‏إظهار الرسائل ذات التسميات آراء وأفكار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات آراء وأفكار. إظهار كافة الرسائل

بعد أكثر من مائة عام من الإبادة الأرمنية

سعد سلوم - العراق - تعددية

حين زرتُ "سنجار" الصيف الماضي والتقيتُ بشخصيات إيزيدية مختلفة، لا سيما من قرية "كوجو"، أخذني شابٌّ ناجٍ في جولة داخل المدرسة التي جرى تجميع سكان القرية فيها، قبل تصنيفهم وإبادتهم من قِبل مقاتلي "داعش". 

كان يشير إلى صور عائلته بهدوء، وصورة أُختَيه اللتين قُتِلتَا، وكأنهما تنتميان إلى عالم آخر بعيد عن هذه القرية التي تحولت إلى متحف. 

بعدها، قادني إلى حقول القتل الجماعي، وأطلعني على المقابر الجماعية التي جرى جمع الرفات المكدس فيها من قِبل فريق الأمم المتحدة، الذي أرسل إلى العاصمة بغداد لأغراض الفحص والتعرف إلى هويات الضحايا، في حين جُهِّزَت قبور للضحايا، ما تزال مفتوحة، وحمَل كلٌّ منها اسم شخص محدد، وذلك بانتظار دفن الجثث فيها بعد التعرف إليها عند نهاية فحص DNA.

أما المحظوظون من الإيزيديين/ات الذين عَلِموا بتقدُّم رايات داعش السُّود باتجاههم، وأُتيحت لهم فرصة الهرب، فقد سلكوا الطريق نحو ملجأ الإيزيديين الوحيد (الجبل). 

لقد رافقتُ صديقًا إيزيديًّا عبْر طريق إلى جبل "سنجار"، الذي سلكه الإيزيديون/ات هربًا من آلة القتل، تاركين كل ما يملكونه وراءهم. كانت الصور المنشورة عن هذه المسيرة المتجهة إلى الجبال المنعزلة والجرداء، تذكِّرنا بصُوَر المُرحَّلين الأرمن في الدولة العثمانية قبل مائة عام، والذين واجهوا الموت والعطش في صحراء سوريا وبلاد ما بين النهرين. 

لقد جرى ترحيل الأرمن قبل مائة عام من هضبة الأناضول باتجاه الجنوب الصحراوي المنبسط، لكنَّ الإيزيديِّين هربوا باتجاه الشمال حيث سقفُ السماء العالية.

تطلعتُ إلى الجانب الآخر عبْر الحدود المحاذية لسوريا، حيث تربض مدن أخرى مدمَّرة على نحو يذكِّرنا بالمدن التي اندرست آثارها في الحرب العالمية الثانية، مثل: ستالينغراد وبرلين. 

كانت حلب في سوريا تشبه سنجار في العراق، خرابها دالٌّ على إبادة المدن، فضلًا عن سكانها. وقبل مائة عام جرى استقبال الأرمن (ضحايا الأمس) عبر هذه الحدود من قِبل الإيزيديين (ضحايا اليوم). 

وهناك ذكريات لا يمكن محوها عن هذا الفرار والاستقبال الجماعي، وما تزال مغارات في جبل سنجار تحتوي على عظام الإيزيديين المختلطة بعظام الأرمن الفارين إلى الجبال العالية. 

وحدث أن التقيت صدفة في منزل أحد شيوخ سنجار، إيزيديًّا منحدرًا من تركيا، قدمت عائلته من الأرمن، ونالها ما نالهم من تطهير عرقي وإبادة جماعية.

مِن الشعوب التي تعرضت للإبادة الجماعية في الشرق الأوسط خلال هذا القرن الدموي، الأرمن في تركيا. 

وقد تعرَّض السريان والكلدان والأشوريون والإيزيديون لإبادة مماثلة، لكن الحجم الديموغرافي الأكبر للضحايا مختص على ما يبدو بالأرمن، حسب ما تشير الأرقام في العراق بعد مائة عام، إلى الاستهداف الشرس والمتعمد للإيزيديين، أكثر من أي أقلية أخرى، على الرغم من أن المسيحيين والمسلمين الشيعة والأقليات الأخرى (مثل المسيحيين والشبك، حتى المسلمين السنة الذين عارضوا تنظيم داعش)، عانوا أيضًا فظائع مروِّعة.

هذه ليست قصتنا وحدنا في الشرق الأوسط؛ إذ النظام الدولي زاخر بجرائم مماثلة، والأوروبيون منذ القرن الخامس عشر إلى التاسع عشر طهروا الأرض من الشعوب الأصلية في أستراليا وأميركا الشمالية. 

وفي العقد الأول من القرن العشرين، قامت ألمانيا القيصرية بارتكاب الإبادة الجماعية للهيريرو في جنوب غرب أفريقيا. الأنظمة الشمولية مثل النازية الهتلرية والشيوعية الستالينية وماو الصينية، كانت في طليعة الأنظمة الإبادية. 

بعد نهاية الحرب الباردة أطلت العِرقيات برأسها مع إبادات جديدة، لا سيما بعد فشل الدولة التي ترك غيابها لأمراء الطوائف ومقاولي الهويات، أن يتحولوا إلى زعامات مافيوية تستخدم التطهير العرقي وسائل لتحقيق أهدافها. 

وقد أثبتت الأحداث الأخيرة بعد اجتياح داعش لسوريا والعراق، وقبْلها في يوغوسلافيا في البوسنة والهرسك عام 1995، وكوسوفو عام 1999، ورواندا عام 1994، ودارفور عام 2003، كيف أن تهديد الإبادة الجماعية ما يزال قضية رئيسة في السياسة العالمية.

أن يكون أكثر من ستين مليون شخص ضحايا الإبادة الجماعية في القرن العشرين وحده، إضافة إلى الخسائر الأخيرة في البوسنة ورواندا، وبمعزل عن ضحايا دارفور وسوريا والعراق، فإن ذلك يستحق منا وقفة لمنع تكرار المأساة. 

لذا، أعتقد أننا وبعد مرور مائة عام، لا بد -على الأقل- من أن نشجع تدريس الإبادة الجماعية لشعوبنا، وحث الأجيال الجديدة على التعلم من أخطاء الماضي، ورفض أية سياسة لتأويل الاختلافات على نحو يوفر المناخ الملائم لارتكاب الجرائم من قِبَل مقاولي الكراهيات.

نحو تاريخ مشترك لعيد الفصح

الكاردينال كورت كوخ - فاتيكان نيوز

سيحتفل المسيحيون عام 2025 بالذكرى المئوية السابعة عشرة لمجمع نيقيا، وفي ذلك العام باستطاعة كنائس الشرق والغرب أن تحتفل بعيد الفصح في اليوم نفسه، في العشرين من نيسان. وهي مناسبة أيضًا لإعطاء دفع للجهود الرامية إلى توحيد عيد الفصح المسيحي في المستقبل

احتفلت الكنائس المسيحية التي تتّبع التقويم الشرقي يوم الأحد بعيد الفصح. للمناسبة نشرت صحيفة أوسيفراتوريه رومانو الفاتيكانية مقالاً لرئيس المجلس البابوي لتعزيز وحدة المسيحيين الكاردينال كورت كوخ بعنوان "نحو تاريخ مشترك لعيد الفصح".

في مستهل المقال توقف الكاردينال كوخ عند مقابلة أجرتها الصحيفة الفاتيكانية قبيل الاحتفال بعيد الفصح مع بطريرك أورشليم للروم الأرثوذكس، صاحب الغبطة ثيوفيلوس الثالث، الذي سلط الضوء على معنى هذا العيد في اللاهوت الشرقي. 

وكتب الكاردينال كوخ أن أنظار العالم كله تتّجه نحو كنيسة القبر المقدس في القدس في هذه المناسبة، مذكرًا بأن عيد الفصح هو عيد النور الذي أنار القبر المقدس، مع قيامة السيد المسيح وانتصار الحياة على الموت.

في سياق حديثه عن عيد الفصح تطرق رئيس المجلس البابوي لتعزيز وحدة المسيحيين إلى الاختلاف في التقويمين الشرقي والغربي، موضحًا أن الكنائس المسيحية الغربية تحتسب، منذ القرن السادس عشر، تاريخ عيد الفصح وفقًا للروزنامة الغريغورية والتي وضعها البابا غريغوريوس الثالث عشر في إطار إصلاح جذري. 

أما الكنائس الشرقية فحافظت على التقويم اليولياني الذي كان مستخدمًا في الكنيسة كلها قبل الإصلاح الغريغوري، وأيضًا من قبل مجمع نيقيا عام 325.

بعدها كتب الكاردينال كوخ أن الإمبراطور قسطنطين دعا إلى عقد المجمع المذكور بهدف توطيد وحدة الإمبراطورية –على ركيزة الإيمان المسيحي– إزاء الانقسامات التي كانت سائدة آنذاك بين المسيحيين.


وكان المسيحيون آنذاك، لاسيما في آسيا الصغرى، يحتفلون بعيد القيامة في الرابع عشر من شهر نيسان اليهودي بالتزامن مع فصح اليهود. أما المسيحيون في سورية وبلاد ما بين النهرين فكانوا يحتفلون بهذا العيد في الأحد التالي للفصح اليهودي. 

وخلال مجمع نيقيا تم التخلي عن هذا التاريخ وتقرر الاحتفال بعيد الفصح المسيحي في الأحد التالي لأول بدر ربيعي، وبعد الفصح اليهودي.

ولفت إلى أنه في العام 2025 سيحتفل المسيحيون بالذكرى المئوية السابعة عشرة لمجمع نيقيا، وفي ذلك العام باستطاعة كنائس الشرق والغرب أن تحتفل بعيد الفصح في اليوم نفسه، في العشرين من نيسان. 

وأشار إلى الرغبة في الإفادة من هذا اليوبيل الكبير بغية إعطاء دفع للجهود الرامية إلى توحيد عيد الفصح المسيحي في المستقبل. 

وكان البابا فرنسيس والبابا تواضروس الثاني قد عبّرا عن نيتهما هذه في أكثر من مناسبة، تابع الكاردينال كوخ، كما أن الرئيس المشارك للجنة الدولية المختلطة للحوار اللاهوتي بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية، رئيس الأساقفة الأرثوذكسي Job Getcha قد تقدم باقتراح بهذا الخصوص.

ثم ذكّر نيافته بأن بطريرك أورشليم للروم الأرثوذكس، وفي مقابلته المذكورة مع صحيفة أوسيرفاتوريه رومانو، قد لفت إلى أن الجهود الهادفة إلى توحيد عيد الفصح ليست أولوية رعوية هامة وحسب إذ ذكّر بأن هذا العيد هو الأقدم والأهم بالنسبة للمسيحية، لأن هذه الديانة تعتمد على حدث القيامة. 

فتوحيد هذا العيد يساهم في تسليط المزيد من الضوء على أهميته. كما أن خطوة من هذا النوع – يقول البطريرك تيوفيلوس الثالث – بالغة الأهمية بالنسبة للمسيرة المسكونية الهادفة إلى استعادة وحدة الكنيسة المسيحية شرقا وغربا في الإيمان والمحبة.

في ختام المقال الذي نشرته صحيفة أوسيرفاتوريه رومانو الفاتيكانية، عبّر الكاردينال كورت كوخ عن امتنانه الكبير للبطريرك ثيوفيلوس الثالث، وتوجه إليه وإلى جميع المؤمنين بالتهاني في عيد الفصح، باسمه الشخصي ونيابة عن البابا فرنسيس، آملا أن يختبر المؤمنون السر الفصحي لموت وقيامة الرب يسوع المسيح، وينعموا ببركات الله وحمايته. 

وتمنى نيافته أن يحمل النورُ المنبعث من القبر المقدس إلى العالم كله رسالة جميلة، خصوصا في زمن الجائحة، مفادها أن الكلمة الأخيرة ليست للموت، لأن الكلمة الأخيرة هي لله: ألا وهي الحياة. المسيح قام!

بزوغ شمس القيامة المجيدة

أشخين ديمرجيان - القدس

يصادف اليوم عيد القيامة المجيدة في الكنيسة الأرثوذكسية التي تتبع التقويم اليولياني –نسبة إلى يوليوس قيصر-  أو ما يُعرف خطأ بالشرقي (مع أنّ يوليوس قيصر هو الذي أقامه).

يقول القدّيس أمبروسيوس: "إن أردتم أن تجدوا السيّد المسيح، فالشمس قد أشرقت الآن... ليته لا يكون في قلوبكم ظلام الشر، لأن شهوات الجسد والأعمال الشريرة هي ظلام. مَن كان في قلبه ظلام من هذا النوع لا يعاين النور ولا يُدرك المسيح، لأن المسيح هو نور. 

انزعوا الظلام عنكم يا إخوة، أي انزعوا عنكم كلّ الشهوات الخاطئة والأعمال السيئة، وليكن لكم الطيب الحلو، أي الدعاء بحرارة، قائلين مع المرنّم: "لتَقُم صلاتي كالبخور أمامك" (مز 141: 2)... إن أردتم أن تعاينوا الربّ وتأتوا إلى بيتكم السماوي يلزمكم ترك الشر مثابرين على الثبات في الصلاح الذي بدأتم إياه".

هكذا غيّرت التوبة حياة مريم المجدليّة وكذلك ندمها على خطاياها، وانقلبت حياتها رأسا على عقب، خاصة بعد أن أصبحت شاهدة لقيامة السيّد المسيح المجيدة، وبعد أن وكل إليها وحدها نشر الخبر السارّ إلى التلاميذ. 

ودفعها ما شهدته واختبرته من أحداث في حياة السيّد المسيح إلى منعطف جديد وانطلاقة جديدة في تطوّر إيمانها ومعتقداتها. تُدعى المجدليّة نسبة إلى قرية المجدل مسقط رأسها ، والمجدل يعني البرج. وتقع القرية على الشاطيء الغربي لبحيرة طبريا. 

حينما سمعت عن السيّد المسيح تبعته في أثناء خدمته في الجليل وفي سائر المناطق، وكانت قد تابت عن ماضيها الأثيم،  وأكرمت السيّد المسيح بكلّ ودّ ووقار. وخدمَته من أموالها الكثيرة مع بعض النسوة الصالحات. 

وفي يوم الجمعة، قبل القيامة المجيدة، توجّهت نحو المكان الذي كان سيمرّ به السيّد المسيح في طريقه إلى الجلجثة، في المدينة المقدّسة، وربّما كانت إحدى أولئك النساء اللواتي كنّ يبكين متأوّهات، يلطمنَ وينحنَ عليه باكيات، فالتفت إليهنّ وقال: "يا بنات أورشالم لا تبكين عليّ بل ابكين على أنفسكنّ وعلى أولادكنّ..." (لوقا 23: 27 وتابع).

رجاؤنا في القيامة المجيدة لحياة أبديّة وكذلك جوهر إيماننا: "وإنْ كان المسيح لم يقُم، فكرازتنا باطلة وإيمانكم أيضًا باطل" (1 قور 15: 14-15). 

طوبى للنفوس الصالحة التي تقدّم مثالاً ولا أجمل في حياتها، طوبى للنفوس الطيبة التي تعبر من الحياة الدنيا إلى مجد القيامة مع المسيح القائم والمنتصر على الموت.

"تبارك الله الذي شملنا بوافر رحمته فوَلدَنا ثانيةً لرجاءٍ حَيّ، بقيامة المسيح من بين الأَموات، ولميراث غير قابل للفساد والرجاسة والذبول، محفوظ لكم في السَّماوات، أنتم الذين تحرسهم قدرة الله بِالإِيمان لخلاص سينكشف في اليوم الأخيرِ". 

كما يقول القدّيس بطرس في رسالته الأولى (1: 3). في هذه المناسبة السعيدة نتوسّل إليك يا ربّ أن تُنجّنا من ثقافة الموت التي طغت على كلّ الأصعدة، وألهمنا كيف السبيل إلى عودة ثقافة الحياة وعودة الإنسانيّة إلى مكانها الطبيعي في ذواتنا وفي مجتمعاتنا وفي العالم أجمع؟


خاتمة

ليس من فجر أحلى من فجر القيامة المجيدة ودحرجة الحجر، ووعْد السيّد المسيح للمؤمن بضمان الحياة الأبديّة. عيد الفصح المجيد يوحي للمؤمن بالأمل في الغد القريب والبعيد، ويتعلّق ذلك بإيمانه وصموده أمام تحدّيات الحياة الصعبة. 

