستور العقائدي عن الكنيسة، نور الامم، والقرار عن رسالة العلمانيين المؤمنين، والوثيقة عن الكنائس الشرقية. كذلك توالت تأكيدات البابوات المعاصرين، وخصوصا البابا الحالي فرنسيس على العودة الى الجذور، وضرورة إجراء تعديلات بنيوية في الكنيسة، مع الحفاظ على الوحدة والتنوع. 


وما دعوته البابوية الأخيرة الى عقد سينودس الأساقفة حول "المجمعية – synodality" في اكتوبر العام 2023 إلا تعبيرٌ عن اهتمامه بهذه المشاركة الغنية والدافئة في الكنيسة. 

وفي هذا الصدد، أعبر عن رجائي بان تؤدّي الكنائس الشرقية دوراً مهماً في هذا السينودس، انطلاقاً من خبرتها المجمعية، وتقاليدها وشهادتها للإنجيل، منذ فجر المسيحية، وطقوسها وروحانيتها والعلاقة الاسرية الحميمية التي تعرفها الاُسر المسيحية الشرقية.


 واقعياً كيف تجسد هذه الصورة النموذجية؟

الكنيسة الكاثوليكية والارثوذكسية واقعياً تضم الأساقفة والكهنة والشمامسة والمؤمنين؛ إنه تنوع متكامل. كلٌّ من المفروض به ان يؤدي دوراً فاعلاً فيها، لكن ثمة حاجة لبلورة هوية العلمانيين المؤمنين في الكنيسة. 

حيث تقول الرسالة الأولى الى كورنتس: "فاعتبروا، أيُّها الاخوة، دعوتكم" (1/26). ان العمل معا يمكن ان يُطور افقاً جديداً ونمطاً جديداً لحياة الكنيسة أكثر شمولية وترابطا ومحبة.


لا يمكن ان نتصور الكنيسة من دون الشعب المؤمن للعلمانيين رجالا ونساءً، الذين لهم نفس كرامة الابناء، وهم مدعوون لاكتشاف دعوتهم، والاهتداء إليها، تلك المعروفة كنسيا وعقائديا بــ"الكهنوت الملوكي" (1بطرس 2/ 9)، للمساهمة في البشارة وبنيان الكنيسة، جسد المسيح. 

دور العلمانيين المؤمنين المنتمين إلى الكنيسة قلباً وقالباً، لا يمكن الغاؤه أو تهميشه، شرط أن يعي هؤلاء العلمانيون رسالتهم في دورهم الحقيقي في الكنيسة بعيداً عن مزاجيّة الانتقادات والمزايدات والتسقيطات التي لا تنفع، بل تُعقّد العلاقة، إن لم نقل تجعلهم في اصطفاف غير مقصود مع غير المؤمنين، ناهيك عن الذين، من بينهم يتصرفون بأجندات ليبرالية إلحادية، تحت لباس الحديث عن الانتماء المسيحي وشؤونه.


ماذا يحتاج العلمانيون ليكون دورهم فعالاً ومؤثراً في الكنيسة؟

تنشئة المؤمنين تنشئة مسيحية سليمة ومستدامة ضرورية، وتثقيف انفسهم بمعرفة لاهوتية، وكنسية رصينة تدعم شراكتهم. كيف يقدرون ان يشتركوا في حياة الكنيسة وهم لا يميزون الفرق بين البطريرك والاُسقف، أو يتقصدون الخلط في ذلك، في اطار استهداف مبرمج!

كيف لا يعرفون حقيقة الامور كما حصل أخيراً في موضوع التسمية الخاطئة للبطريركية الكلدانية! كيف  يذهب أحدهم لحد مطالبة السينودس بالاعتذار عن تصحيح تسمية خاطئة؟ هذه الحالة تكشف الحاجة الى المزيد من التثقيف والتوعية. 


وأود أن أقول من هذا المقام، بان كل هذا يترك ضلاله على المنابر التي يستخدمونها، والتي تضعهم على صفحاتها، عندما يوصف أبناء الشعب المؤمن بالحشرات الضارة، وتستخدم تعابير مستهجنة مثل الصراصر، الزريبة، ورعاية العشب والبرسيم، وغيرها من التعابير، التي يبأ القلم من ذكرها. هذا إلى جانب ما يترك في الصفحات الداخلية من تعليقات بعيدة عن الرقي. فنسترعي انتباه قرائنا، وكتابنا، في هذه المنابر.

يجب الإقرار بوجود المركز الأول في الكنيسة، اي القيادة، إن كان بالنسبة للبابا في الكنيسة الجامعة، أو البطريرك في الكنيسة المحلية، او المطران في أبرشيته، فهم الأب والرأس كما هي الحالة في العائلة بالنسبة للاب والاُم، وعليه، ينبغي  وجود الثقة المتبادلة، والالتزام بتعليم الكنيسة الكاثوليكية الرسولية الجامعة. هناك فرق بين أبناء الشعب المؤمن في حضن الكنيسة، وبين ناشطين قوميين اجتماعيين وسياسيين من المجتمع المدني.


المركز أو المرجعية لا يعني التسلط والانفراد، إنما الاحتضان والاحتواء. ولدى الكنائس الشرقية آلية للعمل الجماعي تسمى السينودس – المجمعية. 

والكنيسة الكلدانية دعت عدداً من المؤمنين من كلا الجنسين للمشاركة في سينودس العام 2019، لكن هذا العام لم تتمكن من دعوتهم بسبب جائحة كورونا.


على الكنيسة ان تُعزز التبادل والمشاركة بين أولادها، وان تنفتح على مطالب المؤمنين،  وتشجعهم على تشكيل جماعات راعوية للاسهام في العمل الراعوي، من خلال المجالس الخورنية والأبرشية، و تكليفهم ببعض المسؤوليات كما فعل البابا فرنسيس في الدوائر الرومانية.

هؤلاء هم الذين تعني الكنيسة بكونهم العلمانيين المؤمنين، وليس مجرد أناس منتمين بالاسم  الى كنيسة. وفي مجال مكانة المرأة، أذكر على سبيل المثال انه في البطريركية توجد إمرأة هي مسؤولة الدائرة المالية والتنمية الاقتصادية، واخرى أمينة سر البطريركية، وراهبة هي معاونة عميد كلية بابل للفلسفة واللاهوت، واستعادت كنيستنا دور الشماسات. والباب مفتوح أمام أي مؤمن رزين وملتزم ومتعاون.


أخيرا نخلص إلى الوحدة. فتزداد أهمية الوحدة في الكنيسة الواحدة، وهي الشرط الاساسي للمشاركة في الخير العام، و الشهادة المسيحية الفاعلة، والانخراط  في العمل الاجتماعي. 

لا سبيل للمسيحي ان يكون مسيحيا  على هواه، لحسابه الخاص، ومنعزلا بالتالي عن الكنيسة. الانقسام عثار يشوه مسيحيتنا خصوصا واننا نشكل نسبة محدودة بين غالبية من غير مسيحيين، وعلينا ان نشهد لهم عن شيء مختلف، فنكون بحسب دعوة الرب، ملحاً وخميرة ونوراً.


اني  أجد ان الكنيسة الكلدانية في العراق تتجه بشجاعة وثقة نحو هذه الاصلاحات والتجديدات المطلوبة لكي تغدو شاهدة لنور المسيح، مهما كانت الصعوبات والتحديات.

«وَخَرَجَ عِندَ ٱلصَّباح، وَذَهَبَ إِلى مَكانٍ قَفرٍ»

الكاردينال جوزف راتزنغر (بندكتس السادس عشر)

إنّ القفر هو مكان الصمت والوحدة. فيه نأخذ مسافة بالنسبة إلى الأحداث اليوميّة. فيه نهرب من الضجيج والسطحيّة. القفر هو مكان المطلق ومكان الحريّة، حيث يواجه الإنسان متطلّباته النهائيّة. 



