‏إظهار الرسائل ذات التسميات آراء وأفكار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات آراء وأفكار. إظهار كافة الرسائل

الحوار الإسلامي المسيحي والحاجة إلى البشارة المريمية

رشيد سعدي – المغرب

أصبحت شخصية مريم العذراء عليها السلام، تُشكل في العقود الأخيرة صلة وصل روحية بين المسيحيين والمسلمين، بل قاعدة دينية للحوار الإسلامي المسيحي. 

لذا، ازداد عدد اللقاءات الحوارية التي تتخذ من السيدة مريم رمزًا روحيًّا ودينيًّا، ونشأت منظمات للحوار الديني على أساس الثقة بقدرة قدسية السيدة مريم على احتضان المؤمنين (المسلمين والمسيحيين).

وجعْلِهم يصنعون قِيمًا حول العيش المشترك أكثرَ صدقيةً وعمقًا، نابعة من فعل البشارة المريمية، أي مِن كشف الله لنفسه وحبِّه لنا.


في لبنان، تَحوَّل عيد بشارة السيّدة مريم (أو الست مريم)، إلى عيد وطني يجمع كل اللبنانيِّين/ات في يوم 25 آذار/مارس من كل عام. وثمة مزارات مريمية في الكثير من البلدان ذات الأغلبية المسلمة، يؤمُّها المسيحيون والمسلمون/ات، ويتوجهون فيها إلى السيدة مريم بصلواتهم راجين شفاعتها. 

في كنيسة "سيدة أفريقيا" في الجزائر العاصمة، التي يأتي لزيارتها الآلاف من الجزائريين المسلمين/ات سنويًّا، نجد صلاة منقوشة على الجدران بثلاث لغات، تقول: "يا سيدة إفريقيا صَلِّي من أجلنا ومن أجل المسلمين".


لا شك أن هناك اختلافات لاهوتية بخصوص السيدة مريم، مرتبطة بنظرة الديانتَين إلى طبيعة السيد المسيح نفسه. لكن، يشترك المسيحيون والمسلمون في الإيمان بقداسة السيدة مريم، وينظرون إليها نظرة إجلال، انطلاقًا من مكانتها المتميزة في القرآن وفي الأناجيل.

 يعتبرها المسيحيون المرأة القدِّيسة الممتلئة نعمة، في حين يعتبرها القرآن أفضل نساء العالمين، اصطفاها الله وطهَّرها. فهي السيدة الوحيدة المذكورة باسمِها فيه، ولها حضور كثيف في النص القرآني والتراث الإسلامي. 


يسميها المتصوفة "أم النور"، ذات "الحمل الشريف"، وهي أيضًا رمز النفس البشرية التي تنتظر ولادة عيسى، لكي ترتقي في الملكوت.

لكني أعتقد للأسف أن العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، لم تستطع بعدُ أن تدمج هذا العمق الديني والروحي للسيدة مريم، لكي يتجاوز الحوار طابعه الشكلي. 


إنْ كنا نتحدث بلاهوت خاص بحوار الأديان، فإني أعتقد أنه يمكن لشخص السيدة مريم -بوصفه مَعبرًا بين الإسلام والمسيحية-، أن يشكل مصدر لاهوت يمكن أن نطلق عليه اسم "لاهوت النعمة الشاملة"، يسعى لتجاوز مجرد الحوار إلى مفهوم الكرامة الإنسانية الجوهرية. 

أيضًا يشترك الإيمان الإسلامي والمسيحي في أن البشارة وولادة يسوع المسيح (أو ولادة عيسى من السيدة مريم)، هي حدث لاهوتي وروحي فريد. لكن السؤال الحقيقي هو: "كيف يمكن لدلالات هذا الحدث أن تُحْدث تحوُّلًا روحيًّا في علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين؟".


بالنسبة إليَّ، فإن البشارة المريمية هي تجسيد لجوهر العلاقة بالله، والتي يمكن أن نسميها شجاعة الإيمان، وشجاعة المرأة التي تلقَّت كلمة الله ورعَتْها في روحها وجسدها. فهي نموذج من الثقة بالله، التي تسمح لنا باستقبال مشيئته وكلمته. 

في حوارها مع الله -بحسب القرآن- خاطبَت مريم الملاكَ جبرائيل متسائلة كيف يكون ذلك: {أَنَّى يكُون لِي غُلَامٌ ولَم يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولمْ أَكُ بَغِيًّا}؛ ما يعني أن الحوار المبني على الحرية -وهو هنا قبول العرض الإلهي- هو أساس الإيمان الحقيقي والشجاع. 


البشارة هي أيضًا تجربة ما يحدث لنا، عندما يَدخل الله في حياتنا عبْر كلمته، ويُعلن اشتياقه إلى الإنسان الذي يستتبع اشتياق الإنسان إلى الله. تنتقل العلاقة بالله إلى علاقتنا بالآخر. لذا، فإنَّ قول المسيح عيسى: "أَحِبُّوا أعداءَكم"، يشكل دعوة أخلاقية للبشرية كلها.