ويُصبح العيد مصدر فرح حينما نركّز على ممارسة أعمال الخير مهما استصغرناها، بالعطاء المادّيّ أو المعنويّ. المسيح قام! حقاً قام! وكلّ عام وأنتم بخير.

أحد الشّعانين والأسبوع العظيم – أسرارٌ، مغامرةٌ واختبار

الأب مجدي هاشول، خادم رعيّة مار شربل المارونيّة، عسفيا :

 

المقدّمة

إنّ الأسبوع المُقدّس الملقّب بأسبوع الآلام، يبدأ بعد سلسلة أحداث مهمّة من حياة المسيح، كشفاءه لأعمى أريحا، وإقامته للعازر من بين الأموات، وذلك في اليوم الرّابع لموته، في بيت عنيا (العيزريّة) (يو 11، 1 - 45)، بمرأى من الكثيرين، وبعد حادثة التّينة الّتي لم تُعطِ ثمرًا (مرقس 11، 12 - 14)، وبعد أن عاش المسيح وعمل وعلّم بتعاليم الملكوت على المَلَء، ناشرًا نوره في أحلك الظّلمات، وباعثًا روح الحياة والرّجاء في ربوع البائسين والمظلومين والمُحبطين، ومُلهمًا روح المحبّة المجانيّة في جماعة الرّسل وحيث حَلّ وسار وأقام وأراد. 

يأتينا هذا الأسبوع اكمالًا، تتمّةً وتدشينًا لكلّ حياة المسيح على الأرض، منذ تجسّده في ناصرة الجليل، ليقودنا صوب قيامته المجيدة من بين الأموات.


مكوّنات الأسبوع المقدّس

يبدأ الأسبوع المقدّس بالتّحديد مع "أحد الشّعانين"، في قدّاسٍ احتفاليّ مهيب، تزيّنه سعف النّخيل وأغصان الزّيتون وشموع العيد، وتليه مساءً رٌتبة "الوصول للميناء"، ثمّ تأتي صلوات اثنين الآلام وثلاثاء الآلام وأربعاء الآلام، بأناشيدها وزيّاحاتها ورُتبها، وفق التّقاليد الغنيّة المتنوّعة (صلاة الآلام وزيّاح الصّليب; صلاة الختن; مراحل درب الصّليب)، وبألحانها وكلماتها العميقة الأثر على النّفس والوجدان، وفي يوم الأربعاء تُقام أيضًا رُتبة "أربعاء القنديل" ويُدعى بأربعاء أيّوب، ويليه يوم الخميس، "خميس الأسرار" والمدعو "خميس الغسل" و"خميس العهد" و"خميس الكهنوت"، ومن بعده تأتي "الجمعة العظيمة" برُتبها وفق اللّيتورجيّات المتنوّعة، كالقدّاس السّابق تقديسه المدعو ب"رسم الكأس"، وطقس تذكار "جنّاز المسيح" المُلقّب ب "الجنّاز السّيّدي" الموازي لرُتبة "سجدة الصّليب"، وثمّ يوم السّبت يكون "سبت النّور"، وبه تُقام رتبة الغفران والنّور، ويُقابلها في التّقليد البيزنطي قدّاس "فيض النّور"،  وتلحقها رُتبة "الهجمة" في اللّيتورجيّة البيزنطيّة، والّتي تتقاطع في تقليد "الطَّرق الثُّلاثي على الباب" مع رُتبة "الوصول للميناء" في اللّيتورجيّة المارونيّة. 

في ختام هذه المسيرة العميقة مع الأصوام والإماتات والتّصدّق، تُقام طلبة القيامة، ويُقام قدّاس ليلة الفصح، عمومًا في نصف اللّيل، و\أو قدّاس عيد الفصح يوم أحد القيامة، وقدّاس "ثاني الفصح" يوم الإثنين.


أحد الشّعانين

بعد أن أقام المسيح بسلطانه، صديقه لعازر من بين الأموات، في بيت عنيا، أمام شهودٍ كثيرين، وبعد أن أنتن جسد لعازر، سطعت حقيقة الكلمة، وزادت ضغينة الفاسدين عليه، وقلِق عظماء الكهنة وبعض الفريسيون من اتّباع النّاس له، حتّى عزموا على قتله (يو 11، 53)، حتّى كفّ المسيح عن التّجوّل علانيّة، لينطلق إلى مدينة أفرام ويقيم مع تلاميذه هناك (يو 11، 54)، في خلوة مقدّسة، تهيّء دروب الرّسالة. 

ثمّ قبل ستّة أيّام من الفصح ذهب مجدّدًا للبيت الحبيب على قلبه، في بلدة بيت عنيا، بيت الإخوة لعازر، مرتا ومريم، ليتناول معهم العشاء، في جوّ حميميّ، هناك "تناولت مريم حقة طيب من الناردين الخالص الغالي الثمن، ودهنت قدمي يسوع ثم مسحتهما بشعرها. فعبق البيت بالطيب"، فعلَ إكرامٍ وإجلالٍ للسيّد، وحِفظًا ليوم دفنه كما قال! (يو 11، 7).

 ينطلق السيّد من منطقة بيت عنيا وبيت فاجي، إلى مدينة القدس، إلى أسبوعٍ عظيمٍ، يومَ الأحد، هذا الأحد الّذي يستبق أحد القيامة بأسبوعٍ، ويستبق المجيء الأخير بالمجد!


جغرافيًّا

كانت بلدة بيت عنيا (بيت عنين) تقع ضواحي القدس، إذ تبعد نحو 15 غلوة عنها (يو 11، 18)، أي نحو 3 كم،  وتقع على المنحدر الشّرقي لجبل الزّيتون، على مفرق الطرق الذي يصل أريحا والأردن بمدينة أورشليم. 

وهي بالعبريّة בית עניה الآتية من كلمة עניו أي المسكين أو البائس. أمّا بيت فاجي (בית פאגי) وتعني بيت التّين، فهي منطقة تقع بمقربة من القدس، عند جبل الزّيتون (متّى 21، 1 – 2;  مرقس 11، 1;  لوقا 19، 28 - 29)، وقد يكون لها صلة بالتّينة اليابسة الّتي أتت عليها اللّعنة (مرقس 11، 12 - 14)، وكان علامةً لقوّة الإيمان القادر على نقل الجبال من جانب، ونوع صحوة للإنسان الّذي لا يعطي ثمرًا، لينهض ممّا قد يجلبه على ذاته من موت! أمّا جبل الزّيتون فقد سمّي بالعبريّة "هار هازيتيم" وبالآراميّة "طور زيتا"، ويحملون ذات المعنى "جبل الزّيتون"، وهو من أعلى مناطق القدس، ويصل ارتفاع أعلى قمّة فيه نحو 826 م، عن سطح البحر، ومنه صعد المسيح للسّماء في اليوم الأربعين للقيامة، بمرأى من الكثيرين، وهو المكان الّذي تنبّأ عنه زكريّا أنّه سيكون الأوّل من حيث إقامة الأموات، وهو يقع شرق مدينة القدس القديمة، وبينهما يقع وادي قدرون (غور يهوشافاط).


بهجة عيد الشّعانين

جماهيرٌ من الشّعب حاشدة في أجواء عيد الفصح الموسويّ، بشعورٍ مرهفٍ لهذا المُخلّص الجليل، كلٌّ يُعبّر عن إجلاله وإكرامه ومحبّته، هؤلاء يبسطون أرديتهم على الطّريق، وهؤلاء يفرشون أغصان الشّجر (متّى 21)، هؤلاء يحملون سعف النّخيل، الّذي يستقبلون به الملوك، ويتوّجون به الانتصارات الكبيرة (رؤ 7، 9)، وكقول الكتاب "الصّدّيق مثل النّخل يزهو" (مز 92، 12)، وها ملكٌ شامخٌ فوق نخيل الأرض، ومستقيمٌ فوق استقامتها مُقبلٌ، ها من جذوره أعمق من شجر الزّيتون، لأنّه "هو هو الأمس واليوم وإلى الأبد" (عب 13، 8)، ها رئيس السّلام قد أقبل (إشعيا 9، 6)، وهو أعظم جدًّا من نوح، وفُلكُه كنيسةٌ أبواب الجحيم لن تقوى عليها (تك 8، 11; متّى 16، 18)! ها هو نسل ابراهيم الحقيقي الّذي به تتبارك كلّ شعوب الأرض (تك 22، 18). 

هتافاتٌ تخرج من قلوب الشّعب بقوّة وإيمان، "هُوشَعْنا لابنِ داود! تَباركَ الآتي بِاسمِ الرَّبّ! هُوشَعْنا في العُلى !" (متّى 21، 8 - 9)، مدينة أورشليم ضجّت بأسرها (10)، وعلى قدر فهمها المحدود قالت وأعلنت "هذا النَّبِيُّ يسوع مِن ناصِرةِ الجَليل"، وكأنّها تريد قول المزيد ولكن لم يبلغها بعد تمام الوحي والفهم عن هويّة المُخلّص!


نبوءاتٌ، تسابيحٌ وانتصار

يدخل يسوع، هذا الملك المتواضع، لا على مراكب مسلّحة، بل على جحش ابن أتان (الجحش هو الحمار الصّغير، والأتان هي أنثى الحمار)، يدخل لا باستقبالات الفاسدين، بل بهتافات الأطفال والأبرياء كما كُتب "مِنْ أَفْوَاهِ الأَطْفَالِ وَالرُّضَّعِ أَسَّسْتَ حَمْدًا" (مز 8، 2)، وتبدأ نبوءات العهد القديم تتحقّق، فها زكريّا يتهلّل اليوم في ملكوت الله، وهو القائل بنبوءته: "اِبتَهِجي جِدّاً يا بِنتَ صِهْيون وآهتِفي يا بنتَ أُورَشَليم هُوَذا مَلِكُكَ آتِياً إِلَيكِ بارّاً مُخَلِّصاً وَضيعاً راكِباً على حمارٍ وعلى جَحشٍ آبنِ أتان (עַל-עַיִר בֶּן-אֲתֹנוֹת)، وأَستَأصِلُ المَركَبَةَ مِن أَفْرائيم والخَيلَ مِن أُورَشليم وتُستأصَلُ قَوسُ القِتال ويُكَلِّمُ الأُمَمَ بِالسَّلام ويَكونُ سُلْطانه مِن البَحرِ إِلى البَحْر ومِنَ النَّهرِ إِلى أَقاصي الأَرْض" (زكريّا 9، 9-10). 

لمّا َبَلَغَ يسوع مُنْحَدَرَ جَبَلِ الزَّيْتونِ "أَخَذَ جَمْهُورُ التلامِيذ يُهَلِّلُون وَيُسَبِّحونَ اللهَ بأعْلى أَصْوَاتِهِم عَلى كُلَ الأَشْياءِ العَظيمَةِ التي رَأَوْها وَكانُوا يَقُولُونَ: تَبَارَكَ الآَتي بِاسْمِ الرَّبِّ السلامُ في السَّمَاءِ والمَجْدُ لله في الأَعالي" (لوقا 19، 37 - 38)  ولمّا استاء بعض الفّريسيّون، وشكوا ليسوع لينتهر تلاميذه ويصمتوا أجابهم "أقولُ لَكُم إِنْ سَكَتَ هؤُلاءِ فالحِجارةُ نَفْسُهَا تَهْتُفُ." (لوقا 19، 40).. كان زخم طعم الانتصار هكذا قويّا حتّى قال في النّهاية الفِرِّيسيُّونَ بَعضُهم لِبَعض "تَرونَ أَنَّكم لا تَستَفيدونَ شَيئاً. هُوَذا العالَمُ كلّه قد تَبِعَه" (يو 12، 9).


تسمية عيد الشّعانين ودلالته

هتف الجماهير كلمة "هوشعنا" العبريّة وتعني خلّصنا، من الجذر "ي.ش.ع" أي خلّص وهي من التوسّل الوارد في المزمور:

"אָנָּא יְהוָה, הוֹשִׁיעָה נָּא;    אָנָּא יְהוָה, הַצְלִיחָה נָּא. בָּרוּךְ הַבָּא, בְּשֵׁם יְהוָה"  (108، 25 – 26أ) وتعني "أرجوك يا رب (يهوى) خلص، أرجوك يا رب أنقذ (أنجِح)، مبارك الآتي باسم الرب". 

كلمة هوشعنا (הושענא) استخدمت أيضا لوصف عيد ال هوشعنا الكبير "هوشعنا رابا" عند اليهود، في اليوم السّابع لعيد المظال (סוכות)، والّذي به كانوا يجلبون سعف النّخيل للهيكل (משנה מסכת סוכה, ד, ו). ثمّ في اللّغتين اليونانيّة واللّاتينيّة مع النّقل اللّغوي، حُفظت كلمة هوشعنا بصيغة "أوصانّا"، كما ترد في نشيد القدوّس في القدّاسٍ الإلهيّ، في اللّيتورجيّة الرّومانيّة اللاّتينيّة وفي اللّيتورجيّة البيزنطيّة.


تعاليمً صافية يوم أحد الشّعانين

في وسط الصّخب يُلقي السيّد تعليمه، ليعطي مثل حبّة الحنطة، الّتي إن لم تقع في الأرض وتُدفن وتمت، تبع حبّة واحدة، ولكن إن ماتت أثمرت كثيرًا، فالحُب والموت عن الذّات والتّضحية هي طريق الحياة والخلاص. وثمّ يعطي السيّد مثل النّور، فقد جاء للعالم نور، ومن يتبعه لا يسير في الظّلمات، ومن يحِد أنظاره عن النّور فسرعان ما ستتداركه الظّلمات. 

ويشجّع السّيّد على السّهر، فهناك التّجارب وهناك الشّرور وهناك الأحقاد، ولكن علينا أن نسهر كالعذارى الحكيمات، وسُرُجنا مشتعلة، وزيتنا متوفّر، زيت الصّلاة والإيمان والمحبّة، زيتُ الرّوح القدس، القادر أن يحفظنا في وإلى حياة أبديّة يسودها المجد الحقيقيّ، غير الزّائل. 

وعلينا أن نفعّل وزناتنا، أن نضع ما وضعه الله فينا، في خدمة الإنسان وخلاصه، أن نستثمر ما استثمره الله فينا، حُبا منه لنا وإكرامًا، فنردّه له حبًّا منّا وإكرامًا له!  (يو 12 وسواه)


دخول السّيّد لتطهير الهيكل

دخل المسيح هذه المرّة أيضًا إلى هيكل سليمان، وكان قد دخل إليه مرارًا كثيرةً في حياته، خصوصًا في الأعياد الكُبرى من كلّ سنة، كعيد الفصح وعيد الأسابيع وعيد المظال، وفي أعيادٍ أخرى كعيد تجديد الهيكل، كما قد دخله منذ صغره عندما أتمّ أبواه شريعة التّطهير وأخذه سمعان الشّيخ بين يديه، ولكن هذه المرّة دخله بروحٍ أخرى، ليس بعد ليُتمّ عبادة موسى القديمة، بل ليطهّره من فساد الرّئاسات وينقله من العبادات القديمة الّتي آن لها أن تنتهي، ليتهيّأ الهيكل لعهده الجديد! بينما كانت الجموع تهتف وتقول "هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل" (متى 21، 11)، "دخل يسوع الى هيكل الله و اخرج جميع الذين كانوا يبيعون و يشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارفة و كراسي باعة الحمام" (22)  وقال مُعلّلًا "مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى و انتم جعلتموه مغارة لصوص" (23)، وقام بشفاءات لعرجٍ وعُميٍ في الهيكل، شهادةً لسلطانه، وكان الأولاد يصرخون في الهيكل "هوشعنا لابن داود" (متى 21، 15)! هذه المرّة، دخل يسوع الهيكل، في نهاية رسالته العلنيّة، وبتأييد كبيرٍ من الشّعب، ليطهّر الهيكل، من جميع الّذين كانوا يبيعون ويشترون، وكانوا قد جعلوه "مغارة لصوص" و "لم يدع احد يجتاز الهيكل بمتاع" (مرقس 11، 16). 