ليست صدفةً أن يكون القفر هو مكان ولادة التَّوحيد (monothéisme). بهذا المعنى، القفر هو حقل النِّعَم. إذا جُرِّد من مشاغله، يلتقي الإنسان بخالقه.

تبدأ الأمور الكبيرة في القفر، وفي الصمت وفي الفقر. نحن لن نتمكّن من المشاركة في رسالة الإنجيل دون الدخول في اختبار القفر هذا، وفي تجرّده وفي جوعه. إنّ تطويبة الجياع التي تكلّم عنها الربّ في عظته على الجبل (راجع مت 5: 6) لا يمكن أن تنتج عن امتلاء الشبعانين.


علينا ألاّ ننسى قطّ أنّ قفر الرّبّ يسوع لم ينتهِ مع الأيّام الأربعين التي تلت عِمَاده. إنّ قفره الأخير والنهائي سيكون ما عبّر عنه المزمور 22: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" فمن هذا القفر تفجّرت مياه حياة العالم.

الحاكمُ بينَ الحقِّ والباطِل

الأب أثناسيوس شهوان

كُلُّ حادِثةٍ نقرأُها في الإنجيلِ لها إطارُها التّاريخيّ أي زمانُ الحادثةِ ومكانُها، وبِالمُقابِل لها بُعدُها الرُّوحيّ والتّعليميّ الّذي يتخَطّى زَمنًا مٌحدَّدًا أو حتَّى بِيئَةً مُعيَّنة، ويُشكِّلُ بِالتّالي عِبرةً لِكُلِّ الأجيال.



هذا الأحدُ هُوَ تَذكارُ قَطعِ رأسِ القِدّيسِ يُوحنَّا المَعمدان، الصَّابِغِ والسَّابِقِ للمَسيح، ويُخبِرُنا الإنجيلُ فيهِ كيفَ أنَّ الحاكِمَ "هيرودسَ أنتيباس" أَمَرَ بِقَطعِ رأسِ القِدّيسِ، تَلبِيةً لِرَغبَةِ "سالومي"، إبنةِ هيروديّا، زَوجَتِه الثّانية، بعدَ أن رَقَصَتْ له، وكان قد وَعَدَها بأن يُحَقِّقَ لها كُلَّ ما تَطلُبُه منه (مرقس ١٤:١٦-٣٠).

الأشخاصُ في هذهِ الحادِثَةِ أربَعة: هيرودس، وهيروديّا زوجتُه، التي كانت قبلًا زوجةَ أخيه فيلبس (وكان هيرودس في صراعٍ دائمٍ معه)، وسالومة ابنة هيروديّا، والقدّيس يوحنا. اللافتُ أنَّ الثّلاثَةَ الأُوَلَ المذكورين، بالرُّغم من تنوُّعِ مَصالِحِهم، إجتَمَعوا كُلُّهم على المَعمَدان لِيَتخلَّصُوا مِنه.


يقولُ الإنجيلُ إنّ "هِيرُودُسَ كَانَ يَهَابُ يُوحَنَّا عَالِمًا أَنَّهُ رَجُلٌ بَارٌّ وَقِدِّيسٌ"، ومع ذلك اعتَقَلَه وسَجَنَهُ، ومن ثَمَّ وافَقَ على قتلِه. هل سَجَنَهُ في البدايةِ مِن أجل هيروديّا، وعادَ وقَتَلَه تَحقِيقًا لِوَعدِهِ لسالومي فقط، أم هُناكَ أمرٌ أبعدُ مِن ذلك بِكَثير؟.

في الحَقيقَةِ لقد ساوَمَ هِيرُودُسُ على الحَقّ. وهنا تَكمُنُ خَطيئتُه الكُبرى، هو عَرَفَ الحقَّ ولم يكتَفِ بأن أدارَ له ظهرَه، لا بَل طَعَنَهُ في الصَّميم، وأرادَ التخلُّصَ مِنهُ مِن أجل مَصلحتِهِ الشَّخصيَّةِ ونَزواتِه. فكَم مِن شَخصٍ عَرَفَ الحَقَّ ونَكَرَه؟ وكم مِن حاكِمٍ مَسؤولٍ فَعل كَما فعلَ هيرودُسُ؟


نَحن نُصلّي في القُدّاسِ الإلهيّ مِن أجلِ الحُكّامِ والرّؤَساءِ والمَسؤولينَ لِيَكونَ حُكمُهُم عادِلًا، ويعيشَ الشَّعبُ بِسلامٍ في ظِلِّ حُكمِهِم، وليس لكي يستَبِدُّوا ويظلِموا ويَقتُلوا شَعبَهم. 

والصَّلاةُ التي نَرفَعُها إلى الرَّبّ مِن أجلِ الحُكّامِ، تأتي بعدَ الاستِحالَةِ مُباشَرَة، أي بعد أن يكونَ القربانُ والنَّبيذُ قد تحوَّلا بِحُلولِ الرُّوحِ القُدُسِ إلى جَسدِ الرَّبِّ ودَمِهِ الكَريمَين، فنقول:" نُقَرّبُ لكَ هذه العِبادَةَ النَّاطِقةَ مِن أجلِ المَسكونَةِ، وكنيستِكَ، ... ومِن أجل حُكّامِنا. أعطِهم يا ربُّ أن يَكونَ عهدُهُم سلامِيًّا، فنقضي نحن أيضًا، في ظِلِّ أمنِهِم حياةً هَادِئةً مُطمَئنّة في عِبادَةٍ حَسَنةٍ ووَقار".


ترتيبُ هذهِ الصَّلاةِ في القُدّاسِ الإلهيّ، يُعبِّرُ عن مدى أهميَّةِ دَورِ المَسؤولينَ تُجاهَ الشَّعبِ وتُجاهَ اللهِ في آنٍ واحِدٍ، وهذا ما أكّدَ عليهِ بُولُسُ الرَّسولُ بِقَولِه: الحاكِمُ خَادِمُ اللهِ لِلصَّلاَحِ. (رومية ٤:١٣)

وبِالعَودَةِ إلى هِيرودُسَ، كان يُريدُ كتمَ كُلِّ صَوتٍ يُعارِضُهُ أو يَفضَحُه، إذ كان القِدّيسُ يوحنّا يُوَبِّخُ هيرودُسَ لِمُخالَفَتِهِ الشَّريعَةَ بِالزَّواجِ مِن زَوجَةِ أخيه، بينما أخوه مَا زالَ على قَيدِ الحَياة. فما كان مِن هِيرودُسَ إلّا أن أحضَرَهُ مُكبَّلًا إلى قَصرِهِ المُطِلِّ على البَحرِ المَيتِ وسجَنَهُ هُناك.


معَ العِلمِ أنَّ هِيرودُسَ لم يَكُن يَهودِيًّا في الأساسِ بل من نَسلٍ أدومي وسامريّ. والأدوميّون شعبٌ أرغمَهُم رئيسُ كهنةِ إسرائيلَ الحَشموني سمعانُ المَكابيّ، على الختانِ في حوالي العام ١٢٥ قبل الميلاد، لكنّ هيرودُسَ كان يُريدُ دائِمًا المُحافظةَ على صُورَتِه، واستِمالَةَ الشَّعبِ اليَهوديّ لِصالِحِه. لذا شكَّلَ له القِدّيسُ يُوحنّا الإزعاجَ الكَبير، وفَضيحَةَ ما أراد كِتمانَه.

كانت خَطيئةُ هِيرودُسَ ثُلاثِيَّةً: أوَّلاً، فضّلَ الباطِلَ على الحَقّ، وثانيًا، خافَ على كُرسيِّهِ الزَّمنيّ، ولم يأبَهْ بِمَكانِهِ الأبَديّ مَعَ الله، وثالثًا، أَصبَحَ مُجرِمًا وقاتِلًا، عندما قدَّم رأسَ نبيّ اللهِ على طَبقٍ لسالومي، ولم يَعِ بِذَلكَ أنَّهُ قتَلَ نفسَهُ إذ أصبَحَ عَبدًا لِمَلذَّاتِهِ الشِّريرة، فأصبحَ بِالتَّالي أداةً بِيَدِ الشّيطان.