يمكن أن نعتبر أمومة مريم لعيسى أمومة كونية. فكلنا يمكن أن يُولد في النعمة وفي حياة جديدة، إنْ وعَيْنا دلالات حضور الله فينا من خلال كلمته المتجددة. لذا، قد تكون السيدة مريم طريقًا نحو تحوُّل لاهوتي مَركزهُ الإنسان الممتلئ نعمة، أي الممتلئ والمقدَّسة كرامتُه وحريته.


أعتقد أن الحوار الإسلامي المسيحي لا يزال يحتاج إلى شجاعة الإيمان، لِتَجاوُز كل الأفكار التي تُلقي بالآخر إلى مستنقع اللعنات أو التكفير، أو الأفكار التي تَبني الإيمان على قوة الإكراه وليس على الثقة بالله، أو الأفكار التي تجعل من الله كائنًا منحازًا، يمكن أن يبرِّر العنف والمعاناة بدل أن يَحمل البشارة في تشوُّقه إلى الإنسان المحبوب.

تحكي بعض الروايات التاريخية، أن تمثال السيدة مريم استطاع في القرن التاسع عشر أن يخلِّص مدينة وهران الجزائرية من وباء الكوليرا الذي اجتاحها. 


بغض النظر عن مدى صحة هذه المعجزة، يظل المغزى هو أن البشارة المريمية دعوة لكي ندَعَ الله المحبَّ يدخل قلوبنا، فنتخلص من الأوبئة الدينية التي تنخر أرواحنا، وتجعلنا غير قادرين/ات على الحوار الحقيقي مع الآخر، لأننا لا نَرى فيهِ بعدُ الإنسانَ الذي خلقه الله على صورته.

يقول مولانا جلال الدين الرومي: "جِسمنا يشبه مريم العذراء: كل واحد منا يحمل عيسى بداخله. لكن ما لم تَظهر فينا آلام المخاض فإنَّ عِيسانا لا يولد". لذا، أقول: إنه لا حوار بين المؤمنين/ات إنْ هُم لم يولَدوا عِيسويًّا في الله نفسه، عبْر تأمل حياة القدِّيسة مريم، والله أعلم.

رفع الأدعية والصلوات

أشخين ديمرجيان

كان الرسل يطلبون أدعية الناس أي صلواتهم وشفاعتهم  كما جاء في الرسالة الأولى الى تيموتاوس "أسأل قبل كلّ شيء أن يُقام الدعاء والصلاة والابتهال والشكر من أجل جميع الناس... وهذا أمرٌ حسن ومَرضيّ عند الله مخلّصنا.

فإنّه يريد أن يخلص جميع الناس ويبلغوا إلى معرفة الحقّ، لأنّ الله واحد، والوسيط بين الله والناس واحد، أي المسيح يسوع الذي جاد بنفسه فِدًى لجميع الناس" (1 تيموتاوس الفصل 2: 1 وتابع).

ويحثّ القديس بولس جماعة المؤمنين على إقامة الدعاء والصلاة بقوله : "واظبوا على الدُّعاء لجَميع القدّيسين ولي أيضًا ليوهَب لي أن أتكلّم..." (أفسس 6: 18 وتابع). 

"صلّوا من أجلنا، فإنّنا واثقون أنّ ضميرنا صالح، وأنّنا نرغب في أن نُحسن السير في كلّ أمر. أسألكم ذلك بإلحاح لأُرَدّ إليكم في أسرع وقت" (عبرانيين 13: 18).


هل يلبّي الله شفاعة القدّيسين

استجاب الربّ لشفاعة القدّيس بولس وشفى المرضى: "كان والد بوبليوس يلزم الفراش مُصابًا بالحمى ... فدخل إليه بولس وصلّى واضعًا يديه عليه فعافاه. وما إن  حدث ذلك حتى أخذ  سائر المرضى في الجزيرة يأتونه فينالون الشفاء" (أعمال الرسل 28: 8-9).

في سفر أعمال الرسل تصلّي الكنيسة لأجل نجاة بطرس من السجن (12: 5 و12). وتصلّي من أجل  بولس وبرنابا (13: 3) ومن أجل بولس وسيلا (15: 4). 


ويصلّي بولس وبرنابا من أجل الكنائس في أسيا الصغرى (14: 23). ويصلّي بولس من أجل شيوخ الكنيسة (أي الكهنة) في أفسس  (20: 32–36). ويطلب الرسول يعقوب أن يصلّي شيوخ الكنيسة من أجل الأخ المريض (يعقوب 5: 14-18). "وصلاة الإيمان تُخلّص المريض والرب يُعافيه. وإذا كان قد ارتكب بعض الخطايا غُفِرَت له" (يعقوب 5: 15).

ولبّى الله شفاعة القدّيس بطرس وأقام  بقوّته تعالى الفتاة الميتة "طابيثَة". مرضَت طابيثة وماتت... أتى بطرس مسرعًا إلى يافا... أخرج بطرس الناس كلَّهم، وجثا وصلّى، ثمّ التفت الى الجثمان وقال: «طابيثة، قومي! « ففتحت عينيها، فأبصرت بطرس، فجلست. فمدّ يده إليها وأنهضها ، ثمّ دعا الإخوة فأراهم إيّاها حـيّة. فانتشر الخبر في يافا كلّها، فآمن بالرَّبّ خَلقٌ كثير" (أعمال الرسل 9 : 37-42).