نعم وقد بدأ الهيكل يتدشّن لعبادة جديدة، فالذّبائح آن لها أن تنتهي، كما قال الكتاب "ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا" (عب 10، 5 ;  مز 40، 6)


من أحد الشّعانين وحتّى أربعاء أيّوب المدلول الرّوحي

عيد الشّعانين، هو عيد الانتصار، هو العيد الّذي ندعو به السّيّد المسيح لأن يدخل قلبنا وحياتنا ليُصبح ملكًا عليها، ندعوه لأن يملك فينا، فنحيا في ملكوت الله من ههنا. 

هذا العيد هو عيدُ تقدمةِ ذواتِنا، نحن الّذين صرنا في العماد هياكلًا للرّوح القدس، وهو عيدُ تجديد هيكلنا الدّاخلي، لينقّيه المسيح من كلّ إثمٍ، ويزيل عنه كلّ عبادةٍ باطلةٍ، وكلّ فسادٍ وكلّ شبه خطيئةٍ. 

هذا العيد هو عيدُ العودةِ للبراءةِ، للطّفولةِ، للبساطةِ، للعمقِ، للحقيقة. في هذا العيد نتذكّر قول المسيح "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ" (لو 18، 16)، ونتأمّل هتاف الأطفال آنذاك في الهيكل: "هوشعنا لابن داود"، فنجلبَ أطفالنا مع الشّموع والورود، مع أغصان النّخيل والزّيتون، مع جمال "القلب والقالب"، ليهتفوا للمسيح له المجد، ليفرحوا بهذا الملك المتواضع الطّيب الّذي يُحبّنا ويريد لنا الحياة والخلاص. 

في هذا العيد تبتهج الخليقة لأنّ المسيح وهو في الجسد قد دخل المدينة المُقدّسة، ولو أنّ عليه أن يشرب الكأس بعد، كأس الفداء، ليجني من الصّليب فداءً للبشريّة جمعاء!  لذلك نهتف جميعنا بفرح "هوشعنا في الأعالي، مباركً الآتي باسم الرّب، هوشعنا في الأعالي"!


رتبة الوصول إلى الميناء

يقول القدّيس يوحنّا فمِ الذَهَب ( +407) في عظةِ يومِ الجمعةِ من أسبوع الشّعانين، عن نهاية فترة الصّوم الأربعيني المقدّس، المفروضة علينا، أنّ ما بقي علينا هو "أن نَحْذَرَ المَللَ ونَرفُضَ الفشل، ونخافَ منِ احتيالِ الصَيّادين، ونُظهِرَ حرارة الشّوقِ ونُضاعِفَ وسائلَ الطلب، لِنَبلُغَ ذُروةَ الفضيلةِ وندخُلَ مدينةَ الظافرين". 

ويعطي لنا مثالًا من عالم الملاحة، قائلًا أنّ "مُدبِّري السفينةِ هكذا يَصنعون: فإنّهُم إذا أوغلوا في السفر، وضاعفوا الجَهْدَ وقطعوا مُعظمَ اللُجَجِ الهائلةِ والأنواءِ الرَّهيبة، وقاربوا الميناء المقصود، إذا بهم يدفعون عزمًا بعزم، ويُعْمِلون الآلاتِ والرِّجالَ تدارُكاً للطوارِئ الفواجع، كُلُّ ذلكَ لضمانِ الوصولِ إلى الميناءِ بِسَلام.. يجتهدون.. عندَ إشرافهم على غايةِ مَهَمّتهم، يتنافسون في أدائها حتّى السخاءِ بالنفسِ".


الرّتبة – دلائل روحيّة وحلقة وصل

هذه الرّتبة هي حلقة وصل، بين نهاية رحلة صّوم الأربعين وبداية رحلة أسبوع الآلام صوب صليب القيامة! الميناء هو المسيح بالدّرجة الأولى، ومن ثمّ الكنيسة الّتي تستمدّ منه شرعيّتها وسلطتها ودورها ورسالتها. 

يُحتفل بالرّتبة يوم الأحد ليلًا، عند موعد وصول العريس كما يرد في مثل "العذارى الحكيمات"، الّذي يدعو للسّهر والصّلاة، واكتناز "الزّيت" الّذي يجعل باطن الإنسان منيرًا ومُعدًّا للقاء المسيح. وهي تجمع بين وصول من مسيرة صوم وبين انتقالٍ إلى مسيرةِ آلامٍ ذي مذاقٍ خلاصيّ!


الرّتبة – رموز ودلائل ليتورجيّة

في هذه الرّتبة يلبس المحتفل اللّون البنفسجي، الخاصّ بطعم الألم والحزن الذي بالمسيح، وتُستبدل كلمات الـ "هلّلويا" بالـ "كيريالِيسون"، لتنتقل من بُعد التّسبيح الفرِح إلى بُعد التّوسّل والتضرّع، ولا تُطلب البركة من المحتفل أثناء القراءات، فيصمت المُحتفل عنها وعن عبارات "السّلام لجميعكم" أو "السّلام للبيعة" لا تُقال مقدّمات الإنجيل على الطريقة الاحتفاليّة، ولا تُختم قراءة الإنجيل "حقًّا والأمان لجميعكم"، بل يُبارك المحتفل الشعب بإشارة الصّليب بالإنجيل فيما الشعب ينشد مبارك من فدانا بموته فأحيانا. 

فيها تُرفع تراتيل النّور لله، "أشرق النُّورُ على الأبْرار والفَرَحُ على مُسْتَقيمي القُلوب"، وثمّ يقرع المحتفل الباب ثلاث مرّات بقوّة على مدخل الكنيسة الرّئيسي، والشَّعب يردّ: "من نور الملكوت املأ قلبنا يا رب"، ثمّ يدخل المحتفل إلى لكنيسة ووراءه يتدفّق الشّعب، ولمّا يصل المذبح، يُزيل اللباس الأبيض ويلبس البنفسجي، وتُزال ستائر المذبح البيضاء من قدّاس الشّعانين وتُوضَع عوضًا منها السَّوداء، وَيُوَشَّح الصَّليب بالسَّواد وتُضعَف الأنوار في الكنيسة، لأنّ مسيرة آلام المسيح وتضامننا معها قد بدأت.


إثنين، ثلاثاء وأربعاء الآلام

في هذه الأيّام يدخل المؤمنون بعمق أكبر إلى مسيرة آلام المسيح، إلى تأمّل أعمق في تعاليمه وقدوته، إلى الحمل الحامل خطايا العالم، إلى الّذي جاء ليحوّل ظلمتنا إلى نور، وليوجّه شرّ العالم إلى خلاص شامل، تبدأ التّأمّلات في الأسفار المقدّسة، يسوع يتألّم أجل أورشليم الّتي أراد أن يجمع شتاتها وأبَت، التّينة يابسة والغصون لا تُثمر، الهيكل على وشك أن يُهدَم، هيكل جسد المسيح لثلاث أيّام، وبعده بأربعين سنة هيكل القدس وقد أعلنت الـ "أوريم" والـ "توميم" من يد رؤساء الكهنة أزمنة غضب! يستفحل الشّر، وتعلو ضحكات زائلة في أصقاع الأرض من الفاسدين والمُفسدين، على ألحان العبوديّة في مصر، وبرج بابل الّذي سقط، وسدوم الّتي خلت من كلّ صدّيق، وجيل نوح الّذي زاغ دون هداية، والملوك الّذين فعلوا الشّرّ، أمثال آحاب الّذي آثر إيزابيل وبشارتها على كلام الرّب.. 

أيّام تشهد لروح التّمرّد أمام طاعة المسيح، وروح الكبرياء أمام اتّضاع الّذي تنازل وأخذ صورة عبد من أجل خلاصنا، وروح التّسلّط أمام من أتى ليغسل أقدامنا وقلوبنا وحياتنا بزوفاه! في اللّيتورجيّة البيزنطيّة، تتلى هذه الأيّام صلاة الختن (العريس)، وهي تشمل تأمّلات في المسيح العريس الّذي يأتي للقائنا، في وليمة العرس (متّى 25، 1 - 13)، وترتّل الكنيسة: "ها هو ذا الختن يأتي في نصف الليل، فطوبى للعبد الذي يجده مستيقظًا..." وهي صلوات تعبّر عن القُرب والمحبّة الحميميّة بيننا وبين المسيح الّذي يأتي إلينا بشغف ليهبنا الخلاص. في صلوات الختن الثّلاثة، نرى أيضًا نماذج التّينة العقيمة، العشر عذارى، والمرأة الزّانية، وفي جميعها دعوة للتّوبة، للسّهر، وللاستعداد الدّاخلي للقاء المسيح له المجد.


أربعاء القنديل

يوم الأربعاء غني بطقوسه، من جانب يواصل التوغّل في آلام المسيح، تتمّة ليومي الإثنين والثّلاثاء، ومن جانب تُقام به رتبة القنديل، رتبة تبريك الزّيت المقدّس، ليُمسح به المؤمنين، شفاءً للرّوح والنّفس والجسد. 

هي خدمة لعامّة المؤمنين، وتُمسح جباه المؤمنين أثناءها بالزّيت المُقدّس، إذ يرسم الكاهن علامة الصّليب عليها، واضعًا يده على رؤوس المؤمنين، غفرانًا للخطايا وشفاءً لأمراض الجسد، قائلا "لِغُفرانِ ذُنوبِكَ وَتَركِ خَطاياك وَصِحَّةِ جَسَدِكَ وَنَفْسِكَ". بهذه الرّتبة ينال كافّة المؤمنين هذه المشحة أقلّه مرّة واحدة في السّنة. 

ومن الجدير ذكره أنّ هذه الرّتبة مرتبطة بعمقها في في سرّ "مسحة المرضى"، الّذي يُستَخدم به الزّيت المقدّس الّذي يكرّسه غبطة البطريرك ويوزّعه على جميع الأبرشيّات ليمشح الكهنة به المرضى في جميع أصقاع الكنيسة.


الرّتبة بين قديمٍ وجديدٍ

كانت تُقام هذه الرّتبة سابقًا بحضور سبعة كهنة وإن تعذّر فثلاثة، وبها سبعة "قَومات"، وفي كل قومة مزمور، صلاة الحسّاي، مزمور قراءات، قراءة من العهد القديم، قراءة من الرّسائل، قراءة من الإنجيل، وصلاة ختام. 

لقد تمّ اختصار القومات بصلوات أقصر لأنّها كانت تستهلك وقتًا طويلًا يصعُب الالتزام به في أيّامنا. بعد كلّ قَومة تُشعَل فتيلة واحدة من الفتائل السّبعة للقنديل، يتبع كلّ منها طِلبة مُرتّلة، وتوزّع الخدمات على الشّعب خصوصًا من له مرض أو ضيق ليأخذ منها البركة.


الرّموز والمكوّنات

يُضع على المذبح الصّغير وعاء، وبه عجينة مصنوعة من طحين الذّرة، وهي عجينة جافَّة، وقليلة التّماسُك، ترمز إلى جسد أيّوب الضّعيف، خصوصًا أمام تجارب الألم على أنواعها. 

ويَضع عليها زيت الزّيتون، رمز البركة وحلول الرّوح القدس، ثمّ توضع الشّموع السّبعة بالتّوالي، وهي ترمز إلى مواهب الرّوح القدس الّذي يرافق المريض في وجعه، ويعزّيه ويقوّيه وقد يهبه الشّفاء إن كانت تلك الإرادة المُقدّسة، هذه المواهب السّبع هي الحكمة، الفهم، المشورة، القوّة، العلم، التّقوى، المخافة (أشعيا 11، 1)، وإشعال هذه الشّموع، ترمز للنّار الآكلة الّتي تحرق خطيئة الإنسان، وتُبدّد الظّلام، وتشعل القلب بالحُبّ الإلهيّ.


الأساس الكتابي لرتبة القنديل

هذه الرّتبة لها أساس كتابي واضح، من رسالة القديس يعقوب ( 5،  13-18) حيث يحث من هم في ضيق باستدعاء كهنة العهد الجديد (الشّيوخ - presbiteros)  ليصلّوا على المريض، وهذا أوّلًا لينال المريض غفران الخطايا، وثمّ لينال الشّفاء. 

ويوصي يعقوب بالاعتراف في الخطايا وبالصّلاة لبعضنا البعض أيضًا، فلا تتوقّف الصّلاة فقط على الكاهن وإن كان وجوده ضروريّا لممارسة سلطان غفران الخطايا باسم المسيح.  

هذه المسحة هي من رحمة الله الّذي يريد أن يضمّد جراحنا، ويريد لنا كهنة وعلمانيّين أن نكون شركاء في رسالة الشّفاء والتّعزية لكلّ مريض، ومتألّم وتعيس في هذه العالم.


أربعاء أيّوب

يدعى هذا الأربعاء أيضًا بأربعاء أيّوب، وكما أشرت فإنّ العجينة ترمز لجسد أيّوب الضّعيف وقد صارعته المحن. وفي أسبوع الآلام نتأمّل أيضًا في آلام أيّوب العوصيّ (أيوب 1، 1) وعوص كما هو متعارف، هي من أعمال بلاد ادوم العربيّة.  نرى أيّوب يتأوّه في آلامه ولا يجد له تعزية، فأصدقاءه قاموا عليه، وظنّوا أنّ ما يصيبه من السّوء هو بسبب خطاياه، أمّا أيّوب فقد قال «عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. 

الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا» (أيوب 1،21).، «أنقبَلُ الخير من الله ولا نقبلُ منه الشرّ؟» (أيوب 2، 1 ). في هذا اليوم نتأمّل مثل السّامري الرّحيم، هذا المثل الرّاقي والعظيم في مدلولاته الإنسانيّة، حيث يجعل به المسيح كلّ إنسان قريب، بحبّه لنا، ويدعونا لأن نطبّق هذا علينا، بأن لا ننتظر من الآخر ليكون قريبًا بمفاهيمنا لنُساعده، بل أن نساعد الغريب والمحتاج والمتألّم لو مهما بدا لنا غريبًا، فنجعله برحمتنا له ومحبّتنا، قريبًا! إذ «ما من حب أعظم من هذا، أن يبذل الانسان نفسه في سبيل أحبائه» (يوحنا 15:13).

الصوم في لبنان

الأب الياس كرم - النشرة اللبنانية

شاء الله أن يتزامن ​شهر رمضان​ الكريم، وأبناء ​الكنيسة الأرثوذكسية​ مازالوا يجاهدون في صيامهم الأربعيني المقدّس. وكان إخوتنا أبناء ​الكنيسة الكاثوليكية​ ذاقوا طعم ​الصوم​ وعيّدوا ​الفصح​ ليس من زمن بعيد.

لست في هذه السطور في وارد التطرّق إلى الموضوع بطريقة شعرية وإنشائية، وعلى طريقة التزلف الذي يمتهنه كثر، بتبادل لياقات مصطنعة واجهها حلوٌ وباطنها مرٌ وخبثٌ.

أود الإشارة أولاً إلى أن الصوم ممارسة جليلة لم تخلُ منها شريعة من الشرائع السماوية إذ ترقى بها النفوس وتصفو وتزكو. 

وقد أشار ​يسوع المسيح​ إلى أهمية الصوم لإخراج الشر من الإنسان: فَقَالَ لَهُمْ: "هذَا الْجِنْسُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ"(مر 9: 29). والصوم في ​الإسلام​ من أشكال التسليم لله، خلاله تدرب النفس وتُروّض على طاعة الله تعالى وتقواه. 

وقد جعل الله تعالى صوم رمضان ركنًا من أركان الإسلام.

المسلمون​ يؤمنون أنه في شهر رمضان تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار، وتفّصد (تشقّق) الشياطين.

جئت في هذه الإطلالة للإضاءة على معاناة الصائمين الذين يجاهدون في سبيل نقاوة النفس وطهارة الجسد. جئت متأثرًا بما بدأت تعرضه الشاشات من أجواء رمضانية تنقل أوضاع الناس الصعبة في هذا الشهر الفضيل، ومستذكرًا ما عرضته نفس الشاشات من اوجاع الناس الذين ينتمون إلى ​المسيحية​. 