ولا تَقِلُّ ثُلاثِيَّةُ إجرامِ هِيروديّا عن هِيرودُسَ شرًّا، فهيَ المُحَرِّضَةُ التي كانت تُريدُ إسكاتَ صَوتِ اللهِ، وهي الزَّوجَةُ الزَّانِيَةُ، والأُمُّ السّيئةُ والقاتِلة. فكيفَ لها أن تَجعَلَ مِنِ ابنَتِها مُجرِمَةً، وتُعَلِّمَها الإباحِيَّةَ الرَّخيصَة؟.

أمَا بِالنِّسبةِ لسالومي، فكان يُمكِنُها أن تَرفُضَ، إلّا أنَّ خَطيئَتَها كانت أيضًا ثُلاثِيَّةً وهي: استِغلالُ أُنوثَتِها للشَّر، بدءُ مسيرةِ حياتِها بِالسُّوء، وبيعُ شَرَفِها.


بِمُقابِلِ كُلِّ ذَلِكَ كان مَجدُ القِدّيسِ يُوحنَّا ثُلاثيًّا قُدّوسًا لامِعًا ومُشرِقًا: أوّلًا، كان يَعيشُ ما يُبَشِّرُ بِهِ، أي كانَ صادِقًا مَعَ نفسِهِ، وثانيًا، رَفَضَ المُساوَمَةَ على الحَقِّ مَهما كانَ الثَّمنُ غاليًا، وثَالثًا، استُشهِدَ قِدّيسًا.


وهُنا يَتَجلَّى البُعدُ اللاهُوتيُّ لِهَذِهِ الحَادِثَة.

فهيرودُسُ اعتَبَرَ نفسَهُ حَذِقًا بِألاعيبِهِ وأكاذيبِهِ وإجرامِهِ، وكان أيضًا يُريدُ قتلَ يَسوعَ، فقالَ الرَّبُّ عنه للفَرّيسيّينَ الّذين هدَّدوهُ بِهِ، وأرادُوا طَردَ الرَّبِّ مِن مِنطقَتِهم "امْضُوا وَقُولُوا لِهذَا الثَّعْلَبِ: هَا أَنَا أُخْرِجُ شَيَاطِينَ، وَأَشْفِي الْيَوْمَ وَغَدًا، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أُكَمَّلُ" (لوقا ٣٢:١٣).

وهذا مَعناهُ: لا أحَدَ يَستَطيعُ أن يَقِفَ في وَجهِ الحَقِّ الّذي هُوَ المَسيح. وأنَّ نِهايَةَ مَن يَعمَلِ الشَّرَّ هي الهَلاك.


وهكذا كانَ، هِيرودُسُ دَفعَ ثَمنَ أفعالِهِ بَاهِظًا. فطلاقُهُ أدخَلَهُ في حَربٍ خاسِرَةٍ ومُدَمِّرةٍ معَ والِدِ زَوجتِهِ الأُولى مَلِكِ نبطيّة، كما أنَّ جَشَعَهُ أوصلَه إلى أن يَموتَ مَرذُولًا معَ هِيروديّا، إذ أُتُّهِمَ بِمؤامَرَةٍ ضِدَّ الإمبراطور كاليغولا الذي نفاهُما بَعيدًا، وكان ذلك بِتَحريضٍ مِن ابن اختِه.

إنَّ الشَّرَّ يُعمِي القلبَ، فَهيرودسُ انتيباس، لم يتَّعِظْ مِن والِدِه هِيرودُسَ الكَبيرِ، الّذي أكلَهُ الدُّودُ وهُوَ حيٌّ، لأنَّهُ كان مُجرِمًا كبيرًا. أمَّا القِدّيسُ يُوحنَّا المَعمدان، فَنالَ إكليلَ الشَّهادَةِ والظَّفر، ويَتنَعَّمُ أبَدِيًّا في مَلَكُوتِ السَّموات، وها أيقونتُهُ ثابِتَةٌ على الايقونسطاس مُلاصِقةً لأيقُونَةِ السيِّدِ، كما له سِتّةُ أعيادٍ على مَدارِ السَّنَةِ الليتُورجِيّة.


خلاصة

كثيرون مِنَ الحُكَماءِ طَبَّقُوا قَولَ Nicolas Machiavel ماكيافل: "يُمكِنُ للأُمراءِ -الحُكّامِ والمَسؤولينَ- أن يُبرِّرُوا استِخدامَ وسائِلَ غيرِ أخلاقِيَّةٍ لِتَحقيقِ مَجدِهِم وبَقائِهم".

حقًا، إنَّ الحاكِمَ، مهما علا شأنُهُ ومَكانتُه، يكونُ غبيًّا إن اعتَقَدَ أنَّ السُّلطانَ الأرضِيَّ باقٍ. وكُلُّ مَسؤولٍ يَظُنُّ أنَّ سُلطَتَهُ لا حُدُودَ لها، وهو قادِرٌ أن يفعلَ ما يَشاءَ وما مِن رقيب، يكونُ غبيًّا. هذا مُنتهى الجَهلِ ونابِعٌ مِنَ الكِبرياءِ وتَألِيهِ الذَّات.


يَقولُ سِفرُ الأمثالِ في ذلك "الحِكَمُ عَالِيَةٌ عَنِ الأَحْمَقِ" (أم ٧:٢٤)، والمَقصُودُ طبعًا، حِكمةُ اللهِ التي لا يتلقَّفُها مَن يِفتَكِرُ بِالشَّر، ويَكونُ أحمقَ لأنَّ نِهايتَهُ هلاكٌ لا محالة، وحِسابَهُ عَسير. ويتابِعُ هذا السِّفرُ فيَقُول: "اَلْمُتَفَكِّرُ فِي عَمَلِ الشَّرِّ يُدْعَى مُفْسِدًا"، والمُفسِدُ إن لم يَتُبْ ويُصلِحْ ما أفسَدَهُ، يُدَمِّرُ نفسَهُ بِنَفسِه ويُدمِّرُ كُلَّ ما حولَه.

فيا رَبُّ نجِّنا.

السلام الداخلي

أشخين ديمرجيان

سلامنا الداخلي أفضل شيء يمكننا أن نحصل عليه. لعلّنا نشعر بالسلام وسكينة النفس وطمأنينة القلب ونرى قبسًا من النور الإلهي عندما نُنشد: "الربّ راعيّ فلا شيء يعوزني، في مروج خصيبة يُربضني، لمياه الراحة يوردني فيُنعش نفسي. 



سُبُل الرشاد يَهديني، إكرامًا لاسمه... طول عمري يتبعني الخير والإنعام، وأسكن بيت الربّ طول الأيام" (مزمور22 (23): 1 - 6).

وعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك آيات من الكتاب المقدّس تنادي بالسلام، والمؤمن بأمسّ الحاجة إليها في أيامنا العصيبة: "الرّبّ يُعطي عزًّا لشعبه. الرّبّ يُبارك شعبه بالسلام" (مزمور 29: 11).


"ينعم محبّو تعاليمك بسلام عظيم، وما من شيء يهزمهم" (مزمور 119: 165).

"تعالوا إليّ يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم وتعلّموا منّي، لأنّي وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم، لأنّ نيري هيّن وحملي خفيف" (متّى 11: 28-30).


"وليملأكم إله الرجاء كلّ سرور وسلام في الإيمان، لتزدادوا في الرجاء بقوة روح القدس" (رومة 15: 13).

يستمدّ المؤمن من الربّ ومن تعاليمه ووصاياه الرجاء والعون والدواء والشفاء لجميع أسقامه الروحانيّة والجسديّة. إنّ التعاليم الدينيّة الأخلاقية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. 