عن طريق العهد الجديد من الكتاب المقدّس نعلم أن السيّد المسيح هو الوسيط الوحيد بين الله والناس (1 تيموثاوس 1:2) وأنّه الشفيع الوحيد في غفران الخطايا (1 يوحنّا 1:2). بينما الشفاعة تعني التوسّل بالدّعاء لأجل الآخرين، وشفاعة القدّيسين وصلواتهم من أجلنا. 

طلب شفاعة السيّدة العذراء أو الأولياء الصالحين الآخرين أو الملائكة لا يعني أنّنا نقدّم لهم العبادة - حاشى وكلاّ.. العبادة لا تقدَّم إلا لله سبحانه تعالى. ترفع الكنيسة أدعيتها إلى الله وحده، وتطلب من القدّيسين لقربهم من الله أن يشتركوا معنا في الدعاء إلى الله وأن يدعوا لله من أجلنا.


نقرأ في الكتاب المقدّس كيف استجاب الربّ  لشفاعة مريم العذراء في عرس قانا الجليل (يوحنّا 2: 1 –11). وكانت تلك أوّل شفاعة لها. وقام السيّد المسيح بالمعجزة الأولى حينئذٍ تلبية لرغبة السيّدة مريم العذراء. 

يلحظ المرء هنا أنّ السيّد المسيح تجاوز قوانين الطبيعة إرضاءً لمشيئة والدته الطهور وهي الملكة والأمّ. واهتمّت العذراء مريم بأحوال أبنائها الروحانيين وخصوصًا العروسَين وجميع الأسرة التي كانت في وضع مُحرج.


خاتمة

رفع الأدعية والصلوات لدى العرش الإلهي من أجل القريب أقوى وسيلة نمتلكها لتغيير العالم من حولنا نحو الأفضل والأكمل.  أخيرًا وليس آخر الكلّ شأنًا الشفاعة من أجل القريب دليل على ما نحمله له في قلوبنا من مودّة ومحبّة. "والمحبّة هي الوصيّة الأولى وقمّة الفضائل".

عالم افتراضي بعيد عن الواقع

أشخين ديمرجيان

عالم التكنولوجيا عالم لا يكنّ الاحترام للحقيقة، وهوعالم افتراضي يُبعدنا عن الواقع.  لذلك يعيش معظم الناس هذه الحياة غير الواقعية... وعدا مشاركة محبّي وسائل التواصل الاجتماعي لأحداث الحياة، يتشارك بعضهم بعضًا -على سبيل المثال- صورًا تُظهر بنية أجسامهم بطريقة تتناسب ونماذج اخترعها الإنسان. 

هيئة الإنسان في مقياس معيّن تُعَدّ ممتازة،  بناءً على مقاييس ابتدعتها وسائل الإعلام والأزياء والفن والمحطات الفضائيّة والأفلام والمسلسلات، وهذه المعايير لا ينجح جميع الناس في تطبيقها، وعليه يعاني الإنسان الذي يهتمّ بمثل هذه الأمور، يعاني من القلق حول مظهره.

إنّ احتكار مفهوم الجمال على فئة معيّنة من الناس، تقوم بها صفوة لها مصالح مادّيّة، ينبغي مراجعته وإعادة تعريفه من جديد، ضمن منظور أكثر شموليّة، لأنّ الجمال نسبيّ، تختلف مواصفاته ومقاساته من بلد إلى آخر. 


ويشمل أيضًا جمال الروح: الجمال الداخلي وما يحمله من صفات سامية ومزايا نبيلة مثل التهذيب والاستقامة والسموّ بالروح والإخلاص في العمل والضمير الحيّ ومحبّة العلم والمعرفة والثقافة والسعي لزيادة المعلومات وسعة أفق التفكير وغيرها كثير. وهذه كلّها لا يُروَّج لها في وسائل التواصل الاجتماعي.

في جميع الظروف والأحوال التفكير الإيجابي هو الحلّ. ينبغي أن يفكّر الإنسان بأنّه جيّد ومقبول كما هو، وإذا كان يرغب في تحسين مظهره، فليفعل ذلك من أجل قناعاته الشخصيّة، لا لنيل استحسان الآخرين، أو لأجل إرضاء الآخرين بتجاهل الذات.  


وباختصار كلّ ما في الأمر أنّ مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي ينهمكون في انتظار آراء الناس عن طلّتهم لا عن طلّة الآخرين.

تبقى كلّ المظاهر الخارجيّة سطحيّة. حكيم كلّ مَن يحاول أن ينمّي شخصيّته ويثقّف نفسه ويزداد علمًا ومعرفة. ويتجنّب الغوص في وسائل التكنولوجيا التي تُنسيه نفسه وحياته الأبديّة. وشعاره دومًا تطبيق وصايا الله في حياته كي يؤهّل للخيرات السماويّة.