آملاً أن تستمر هذه الشاشات في عرض مصاعب اليائسين، ليس فقط في المناسبات الدينية.

جئت لأدعو في هذا ​الصيام​ أن نعمل لعيش المعنى الحقيقي له والذي لا خلاف حول أهدافه في العطاء أو الزكاة. إنه وقتٌ موافق لكي يستفيق الأغنياء من ثباتهم العميق ويحركوا قلوبهم للتصدّق على المعوزين والمهمشين والمعدومين.

أتقياء الله قديمًا، مسيحيين ومسلمين، اعتادوا على استفقاد الناس في بيوتهم ليلًا لكي يُحسب لهم أجرًا عند الله. وقد علّمنا الإنجيل: وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ"(مت 6: 3)، وفي ​القرآن الكريم​ ورد: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) (آل عمران).


إتقوا الله يا عبيد الله. زكّوا. تصدقوا. أحسنوا. شعبنا يئِس خطابات وملَّ من الوعود الكاذبة. شعبي يستغيث لقمة العيش، شعبٌ صومتموه غصبًا، ومنذ أكثر من سنة ونصف، وانتم يا قادة هذا البلد تتصارعون وتتناطحون على حساب هذا الشعب المسكين.

الصوم المقبول هو الذي يطهّرنا من خطايانا ومن ذنوبنا. من هنا أناشد الصائمين والذين صاموا، وخصوصًا السياسيين، أيًا كان إنتماؤهم، أن يعودوا إلى الله ويكفّروا عن ذنوبهم التي اقترفوها ويقترفونها كل يومٍ، بالقول والفعل والفكر. 

لا تصوموا عن أشياء تحبّونها، إنما صوموا عن أشياء لا يحبّها ربّكم فيكم. عودوا إلى ضمائركم، علَّ الرب يزيل عنّا هذا الوباء وهذا البلاء.

دعائي أن نبلغ فجر القيامة لهذا البلد من محنته، وأن يستمطر الله موائد الرحمان على عبيده، وتنزل على أولياء الأمر آيات الحكمة الإلهية ليصلوا في هذا البلد إلى الشاطئ الأمين.

الحساب الفلكي لعيد الفصح السنوي

أشخين ديمرجيان

حدّد المسيحيون الأوائل، قبل مجمع نقية وفي المجمع سنة 325 م وما بعد ذلك، حدّدوا بصواب عيد الفصح يوم أحد، بعد الرابع عشر من نيسان العبري (أي في الأحد الأوّل بعد بدر الربيع). بالتالي عيد الفصح عيد متحرّك غير ثابت.

اختلاف تواريخ عيد الفصح بين الكنائس الشرقية والغربية  

ردّ على تساؤلات كثيرة عن اختلاف تواريخ عيد الفصح بين الكنائس الشرقية والغربية... ردّ مختصر مفيد قدر الامكان ودراسة بسيطة كي لا نعقّد الأمور الفلكية. أصلح الفلكي "سوسيجنيس" حساب السنة الفلكية بطلب من الامبراطور الروماني يوليوس قيصر، فزاد على كلّ سنة ست ساعات. 

وهذا الحساب يسمّى بالحساب أو التقويم "اليولي" نسبة إلى يوليوس قيصر. ويُعرف أيضًا بالتقويم "الشرقي" وتتبع الكنيسة الأرثوذكسية هذا التقويم حتّى يومنا هذا.

وهذا الحساب اليولي (أو اليولياني) يحسب السنة 365 يومًا و6 ساعات. أي يزيد على السنة الفلكية 11 دقيقة و14 ثانية. ومن هذه الزيادة يصل الفرق بين السنة الفلكية والسنة اليوليانية  إلى 7 أيام و17 ساعة و50 دقيقة في كلّ ألف سنة.

تبعًا لذلك وفي سنة 1582 أصبح الفرق بين السنة الفلكية الحقيقية والحساب اليولياني (الشرقي) عشرة أيام.

حينئذٍ فكّر قداسة البابا غريغوريوس الثالث عشر بابا الفاتيكان في إصلاح هذا الخطأ بحساب أكثر دقّة من التقويم اليولياني، وأمر بإضافة عشرة أيام على الخامس من تشرين الأوّل عشرة أيام كي يصحّح الخطأ. 

وهكذا صار اليوم الخامس من تشرين الأوّل/أكتوبر اليوم الخامس عشر منه. وأمر بإضافة يوم كامل كلّ أربع سنوات، (السنة الكبيس). يُعرف هذا التعديل بالحساب أو التقويم الغريغوري نسبة إلى البابا غريغوريوس، لذلك تتبع الكنيسة الكاثوليكية هذا التقويم.

 ومع هذا الإصلاح الدقيق يصل الفرق بين السنة الفلكية والسنة الغريغورية نحو 24 ثانية فقط في كلّ سنة فلكية. ومن مجموع هذه الثواني يصبح الفرق يومًا واحدًا فقط كلّ 3500 سنة. 

ورغم الدقّة في التقويم الغريغوري (الكاثوليكي) الاّ أنّ الكنيسة الأرثوذكسية الشقيقة تتبع التقويم اليولياني إلى يومنا هذا.

تحتفل الكنيسة الكاثوليكية وشقيقتها الأرثوذكسية بقيامة السيّد المسيح يوم الأحد من كلّ أسبوع، كلّ يوم شمس  Sunday. أمّا العيد السنويّ فيقع في فترة الربيع هذه.


خاتمة

خلاصة الكلام أنّ توقيت العيد واحد أي الأحد الأوّل بعد بدر الربيع. لكن تاريخ الاحتفال بعيد الفصح المجيد يختلف بين الكنائس الكاثوليكية وشقيقتها الأرثوذكسية، لأمر حسابي علمي فلكي محض يتعلّق بالتقويمين الغريغوري واليولياني، وتبقى العقيدة بين الكنيستين واحدة وكذلك معاني العيد ورموزه السرية وعبور السيّد المسيح من الموت إلى الحياة ومن ظلمة القبر إلى ضياء القيامة.  

إنّ الذي أرسله الله يتكلّم بكلام الله؛ ذلك بأنّ الله يهب الروح بغير حساب

القديس منصور دي بول (1581-1660)

إنّ الله يهبنا نِعَمَه بحسب حاجاتنا. فالله هو نبعٌ يستقي منه كلّ شخصٍ كميّة المياه التي يحتاج إليها. وكما أنّ الإنسان الذي يحتاج إلى ستّة أجرانٍ من المياه يستقي ستة، ومَن يحتاج إلى ثلاثة يستقي ثلاثة؛ وكما أنّ العصفور الّذي لا يحتاج إلاّ إلى مِنقارٍ يكتفي بالنقر، والسائح يكتفي بالشرب من جوف يده ليرتوي: كذلك نحن مع الله.

يجب أن نسعى بعاطفة كبيرة لأن نكون مثابرين على قراءة فصلٍ من العهد الجديد وأن نقوم بدايةً بالأعمال الناتجة عنه: العبادة، عبادة كلمة الله وحقيقته؛ كما الدّخول في المشاعر الّتي كانت في الرَّبّ عندما كان يلفظها، والقبول بهذه الحقائق؛ أخذ القرار بِعَيش هذه الحقائق ذاتها... وبالأخصّ علينا أن نحذر من القراءة بهدف الدراسة، قائلين: "هذا المقطع سيفيدني في هذه العظة"، بل علينا أن نقرأ فقط من أجل تقدّمنا.

يحب ألاّ نفقد الشجاعة إذا ما قرأنا المقطع عدّة مرّات، لمدّة شهر، شهرين، ستّة أشهر، ولم نشعر بشيء. ستكتشفون أنّه إذا نلنا مرّةً نورًا صغيرًا، فسنحصل في يوم آخَر على نور أكبر وأكبر عندما نكون بحاجة إليه. فكلمة واحدة قادرة على أن تهدينا؛ لسنا بحاجة إلاّ إلى كلمة واحدة.

لأنه هكذا أحبّ الله العالم حتّى إنه بذل إبنه الوحيد

القديس أنطونيوس البادوانيّ، راهب فرنسيسيّ ومعلم الكنيسة

أرسل الآب لنا ابنه، الذي هو "الهبة الأصلح، الهبة الأكمل" (راجع يع 1: 17)... هو الهبة الأصلح التي لا يفوقها شيء والهبة الأكمل التي لا يمكن إضافة شيء عليها.

إن الرّب يسوع المسيح هو الهبة الأصلح: لأنّ الّذي وهبنا إيّاه الآب هو ابنه، الملك الأبدي مثله. والرّب يسوع هو الهبة الأكمل: إذ إن بولس الرّسول قال: "كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟" (رو 8: 32)... لقد وهبنا مَن "هو رأس الكنيسة" (أف 5: 23). 

لم يكن يستطيع أن يعطينا أكثر. الرّب يسوع هو الهبة الكاملة، لأنّه من خلال هِبتِه لنا، جعل الله فيه كلّ شيء كاملاً.

قال القدّيس متّى: "لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (مت 18: 11). لذا، تصرخ الكنيسة: "أَنشِدوا للِرَّبِّ نشيدًا جَديدًا" (مز98[97]: 1)، كما لتقول لنا: أيّها المؤمنون، أنتم الذين أنقذهم ابن الإنسان وجدّدهم، أَنشِدوا نشيدًا جَديدًا، لأنّه عليكم أن "تأكُلوا الغَلَّةَ القَديمةَ المُعَتَّقةَ وتُخرِجوا القَديمةَ في وَجهِ الجَديدة" (أح 26: 10). 

أُنشدوا، لأنّ الآب "صنع العجائب" (مز98[97]: 1) عندما أرسل إلينا الهبة الكاملة، أي ابنه. "كَشَفَ الرَّبُّ خَلاصَه لِعُيونِ الأمَمِ كَشَفَ بِرَّه" (مز98[97]: 2) عندما أرسل إلينا الهبة الكاملة، أي ابنه الوحيد، الذي برّر الأمم وتمّم كمال كلّ شيء.

لهذه الأسباب يُعايِد المسيحيّون بعبارة المسيح قام حقًّا قام...

جورج ابي راشد - النشرة

  • "المسيح قام حقًا قام" ونحن شهود على ذلك.

يُعايِد ​المسيحيون​ بعضهم في عيد القيامة بعبارة "المسيحُ قام" ويجيبون بالقول "حقًا قام" والسبب هو أن ​اليهود وخاصة الصدّوقيين، ينكرون قيامة المسيح، وأن رؤساء الكهنة، "قيافا وحنان" لمّا وصلهم خبرٌ بان النسوة حاملات الطيب قد وجدن القبر فارغًا فعدنَ وأخبرنَ التلاميذ بأن المسيح قام، دعا رؤساء الكهنة الضباط والجنود ​الرومان​ الذين كانوا يحرسون القبر واغدقوا عليهم الكثير من ​المال​ و​الذهب​، وقالوا لهم ان ينشروا في أورشليم خبرا بأنهم كانوا نائمين من شدّة التعب وأن تلاميذ المسيح جاؤوا وسرقوا جسد الربّ وادّعوا انه قد قام.

وهكذا سرى في المدينة وفي عموم ​فلسطين​ وأرض كنعان خبران متناقضان، فمن صدّق بأن المسيح قام صار يجيب "حقاً قام" ومن صدّق رواية اليهود والرومان لا يقول "حقاً قام".

ومنذ حوالي خمسين سنة أكمل اليهود لعبتهم فغيّروا اسم العيد في الغرب وعبر العالم، من "عيد القيامة" الى "ايستر" (Easter) اي عشتار، وهي أول قصة قيامة من الموت وتعود إلى حوالى 3,000 سنة قبل المسيح. 

والمؤسف أنّ الكنائس ​المسيحية​ في الغرب وفي الشرق ابتلعت العبارة دون ان تُدقّق فيها وصار المسيحيّون يعايدون بعضهم بالقول "هابي ايستر" (Happy easter).

لماذا يجب ان نقول المسيح قام وليس "Happy Easter"؟ الرجاء من الجميع قراءة هذا الموضوع المهم والمنتشر جدًا. خطأ شائع اليوم في القيامة المجيدة أننا نقول "Happy Easter". هذه العبارة التي اذا طلبت من أحد تفسيرها لي لعجز عن فعل ذلك.

كانت الشعوب القديمة مثل شعب الأنكلوساكسون الوثني، الذي كان يُقيم الاحتفالات في تلك الفترة من ​السنة​ بعيد الإلهه (Eastre أو Eostre) إلهة الخُصوبة والربيع بحسب أساطيرهم ومعتقداتهم الوثنية، وكان يُرمز إليها بـ"الأرنب" (لأن الأرانب كثيرة الانجاب) كما جاء أيضًا في اعتقاداتهم أنّ هذه الإلهة قد تقمَّصَت روحها في جسد أرنب.

بعدَ انتشار المسيحية واعتناقها من قبل الكثير من الوثنيين، وبسبب تزامُن بداية فصل الربيع مع احتفال الكنيسة بقيامة المسيح، درجَت تسمية ​الفصح​ لدى بعض الأوروبيين تسمية خاطئة بـ"Easter" تأثرًا بالإلهه الوثنية "Eastre" أو "Eostre" التي كان يُحتفل بعيدها في زمن الاعتدال الربيعي من كل سنة، أما التسمية الصّحيحة فهي الكلمة اليونانية (Πάσχα Pascha) والمُشتقَّة من الآرامية والعبريّة وتعني "العبور"، والتي نقلتها الشعوب الأرثوذكسية إلى لغاتها المختلفة ودأبوا على استعمالها دون غيرها.

بماذا تشكو كلمة "المسيح قام" أليست كافية للتعبير عن فرحنا بالقيامة أم أننا أصبحنا مدنيّون لا نُجيد سوى اللغات الأجنبية.

"يا فرحي المسيح قام"! هكذا كان يلقي القدّيس "سيرافيم ساروفسكي" التّحية على أحبائه.

"المسيح قام حقًا قام" ونحن شهود على ذلك.

البطريرك ساكو يكتب: الأُخوّة والتنوّع قاعدة إنسانية وأخلاقية أساسية للعيش المشترك

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

  • لمناسبة مرور شهر على زيارة البابا فرنسيس الى العراق 5-8 اذار 2021
  • أربعة مقترحات عملية

يصادف اليوم 5 من شهر نيسان  ذكرى مرور شهر على زيارة البابا فرنسيس للعراق: "لأسألَ اللهَ عزاءَ القلوبِ وشفاءَ الجراح" كما صرح قبيل زيارته ببضعة أيام. ورددّ عبارة  مُدوية خلال زياته: "ليصمت صوت السلاح، ويعم السلام". 

هذه الزيارة فرصة ممتازة ليستثمرها العراقيون لكي يعودوا بكافة أطيافهم ودياناتهم إلى ذاتهم ووطنيَّتهم، ويتحلّوا بالمسؤولية، ويطووا صفحة الماضي، ويفتحوا صفحة جديدة  للمصالحة وتعزيز الاخوّة بينهم، وإحترام التنوع وإرساء السلام، وإعادة بناء بلدهم وإحياء مؤسساته المتهالكة، وعودة النازحين الى مناطقهم وبيوتهم، فينعم الجميع بالسلام والحياة الكريمة، حالهم حال سائر البشر.


1. الاخوّة البشرية مصدر قوّة وتكامل

أكد البابا فرنسيس في كافة محطات زيارته على الاخوّة والتنوّع: وهو الموضوع الأساس الذي جاء في رسالته العامة "كلّنا اخوة"، وكذلك في "وثيقة الاخوّة البشرية" التي وقَّعها مع شيخ الأزهر الدكتور احمد الطيّب في ابو ظبي – الامارات، ودعمها المرجع الاعلى سماحة السيد علي السيستاني بمقولته المؤثرة: "انتم جزءٌ منا ونحن جزءٌ منكم". 

فالاخوّة البشرية هي هدف كلِّ المجتمعات والديانات، وينبغي ان تكون نقطة رئيسية لنبذ الغلّو والكراهية وتغيير النظرة والفكر وبناء الثقة حتى نسير معًا إلى الأمام كإخوة وأخوات بالتسامح والمحبة واحترام التنوع، فنبني عالمًا أكثر سلامًا وعدالة وكرامة وتقدمًا. فالتعاون المتبادل يفتح الباب للمستقبل.