ويُعَدّ الإيمان الوصفة العلاجيّة الأكثر نجاعة لجميع الحالات المرضيّة ولنيل السلام الداخلي. فيا حبّذا لو جهّزنا أفكارنا وأقوالنا وأفعالنا حتى مأكلنا ومشربنا وملبسنا، بطاقة إيجابيّة رفيعة المستوى لتتحقّق فينا الدعوة إلى القداسة؛ فنحظى للعيش في رضى الله وفي عبادته تعالى، مع الإصغاء إلى الكتاب المقدّس، والانتباه للسلام الذي يسكبه الله في قلوبنا، بغضّ النظر عن الظروف الخارجية التي تحيط بنا.

بسبب السلام الداخلي شهدتُ ثلاث حالات نال أصحابها الشفاء التامّ من الله عزّ وجلّ. وانتظرت أنا وبعض الصديقات فترة طويلة من الوقت قبل إعلان الخبر السارّ كي نتيقّن من أنّ الشفاء أكيد ودائم. 


وقد اقترن الشفاء مع الإحساس بسريان الحرارة والطاقة والفرح في جميع أنحاء الجسم، وتكرّر الشعور مرّات عديدة! الإيمان العميق بأنّ الله قادر على الشفاء والسلام الداخلي يصنع فينا المعجزات وأحياناً من غير أن نطلبها... ولله في خلقه شؤون! وفي نفس الوقت تقول الأبحاث أن الفئات غير المُنتَمية الى جماعات مؤمنة  مُعرّضَة للأمراض بشكل رهيب.


خاتمة

السلام الداخلي ينبع من التوكّل على الله وحسن الظنّ به. والسلام الداخلي كنز لا غنى عنه. لتكن مسرّتنا فوق كلّ شيء بالحق الأزلي. إنّ مستنير الفهم وطاهر العواطف يتوق دائماً إلى الأمور الأبديّة، ويشعر بما يتكلّم روح الحقّ فيه. 

"أما أنا فقد بتُّ على ودادك متّكلا، ويكون قلبي في خلاصِك فرحًا، أتغنّى بالربّ الذي جزاني خيرا" (مزمور 12 (13): 6).

ماذا يقول الكاهن عن والده المتوفى؟

الأب فرح بدر

كلمة من الاب فرح بدر في جناز والده المرحوم سلامة فرح بدر



أبي يا أبي، أحييك في منامك الهادئ بعد 3 أيام على الرحيل. وأود أن أقول لك شكرًا على أنك أبي، وعلى أنك أنشأت لنا أسرة كنت فخورًا بها، كما نحن فخورون على الدوام بك، وبصداقتك وأبوّتك ومحبتك لوالدتنا العزيزة ولنا جميعاً. 

سنسير على خطاك يا أبي وكما ربّيتنا وعلّمتنا وكنت مثالاً لنا في كل شيء، فذكراك (ذكرى الصديق تدوم إلى الأبد). نعدك كلنا (أمي وإخوتي وأخواتي) بأن نسير على خطاك دائماً أبداً حتى النفس الأخير.


يا خادم الكنيسة، وهذا ما أفخر به أيضاً، بأنك كنت في هذه الكنيسة بالذات وفي هذه الرعية وفي هذه البلدة، النشمي المستعد للعمل والمساعدة والتعاون وجمع التبرعات والقيام بتنظيم شؤون الكنيسة وقاعة الرعية وصيانتها، في عهد عدد من الكهنة الأجلاء الذين خدموا هذه الرعية بتفانٍ، وكان يرون بك، إلى جانب أبناء آخرين للرعية نعم السند والمساند والمتأهب الدائم لخدمة الكنيسة.

يا حاملاً صليب الآلم والأمل، لقد حباني الله نعمة أشكره عليها، إذ مكّنني من مشاهدتك وأنت تحمل الصليب من أوله إلى أول الحياة الأبدية. تعود بي الذكريات بعد سنة من غسيل الكلى لوالدي. 


حاولنا مراراً وتكراراً بأن يهدي واحد منا كلية لأبينا وكان يرفض دائماً. كنت أقول له: أمي الله يعطيها الصحة وطول العمر ستبقى دائماً إلى جانبك وتخدمك للأبد، وإخوتي وأخواتي سيتزوّجون، اسمح لي بأن أهديك كلية مني، فأنا كاهن وسأخدم رعيتي وكنيستي بكلية واحدة بنعمة الله. 

حكالي كلمة وحدة: (قدّمتك يابا لربنا وللكنيسة وما رح أقبل. ولو زرعت كلية ولاّ ما زرعت، إللي كاتبه ربّك بصير).


كنت يا أبي الصبور المتحلي بالهدوء والتحمل، ولقد تحملت ما لا تتحمله الجبال. ست سنوات غسيل كلى، أتساءل: كم حبة دواء تناولتها طيلة هذه المدة؟ كم مرة دخلت المستشفى؟ وكنا نذهب الساعة ٤ صباحاً لغسيل الكلى مرتين في الأسبوع وثلاث مرات عندما تزيد السوائل عندك. 

كم مرة غُرِزَتِ الإبر في جسمك؟ كم مرة خرج الدم من جسمك وعاد إليه ليتفلتر؟ كم ساعة أمضيتها يا أبي الحنون على سرير غسيل الكلى؟ كنت دائماً صبوراً هادئاً مبتسماً تقول (إللي من الله يا ما أحلاه). 


لكنّ محبتك الأبوية وإيمانك بالرب الحامل الصليب، قد جعلاك تحمله بفرح وافتخار، وكأنك تقول كما نترنّم في الزمن الأربعيني: آتانا صليب الغار، يا رب، مجداً وانتصار...

اسمح لي يا أبي، باسمك، وأنت الحي بيننا، وباسم عائلتنا الصغيرة (أمي ومي ومرلين والياس وصهيب وأنا)، أن نشكر عائلتنا الإنسانية الكبيرة، وعائلتنا الوطنية وأبناء البلدة والعشيرة الذين كنت من رجالهم المؤثرين والنشامى. 


واسمح لي أن أشكر البطريركية اللاتينية التي قدّمتني لها يوماً، وأحاطت جثمانك الطاهر، وها هي تحضر اليوم، أشكرها بطريركاً وأساقفة وكهنة وشمامسة وراهبات ومؤسسات ومؤمنين، وأشكر كاهن رعية مار الياس الأب بهاء اسطفان، والأخوات الراهبات، وأشكر أبناء رعيتي سيدة الكرمل في الهاشمي الشمالي، الذين غمرونا بمحبتهم ووقفتهم الإنسانية والإيمانية، والشكر والتقدير لأخواتي راهبات الوردية وراهبات رعيتي في الهاشمي - راهبات القلبين الأقدسين، اللواتي لم يكففن يوماً عن الصلاة من أجل والدي الحامل صليب المرض منذ ست سنوات...

وأشكر العم سالم والعمّات والأخوال والخالات والنسائب الأعزاء والأقارب وكل إنسان، وإخوتنا المسلمين، بمختلف المواقع، الذين غمرونا بلطفهم وهاتفونا، واحترموا القوانين السارية، فاكتفينا منهم بالمواساة والعزاء على مواقع التواصل الإجتماعي.


والشكر لصرح المدينة الطبية والخدمات الملكية الذين لم يوفّروا جهداً طوال السنوات، بإحاطة والدي بالاحترام وتقديم العون الطبي له، وتقديم التسهيلات أثناء الحظر... ليتمكن من الوصول إلى مكان غسيل الكلى الذي اعتاد عليه مدة السنوات الماضية...

حبيب القلب أبي العزيز، أحيّي قلبك الأبوي، في سنة مار يوسف شفيعك وشفيع كل الآباء. استرح بسلام، يابا، نم قرير العين، مطمئن البال، مرتاح الضمير، وسلّم على أختي ميس وعلى الذين سبقوك من أهلك وأبناء عشيرتك وأصدقائك، وأنا متأكد من أنك ستكون معهم شفيعاً لنا من علياء السماء. رحمك الله يا أبتِ، الله يرحم ترابك يا غالي، لروحك الطاهرة الرحمة والسلام. وشكراً لكم أيها الأحباء جميعًا.