إنّ مدمن شبكات التواصل الاجتماعية يفتخر بنشر كلّ تحرّكاته على منصّات التواصل الاجتماعيّ: سفر، عطلة أو رحلة، احتفال عائلي، الاشتراك بوليمة، شراء منتج جديد  والقائمة طويلة... 

وهذا التواصل أو ما يُسمّى بالتواصل، بينما يسمح للناس بتبادل خبراتهم في الحياة، لكنّه وللأسف الشديد يخلق أيضًا للغالبيّة العظمى معيارًا كاذبًا يتظاهرون من خلاله أنّ حياتهم جيّدة وعلى ما يُرام، وهي بخلاف ذلك...


حاجتنا الملحّة إلى اللجوء لوسائل الشبكات الاجتماعية كي نبدو وكأنّ حياتنا مليئة بالمغامرات مثل غيرنا، يجعلنا نكبت الانفعالات غير المرغوب فيها، وهذه العادة تجلب معها في كثير من الحالات التوترات والمشاكل النفسيّة، تؤدّي بنا إلى الشعور بفقدان هويّتنا، ممّا يغمرنا في النهاية بفيض من مشاعر صعبة للغاية مثل "القلق" أو الغضب أو انعدام الأمان. 

وتُعدّ الحاجة للأمان أحدى المقومات بل وأهمّها للحياة الإنسانية، وتتجلى أهميتها كما صنّفها علم النفس: في الأمن المعنوي والنفسي، الأمن الصحي، أمن الممتلكات الشخصية، والسلامة الجسدية من العنف والاعتداء. 


ويتمثّل الأمان في توفير الحقوق الخاصة بالأفراد والمواطنين على جميع الأصعدة والمجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.


خاتمة

للأسف الشديد نعيش اليوم -ولشدّة تعلّقنا بوسائل التواصل الاجتماعي وتصديقنا لكلّ خبر، من غير لجوء إلى مصادر ومعلومات علمية- نعيش الخوف والقلق والرعب يغزو القلوب، ونعيش حياة اختلّ فيها الاستقرار، ونبحث عن الطمأنينة والراحة والعيش الكريم بسلام.

 زمننا هو زمن الرجوع إلى الله خالقنا: "الساكن في ستر العليّ، يبيت في ظلّ القدير" (سفر المزامير 91: 1). لذلك من المستحسن أن نحافظ على خصوصياتنا ونعيش حياتنا حسب ظروفنا المالية وقناعاتنا الشخصية.

شوق واشتياق إلى الماضي

أشخين ديمرجيان - القدس

أعلن الفاتيكان أنّ قداسة البابا فرنسيس يتعافى بشكل جيّد بعد خضوعه لجراحة في القولون قبل عدّة أيام. ونقل بيان صادر من دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي تأثّر قداسته بما تَلَقّى من رسائل تعبّرعن المحبّة خلال هذه الأيام، وشكر جميع الذين رفعوا الصلوات على نيّته. مع أدعيتنا لشفاء قداسته .

كلّ الظروف في هذه الأيام تجعلنا نحنّ إلى زمن الماضي الجميل... والحنين إلى الماضي هو جزء لا يتجزّأ من خبرات الإنسان ومشاعره. "يوهانس هوفر" هو أوّل من استخدم كلمة "nostalgia" سنة 1688. كان طالبًا في كلّيّة الطب السويسرية في جامعة بازل. 

لاحظ هوفر تعرّض الجنود السويسريين العاملين في الخارج لنوبات من الحنين، مع فقدان الشهيّة، والأرق وخفقان القلب. وأصبح الحنين أمرًا خطيرًا يؤدّي إلى الوفاة مرارًا وتكرارا. 

وكان أنجع علاج لمرضى الحنين إلى الوطن إعادتهم إلى بلادهم. والحنين nostalgia" لفظة مشتقّة من اللغة اليونانية تتكوّن من كلمتين "Nostos" أي العودة إلى الوطن و"Algos" أي الألم.


ونشعر بالحنين لدى استماعنا إلى أغانٍ قديمة تسحر الألباب، أو نشاهد صورًا لأفراد العائلة والأصدقاء، أو عندما نزور أماكن ما ارتدناها منذ سنوات عديدة. 

في الماضي كان الحنين يُعَدّ مرضًا لدى علماء النفس، واليوم يُقال أنّ آثاره مفيدة على عقل الإنسان وجسمه. نعم في الماضي كان يُعتقد أنّ الحنين "مرض عصبي يعود إلى أسباب شيطانية"، ولكنّه اتضح للعلماء فيما بعد، كما أثبتت دراسات وأبحاث كثيرة في علم النفس وعلوم أخرى أنّ: "الحنين إلى الماضي جيّد للدماغ". ولا نريد الخوض في هذا الموضوع لضيق المجال.

الحنين يعني الحنين إلى الماضي للغالبية العظمى من الناس، بمزيج من الذكريات السعيدة ويشوبها شعور بالفقدان أو الخسارة. ويتفاوت شعور الناس بالحنين، فمنهم من يعود  بالذكريات إلى  الماضي مرّة واحدة في الأسبوع، وغيرهم ثلاث أو أربع مرّات أسبوعيًا. 