2. الاخوة في الوطن أساس العيش المشترك

 العراقيون من حيث المبدأ والدستور مواطنون متساوون تماماً في الحقوق والواجبات، ولا يمكن أن تنحصر المواطنة في الدين أو المذهب، أو المنطقة أو العرق أو العدد. المواطنة حقٌّ كونيٌّ للجميع. علينا ان نكتشف اُفقًا جديدًا لاخوَّتنا الوطنية بحيث يشعر كلّ واحد ان العراق بيته. 

لربما حان الوقت لفصل الدين عن الدولة، وبناء دولة مدنية كما فعل الغرب المسيحي منذ زمان وتفعل دولة السودان هذه الايام! ان الدولة المدنية او العلمانية ليست معادية للدين، بل تحترم كل الاديان، لكنها لا تقحم الدين في السياسية. 

اعتقد ان هذا هو الضمان للعيش المشترك "الدين لله والوطن للجميع". دولة مدنية تضمن حرية الدين وممارسة شعائر العبادة لكل العراقيين على حدٍّ سواء، وتحمي حقوق الانسان الواردة في كافة المعاهدات الدولية.


3. الاخوّة الروحية الطريق إلى الله والى الإنسان

  شاء البابا فرنسيس بزيارته للعراق أن يتقدمَ مع قادة دينيين عراقيين خطوة نحو الاخوّة الروحية بين المؤمنين، عندما التقى بسماحة السيد علي السيستاني وزار مدينة اُور ارض إبراهيم، ولقائه بممثلي الديانات الإبراهيمية الموِّحدة في العراق. هذه الديانات تستند إلى الطابع الإلهي في كتبها المقدسة وتنتسب الى إبراهيم. البشر عيال الله وإخوة وأخوات لبعضهم البعض. 

والإيمان ضمانة لتنوعهم وحريتهم وحقوقهم. في ذلك يقول القرآن: "إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (سورة القصص؛ آية 56).

لا توجد مشكلة في أن يتبع كلُّ فرد ديانته وتقاليده شرط ان يحترم ديانة اخيه الاخر لا  ان  يكفّره أو يخونه أو يُقصيه أو يزيله. هذا التنوع حاصل بمشيئة الله. 

قال البابا في اور: "القَناعَةِ الراسِخَةِ بأنَّ التَعاليمَ الصَّحيحَة لِلأدْيانِ تَدعُو إلى التَمَسُّكِ بِقِيَمِ السَّلام.. والتَعارُّفِ المُتَبادَل والأُخُوَّةِ الإنسانيَّة والعَيْشِ المُشْتَرَك" وأنّه "لا يَجُوزُ استِخْدامُ اسمِ اللهِ "لتَبْريرِ أَعْمالِ القَتْلِ والتَشْريدِ والإرْهابِ والبَطْش". 

وعلى أنقاض الكنائس الأربع والبيوت المدمرة في حوش البيعة وسط الموصل، رفع البابا صوته قائلاً: "إن كان الله إله الحياة، وهو كذلك، فلا يجوز لنا أن نقتل إخوتنا باسمه. 

وإن كان الله إله السلام، وهو كذلك، فلا يجوز لنا أن نشنّ الحرب باسمه. وإن كان الله إله المحبة، وهو كذلك، فلا يجوز لنا أن نكره إخوتنا… ليتوقف العنف باسم الله". أحد الكرادلة الايطاليين كتب الي قائلا: "يا لها من فرحة الزيارة  كان العراق خلالها قطعة صغيرة من الجنة بعد  الجحيم الذي عاشه".

 من المؤسف لقد فهم البعض ان البابا دعا الى اذابة الديانات في دين واحد. هذا غير صحيح ابداً. الاخوّة لا تعني ذوبان الهوية الدينية في دين واحد، بل دعوة ليحافظ كل واحد على دينه ومعتقده، لكن عليه ان ينفتح على دين اخيه الاخر ويحترمه. 

الاخوَة والتنوع هما قوة لبقائنا وتقدمنا. علينا ان نعيشها في ممارسات يومية ملموسة، خصوصًا أن العالم شرع منذ 2011 يحتفل بيوم الوئام العالمي في الاسبوع الاول من شهر شباط ومنذ 2021 في 4 شباط باليوم الدولي "للاخوة البشرية" وقد أعلن رئيس مجلس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي السادس من شهر أذار من كل عام يومًا للتسامح. علينا ألا نيأس امام بعض المعوقات والتيارات المتطرفة والأفكار المغلوطة أو نستسلم للفرقة، بل لنثابر على تعزيز الأخوة واحترام التنوع والعمل لينعم الجميع بالخير والعدل والعيش بفرح وسعادة كما يريد الله


أربعة مقترحات عمليّة

بناء المناهج التربوية والتعليمية بشكل يرسخ الأخوة بين العراقيين ويوطد وحدتهم الوطنية.

تنظيم فعاليات توعية للعراقيين بتنوعهم عبر عقد ندوات ومؤتمرات وبرامج تلفزيونية بين الحضارات والثقافات والديانات بغية اظهار القواسم المشتركة وتعميقها واحترام الخصوصيات المختلفة. إنّ ما يجمعهم أكثر بكثير مما يفرقهم.

انشاء مركز وطني يضم قاعات محاضرات ومكتبة متخصصة في مواضيع الحوار بين الديانات مما يساعد على تفكيك ظاهرة التشدد و يمنع  انزلاق الشباب فيه.

تفعيل قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 ومواده، الملزم بحماية المقدسات ومنع الاساءة الى الديانات ورموزها ومعاقبة المسيء.

خلاصة: إنّنا على يقين من ان البشرية سوف تتقدم بفضل الاشخاص الكثر ذوي الارادة الطيبة  الذين يهبون أنفسهم دون قيد؛ حتى في وقت الشدة وعدم الاستقرار من اجل اشاعة ثقافة الاخوة واحترام الخير العام. دعونا نتمسك بعلامات الأمل.

إميل أمين يكتب: "فرنسيس" والبابوية.. رؤية للأسلحة النووية

إميل أمين، كاتب مصري - العين الإخبارية

في مواجهة عودة صراع التسلح النووي بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وروسيا الاتحادية من جهة أخرى.

وإعلان الصين نيتها بناء حائط صواريخ نووي مكون من عشرة آلاف صاروخ، وسعي بريطانيا لزيادة ترسانتها النووية بنسبة 40%، فيما دول عديدة حول العالم تسعى جاهدة لتطوير أدواتها النووية، لم يكن للبابوية التي تمثل قوة روحية حول العالم، لاسيما في زمن البابا فرنسيس، الرجل الذي يؤمن بالأخوة الإنسانية لا بالتناحر البشري، أن تقف صامتة، ومن غير أن ترفع صوتها عاليًا داعية للتعاون المتعدد الأطراف لنزع السلاح النووي.

عبر وسيلة التواصل الاجتماعي تويتر وفي مدونته البابوية "بونتيفكس"، التي تبث بتسع لغات حول العالم، كتب البابا يقول: "أشجع بقوة جميع الدول والأشخاص على العمل بحزم من أجل تعزيز الظروف الضرورية لعالم خال من الأسلحة النووية، والمساهمة في تعزيز السلام والتعاون المتعدد الأطراف، الذي تحتاجه البشرية اليوم بشدة".


هل كانت هذه هي المرة الأولى التي يتناول فيها فرنسيس الشأن النووي؟

في الثامن عشر من تشرين الثاني عام 2019، وعشية زيارته إلى اليابان كان فرنسيس يبعث برسالته التقليدية المسجلة إلى كل بلد كان انتوى زيارته، وفيها أشار إلى أن "الأسلحة النووية غير أخلاقية، ويجب ألا يتكرر استخدامها في تاريخ البشرية".

كان الهدف الرئيسي الذي وضعه الحبر الروماني نصب عينيه هو "حماية كل حياة"، مضيفًا أن "هذه الغريزة القوية التي يتردد صداها في قلوبنا للدفاع عن قيمة وكرامة كل إنسان، تكتسب أهمية خاصة إزاء التهديدات ضد التعايش السلمي، والتي يتوجب على عالم اليوم أن يواجهها، وبشكل خاص في ظل النزاعات المسلحة.

في الرسالة عينها استشهد البابا بـ"ثقافة الحوار والأخوة"، وبشكل خاص بين التقاليد الدينية المختلفة، للمساعدة في تجاوز الانقسام، وتعزيز احترام كرامة الإنسان والسير قدمًا على طريق التنمية المتكاملة لجميع الشعوب. 

كانت نهاية رسالة فرنسيس تشجيعًا على سلك طريق الاحترام المتبادل، واللقاء الذي يؤدي إلى سلام دائم، والذي لا يعود إلى الوراء، ومبينًا أن السلام يمتلك هذه الصفة الرائعة، أنه عندما يكون حقيقيا لا ينهار، بل يدافع عنه بالأسنان، على حد تعبيره.

في هذا السياق يعن لنا أن نتساءل عن رؤية الكرسي الرسولي لإشكالية انتشار أسلحة الموت والفناء على الأرض، وكيف يتوجب التمييز بين استخدامات الطاقة النووية، ما هو صالح منها لمستقبل البشرية، وما يستخدم منها لفناء الإنسانية.

يتحتم علينا التوقف أمام تصريحات أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول، أي وزير خارجية الفاتيكان، المطران بول ريتشارد غالاغير، والتي أشار فيها أخيرًا إلى أن استخدام الطاقة النووية لأهداف حربية هو غير أخلاقي، وكما هو أيضًا "امتلاك الأسلحة النووية".

ولعله من المعروف والمؤكد أن البابوية في عهد فرنسيس لعبت دورا كبيرا ظاهرا، ومن وراء الستار في سبيل دفع دول العالم للتصديق على معاهدة حظر الأسلحة النووية التي دخلت حيز التنفيذ في الثاني والعشرين من كانون الثاني الماضي.

في هذا الإطار يرى المطران غالاغر، أنه حتى اعتماد معاهدة حظر الأسلحة النووية، لم تكن هناك أداة قانونية دولية تمنع بشكل واضح مثل هذه الأسلحة، ودخولها حيز التنفيذ "يسد هذه الفجوة"، بين الأنواع المختلفة لأسلحة الدمار الشامل.

هنا يوضح أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول أن الهدف الرئيسي للمعاهدة هو حظر الأسلحة النووية بشكل قاطع، ووضعها في نفس فئة أسلحة الدمار الشامل الأخرى مثل الأسلحة الكيميائية والبيولوجية المحظورة. 

وبهذا الشكل تضع المعاهدة الأسلحة النووية أيضًا ضمن تلك الأسلحة التي يجب مراقبة استخدامها وحيازتها باستمرار ونزع الشرعية عنها، وهذا أحد أسباب التزام الكرسي الرسولي من أجل دخول المعاهدة قيد التنفيذ ومشاركته الناشطة في عملية صياغتها. 

ولذلك يذكر العديد من أحكامها بشكل مباشر أو غير مباشر بمحورية الشخص البشري والنموذج الإنساني والروابط الوثيقة للمعاهدة مع السلام.

والثابت أن موقف البابوية منذ أن ظهرت الأسلحة النووية، وتم استخدامها في نهاية الحرب العالمية الثانية، جلي وواضح منذ زمن البابا بيوس الثاني عشر، البابا الذي عاصر أول استخدام للقنبلة الذرية في هيروشيما ونجازاكي، وصولا إلى فرنسيس الذي يشهد عالمه المعاصر صخبا وضجيجا نوويين لا يعلم إلا الله إلى أين يمكن أن ينتهيا.

حين تم إلقاء القنابل الذرية الأمريكية على المدن اليابانية، صرح البابا الروماني الكاثوليكي بيوس الثاني عشر، بأن تلك القنبلة هي السلاح الأفظع الذي ابتكره العقل البشري.

وفي ليلة عيد الميلاد، 25 كانون الأول من العام 1955، قدم البابا في الرسالة الإذاعية التي تم بثها في مختلف أنحاء العالم صورة عن القدرة التدميرية لهذا النوع من السلاح، الذي يولد الدمار ولا تنتج عنه صيحات النصر، إنما بكاء البشرية.

بعد تلك الرسالة بحوالي سبع سنين، كاد العالم ينجرف في طريق مواجهة نووية، في تشرين الأول 1962، وقتها كانت أزمة الصواريخ النووية الروسية في كوبا محتدمة، وساعتها أطلق البابا الكبير في السن، يوحنا الثالث والعشرون، نداء في محاولة لإبعاد شبح الحرب، وتحدث عن وجود ضباب في الأفق يزرع الخوف وسط ملايين العائلات.

البابا يوحنا الثالث والعشرون أكد على أن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية لا تريد سوى السلام والأخوة بين البشر، وتعمل من أجل تحقيق هذه الأهداف، وأضاف: "إننا نتوسل إلى الحكام كي لا يصموا آذانهم أمام صراخ البشرية".

كانت الأزمة النووية في أوائل الستينيات دافعا رئيسيا لأن يكتب البابا العجوز واحدة من أهم الرسالات البابوية التي ميزت البابوية في النصف الثاني من القرن العشرين، وطبعت بسماتها حاضرة الفاتيكان حتى اليوم، رسالة "السلام في العالم"، والتي دعا فيها إلى وقف سباق التسلح والعمل على إزالة كل الترسانات النووية.

وفي الثمانينيات لفت البابا يوحنا بولس الثاني إلى حجم الدمار والموت اللذين يمكن أن ينتجا عن الأسلحة النووية، معتبرا أن مستقبل البشرية على هذا الكوكب مهدد بفعل الأسلحة النووية، وأن الخليقة في حاجة إلى يقظة وتعبئة عامة من ذوي الإرادة الصالحة.

هل من سيستمع إلى نداء فرنسيس الأخير؟ الأخوة الإنسانية تولد الثقة، وهي الطريق وهي الحل للقفز فوق التهديدات العالمية النووية.

البطريرك ساكو في رسالة القيامة: قيامة المسيح تفوق منطقَنا وتصوراتِنا

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

القيامة تعني أن المسيح حيّ وأنّه مع الله. حضوره أبديٌّ يؤثر في حياتنا وتاريخنا، بشكل يفوق منطقَنا وتصوراتٍنا. القيامة هي الأساس في ايماننا (1 قورنتية 15/14). الإيمان ليس تنظيرًا، بل هو قبل كلِّ شيء خبرة وجودية ثرية تأخذ كلَّ كياننا، ومن دونها لا يُجدي نفعًا!

القيامة تعني أن نعيش علاقتنا مع الله في الحب والحقيقة والثقة. وهذا يتطلب أن ندخل إلى كياننا العميق ونتقدم أكثر فاكثر في روحانيّتنا وصلاتنا والالتزام بعيش الأخوة والتضامن. علينا أن نحجَّ إلى القيامة (أليس هذا هو معنى تطوافنا ܚܘܼܓܵܝܵܐ في قداس عيد القيامة)؟ لنكتشف كرامة كلَّ انسان.

يستحيل لنا أن نتقدم خطوة إلى الأمام من دون أن تكون لنا الثقة بالله وببعضنا البعض. ثقتنا تساعدانا لكي نتقدم إلى الأمام بالمحبة والتضامن والفرح. قيامة المسيح تفتح أمامنا الأفق إلى القيامة مع أنفسنا، ومع الله، ومع أخينا الإنسان، في الحياة والتجدد الروحي والإنساني والاجتماعي.

 علينا وسط همومنا المتنوعة لاسيما المرتبطة بجائحة كورونا، أن نتعزّى بان الله الذي اقام المسيح الى الحياة الكاملة، كلنا ثقة بانه سيُقيمنا. أن بركته ورحمته وغفرانه هي للجميع. وكما قال البابا فرنسيس أثناء زيارته للعراق "لا نيأس، لنرجو، ولنثابر بفرح الإنجيل".

شكرًا لله على قيامة المسيح وعلى هبة الإيمان التي أنعمها علينا، وعلى المحبة والثقة والتضامن التي دعانا لنعيشها.