لذلك كونوا أنتم أيضًا مستعدّين

القديس يوحنا بولس الثاني

"فَاسهَروا إِذًا، لأَنَّكُم لا تَعلَمونَ أَيَّ يَومٍ يَأتي ربُّكم". تُذكّرُني هذه الكلمات بالنداء الأخير الذي سيحلّ في اللحظة التي يريدها الربّ. أرغب في أن أستجيب لذلك النداء وأن يكون كلّ ما في حياتي على هذه الأرض سبيلاً لأستعدّ لتلك اللحظة. 



لا أعلم متى سيأتي ولكنّي أضع تلك اللحظة بين يَدَيْ والدة معلّمي، تمامًا كما أضع كلّ شيء بين يديها: "كُلّي لَكِ (Totus Tuus)". في هاتين اليدين الأموميّتين، أستودع كلّ ما لديّ وكلّ من تقرّبْتُ منهم في خلال حياتي ودعوتي. وفوق كلّ شيء، أضع بين يديها الكنيسة وأمّتي والإنسانيّة جمعاء. وأتوجّه بالشكر لكلّ فرد. 

وأعتذرُ من كلّ فرد. كما أطلب الصلاة لكي تكون رحمة الله أعظم من ضعفي وعدم جدارتي (06/ 03/ 1979).


يجب على كلّ فرد أن يفكّر دومًا باحتمال الموت. ويجب أن يكون مستعدًّا ليتقدّم أمام الربّ والقاضي الذي هو المخلّص والآب في الوقت عينه. إذًا، أنا أيضًا آخذ هذا الاحتمال دومًا في الاعتبار، مستودعًا تلك اللحظة الحاسمة بين يَدَيْ أمّ الرّب يسوع المسيح وأمّ الكنيسة وأمّ رجائي...

وأرغب من جديد في أن أسلّم نفسي تمامًا لمشيئة الربّ. فهو الذي سيقرّر متى وكيف يجب أن تنتهي حياتي الأرضيّة وخدمتي الرعويّة. في حياتي كما في مماتي، "كُلّي لَكَ" بواسطة العذراء التي حُبل بها بلا دنس. 


وإذ أَقبَلُ منذ اليوم هذه الميتة، آمل أن يمنحني الرّب يسوع النعمة لأتمّم العبور الأخير أي فصحي الذاتيّ. كما آمل أن يجعل هذه الميتة نافعة لتلك القضيّة السامية التي أسعى إلى خدمتها أيّ خلاص البشر والمحافظة على الأسرة البشريّة بما في ذلك الأمم والشعوب كلّها (وأخصّ بالذّكر وطني الأرضيّ)، وأن يجعلها أيضًا نافعة للأشخاص الذين أوكلني إيّاهم بشكل خاصّ، ولحياة الكنيسة ولمجد الله نفسه... (01/ 03/ 1980).

مريم... رمز الطاعة والأمومة

المطران جورج خضر

  • لمناسبة عيد انتقال السيدة العذراء، نُعيد نشر إحدى الروائع الكتابية للمطران جورج خضر عن السيدة العذراء، ونستعيد مقاله من أرشيف جريدة "النهار" اللبنانية في العام 2013

صمنا مع مريم لله في هذا الصيف لأننا إذا ذكرناها في إقامة أعيادها إنما نختلي بهذه الصوامة الكبيرة لتطهير النفس والشوق المريمي إلى الله. مريم تنتظرنا للتّطهّر معها إذ ليس لها انتظار آخر. 

لأنها كانت أمّاً للسيد أمست أمّ جميع الذين يحبونه من أيّ حيّ روحيّ كانوا. نحن جميعاً حيّزها وبها نتقبّل الله، أي ننقطع عن أيّ ما كان غير إلهي. 


المسيحيون منا مريميون وبعض من الموحدين الآخرين يذوقون مريم لكونهم لامسوا المسيح. هي تجالس الناس إذا دنوا منه أو هي معهم إليه لأنّ من ذاقت نفسه الحب الإلهي يقدر أن يذوق مريم.

يلفتني دائماً أنّ لوقا لمّا تكلّم عنها قال الله به: "وأنتِ سينفذ سيف في نفسك" أيّ أنّك ستعرفين الآلام برؤية ابنك مجروحاً. ستكونين شريكة المصلوب في القدر الذي يعطيكِ. وأنت معنا في كلّ أوجه حبنا له. 


لمّا كنتِ واقفة عند صليبه كنت تتألمين من أجلنا. مشاركة الآلام هي مشاركة الفرح. في وجه لا يعرفه إلّا الخاصة أنت تحمليننا كما حملته.

نحن نقول في الكنيسة ومع الآباء أنّك حواء الجديدة. في الدقّة اللاهوتية نحن مولودون من المعمودية ولسنا مولودين منك إلّا إذا قلنا أنّنا لما كنا في المسيح عند ولادته رجونا أن نجيء منك. 


فأنت مع كونك والدة السيد في الجسد جئت منه بالروح القدس ونحن في صورة سرية ننحدر من أحشائك. لا يفهم هذا إلّا من تمرّس في الحياة الروحية ونما في الذوق الالهي. وكلّ مقاربة أخرى باطلة.

أنت تلديننا بعذريتك والعذرية وحدها تلد. والمراد بهذا أنّك إن جئت فقط من الله فأنت أُم لذرية جديدة هي ذريته. عندما نقول إنّ العذرية وحدها تلد نريد بها عذرية الروح أيّ مولوديته الوحيدة من الله. من جاء من غير الله لا يلد. 


لا يلد إلا الذين "وُلدوا لا من دم ولا من رغبة جسد ولا من رغبة رجل بل من الله" (يوحنا 1: 13). الذين يضعون أولاداً من أجسادهم هم ككل الكائنات الحية. أمّا المولود من الله فيلد ناساً إلهيين.

الأجسد أجساد. أمّا من جعلته النعمة ابناً لله فهو مولود من فوق أي ليس من جسد أمه.


مريم تعلّمنا أننا نقدر أن نولد من جديد بلا أب وبلا أم، بمشيئة النعمة وأن نبقى في الحضن الإلهي. نحن لا نحتاج إلى نزعة أنثوية فينا لنقيم لمريم مكانة عظمى في نفوسنا. نحن نحتاج إلى بتولية الروح أي إلى الانضمام الكلي إلى الله بلا شرط ولا إضافات اليه. 

إنّ لقاء الله وحده هو الذي يؤهّلنا لنجعل لمريم مكانة علينا في نفوسنا وهي التبتل لله وحده. التبتل له لا يعني العذرية. إنّه يعني الانضمام إليه بلا شرك ولا انصهار. 


بلا شرك بحيث لا نجعل أحداً مع الله وبلا انصهار لأنّ الله لمحبته إيّانا يريدنا أمام وجهه لا ذائبين فيه. مريم أمام المسيح لا تطوعه ولا تطوعنا. ليس في الحب تطويع. 

إنّها هادئة، محبة، حاضنة. لذلك نرجو أن يفهمنا أولئك الذين يشكّون في أنّ المسيح عندنا هو المعبود الوحيد. أنّ يكون السيد لنا كلّ شيء لا يفضي إلى إقصائنا أحباءه من حوله. هم لا يضيفون إليه بهاء. هم يكشفون بهاءه.


كلّ القول إنّنا نعبد مريم حكي يحكى. نحن لم نكتشفها حقاً إلّا لكونها مختارة الله. ليس لها وجود إزاءه. لها وجود معه أيّ منه وبه. فمن أحبّه يحبّها ويتّعظ بها. من ذاق المسيح حقاً يحبّ مريم ويجلّها ويبجّلها. هذه أشياء متماسكة إن كنّا عالمين.