يقول العالم النفسي "سيديكيد" أنّ الحنين يصدّ الشعور بالوحدة والملل والقلق. وهو كلام منطقيّ واضح لأنّ ذكريات الحنين تكون غالبًا إيجابيّة عن الذكريات مع الأصدقاء والعائلة. 

وهذه الذكريات تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء. ويقلّ الاحساس بالقلق لدى الإنسان عندما تزيد نسبة التفاؤل والإيمان اللذَين يتولّدان لديه بفضل الحنين.

الحنين بما فيه من شوق واشتياق إلى الماضي، يحمل معه الحلاوة والمرارة في آنٍ واحد. ويشعر الإنسان بالحنين إلى أيام الطفولة، وإلى رفيق الصّبا أو لقريبه المغترب.  


في قلب المشرّد واللاجىء والمهاجر الفلسطيني مثلاً حنين وحزن وشوق إلى الفردوس الفلسطينيّ المفقود والبيت المهدوم والأرض المصادرة والزّيتون المقتلع والكرمة المنزوعة من جذورها والقرى التي اختفت والمدن التي ما بقي منها إلاّ شجيرات الصّبر! وعند المغترب حنين إلى الوطن والشوق الممزوج بالكآبة التي تأخذ النفس بسبب البعد عن الوطن. 

كآبة تحدثها الحسرة على ما فات وابتعد. وفي معجم الأصوات "الحنين"هو صوت المشتاق وصوت الأمّ الى ولدها وصوت الذي في فؤاده نزعة ألم.هو صوت الريح والنسيم الرقيق وصوت العود عند النقر عليه. ويقال حنّت الناقة : أي مدَّت صوتها شوقًا إلى ولدها.


للحنين حدود

معروف في الشّعر الجاهليّ البكاء على الأطلال: " قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل..." ويبدو أنّ المبالغة في الحنين إلى الماضي قد يؤدّي إلى الاكتئاب، وفي الاعتدال، يبدو الحنين مفيدًا. 

ولعلّ الأكثر غموضًا من أي شيء  آخر أنّ الحنين يجعل الناس يشعرون بنسبة أعلى من الدفء الجسدي. لقد أجرى علماء النفس تجارب عديدة حيث أفاد المشاركون أنّهم يتمتّعون بدفء أكبر بعد الاستماع إلى موسيقى من الزمن الماضي. 

لذا، حينما نشعر بالوحدة أو البرد ونستمع إلى موسيقى أو أغان تعود بنا إلى الماضي،  يتحسّن وضعنا . والتفكير في الماضي السّعيد يجلب للمستمع أفكارًا إيجابيّة، قد يساعده في التغلّب على حالات غير سارّة وأيضًا على التخلّص من مشاعر سلبيّة يحملها لإنسان ما.


 وعلى سبيل المثال إذا كان الجو متوتّرًا (مكهرب) في البيت بين الزوج وزوجته، فالرجوع إلى الأيام الجميلة الماضية قد تزيل هذا التوتّر بينهما.

التفكير في الأحداث اللطيفة من الزمن الماضي يحسّن مزاجنا الحالي، ولذلك هو أمر جيّد لنا. ويساعدنا أيضًا للتفكير في المستقبل بشكل إيجابي (أي التفكير بمستقبل جميل). 

ولكن ينبغي أن نُدرك أنّه علينا أن نعيش معظم الوقت في الواقع وفي الحاضر، لأنّ العودة إلى الماضي تجعلنا نلفّ حول أنفسنا ونبقى "مكانك قف" لا نفيد المجتمع ولا نستفيد. 


ومن نقائص شعوبنا الشّرقيّة فرط في العواطف وتركيز على الماضي العريق المجيد، من غير استخلاص العِبَر منه ومن غير أخذ الحاضر في الحسبان ولا التّطلّع إلى المستقبل.


خاتمة

ليكن التخطيط لمستقبل أفضل حلم الإنسان بدل فتح الدفاتر القديمة باستمرار خاصة الملفّات السلبيّة المريرة التي يجب أن تكون في سراديب النسيان. 

ليكن الحنين إلى دفء البيت والأسرة هو الحافز الوحيد الذي يجعلنا نغوص في خضمّ  التجارب والمخاطر بشجاعة. وقد ورد في الرّسالة اإلى أهل روما (15: 4) حول أحداث الخلاص والكتابات المقدّسة: "إنّ كل ما كُتب من قبل إنّما كُتب لتعليمنا حتّى نحصل على الرّجاء، بفضل ما تأتي به الكتب المقدّسة من ثبات وتشديد".


وفي هذه المناسبة نحيّي فريق المهندسين الفلسطينيين الحاصلين على درجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة بيرزيت، في الضفة الغربية، الذين فازوا بالمركز الأوّل في مسابقة دولية لتصميم وإعادة إعمار مرفأ بيروت المدمّر في لبنان. وحصل فريق روسي على المركز الثاني، وآخر إيطالي بالمركز الثالث.