عيد قيامة مبارك للجميع

جمعة صلب يسوع وفداء آلام العالم

الأب البروفسور يوسف مونس - النشرة

 وابتدأ مسار الالام. يسوع في بستان الزيتون يصلّي ورهبة العذابات والصلب والموت تجعله يعرق دما والرسل نيام لا أحد أتى ليسهر معه قليلا. انها الوحدة المصيرية الكبرى. يسوع وحيد هو. 

وفي هذا الليل يُقبل يهوذا الاسخريوطي الذي خانه وباعه بثلاثين من الفضة لأسياد ​اليهود​ عليه وليمسكوا معلّمه يسوع ابن ​الانسان​ الإله.


أبقبلة تبيع ابن الانسان

واتوا الى يسوع ليمسكوه ليلا ولأن الظلام دامسٌ دنا يهوذا من المعلّم للدلالة عليه وبأنّه ليس واحدا من الرسل، فقال له يسوع بعتاب وألم: أبقبلة يا يهوذا تبيع إبن الانسان. 

وتوجّه الى جمع الجنود والجمع قائلا: ما بالكم كأنكم خرجتم الى لص وسارق، وانا كل يوم بينكم شفيت مرضاكم وأقمت أمواتكم وجعلت البرص يطهرون والعُمي يبصرون والصمّ يسمعون والمخلّعون يمشون والجياع يأكلون والعطشى يشربون. 

أيّ شر صنعت معكم؟ أهكذا تبادلون الخير بالشرّ والمعروف بالنكران للجميل والخيانة. وأخذ بطرس سيفه وضرب اذن واحدا من الجمع. فقال له يسوع: بطرس أردد سيفك الى غمده، وأعاد الأذن سليمة من حيث قُطعت، وساقوه الى حنانيا أولا لأنه حمو قيافا الذي كان عظيم الاحبار في تلك ​السنة​ (يوحنا 18/13).


من قيافا الى بيلاطس فالجلجلة

واقتادوه من عند حنانيا الى قيافا. ثم ذهبوا به الى بيلاطس لأن المراد ان يحكموا عليه بالموت، والحاكم الروماني وحده له حق الحكم بالموت. 

ولما عرف بيلاطس انه يهودي ارسله الى هيرودوس الذي عاد وارسله الى بيلاطس الذي اسلمه للجند ليجلدوه. فعرّوه من ثيابه وربطوه على عامود واخذوا يجلدونه، ثم البسوه ارجوانا مزيّفا ليسخروا منه وضفروا اكليل شوك ووضعوه على رأسه لأنه "يدّعي" انه ملك اليهود.


هذا هو الرجل

ثم اخرجه بيلاطس امام الجموع اليهودية قائلا لهم: "هذا هو الرجل" فصرخوا أصلبه أصلبه واذا لم تصلبه فانت لست محبًّا لقيصر. خاف عندها عندما قالوا له: "ليس لنا ملك الا قيصر أصلبه أصلبه دمه علينا وعلى أولادنا"،وحاول ان ينقذه فقال لهم "أَأُطلق لكم باراباس أم يسوع. فصاحوا براباس. 

فقال بيلاطس "انا بريء من دم هذا الصدّيق"، وأسلمه لهم ليأخذوه ويصلبوه حتى الموت. فحمل يسوع صليبه وسار الى الجلجلة حيث صلب ومات على الصليب.

يسوع صُلبَ بين لصّين على تلة الجلجلة ليفتدينا ويخلّصنا بصلبه وموته ويقيمنا معه لانه هو بكر القائمين من الاموات. كل هذه العذابات والصلب والموت والقيامة هي قصّة حب يسوع لنا. الحب وحده قاده ليفتدينا ويخلّصنا ويعيدنا الى أحضان الآب السماوي.


زيارة ​البابا​ للعراق قصة حب ورجاء

كذلك كانت زيارة قداسة ​البابا فرنسيس​ للعراق هي قصة حبّ ورجاء وسلام أعطاه لهذا البلد الجريح الذي راح ضحيّة الغدر والخيانة وبيع مدنه وجيشه وأماكنه التاريخية التراثيّة الاثرية الحضارية. 

فأعطت هذه الزيارة أملا ورجاء للعراق وشعبه بقيامة هذا الوطن الحضاري الكبير. كان كلام رأس الكنيسة الكاثوليكيّة للشعب ​العراق​ي عمومًا وللمسيحيين خصوصًا للبقاء في أرض بلاد الرافدين، وللعودة الى المدن التاريخيّة العظيمة والكنائس العريقة التي هُدِمت وتدمَّرت، فهم الّذين عاشوا آلام ​الجمعة العظيمة​ خلال الحروب المتواصلة منذ قرابة عقدين من الزمن اعطاهم البابا فرنسيس الأمل بالقيامة، وبرجاء جديد في بلد لا يزال حتّى اليوم يعيش الآلام والعذاب والخوف من الموت والتهجير فكان وقعُ كلامه محبة وسلام وامل بقيامة العراق والعودة الى ماضيه العريق.


لبنان​ في الآلام وينتظر القيامة

لكن بلدان وشعوب كثيرة مازالت تعيش أسبوع الالام ومنها لبنان بعد ​انفجار مرفأ بيروت​ الكارثي في الرابع من آب 2020، وتفشي وباء ​كورونا​ والانهيار الاقتصادي والمالي، وجوع الناس وفقدانهم للدواء، إضافة الى الغلاء الّذي يضرب بديهيّات حياتهم وانتشار ​جرائم القتل​ والسرقة وتهريب المواد الاساسية وامتلاء ​المستشفيات​، وهجرة الكثير من ​الشباب​ والشبّان بحثًا عن فرصٍ أفضل، لذلك فان لبنان يعيش على انتظار فجر القيامة مع ​المسيح​ والعودة الى أيّامه الجميلة السابقة. 

وعلى هذا الامل وبالرغم من كل شيء سنبقى نردد: المسيح قام حقا قام ونحن سنقوم معه ولبنان وطننا سيقوم ايضا. امين يا رب.

المسؤولية الاجتماعية الدينية

أمل الحارثي - الأردن - تعددية

شاهدتُ في أحد الأفلام الوثائقية القصيرة، مجموعة من رجال الدين المسلمين (السنة والشيعة) والمسيحين، يتكلمون عن أدوار مختلفة قاموا بها خلال العشرين عامًا الماضية في لبنان، ليس لها علاقة بالسياسة ولا بممارسة الشعائر الدينية.

بل بالعمل الاجتماعي العام وخدمة الناس وتحسين معيشتهم، وهي خدمات تُقدَّم لجميع المواطنين واللاجئين والمقيمين على أرض لبنان، بدون أي تفرقة أو محاباة أو تمييز، مثل: تأمين دُور رعاية لذوي الاحتياجات الخاصة، وبيوت إيواء للأيتام، ومشاريع لمساعدة المحتاجين من كل الطوائف، ومراكز صحية.

الفيلم يتحدث بالدور الاجتماعي لرجال الدين من كل الطوائف، الذين اجتمعوا واستخلصوا العبر من سنوات النزاع الدامية التي لم تَزِد البلاد إلا فقرًا وعنفًا، ولم يَخرج منها كاسب. 

دماءٌ يجب ألَّا تذهب هدرًا، بل يجب أن تكون ثمنًا للسلام ونبذ العنف وتحسين أحوال الناس. لا يمكن أن تستمر في مشاهدة الفيلم دون أن تدمع عيناك. فلقد وجدتَ ضالَّتك أخيرًا. 

الأديان التي وُجِّهَت إليها تهم التفرقة وتأجيج الصراعات، ها هي أمامك بمُمثِّليها بريئةٌ من كل تلك التهم، وها هو دورها الحقيقي هنا أمام المُشاهد في هذا الفيلم الوثائقي. 

دَورها هو العمل على الفرد والاهتمام به ورعايته، وحفظ الكرامة الإنسانية وإعمار الأرض. أما أعداء الأديان الحقيقيون -حسب ما يَظهرون في الفيلم-، فهم ليسوا أبناء الديانات أو الطوائف الأخرى، أو أصحاب المعتقدات والأفكار المختلفة، بل هُم الفقر والجهل والذل وفقدان الكرامة.

لا نَسمع برجال الدين هؤلاء في الإعلام كثيرًا، فهم يعملون بصمت وسلام، لا يُحْدثون ضجة، ولا يتحالفون مع السياسيين من أجل مصالح خاصة أو محدودة، ولا يسعون للشهرة، وإنما جُلُّ اهتماماتهم هو الناس على الأرض، ومصالحهم واحتياجاتهم وحقوقهم الإنسانية.

فيسعون لنشر تعاليم الله، تعاليم لا يمكن أن تتعارض مع حقوق الإنسان، بل تتوحد معها في هدفها الجامع، وهو حفظ الكرامة الإنسانية.

الأديان التي جعلت الرحمة عمودًا من أعمدة الإيمان، لا يمكن أن تكون أديانًا انتقائية. والانتقائية إن وُجدت، هي مِن صنع البشر، وتفسيرات البشر. 

كيف لا وهي تتنافى ومبدأَيِ العدالة والرحمة؟! والله الرحيم لا يمكن أن ينتقي فِرقًا من الناس ويُحابِيها في الرحمة، أو يستثني فِرقًا أخرى؛ أما فِعل الخير للجميع، فهو واجب، كما قال تعالى في القرآن الكريم: {فاستَبِقُوا الخَيْرات}. وقال الرسول: "الراحمون يَرحمُهم الرحمن، ارحَمُوا مَن في الأرض يَرحمْكُم مَن في السماء". وقال المسيح في إنجيل متّى: "طُوبَى لِلرُّحَماء، فإنهم يُرحَمون".

تَخيَّل أنك تسأل طفلًا جائعًا عن دينه قبل أن تساعده! لا يمكن أن تَسمح ديانة بهذا الفعل الشائن، وتحت أي تبرير، ولا يمكن أن يزدهر مجتمع وأفراده على هذه الشاكلة. 

المجتمعات التي تتطور ويرتفع شأنها مجتمعاتٌ متماسكة، يوجد أفرادها تحت مظلَّة مواطَنة راعية وحاضنة للتنوع، ينتمون إلى فئات ثقافية أو دينية. 

وكل هذه الفئات تنتمي إلى الوطن الأكبر الجامع، الذي يساوي بين المواطنين/ات أمام القضاء، وتَدعم جهاتُه التعليمية والإعلامية مبدأ الأخوَّة بين أبناء الوطن الواحد، ويعزِّز الخطابُ الديني على منابره مبادئ حقوق الإنسان والعيش المشترك بين المواطنين/ات.

تقترن البطولات التي درسنا عنها في مناهجنا بالعنف. ومصطلح الشجاعة كان حتى أزمان طويلة يعني القوة والقتال والسيف، لكن مناهجنا أغفلَت الاحتفال بنوع آخر من الشجاعة، هو شجاعة الاهتمام بالإنسان، وشجاعة ألا تسعى للمجد الشخصي، بل لنهضة المجتمعات، وشجاعة أن ترى الناس متساوين في الحقوق والواجبات، وشجاعة أن ترفض أي تمييز حتى ولو كان ضد مصلحتك الشخصية، وشجاعة التخطيط لسلام طويل الأمد، يحفظ الحقوق ويعطي الناس أمنهم في أوطانهم، وشجاعة المطالَبة بمواطَنة حاضنة للتنوع، يتشارك فيها كل أبناء الوطن.

يواجه العالمُ اليوم تحديات كبرى صحية وغذائية ومناخية، أثبتت تأثيرها القوي في شل حياة الناس، ووضعت كل خلافات أخرى جانبًا. هذه التحديات أعادت ترتيب الأولويات، حيث جرى وضع صحة المجتمعات في القمة، وتَبيَّن أن العيش المشترك الذي أثبته التضامن على صعيد الأفراد والمجتمعات والعالم أجمع، هو السبيل إلى مواجهة التحديات المستقبلية. 

وهذا ما نحتاج إليه، تضامُنٌ عابر للانتماءات، يجعل فيه الإنسانُ محور الاهتمام والكرامة الإنسانية، مَرجِعًا لتقييم المواقف والأفكار.

الأب البروفيسور يوسف مونس يكتب: وابتدأ اسبوع الآلام...

الأب البروفيسور يوسف مونس - النشرة

نسير نحو القيامة. انه الاسبوع الكبير، انه اسبوع الالام، الذي سينتهي بالعذابات والصلب والموت والقيامة، الّتي هي الافق الاساسي الذي سينتهي فيه هذا الأسبوع.

السفر الطويل خلال فترة ​الصوم​ المبارك، هو ابحار وعناء نحو ميناء الخلاص في فترة الصوم، "للغوص في سر ​المسيح​ المتألم، فنعيشه في ضوء أهم حلقات التاريخ الخلاصي".

انّ الخليقة عاشت مع "آدم الاول الّذي اختبر الخطيئة والموت ونال الوعد بالمخلص، وهي شخصت ابراهيم وهو يقدّم وحيده اسحاق ذبيحة لله، ورافقت يوسف الصدّيق وكيف رماه اخوته في قعر البئر وساقه الاسماعيليون عبدا الى مصر، وبكت على ايوب حيث طحنته الاوجاع والالام وسكبت مع المجدليّة طيب توبتها على اقدام يسوع وهي تشتهي ان تأكل ​الفصح​ الجديد مع عروسها الالهي عربون محبة وحضور ابدي في ​العالم​.

وتحثّ الخطى الى صخرة الجلجة مع مريم تعانق جراحات فاديها المعلق على خشبة، وترافق الحي المائت الهابط الى الاموات يبشرهم بالقيامة و​الحياة​، ولا ينتهي الاسبوع العظيم الا وقد غسلت الكنيسة قلبها بالتوبة ونالت بالمصالحة الغفران" (اسبوع الالام ​الكسليك​ 1976 ص و).


الاله ​الانسان​ تألم ومات وقام

الإله المنزّه عن الالام الحيّ الذي لا يكون تألم ومات ليكفر عن ذنوبنا ويفتح لنا بموته باب الخلاص ويصالح بين الارض والسماء، تألم ومات لأجلنا ليحررنا من عبودية الخطيئة وينقذنا بالامه المحيية من سلطان الموت وقوة الشرير. 

بآلامه حول لنا كل شيء وقلب منطق الاشياء، فصار ضعفنا قوة وحقارتنا عزة، وموتنا حياة، وهلاكنا خلاص، وقد البسنا يسوع بآلامه البرّ، وعارنا تاجا، وصليبه صولجانا، والبسنا ثياب العرس، لنأتي الى وليمة عرسه السماوي، ولكي نليق بمجد جلاله الالهي، ونصبح متكاملين بكماله، لأنّ يسوع بذل نفسه ذبيحة مرضيّة عنا، فأصبحنا ملك يديه المباركتين، وذبيحة مقدسة جديرين به، ومحرقة نقيّة كريمة في عينيه، وبخورا طيبا وكرمة خصيبة تليق بنعمته الالهية.


يوسف المثال كيسوع

أول شخصية تطالعنا في رمزيّتها الى قصة حياة يسوع في صلوات أسبوع الالام الطقسيّة هي شخصيّة يوسف الّذي أبغضه أخوته، ويسوع أبغضه شعبه. 

يوسف كان يجلب الطعام الى اخوته، أمّا يسوع فحمل لنا خبز الحياة، يوسف تآمر عليه اخوته ليقتلوه، ويسوع تآمروا عليه واتهّموه كذبًا وجورًا وظلمًا ليقتلوه. يوسف تخلّوا عنه اخوته فتلقّفته قافلة من ​التجار​ الاسماعليين الذاهبين الى مصر حيث باعوه هناك، ويسوع باعه يهوذا بثلاثين من الفضة. 

يوسف خلص اخوته وانقذهم من الجوع والموت والهلاك، ويسوع خلصنا بموته، وافتدانا بسفك دمه. يوسف كان امينا لارتباطه باخوته وعائلته وشعبه، ويسوع كان امينا للدعوة التي اتى لأجلها، وهي أن يفتدي اخوته. يوسف انقذ مصر من الجوع، ويسوع أنقذ الامم، ويوسف أنكره شعبه ولكن يسوع قبلته الشعوب الاخرى، يوسف اخلى مركزه وعاد فلحق باخوته وشعبه ويسوع اخلى ذاته وحمل اوجاعنا وذاق الالام حبا بنا.