محبتك للمسيح مشعّة. هو لا يفصلك عمّن أحبهم. وهو أحبّ أمّه وتلاميذه. فأنت مخلص له إن أحببتهم. نحن لا نكلّمهم في صلاتنا إلّا لأنّهم هم يكلمونه. 


نحن لا نخترع صلة روحية بيننا وبين القديسين. هو اخترعها. نحن ورثناها. فإذا شعرنا بمريميّتنا لا يضعف إيماننا بانتمائنا إلى الوسيط الوحيد بين الله والناس الذي هو يسوع المبارك.

بايدن والكاثوليكية الاجتماعية

د. السيد ولد أباه، أكاديمي موريتاني - الاتحاد الإماراتية

عندما صرح مؤخرًا الرئيس الأميركي جو بايدن بأن فيلسوفه المفضل الذي يستمد منه برنامجه السياسي والاجتماعي هو «جاك ماريتان»، لم يكن أغلب الناس قد سمع باسم هذا الفيلسوف الفرنسي المسيحي المتوفى سنة 1973. 

صحيح أنه تقريباً غير معروف في بلاده باستثناء حضوره في الأوساط اللاهوتية المسيحية، لكن له سمعة واسعة وتأثير كبير في أميركا الشمالية والجنوبية. 

كان إذن من الطبيعي أن يعلن الرئيس الأميركي الكاثوليكي عن إعجابه بهذا الفيلسوف الذي نشأ في بيئة بروتستانتية غير متدينة، لكنه اعتنق الكاثوليكية وأصبح من أهم المدافعين عن خط التومائية (فلسفة اللاهوتي الكبير توماس الاكويني) التي لا تزال هي المرجعية الأساسية لدى المؤسسة الدينية الكاثوليكية.


ومن منظور تومائي دافع ماريتان عن ميتافيزيقا الوجود، والتصور الطبيعي للعقل، وعن قيم الفضيلة الأرسطية، ورفض بشدة التصورات الوضعية والتاريخانية الحديثة، بل أدان بشدة النظم العلمانية المعاصرة وما يرتبط بها من قيم مدنية، وإن انتهى في آخر محطات مساره الفكري إلى قبول أطروحة الفصل بين الدين والدولة مع التشبث بمكانة الدين الثابتة في النسق الأخلاقي العام.

كان الباباوات الثلاثة الذين سبقوا بابا الفاتيكان الحالي من أشياع وأتباع ماريتان، بدءاً ببولس السادس الذي كان شديد القرب من الفيلسوف الكاثوليكي الفرنسي، وبينهما مراسلات طويلة تتمحور حول النزعة الإنسانية الجديدة التي بشّر بها البابا في مقابل الإنسانية التنويرية الملحدة، والنزعة الماركسية المتعارضة مع الضمير الأخلاقي للمسيحية.


أما البابا يوحنا بولس الثاني، فقد اعتمد على فكر ماريتان في نزعته العقلانية ذات الخلفية الطبيعية التومائية، بما يبدو جلياً في ثلاثيته المتعلقة بالحرية والحقيقة والخير. 

وقد عبّر البابا يوحنا بولس عن الدَّين الذي يشعر به إزاء ماريتان خلال المناسبة الاحتفالية التي أقيمت للفيلسوف الراحل في الفاتيكان عام 1982 بمناسبة مئوية ميلاده، معتبراً على الخصوص أن ماريتان جدد الفلسفة التومائية وطرحها بديلاً فلسفياً ناجعاً للقرن العشرين من منظور يفتح العقل على المُفارِق والمطلَق وعلى رسالة الخلاص الأزلي المسيحية.


أما البابا السابق بنديكت السادس عشر الذي هو دون شك من أكبر العقول الفلسفية اللاهوتية المسيحية المعاصرة، فقد ركز اهتمامه على إشكالية العقل والإيمان التي هي إشكالية تومائية تقليدية، استأثرت بجانب كبير من مشاغل جاك ماريتان. 

وفي هذا السياق، نجد لدى البابا المتنحي أطروحة ماريتان حول «العقل المتسع»، أي قدرة الإيمان على تنشيط العقل وإخراجه من عزلته الضيقة، ليكتشف الجوانب العقلية في الوجود في أبعاده المختلفة.


قد تكون اهتمامات البابا الحالي فرنسيس بعيدة عن المنحى الفلسفي لماريتان في لغته الميتافيزيقية العتيقة، وأقرب للتيارات الاجتماعية في الكاثوليكية التي انتشرت في أميركا اللاتينية (وعرفت بـ«لاهوت التحرير»)، لكنه كغيره من اللاهوتيين الكاثوليك تظل مرجعيته تومائية، وبالتالي يبقى في صلة تأثر وقرابة بماريتان.

وبطبيعة الأمر، ليست هذه الجوانب الميتافيزيقية هي التي يعني جو بايدن حين يتحدث عن تأثره بفكر جاك ماريتان، بل إنه يعني فلسفته الاجتماعية التي تتمحور حول فكرتي التضامن الإنساني والعلاقة العضوية بين الفرد والمجموعة المدنية والأخلاقية.


ماريتان الذي يهم الرئيس بايدن هو مؤلف كتاب «الإنسانية الكاملة» الذي يدافع فيه عن حداثة ليبرالية تستبطن قيم التراحم والتعاضد التي نادى بها توماس الاكويني، وهو النهج الذي شكّل الإطار المرجعي للنزعات الديمقراطية المسيحية الأوروبية ومجموعات اليسار الكاثوليكي التي كانت نشطة في الأوساط النقابية العمالية.

إنها إذن كاثوليكية مختلفة عن المؤسسة اللاهوتية الأميركية المحافظة التي لم تتحمس للرئيس الكاثوليكي الثاني في تاريخ الولايات المتحدة، رغم إظهاره لانتمائه الديني وتردده الدائم على الكنيسة واستشهاده بنصوص القديس أوغسطين وتوماس الاكويني، ورغم علاقة الصداقة القوية التي تربطه بالبابا الحالي فرنسيس.


في كتابه «الإنسان والدولة» الصادر في بداية الخمسينيات، يبلور ماريتان تصوراً جديداً لعلاقة الدولة بالفرد في إطار نقد صارم لفلسفة الدولة المطلقة الكلية لدى هيغل، معتبِراً أن الشرط الأساس لحماية الإنسان من قبضة الدولة الحديثة هو الرجوع إلى نظرية «القانون الطبيعي» التي تكرس الأولوية الأخلاقية والقيمية الإنسان على السلطة العمومية. 

وفي هذا الباب، يوجه نقداً مزدوجاً للماركسية التي تلغي حرية الإنسان باسم المثالية الاشتراكية ولليبرالية التي وإن أعلنت أولوية حرية الإنسان فإنها تنتهي إلى نفيها باسم مركزية السياسة وهيمنة الدولة.


إن هذه الأطروحة ذات الخلفية اللاهوتية البعيدة هي ما يجعل من ماريتان فيلسوف اللحظة الراهنة في المجتمع الأميركي.

الكنوز الأرضيّة والسماويّة

أشخين ديمرجيان

لهزيمة قوى الظلام في زمننا الصعب علينا أن نبحث عن النقاء بدل الانحراف، ونتجذّر في الله بالتواصل الوجداني، ونتمكّن بالحق الذي يحرّرنا من غير ارتباك.

لقد أوضح السيّد المسيح بعض الأمور بقوله: "لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض حيث يفسد السوس والصدأُ وحيث ينقب السارقون ويسرقون. 

بل اكنزوا لكم كنوزًا في السماء، حيث لا يفسد سوسٌ ولا صدأٌ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون. لأنّهُ حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا".