هل يمكن للديمقراطية أن تتحول إلى طغيان الأغلبية؟

إقبال الغربي -  تونس - تعدديّة

صدَّق البرلمانُ التونسي قبل أسابيع بكل ديمقراطية على تنقيحاتٍ حول إرساء المحكمة الدستورية -وهي أرقى مؤسسة في الجمهورية-، التي تنظر بطبيعتها في دستورية القوانين، حيث استُبعد من خلالها مبدأ أساسي، وهو مبدأ التناصف أو المساواة بين الذكور والإناث. 

وفي نفس الأسبوع، لوَّح رئيس بلدية ضاحية الكرم (المنتخَب بطريقة ديمقراطية) بمنع المِثليِّين من دخول منطقته. وفي السنة الماضية، قرر سكان بعض المدن -بكل عنصرية- منع دفن ضحايا جائحة الكورونا في المقابر العامة خوفًا من العدوى.

والغريب أن مثل هذه القرارات جرى اتخاذها بكل شفافية وحسب مبدأ الأغلبية، وهو ما يولِّد شعورًا بهشاشة الديمقراطية الناشئة في أوطاننا، وبإمكانية تَحوُّلها إلى استبداد ناعم قائم على الوصم والإقصاء، خاصة في مجتمعات لا تزال غير مستوعِبة للفرْدَنة والتفرد، وغير قادرة على القطع مع ثقافة تمييزية نشأت عليها واستبطنَتها.


نحن نعرف أن الديمقراطية تَعني -تعريفًا- سيادةَ الشعب، التي لا يمكن بالأساس أن تكون إلا مباشرة. لكن التاريخ حسم هذه المفارقات لمصلحة الديمقراطية التمثيلية. 

والهدف من هذه المنظومة هو حل النزاعات وإدارة المصالح توافُقيًّا، والتداول على السلطة سلميًّا، عبْر الانتخابات التي تُفرز أغلبية وأقلية، مع العلم أن أقلية اليوم قد تكون أغلبية الغد. 


ويَجدر بالملاحظة هنا أن الانتخابات هي مجرد إجراء تِقْني، وليست قيمة في حد ذاتها. لماذا؟ لأن التاريخ علَّمَنا أن الانتخابات بوصفها إجراءً ديمقراطيًّا، قد أفرزَت نقيض الديمقراطية، وخيْر دليل على ذلك صعود هتلر إلى السلطة. ولذلك، لا بد من إيجاد محاذير للديمقراطية حتى لا تتحول إلى فاشية، أو تنزلق إلى ما سمَّاه "توكفيل" و"جون لوك" و"جون ستيوارت ميل": "طغيان الأغلبية".

وهذا يعني أن الديمقراطية لا يمكن أن تكون مجرد وسيلة أو أداة للوصول إلى الحكم، ولا يمكن أن تكون شكلية. فمضمونها الفلسفي والأخلاقي تَحرُّري بامتياز، وهو قائم على معيارية الإنسان وسلطان العقل والحقوق الطبيعية للفرد. 


ومِن ثَمّ، فالانخراط في المنطق الديمقراطي يترتب عليه العديد من الالتزامات القانونية والأخلاقية. ثم إنه لا يمكن اختزال الديمقراطية في عملية الاقتراع العام، إذ إنها تُجسِّد قيمًا إنسانية راقية، مثل: قبول وجود الآخر المختلف‏،‏ ونسبية الحقيقة،‏ واحترام الأغلبية للأقلية، وقبول الأقلية لحكم الأغلبية‏، والسماح بحريات الاعتقاد والتعبير والاختلاف‏.‏

في عالمنا هذا، لا يمكن مثلًا للفريق الغالب أن يستعمل نفوذه لانتهاك حقوق المواطنين/ات، أو أن يتخذ قرارًا يُلغي الانتخابات، أو أن يُحرِّم الإضرابات العمالية، أو أن يَسنّ قوانين شاذة تَقهر الأقليات الإثنية أو الدينية وتنتهك منظومة حقوق الإنسان الكونية. 


لماذا؟ لأن لِسيادة الإرادة العامة حدودًا وخطوطًا حُمْرًا، تتمثل بحقوق الإنسان المؤسَّسة أخلاقيًّا. وهنا، يكمن التماسك الداخلي بين السيادة الشعبية من جهة، وحقوق الإنسان من جهة أخرى، لأن ذلك هو الأمر الذي سيَنتج منه بِناء العَقد الاجتماعي السليم والدائم.

مِن الواضح أن الديمقراطية تَضمن التعبير عن الإرادة الشعبية من خلال حكم الأغلبية. لكن من الواضح أيضًا، أنها يجب أن تَضمن أن الغالبية لن تسعى إلى التمكين، ولن تَستخدم قوَّتها ونفوذها وسيطرتها على دواليب الدولة ومفاصلها لانتهاك الحقوق الأساسية للأقلية.


 لذلك، يجب أن تَملك الأقلية (أي القوى السياسية التي ليست في الحكومة) الحقَّ في السعي لتصبح أغلبية، وأن تمتلك جميع الحقوق اللازمة للتنافس في الانتخابات، مثل حياد الإدارة والأمن والجيش، وأيضًا حق التعبير والتجمع والتنظيم.