رب الملائكة سار كعبد منبوذ يصفعه رجال قيافا. أُلبس ارجوانا كاذبًا وهو الكاسي زهور الحقل بالجمال، كُلّلَ بالشوك وهو متوّج بالشمس بالنور والضياء.


نابوت اليزرعيلي ويسوع

نابوت اليزرعيلي شهدوا عليه ظلما وزورا وكذبا وجورا حتى الموت عريانا على خشبة الصليب.

الملك آحاب يريد كرم نابوت اليزرعيلي الّذي طلب الملك قائلا "معاذ علي أن أبيع إرث أجدادي فحزن آحاب ورأته امرأته ايزابيل فقالت له لا تهتم انا سأتصرف، وأتت بشيخين شهدا زورا وبهتانا على نابوت فحكموا عليه بالرجم ومات تحت رمي الحجارة عليه، فأتت ايزابيل الى زوجها آحاب قائلة ان الذي لم يبعك الكرم قد مات، وعرف ايليا النبي بالذي حدث فصرخ قائلا للملك إن ​الكلاب​ ستلحس دمك حيث سفكت دم نابوت كذلك قال لايزابيل ان الكلاب ستلحس دمك انت ايضا وهكذا كان.

وسخط الملك ولكن نبوءة ايليا تحقّقت فيه وهو هارب على عربته إذ مات على الدرب ولحست الكلاب دمه كما لحست دم امرأته ايزابيل.

دم نابوت انتقم من دم آحاب الملك وامرأته ايزابيل، بينما دم يسوع افتدى صالبيه الذين صرخوا "دمه علينا وعلى اولادنا"، لكنّه قال على الصليب "اغفر لهم يا ابتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون"، يسوع افتدانا وخلصنا بآلامه وصلبه وموته على الصليب وأوصلنا الى القيامة.

الشيخ د. محمد النقري يكتب من لبنان: عذرًا يا أمّ البشارة

القاضي د. محمد النقري

  • عذراً أيتها البتول مريم، أيتها العذراء، إن لم أتحدث عن سيرتك العطرة في مناسبة البشارة فالخطب جلل.
  • عذراً أيتها الأم الجامعة الشفوقة الرحيمة الرّاعية الساهرة يا مريم المحبة والاصطفاء فالوضع لا يحتمل.
  • عذراً أم المسيح وأمنا جميعا يا من أحببتك ويامن أحبك المسلمون والمسيحيون كافة فالأمر عاجلٌ لا يؤجل.

بالأمس كانت بشارتك تهتف بالمحبة وتتعانق فيها تكبيرات الأذان مع صوت أجراس الكنائس، وتتناغم الترانيم المريمية الكنسية مع الموشحات الدينية الإسلامية، ويتآخى المسلمون مع المسيحيين في أبهى صورة عرفها التاريخ، واليوم تطل بشارتك علينا وبلادنا تئنّ تحت وطأة فساد إداري ومالي شامل ومستشرس، وتهديدات أمنية واغتيالات وتفجيرات قتلت المئات وهدمت المباني والأحياء والموانئ البحرية، فأصبحنا نعيش في خضم صراعات فتنوية مقيتة، أفقدت بلادنا كرامتها وصيغتها الوطنية وأتلفت ضمائر مسؤوليها السياسيين، بل وفقد فيها مواطنوها أموالهم وأرزاقهم ومدخراتهم وصحتهم وسمعتهم وعزّتهم وكبريائهم، فتوشحوا بلباس الفقر والعوز، والذل والهوان، وبات شبابنا يطرقون أبواب السفارات طلباً للهجرة، وأصبح أمل اللبنانيين تذكرة سفر بلا عودة، ومسكناً ولو مرقداً لعنزة في بلاد الغربة.

أراك أيها العذراء حزينة، فبعد مرور خمسة عشر سنة على احتفالياتنا المشتركة الإسلامية المسيحية في عيد بشارتك، وبعد مرور إثنتي عشر سنة على إعلانه عيداً وطنياً أراك تتسائلين هل كنا حقاً على قدر هذه المناسبة، وهل كنا صادقين متواضعين مع أنفسنا ومع شركائنا في الوطن، أم أدخلنا هذه المناسبة في زواريب الطائفية الضيقة وعبرنا بها ضمن الألاعيب السياسية البغيضة... هل قمنا حقاً بتحقيق كل ما وعدنا به من مشاريع واعدة، من:

إطلاق اسم بشارة مريم على احدى ساحات بيروت حيث حددنا ساحة المتحف ليحمل اسمها ووضعنا في زاويتها حجراً منقوشاً يحمل رمزية بشارة مريم كما اعتمدها اللقاء الإسلامي المسيحي حول مريم، ونظمنا تجمعاً رسمياً، بعد أن حصلنا على موافقة مبدئية من بلدية بيروت، وفجأة استبدل الاسم وباتت الساحة تحمل اسم البابا بندكتوس السادس عشر.

تنفيذ طابع بريدي مريمي يحمل شعار البشارة، حظى بموافقة كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء في أكثر من مناسبة ولكنه لم ينفذ، تشييد مركز مريمي للحوار على أرض تقدمها الدولة يضم قاعة محاضرات واجتماعات وارشيف ومكتبة تخصصية في مواضيع الحوار ويجمع كل ما يكتب عن العذراء مريم في العالم، وهو أيضاً لم ينفذ،. 

إعلان يوم البشارة مناسبة ليصبح يوماً عالمياً للحوار، فتم استبداله بفكرة مماثلة حيث وافقت الأمم المتحدة على أن يكون لبنان مركزا لأكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار، ولكن لسوء ما اقترفت أيدينا من سياسات فتنوية وكيدية قمنا بتحويل لبنان الى مستنقع للإختلافات والنزاعات وموطناً لأحقر وأقذر ما يتوصل اليه الإنسان من انحطاط خلقي وفساد مالي في التاريخ البشري.

في بشارة هذا اليوم نعلنها صرخة مدوية لمن بقي في قلبه وفكره ذرة إيمان وعقل وضمير وشفقة ورحمة من بين الذين أعمتهم المناصب وكراسي الحكم، وغشت أبصارهم السرقات والسمسرات والإستيلاء على خزائن الدولة والأموال العامة وأموال المودعين.

أستصرخكم أيها المسؤولون : الا يوجد بينكم رشيدٌ حكيمٌ ذو ضمير، ومصلحٌ ذو هيبة وسلطة وحسن تدبير، ألا يوجد فيكم رئيس يقول لمواطنيه : لا ترحلوا فالأرض أرضكم والجبال جبالكم وسماء الرب تحتضنكم، وأرض الأنبياء تحرسكم، ومريم العذراء تجمعكم.

عذرًا يا مريم يا أم المسيح إن لم أتحدث عنك في هذه الأمسية، فلقد أضنانا ونغص عيشنا أن نشعر بالقلق والإضطهاد والشك والرغبة في الهجرة بعيداً عنأرزنا وشموخ جبالنا وعنفوان سهلنا وبقاعنا، وعزة وكرامة مدننا، بل بعيداً عن سماع أصوات صلواتنا تصدح من مآذننا وكنائسنا.

ولكننا لن نفقد الأمل والرجاء وسنهتف في كل بشارة كل عام وأنتم مسلمو ومسيحيو لبنان وكل العالم بألف خير.

لماذا يرفض الحوثيون "اليد الممدودة" من السعودية؟

مقال مارك ضو / ترجمة طاهر هاني

 ما الذي يخطط له الحوثيون؟ فرغم المبادرات والإشارات الإيجابية التي اتخذتها الإدارة الأمريكية الجديدة تجاههم والاقتراح السعودي الاثنين بـ"وقف شامل لإطلاق النار".

إلا أن المقاتلين الشيعة يرفضون وقف القتال والخوض في محادثات جدية، فيما تدخل البلاد عامها السابع من حرب أدت إلى مقتل وتهجير الملايين. تحليل...

رفض المقاتلون الحوثيون هذا الأسبوع وقفا شاملا لإطلاق النار اقترحته السعودية الاثنين كخطوة أولى لإنهاء ست سنوات من حرب دمرت كل البنى التحتية لليمن.

واشترط الحوثيون من الرياض، التي تقود التحالف العسكري الدولي منذ 2015، "وقف العدوان" ورفع حصارها الجوي والبحري الذي تفرضه على اليمن، مما تسبب في خنق البلاد اقتصاديا.

لكن الجار السعودي لم يقترح سوى "تخفيف الحصار" الذي يعرقل إيصال المساعدات الإنسانية للسكان الذين يعانون من مجاعة كبيرة ضمن ما وصفته الأمم المتحدة بـ"أسوأ أزمة إنسانية في العالم".

وحسب المختصين، فاليد الممدودة من السعودية التي اقترحت أيضا إعادة إحياء محادثات السلام بين الحكومة اليمنية التي تحظى بدعم من الرياض والحوثيين الموالين لإيران، ترتكز على مبادرة سياسية هدفها إيجاد مخرج لإنهاء الأزمة بين الطرفين.

هذه المشاورات بدأت منذ حوالي عام تحت غطاء الأمم المتحدة ثم الولايات المتحدة الأمريكية والتي تلعب دورا مهما في هذه المحادثات.

ومن بين نقاط التفاوض التي أدرجت في المحادثات، وقف إطلاق النار تحت إشراف أممي، إعادة فتح مطار صنعاء ورفع القيود الاقتصادية المفروضة على مرفأ محافظة الحديدة فضلا عن إطلاق محادثات سياسية تشمل جميع اليمنيين.


رفض حوثي للرزنامة السعودية

 وفي تغريدة على حسابه على تويتر، كتب بيتر سالسبوري، المحلل المتخصص في الشؤون اليمنية بالمجموعة الدولية لإدارة الأزمات "الشيطان يكمن في التفاصيل. السعوديون والحكومة اليمنية والحوثيون يقولون كلهم بأنهم يساندون هذه المبادرة، لكنهم لم يكفوا في الوقت نفسه من التجادل حول رزنامة المحادثات وتفاصيل كل نقطة مدرجة على طاولة المحادثات".

ويجدر التنويه إلى أن الاقتراح السعودي الأخير (وقف إطلاق نار شامل) يحتوي على متغير بخصوص تقاسم الثروات الناتجة عن نقل النفط ومشتقاته إلى مرفأ الحديدة الاستراتيجي.

ويرى المحلل بيتر سالسبوري أن "ثمة فكرة شائعة تقول بأن الحوثيين هم الذين يتوجب عليهم تقديم هذه التنازلات".

لكن هذه الفكرة لا تلقى تقبلا ولا رواجا لدى الحوثيين الذين يتهمون السعودية "بتوظيف الأزمة الإنسانية لصالحهم" فيما يدعونها إلى "رفع كل القيود والحواجز التي تحول دون عودة النشاط الاقتصادي والتجاري إلى مرفأ الحديدة ومطار صنعاء".


هجمات على مرأب النفطية

من جهتها، أشارت المحللة سنزيا بيانكو، الباحثة في شؤون الخليج في المعهد الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن "السعوديين يعتقدون بأنه سيكون كافيا في حال فشلت مبادرتهم السياسية تحميل مسؤولية الفشل على الحوثيين وإيران".

وأضافت "بالنسبة للسعودية، مطالب الحوثيين (إعادة فتح مطار صنعاء الدولي والاستفادة من المداخيل المالية التي تأتي من مرفأ الحديدة) ما هو إلا دليل بأنهم لا يرغبون في السلام في اليمن، بل أكثر من ذلك فهم يضعون أنفسهم في مأزق سياسي أمام الولايات المتحدة والأمم المتحدة".

الحوثيون من جهتهم، يعتقدون بأنهم يملكون القوة الكافية التي تجعلهم يرفضون الخضوع للرزنامة  خاصة وأن اليد الممدودة من الرياض تأتي في ظرف زمني تميز بارتفاع وتيرة هجمات الحوثيين ضد السعودية ومنشآتها النفطية.

كما ازدادت أيضا الهجمات الحوثية على مدينة مأرب الغنية بالنفط والتي تشكل المعقل الأخير للحكومة اليمنية في شمال البلاد. 


رفع الحصار بالقوة؟

وفي حوار مع فرانس24 الأسبوع الماضي، قال عبد المجدي الحناش، أحد المفاوضين الحوثيين في صنعاء "موضوع مأرب هام بالنسبة لنا بسبب الحصار الذي يحرم اليمنيين من شراء الوقود والغاز بأسعار معقولة خاصة وأن غالبية السكان تشكو الفقر".

وتابع" طالما لم يرفع هذا الحصار لتمكين مناطق الشمال إلى الوصول إلى هذه المواد الأساسية (النفط والغاز...) سنسعى إلى رفعه (الحصار) بالقوة وهذا أمر شرعي وليس بالجديد".

من جهتها، تنفذ السعودية بشكل شبه منتظم غارات جوية ضد الحوثيين لكي تمنعهم من إحراز تقدم على الأرض، فيما تخشى الرياض في نفس الوقت وقوع الحدود التي تتقاسمها مع اليمن تحت قبضة وتأثير إيران عدوها الشيعي في المنطقة.


هل الولايات المتحدة وسيطا محايدا؟

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى إنهاء النزاع في اليمن لأسباب إنسانية. وللوصول إلى هذا المبتغى، أعلن الرئيس جو بايدن عن سلسلة من القرارات: أولا، وقف الدعم الأمريكي للتحالف العسكري الدولي تحت قيادة السعودية.

ثانيا، سحب اسم الحوثيين من قائمة "المنظمات الإرهابية" خلافا عن سابقه دونالد ترامب الذي أضاف اسمهم إلى هذه القائمة قبل مغادرته البيت الأبيض.

هذه القرارات أزعجت السعوديين الذين يعتقدون بأن إيران تستخدم الحوثيين كورقة ضغط على الإدارة الأمريكية في وقت تعمل واشنطن على إحياء الاتفاق النووي الذي أبرم مع طهران في 2015.

وإلى ذلك، حث أنطوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي الحوثيين على إنهاء "هجماتهم والالتحاق بالسعوديين والحكومة اليمنية لإيجاد مخرج للأزمة والمشاركة بشكل جدي لبناء السلام".

 لكن المفوض الحوثي في صنعاء عبد المجيد الحناش شدد على "أن المبادرات الدبلوماسية التي تقوم بها واشنطن لن تغير "اللعبة" بالنسبة للحوثيين. وقال "الرياض وواشنطن تسعيان إلى فرض عبر المحادثات كل ما لم تتمكنان من الحصول عليه عبر السلاح. إنه أمر غير مقبول".


هشاشة الوضع

وتابع "ثمة خلط وارتباك داخل إدارة بايدن. بعض المسؤولين في هذه الإدارة يدعون إلى إنهاء الحرب في اليمن حفاظا على المصالح الأمريكية. وهذا قد يوحي ربما بأن الولايات المتحدة وسيطا محايدا وبريئا. لكن في الحقيقة واشنطن طرف مهم في النزاع والداعم الرئيسي للحرب في اليمن".

وأضاف "لهذه الأسباب نبقى حذرين وننتظر رؤية ما الذي ستقوم به الإدارة الأمريكية لوضع حد للاعتداء الذي يستهدفنا. أما المحادثات السياسية، فستأتي فيما بعد".

وأوضح بيتر سالسبوري، المحلل المتخصص في شؤون اليمن في المجموعة الدولية لإدارة الأزمات "في النهاية كل الجهات تستخدم الأدوات التي هي في يدها لضمان مصالحها ولتقوية موقعها قبل بداية المحادثات السياسية".

فيما أنهى "الشيء الإيجابي هو أن كل هذا يعني بأن جميع الأطراف المتنازعة ستدخل في محادثات سلام. أما الجانب السلبي، فيكمن في هشاشة الوضع وإمكانية تنفيذ غارة جوية أو إطلاق صاروخ على الحوثيين لتتفجر من جديد عملية السلام ويتدهور الوضع بشكل سلبي".

الشريعة طريق أخلاقي نحو كرامة المرأة

رشيد سعدي - المغرب - تعددية

عاد النقاش في مصر منذ بضعة أشهر، حول إشكالية حقوق المرأة في علاقتها بالشريعة الإسلامية، وذلك بعد طرح مشروع قانون لتنظيم تعدد الزوجات، ينص على فرض عقوبة على الشخص الذي يتزوج مرة ثانية دون إخبار زوجته الأولى.