لدى قراءتنا هذه الآية من الانجيل الطاهر، أوّل ما يتبادر الى أذهاننا الكنوز الأرضيّة وكنوز علاء الدين أو المجوهرات أو المال. ونتساءل هل حفظ لنا الله كنوزاً في السماء وكدّس الثروة والمال أيضاً؟! تُبيّن الآية سالفة أنّ السيّد المسيح لا يحبّذ الكنوز الأرضيّة ويرفضها. 

يرفض كلّ ما هو أرضيّ ماديّ، وكلّ ما يرتبط بالجسد واحتياجاته المتنوّعة اذا أدّى إلى عدم الاهتمام بالنفس. لذلك يشجّعنا على ادّخار الكنوز السماويّة. وينصحنا بأن لا تتعلّق قلوبنا بتلك الكنوز الأرضيّة، بل أن يكون كلّ همّنا وتعلّقنا في الأمور السماويّة...


يكنز الانسان لنفسه في هذه الدنيا كنوزاً أرضيّة ينخر فيها السوس والفساد وهي كنوز عابرة لا تدوم مثل: جمع الثروة أو التمسّك بالجاه أو السلطة أو المنصب أو الشهرة. والاهتمام بالمأكل والمشرب والمَلبس. 

يفعل المرء كلّ هذا وأفكار القلق والخوف تساوره باستمرار. فلا ينعم بحياته، لأنّ دوّامة الشك والشعور بعدم الأمان من تقلّبات الزمن الغدّار تنغّص عيشه. ويخطّط الانسان ويدبّر لحاضره ومستقبله ولزمن الشيخوخة والتقاعد... 


كلّ ذلك ليؤمّن مستقبله ويضمن الراحة لنفسه ولأفراد عائلته الكريمة. نعم يجب أن يعمل الانسان ولا يتكاسل أو يتوانى، ولكن بقناعة ودون طمع.. مع الاهتمام بأعمال الرحمة تجاه القريب. 

واذا كان ثريًّا، يجب أن تزداد انسانيّته بالعطاء والصّدقة والخير وتوفير سبل العيش للآخرين من حوله، مُتحاشيًا انفاق الثروة في سبل الانحراف. ويجب أن تكون ثقة المؤمن بالله تعالى كبيرة، لأنّ الله لن يخذله اذا كان بارًّا وفيًّا. فيقوى على المِحَن والصعوبات التي تعترضه.


ويجب أن لا ينس المؤمن أنّ أهمّ هدف لوجوده على الأرض هو التفكير في الكنوز السماويّة التي يجب أن يدّخرها والتي لا يطولها السوس والفساد. وتهيئة الخيرات والبركات الالهيّة وتركيز الاهتمام على ارضاء الله واتباع تعاليمه ووصاياه في المرتبة الأولى من حياتنا. 

وأيضًا الأخذ بلباب الأمور وجوهرها ليمدّنا الله بشحنة روحيّة قويّة فنتمكّن من مقاومة سلبيّات وشرور هذه الحياة الدنيا. وتقودنا الصلاة والممارسات الروحانيّة إلى ملكوت الله، حيث يكون لنا معه نصيب في الحياة الأبدية. 


ثمّ في المرتبة الثانية نقوم في التفكير بأوضاعنا وأحوالنا الماديّة. ونتوكّل على الله تاركين الأشياء المرئيّة والسطحيّة ومشاكل الذهب والفضّة وما شابه ليتكفّل بها الله.

كلمة الله تزيد المؤمن إيمانًا وثقة بالله وتطمئن قلبه. لنصمدنّ في الايمان ولا نفكّر في الغد القريب أو البعيد لأنّ الله مدبّر الكون يهتمّ هو نفسه بأصغر أمورنا وأعظمها كما وعدنا قائلاً: "اطلبوا أولا ملكوت اللـه وبرّه وهذه كلها تزاد لكم". 


نور كلمة الله يُبدّد ظلمات حياتنا. الذهاب مع ريح الماديّات يُغري ويُسيطر على كيان الإنسان، وبالتالي يخسر نفسه والحياة الأبديّة التي أعدّها الله للصالحين... المستقبل هو في السماوات وليس في هذه الديار المؤقّتة الفانية.


خاتمة

من أهمّ الكنوز التي تلقى رضى الله وتحرس الانسان من مُغريات هذا العالم "كنز الحكمة" لذلك ينصحنا السيّد المسيح بقوله: "كونوا حكماء". و"كنز السخاء والعطاء" بلا حدود. هذه الكنوز تحفظ الانسان من الطمع والحسد ومن شرور وخطايا كثيرة. 

وتفتح للإنسان أبواب ملكوت الله. التعلّق بالمال وبمحبّة العالم تقود الإنسان إلى الهلاك وموت النفس. "وأقول لكم أيضًا أن مرور جمل من ثقب ابرة أيسر من ان يدخل ثريّ الى ملكوت الله" (انجيل لوقا 18 : 25).

البطريرك ساكو يكتب: في الذكرى السابعة لغزو داعش

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

  • وقفة أمل أمام ذاكرة جريحة ومخاوف المسيحيين والاقليات

تمر في هذه الايام الذكرى السابعة على احتلال عصابات داعش، تحت اسم "تنظيم الدولة الاسلامية" لمدينة الموصل وبلدات سهل نينوى، وتهجير المسيحيين منها. 

وبعد سنوات من زوال هذا الكابوس، بهمة العراقيين وعون المجتمع الدولي، لا يزال المسيحيون يستعيدون هذه الذكرى بألم ومرارة.  وهذا استقراء لواقع الحال، يظهر مخاوف الاقليات وينشد أمل التمسك بالأرض والجذور.


ففي الوقت عينه، يواجه المسيحيون، هاجس الخوف والقلق تجاه المستقبل خصوصا امام مؤشرات مريبة: محاولات تغيير ديمغرافي لمناطقهم، عجز الحكومات المتعاقبة بالرغم من امتلاكها المال، في معالجة خراب البنى التحتية لبلداتهم: من الكنائس والمدارس والمنازل والاملاك والبطالة، وتوفير ابسط مسلتزمات معيشتهم. 

ولولا الكنيسة التي قامت بمرافقتهم في تشريدهم ماديا وانسانيا وروحيا، وعمرت بيوتهم، وساعدتهم على عدم فقدان الامل بالمستقبل، لما بقي أحد منهم في العراق. 


لذا ونحن في الذكرى السابعة لنكبتهم ونكبة الايزيديين  والاقليات الاخرى، نطالب الحكومة الموقرة ان تنظر بجدية إذا كانت تريد حقًا بقاء المسيحيين والاقليات الاخرى في العراق بالافعال وليس بالخطابات، واستعادة حقوقهم وممتلكاتهم، لان إذا ظلَّ الوضع على ما هو عليه فمستقبلهم نحو الهجرة.

 هذه بعض افكار تدعم بقاء العراقيين وبخاصة الاقليات وتواصلهم في أرضهم، ارض المحبة والاخاء والفيسفساء الجميل والعيش المشترك:


1. إرساء مفهوم الدولة الحقيقية والقوية (الدولة الضعيفة لا تخدم أحدًا)، لذا يقتضي وثبة ضمير تستجيب للحراك الشعبي، وتمنح الدولة ما تستحقه من مكانة داخلية وعالمية، وتتميز بجملة ثوابت: الالتزام بالقانون، احترام المال العام، تطوير مؤسسات الدولة، العمل الجاد لجهة رفاهية الشعب، واصلاح مسؤول لكل ما فعله  بعض السياسيين  من قوانين وتفسيرات على مقاس رغباتهم ومصالحهم.

ومفهوم الدولة هذا يتمخض عنه جملة محاوار نذكر منها:

2. العمل على تأسيس دولة مدنية، دولة المواطنة، تطبق القانون على الجميع بدون استثناء، واحترام كل مواطن كما يستحق، دون النظر الى دينه وعرقه، بل كونه فقط مواطنا عراقيا. 