إذًا، الديمقراطية وحقوق الإنسان، هما متلازمتان كوجه الورقة وقفاها، بل إن احترام هذه المبادئ والأخلاقيات والحقوق هو الذي يعطي الديمقراطية شرعيتها النهائية، ويحمي في نفس الوقت سيادة الشعب من الانزلاق في طغيان الأغلبية. 


وبتعبير آخر: إن حقوق الإنسان يُفترض فيها أن تكون بمنزلة سدٍّ شرعي، يحُول دون دَوس الإرادة العامة ذات السيادة لفضاء الحريات الفردية -على حد تعبير الفيلسوف الألماني "هابرماس"-.

فالديمقراطية هي أساسًا ضمان حقوق الأقليات العِرقية والدينية والسياسية، التي من حقها تجسيد قناعاتها، والمجاهَرة بها بكل حرية واستقلالية دون أن تخدش مشاعر الأغلبية، ودون أن تكون عُرضة لأيِّ حساب أو عقاب أو إقصاء.

العملة النادرة في أيّامنا

أشخين ديمرجيان

إنّ أواصر الصداقة الحقّة تزداد متانة وعمقًا مع مرور الأيام والسنين. وبينما تُشكّل الأسرة جزءًا لا يتجزّأ من حياتنا، إلاّ أنّ للصداقة نظامًا معيّنًا في الدعم والمساندة يختلف عمّا هو متّبع في الأسرة.

ويُقال: "لستَ حرًّا في اختيار أسرتك لكنك تتمتّع بالحرّيّة في اختيار أصدقائك". واختيارنا لأصدقائنا بحكمة يجعلنا أكثر استقرارًا وسعادة ... كما أنّه يُخبر عنّا وعنهم الكثير: "قُل لي مَن تعاشر أقُلْ لك مَن أنت". و"الطيور على أشكالها تقع". 

قد تختار الأصدقاء استنادًا إلى مصالح مماثلة. وقد تنتقي منهم مَن هو على طرفَي نقيض معك، وهذا الاختيار مثير للاهتمام. أو أنّ تشابُه الاتّجاهات والأمزجة يؤدّي إلى علاقة التفاعل أو التجاذب المتبادل. وفي بعض الأحيان الظروف ومحض الصدفة هي التي تجمع بين اثنين أو أكثر. ومن ثَمّ يتطوّر التعارف إلى صداقة.

هناك مقولة في أساطير العرب أنّ المستحيلات ثلاث: الغول والعنقاء والخلّ الوفيّ. لكن في رأيي المتواضع الدنيا بخير والصديق وفيّ العهد موجود، وهو "أخٌ لك لم تلده أمّك" إنّما أضحى عملة نادرة لذلك يُعَدّ كنزًا نفيسًا غالي الثمن.


فعلاً لقد أصبحنا نعيش في زمن تشحّ فيه الصداقة الحقيقيّة في زمن المصالح وانعدام الوفاء والودّ. وما أحوجنا للعودة إلى زمن الإخلاص من غير زيف في الصداقة وسائر العلاقات التي تربط الإنسان بكلّ مَن حوله من أهل وأقارب وأصدقاء وزملاء الخ .

ما أحلى الرجوع إلى الزمن الجميل الذي يُشارك فيه الصديق صديقه الأفراح والأتراح والمشاكل والهموم والآلام والآمال. "الصديق وقت الضيق" عندما تقع الواقعة الكبرى حينئذٍ بإمكاننا أن نميّز ما بين الصديق الصدوق وذاك المزيّف.

أيًّا كان الدافع إلى بناء الصداقة الجيّدة، التجربة بحدّ ذاتها مُجزية جداً. خاصةً عندما تتحوّل إلى صداقة وثيقة فريدة من نوعها مدى الحياة. رابطة الصداقة تربط الإنسان عادة بصديق حميم أو اثنين في حياته.


أولئك هم الأفراد الذين يثق بهم ويبادلهم الأفكار العميقة والهموم والمخاوف والأحلام والطموحات، بصراحة ووضوح مثل كتاب مفتوح. وهذا لا يعني أنّ الفرد لا يُقيم صداقات عمل أو أنشطة مع غيرهما على أساس منتظم أو شبه منتظم. 

كلّ ما في الأمر أنّ مستوى الصداقة مع الآخرين ونوعيّتها يختلفان. فهم زملاءه في العمل أو من ذوي القربى، أو شركاؤه في الأنشطة الرياضيّة أو الثقافيّة أو معارفه في المجالات الدينيّة أو السياسيّة أو الفنّيّة، يستمتعون بصحبة بعضهم البعض. 

يدعمون بعضهم في الإنجازات ، فضلاً عن الدعم المعنوي في الهزائم. كلّ هؤلاء الأصدقاء يحتلّون مكانة خاصة في حياة الإنسان. ويكوّنون  جوانب رئيسيّة في المجموعة التي تمنحه روح الأمل والانتماء. كما أنّ تخصيص الوقت للبقاء في صحبتهم يعني أنّهم يكوّنون جزءًا حيويًّا من حياته.