أثار القانون نقاشًا حادًّا في مصر، انتقل بعدها إلى بلدان أخرى عديدة. تطرح تلك النقاشات التي انخرطت فيها المؤسسات والقيادات الدينية، المسؤوليةَ الاجتماعية لهذه الأخيرة عن صون قيمَتَي الكرامة والمساواة داخل مجتمعاتها، وذلك من خلال عمل تنويري يسمح بخروج المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة من تناقضاتها، التي تمنعها من دخول أزمنة الحداثة وحقوق الإنسان.

سمحت النقاشات ببروز تصوُّرَين على طرفَي نقيض، يرى الأول منهما أن التعدد جزء من "الحلال" الذي شرَّعه الله، في حين يرى الثاني أن التعدد المطلق ينقض روح الإسلام، وقد يكون مَصدر إهانة لكرامة المرأة. 

يعني هذا التناقض أننا لا نملك نفس التصور عن الشريعة، أو عما يستتبعه إيماننا بالله، كالتزاماتٍ إنسانية أو تصوراتٍ أخلاقية.

يرى التصوُّرُ المحافظ أن علم الزوجة الأولى بالزواج الثاني ليس من شروط الزواج، وأن هذا الزواج يبقى صحيحًا. لذا، وصفَت شخصياتٌ دينية سلفية وتقليدية مشروعَ القانون بأنه مخالف للشريعة الإلهية، لأن زواج المسلم بأكثر من زوجة هو "حق غير مقيِّد للمسلم كما أنه غيرُ ملزَم بإخبارها".


لا شك أن مثل هذه الردود تشكل جزءًا من الخطاب الهوياتي، الذي يحاول خلق حالة رُهاب جماعي حول فكرة تحديث مدوَّنة الأسرة، محاوِلًا عبثًا أن يتغافل عن أن كل المجتمعات العربية الإسلامية قد بدأت تَدخل مرحلة الحداثة، من خلال الانتقال إلى شكل الأسرة الأساسية المشكَّلة من زوج وزوجة وأبناء.

أعتقد أن الاستناد إلى الطابع الإلهي للتشريعات والنصوص، يهدف إلى خلق فكر تبريري يمنع الفكر الديني النقدي من طرح السؤال الأساسي: "ما معنى أن مصدر التشريعات هو القرآن؟ أو ما معنى إلهية التشريعات؟". 

في حقيقة الأمر، يجري الخلط برأيي بين منظومة الفقه بصفتها مجموعة أحكام، ونظام الشريعة بوصفه قواعد أخلاقية لا يمكن اختزالها في مجموعة تشريعات ثابتة وأزلية. 

لذا، يجب فهم التشريعات الخاصة بالمرأة )في الميراث والشهادة والزواج والطلاق...)، من خلال مسار تطوري. فالمسلمون فهِمُوا النصوص القرآنية في سياقات ثقافية نسبية ومحددة، ثم إنَّ الله لا يتحدث إلى البشر في المطلق، بل من خلال أسئلتنا.


لذا، فإن هذه التشريعات، عندما تتحول إلى قوانين منفصلة عن وعي البشر المعنيِّين بها وعن واقعهم، تصبح مجرد مقولات تبريرية عاجزة عن تحقيق مقاصد الشريعة (العدل)، ويمكن أن تكون مصدر ظلم ومعاناة لمن يُضطرون إلى قبولها. 

لا يمكننا أن نَغفل عن أن التعدد هو واقع إنساني تعيشه النساء، خصوصًا عندما يُضطرَرْن إلى قبوله بسبب هشاشة وضعِهنَّ الاجتماعي والاقتصادي، ويعشنه بوصفه إهانةً لكرامتهن وتشْيِيئًا لإنسانيتهن. 

لذا، يجب علينا أن ننقل النقاش دومًا من الشريعة إلى الكرامة الإنسانية، ويكون فهمنا للحاكمية الإلهية بوصفها ضامنًا للكرامة البشرية.

إن القول بأن الشريعة الحقيقية هي شريعة متحركة، يعني ضرورة الانتقال من سؤال الانسجام الشكلي للشريعة، إلى سؤال انسجامها الأخلاقي. لعل الكثير من المسلمين قد لا يجدون حرجًا في الإقرار بالمصدر الإلهي للتعدد المطلق.


ولكن، عندما يتعلق الأمر بواقع قد يكون مصدر معاناة لهم، فهُم لا يقبلونه. كيف يمكن لتشريع إلهي أن يكون مصدر معاناة، والله مَصدر رحمة للعالمين؟ لذا، أسألُ من يرى أن التعدد المطلق أمر إلهي: "أترضاه لابنتك، أو لأختك، أو لأمك؟".

هكذا، يمكن تأكيد أن الزواج الأحادي هو الأصل في القرآن، وأن هذا الفهم متضمن في فكرة أن الإسلام أنصف المرأة وكرَّمها، وهو أمر واضح في النص القرآني الذي يؤكد أن التعدد مشروط بالعدل، وفي الوقت نفسه يؤكد استحالة هذا العدل بوجهَيْهِ المادي والعاطفي معًا. 

وأعتقد أنه -ولأسباب ثقافية- جرت إزاحة التفسير العادل من أجل تفسير غير عادل، وذلك مع أن التعدد قد يبقى مقبولًا في حالات استثنائية ذات طابع إنساني، حيث يجب اعتباره مجرد رخصة. 

من هذا المنطلق، فإن شخصيات دينية أكدت بشجاعة أنه من الخطأ اعتقاد أن الأصل في الزواج هو التعدد، ثم إنَّ الممارسة الفعلية للتعدد قد تكون مصدر ظلم، يقع على الزوجة الأولى وعلى الأطفال.


يمكن نقل النقاش إلى مواضيع مماثلة كثيرة أخرى، يُنتظر فيها من القيادات والمؤسسات الدينية أن تتحمل مسؤوليتها الحضارية عن تنوير مجتمعاتها وتثويرها، بدل أن تكون مجرد مؤسسات لحراسة التراث وتأبيده فقط، إذ يجب عليها تجاوز الدور الإصلاحي الضيق، لكي تكون جزءًا من الإصلاح اللاهوتي الكبير، وهو إصلاح يكون فيه الطريق إلى الله هو الطريق نحو الإنسان.

إلى روح  المفكرة المناضلة نوال السعداوي.

من أقوال نوال السعداوي

مارسيل فؤاد - مسيحيو دوت كوم

العظماء لا يموتون بل تحيا أقوالهم إلى الأبد فحتى بعد موت اقوى امرأة عرفتها منذ الصغر ظلت كلامتها محفوظة في عقلي ومن اكثر أقوالها صدى في ذاكرتي قولها "يفقد الإنسان كرامته حينما يعجز في الأنفاق على نفسه" لتحسم قضية عمل المرأة على إنها ليست من اجل الاحتياج المادي بل لتكتمل كرامتها كا إنسانة.

وحينما قالت  "أن شرف الإنسان رجل أو امرأة هو الصدق صدق التفكير وصدق الإحساس صدق الأفعال وأن الإنسان الشريف هو الذى لا يعيش حياة مزدوجة واحدة في العلانية وأخرى في الخفاء" أعطت اعظم مفهوم للشرف حيث رفضت أن يكون الشرف صفة تشريحية.




وتساؤلات اذا كان يتحدد بغشاء البكارة عند المرأة فماذا يثبت شرف الرجل أم الرجال بلا شرف، هي من قالت "أن الله هو الحب والعد والجمال والحرية وان الله نسمعه في أعماقنا وليس في الميكروفونات" لتتحدا بكل جراءة كل مظاهر التدين الكاذبة والممارسات والشعائر الدينية التي لا تعالج قلب الإنسان من الداخل.


هي من غردت وقالت في كتبها الوجه العاري للمرأة العربية حيث قالت "الحب لا ينشأ إلا فى ظل العلاقات الإنسانية القائمة على المساواة والعدالة والحرية فلا يمكن أن ينشأ بين صاحب سلطة وخاضع لهذه السلطة ولا بين اعلى ولا ادنى" لنكتشف أن علاقات كثيرة في حياتنا لم تكن تحت نوع من الحب بل عبودية.

وأيضا ودور الإنسان يجب أن يتحدد بحسب مواهبة وقدراته الفكرية وليس كونه ذكر أو أنثى و- قيمة الإنسان يجب أن تحدد حسب قدرته على الحب والعمل الخلاق وليس من يملك الثروة والسلطة والانتماء لطبقة معينة كل هذه المبادئ كتابتها في كتاب الرجل والجنس، ونظرتها المختلفة للمعرفة حيث قالت "إن المعرفة هي إثارة عدم الرضا في نفس الإنسان من أجل أن يعمل على تغيير حياته إلى الأفضل. 

ولولا عدم الرضا لما تقدم الإنسان ولكانت حياته كحياة الحيوانات. إن الحيوانات لا تشعر بعدم الرضا، ولا تشعر بالقلق، ولذلك هي لا تغير حياتها إلى الأفضل" وهى نظرة جديدة وثاقبة، وتحللها لفكرة مدح المرأة المتميزة وبوصفها بمائة رجل في كتابها المرأة والصراع النفسي حيث قالت "أن المجتمع لا يستطيع أن يعترف أن المرأة يمكن أن تتفوق وتنبع دون أن تتحول إلى رجل, فالتفوق والنبوغ في نظر المجتمع صفة للرجل فحسب, فاذا ما أثبتت امرأه ما نبوغها بما لا يدع مجالا للشك اعترف المجتمع بنبوغها وسحب منها شخصيتها كامرأة وضمها إلى جنس الرجال".

فى كتابها مذكرات طبيبة تحدد الجمال الحقيقي للمرأة بعكس المشاع حيث تقول المرأة مهما بلغ جمال جسمها فإنها تفقد الأنوثة إذا كانت غبية أو ضعيفة الشخصية أو متصنّعة أو كاذبة!

وشرحها للتعصب سواء لدين أو بلد  بدون دراسة وبحث هو في الأساس أشياء لم نختارها ولكن ولادنا بها حث قالت "بعد ولادتك بخمس دقائق سوف يتم تحديد اسمك لغتك دينك وعشيرتك وأنت تدفع حياتك تدافع بغباء علي أشياء لم تخترها أنت".

وان التعري والتخفي في لبس المرأة هي قناعة بأن جسدها مجرد سلعة حيث قالت "الراقصة ترى في نفسها سلعة تعرضها وتتاجر بها وأيضا المنتقبة تجد في نفسها سلعة ولكن لا تريد انت عرضها فتخفيها عن الإنظار المرأة الحقيقية لا ترى في نفسها سلعة جنسية بل ترى في نفسها إنسان طبيعي لذألك لا تعرض ولا تخبى".

هذه المرأة التي كتابها فقط تكفى المكتبة لها اكثر من 45 مؤلف بين كتب وروايات وكطبيبة حاربه الختان ومن اشهر مؤلفاتها الأنثى هي الأصل والمرأة والجنس والمرأة والدين والأخلاق أما عن الروايات سقوط الأمام والإله يقدم استقالته في اجتماع القمة إنسانة في قمة الذكاء وصدق البحث وجراءة الطرح والمواجه لقد قدمت نفسها لنا نحن لقد دفعت تمن حريتنا التي حصولنا عليها بفضل كتابها وقدرتها في صد الهجوم والأكاذيب الباطلة والتشوية لقد تعذبت لنهنئ نحن كنساء بحياة حرة منطلقة عادلة  وداعا يا امى.

الأم في منظور الأديان الإبراهيمية

د. السيد محمد علي الحسيني - نداء الوطن

أولت الأديان السماوية الإبراهيمية اليهودية والمسيحية والإسلام، أهميةً اعتبارية خاصة وفريدة من نوعها لمنزلة ومکانة الأم، التي رفعت من شأن المرأة وقدرها واعتبارها.



وتتجلّى الأهمية الکبرى لهذه المکانة والمنزلة أنها جاءت في وقت کان المجتمع ينظر فيه نظرةً غير سليمة إلى المرأة، إلى الدرجة التي وصفها القرآن الکريم (وإذا بشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودّاً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسّه في التراب ألا ساء ما يحكمون).

بل كانت المرأة تباع وتشترى في الأسواق، وتنتقل في الإرث مثلها مثل الأشياء.

بقيت المرأة تتعرض إلى الظلم والاضطهاد حتى جاءت الأديان الإبراهيمية لترفع الظلامة عن المرأة، خاصة أنها ستُهَيّأ لتكونَ أمّاً تربّي الأجيال، فكان الخطاب الإلهي عبر النصوص المقدسة مشمولاً بأوامر مباشرِة إلى ضرورة برّ الوالدين بدءاً بالأمّ، حيث جاء في سفر الخروج 20: 12 (أكرم أَباكَ وَأُمكَ لكيْ تطولَ أَيامكَ على الأَرْضِ التي يعطيكَ الرَّبُّ إِلهكَ).


وفي تيطس 4:2 يستخدم الكلمة اليونانية "فيليوتيكونس" وتعني "محبة الأم".

أما الإسلام مسكُ ختام الأديان الإبراهيمية، فقد رفع من قدر وشأن المرأة، ورفض المسَّ بکرامتها واعتبارها الإنساني، فقد أولى أهمية خاصة لمکانتها کأمّ صالحة، حيث حدَّد بأنّ رضاها عن أولادها من بعد رضى الله تعالى، وکما جاء في الآية الکريمة: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلّا إياه وبالوالدين إحساناً).

إن لهذا الاقتران والترادف المعنى العميق الذي يدرکه ويعيه کل ابن أو بنت بارّة بالأم، وإننا وعند التدبر فيما قاله الرسول الأکرم "ص": (الجنة تحت أقدام الأمهات)، أو عندما قال لسائله: من أبرّ؟ فقال (ص): (أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك")، فإن استشفاف واستخلاص الأهمية التي منحها سيدنا محمد "صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم" للأمّ نجده مجسداً في القرآن الکريم، حيث يقول عزّ وجل: (ووصّينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليَّ المصير).


الدور التربوي والأخلاقي والإحساسي والنفسي العميق الذي تؤدّيه الأمّ حيال أطفالها، وما تبذله من جهد وتعب وتضحية وإيثار، يندر أن نجد له مثيلاً على وجه الإطلاق، يفرض نفسه بقوة في أعماق وجدان وضمير کل إنسان، بحيث إن ما تقوم به الأمّ ينعکس ويتجسد، ويتبلور في التکوين الأخلاقي والنفسي والاعتباري لشخصية کل إنسان.

فعلى الرغم من أهمية ومکانة الأمّ لدى مختلف شعوب وأمم العالم، لکن الأهمية الاعتبارية لهذا الدور لدى أتباع الأديان الإبراهيمية، النابعة أساساً من الأهمية التي أولتْها هذه الأديان له، تعتبر مميزة وذات سمات خاصة.

ولهذا فإننا نجد أن تعلّق المؤمنين بأمهاتهم وبرّهم لهن يفوق نظائرهم في الخلق من شتّى الشعوب والأمم.


التفت الشاعر أحمد شوقي إلى أهمية ومکانة الأمّ، وترجم ذلك في بيت شعري معبِّر جدّاً والذي قال فيه: "الأمّ مدرسة إذا أعددتها... أعددت شعباً طيب اﻷعراق"، حيث اشترط الشاعر ضرورة الإعداد لها والتي تنبع أساساً ممّا أکّدته الأديان بشأنها، حيث إن الأمّ فيما لو تسنّى أن يجتمع العطف والحنان والأمومة لديها إلى جانب العلم والمعرفة، فإنها تغدو بحقّ مدرسة لبناء وإعداد الشعوب.

کما أن لنابليون بونابرت أيضًا قول بليغ ومأثور بشأن الأمّ قال فيه: "الأمّ التي تهزّ السرير بيمينها تهزّ العالم بشمالها".

وخلاصة القول، إن مکانة ومنزلة الأمّ في الأديان السماوية تجسّد حقيقة الدور المهمّ والاستثنائي الذي تضطلع به حيال أسرتها ومجتمعها وأمّتها.