وهذا كعلاج جذري للتراجع الذي حصل في القيم، عبر المؤسسات الرسمية والمدنية التربوية والثقافية والاعلامية ومنابر المساجد والكنائس.


3. جمع السلاح مقابل تعويض مالي منصف، والعمل لبناء جيش قوي وقوى أمنية تحت قيادة موحدة، ولاؤها للعراق والعراقيين وهذا هو التحديّ الاكبر.

4. قوة العدالة لمحاسبة الفاسدين مهما كانت درجاتهم، ومطالبتهم باسترجاع المال العام مع ضمان عدم محاكمتهم كما يحصل حاليا في تونس!


5. اعتبار الدين، كل الاديان مسألة خاصة بين الانسان وربه، مع الحق في ممارسة الشعائر الدينية بحرية وامان. اعتبار يقرّ بأن هناك امور عقائدية ثابتة في الاديان، إزاء امور اجتماعية يتحتم على المرجعيات الدينية تجديدها واصلاحها لتتلاءم مع الزمن الحاضر، ولا تفرض مترتباتهم على عموم المواطنين.

6. مواجهة التطرف والإرهاب، بمنع خطابات الكراهية و تجريم ومحاسبة من يتبناها ويروج لها، وتجديد مناهج التربية ونشر ثقافة الحرية، والعقل والتنوير، والاختلاف، عبر عمل ميدانى على أرض الواقع.


أخيرًا وليس آخرًا، إني كبطريرك على الكنيسة الكلدانية، في العراق والعالم، متعاضدًا مع تطلعات سائر الكنائس في العراق، وبصفتي كاردينالاً في الكنيسة الكاثوليكية الجامعة، اؤكد أني لا أكتفي بالمناشدات محليًا، بل أبلغ صوتي عبر المنابر العالمية، أسوة بأصوات معروفة في ظروف مماثلة.

حفظ الله عراقنا والعالم بسلام وأمان وعدالة.

الحرب التي فخخت ديوان المدينة

أحمد ناجي – اليمن - تعددية

قبل أيام، أخبرني "أكرم" أن الديوان صار فارغًا من الأحاديث والناس. سرد لي بحسرة أين ذهب الأصدقاء. "هناك من هاجر، وهناك من ذهب إلى القتال ولم يعد. 

وبعض الأصدقاء حوَّلَتهم الحرب إلى أعداء يترصد بعضُهم بعضًا. والقليل ممن بقي أغلق باب منزله وحيدًا. لقد حولت الحرب ديواننا إلى مأتم مفتوح".

في عامي الأول في جامعة صنعاء، تعرفتُ إلى "أكرم" الذي وجدتُه إلى جواري في محاضرات مادة الاقتصاد. بدأتْ أحاديثنا بصفتها نوعًا من التنفيس، للهروب من ملل التفاصيل الفنية التي يوردها أستاذ المادة. 


قادتني تلك الأحاديث إلى التعرف إلى "أكرم" أكثر. مثقف وصاحب علاقات واسعة. ومع أننا التحقنا بالجامعة في نفس السنة، بدا كمن يَعرف معظم من في الدفعة. 

وكعادة طلاب الجامعة، كنا نلتقي في جلسات العصر بشكل شبه يومي. ولقاؤنا الدائم في ديوان "أكرم" كان في حي الزراعة القريب من الجامعة. العنوان هو "مراجعة المحاضرات الجامعية"، لكن اللقاءات تتحول دائمًا إلى نقاشات سياسية مفتوحة.


أتذكَّر مسافات التباين بيننا في الكثير من الأشياء. معظمنا ينحدر من مناطق جغرافية مختلفة، لهجاتنا متعددة، ورؤانا السياسية لا تتقاطع في المنتصف. لا أزال أتذكر عبارة أكرم الشهيرة: "مش صح نجلس نسمع لأنفسنا بس"، وهو يشاركنا شغفه بسماع الآخَر المختلف. 

ومع الاختلافات الفكرية والسياسية الكثيرة، وما يرافقها من أصوات تعلو وتخفت، فإنَّ نهاية كل جلسة هي لحظة مهمة، تستضيف فيها هواتفنا أرقام أصدقاء جدد. كانت جلسات الديوان تَنسج الصداقات بطريقة عنقودية. معظم زياراتي للكثير من المحافظات والمناطق اليمنية، كانت بفضل صداقات الديوان. وبالنسبة إلى الكثير منا، كانت جلسات العصر في الديوان أهم من محاضرات الصباح في الجامعة. 


كان سقوط صنعاء في العام 2014 بداية التغريبة. بدأت صنعاء تفقد ملامحها شيئًا فشيئًا. وتنحسر الآراء المختلفة من الميادين العامة، ومن الشوارع، ومن الصحف اليومية، ومن كل شيء حولنا، حتى وجدنا أنفسنا لا نرى إلَّا لونًا واحدًا، يمارس سطوة القمع مع كل شيء لا يشبهه. مع مرور الوقت، صارت طبقات اللون الداكن تضيق ذرعًا حتى بالطبقات الفاتحة من اللون ذاته. 

تسللت الحرب إلى داخل الديوان، وتربعت على أجواء المكان. فقدْنا من بعدها الكثير من الأصوات التي باتت أماكنها فارغة.


لقد كانت الحرب مِثل "تسونامي" كبير، جرف معه الكثير من الأشياء من داخلنا أولًا، ومن حولنا ثانيًا. الآراء التي كان يتسع لها الديوان، ويَخرج القائلون/ات لها أصدقاءَ لا خصومًا، صارت انقسامًا حادًّا، يَدفع المختلفين/ات إلى التخندق في الأرض. والرأي الذي كان يقال بالفم، أصبح يقال وبجواره رصاصة، تُوَجَّه مِن قائلهِ نحو مستمعِه إن رفض. 

مساحة قبول الرأي المختلف تضاءلت حتى تلاشت. لقد غيرت الحرب طبائع الكثيرين/ات، فمنحتهم مسالك جديدة لقول الأشياء، للتعبير، ولممارسة الحياة.


لا يمكن قراءة الحرب باعتبار أنّ مساحتها الخطوط الأمامية للجبهات القتالية -بحسب ما يجري تصويرها-، بل هي أمر أكثر تعقيدًا. إنها تكثيف بالغ للكثير من التفاصيل التي تتفاعل في المجتمع بطريقة طردية، وتترك أثرًا في قعر سلوكه العام. 

زادت وتيرة التشظي الاجتماعي، حين تَرافق مع الانقسام الجغرافي. يمكننا ترتيب المشهد في اليمن، عبْر النظر إلى أن كل جغرافيا باتت تُمثِّل سردية مستقلة، ووجود سردية مضادة لها هي أُمُّ الخطايا. 


بالطبع، لا يجب مقاربة الحرب بوصفها حدثًا قدَريًّا، أو مَلحمة إلزامية جاءت من السماء، بل باعتبارها نتيجة لِحُزمة من السلوكيات والأفعال، كان من الطبيعي أن تصبح الكارثة نتيجتها. 

وجميعنا بلا استثناء، شاركْنا أو نشارك فيها بقصد أو بدون قصد. ومَن لم يستطع المشاركة في الفعل والحديث، يشارك في السكوت، أو الهروب من الدَّور الذي كان يجب أن يصنعه قبل حلول الكارثة. فالحرب هي إجمالي التفاعل غيْر السويِّ للمجتمع.


في آخر اتصال لي بـ"أكرم"، تحدثتُ إليه وقتًا طويلًا. كان صوته مُتعَبًا للغاية؛ إذ أصبح يقضي وقته بين البيت والمشفى. تَذكَّرنا أحاديث الديوان، بكينا من الفرح، وضحكنا من شدة الحزن لِما آلت إليه الأحوال. 

وعند ختام الحديث، قال لي: "أخاف ألا أنجو، لكن إن جئتَ إليَّ أو جاء أحد الأصدقاء غدًا، فستجدون مفتاح الديوان مخبَّأً تحت سجاد الباب".