أصغيتُ إلى صديقتي الغالية بقلبي وعقلي وكياني. ها قد أصبحَت عرضة للقلق والعزلة الاجتماعيّة والاكتئاب وتفتقر إلى القوّة والثقة... غصتُ في بحر من الأفكار لدى استماعي إلى تجربتها في الحياة وهي على حق في كلّ استنتاجاتها. 

وراقني ما تتحلّى به من تناسق في الأفكار وترابط... ومن إيجابيّة والرغبة للتخلّص من كلّ ماهو مضرّ لصحّتها النفسيّة والجسديّة.

وحينما تبادلنا الحديث بخصوص وسائل التواصل الاجتماعي، والحديث ذو شجون، كان ردّي لها كالآتي:  لم ولن يتمّ استبدال الصداقات أو العلاقات العائلية والاجتماعية بالروبوتات والذكاء الاصطناعيّ وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي الدارجة في أيامنا العصيبة. 

"الصداقة هي الأسمى في علاقات البشرمع بعضهم البعض" على رأي الاديب اللبنانيّ الكبير جبران خليل جبران بعبقريّته الفذّة، في معرض حديثة عن الصداقة في كتابه الشهير "النبي".


خاتمة

يُشير الكتاب المقدّس إلى الصداقة في كثير من الآيات: "المحبّة تتأنّى وترفق، المحبّة لا تحسد ولا تتباهى ولا تنتفخ ولا تأتي قباحة ولا تلتمس ما هو لها ولا تحتدّ ولا تظنّ السّوء ولا تفرح بالظّلم بل تفرح بالحقّ" (قورنثوس الأولى 13: 4-6). 

أجمل الآيات وأعظمها: "ليس لأحد حبّ أعظم من أن يبذل نفسه في سبيل أحبّائه" (يوحنّا 15: 13)، لأنّها روحانيّة غير مبنيّة على المنفعة بل على أسس متينة من المحبّة والعطاء ونبل الأخلاق.

ثالوث المقترحات للقاء بطاركة الشرق مع البابا: صمود... نهوض... إشعاع

المحامي ربيع الشاعر - لبنان - نداء الوطن

يقول أرسطو: "على الكائن السياسي أن يمتلك بعض المعرفة بكل ما هو مرتبط بالروح". والروح في بلد مثل لبنان ترتبط ارتباطاً عضوياً بالديانات السماوية أي بالله، لذا جمع الدستور اللبناني بطريقة غريبة بين مبدأي حرية الاعتقاد المطلقة المنصوص عليها في المادة (9) وواجب تأدية الدولة لفروض الإجلال لله تعالى وكأنها كائن بشري تسري عليه طقوس الطوائف والمؤمنين.

من هذا المنطلق لعبت المرجعيات الروحية للطوائف اللبنانية دوراً في تذكير الدولة بفروضها تجاههم وتجاه الله تكريساً لجدلية أرسطو والتي تفترض أيضاً على "الكائن الروحي" أن يمتلك بعض المعرفة بكل ما هو مرتبط بالسياسة!

ولأن الدولة في لبنان أفلست أخلاقياً قبل أن تفلس مادياً، ولأن ذلك له الأثر الكبير على توازن وتنوّع لبنان الثقافي حيث الانتماء الطائفي يتجه الى أن يصبح وراثيّاً أكثر منه إيمانيّاً - منطقيّاً، دعى قداسة البابا فرنسيس، الراهب اليسوعي الإصلاحي والمدافع عن الفقراء والبساطة والسلام، ممثلي الطوائف المسيحية الى لقاء معه في دولة الفاتيكان حول الوجود المسيحي في لبنان.

ولبنان اليوم هو في زمن شبيه بزمن قيام السلطنة العثمانية سنة 1516 حيث سعى العثمانيون الى القضاء على كل الموروث الثقافي للعرب واللبنانيين. 


وقد واجه المسيحيون الهيمنة العثمانية بالعلم والوعي وأنشأت لهم روما سنة 1584 المدرسة المارونية واستحقوا اللقب الذي أطلق عليهم في القرن السادس عشر: "عالم كماروني". 

وواصل الموارنة نهضتهم الثقافية بمساعدة موفدي الكرسي الرسولي الى لبنان وصولاً الى "المجمع اللبناني" الذي انعقد سنة 1736 وسبق الثورة الفرنسية في حداثته حيث أمر بالتعليم الالزامي والمجاني للأحداث والبنات وبأن تدفع الكنيسة جزءاً من "أجرة" المعلمين.

هذا الشغف بالعلم والثقافة أدى الى لعب الموارنة والمسيحيين دوراً أساسياً في النهضة العربية بل وانقاذ اللغة العربية مروراً بالمساهمة في الإشعاع الحضاري من خلال تطوير الاعلام والمسرح والأدب والرواية وصولاً الى قيام لبنان الكبير.


أربعمئة عام احتاج المسيحيون لكسر الاحتلال التركي تحت مسمى الخلافة، فهل لدى المسيحيين اليوم ترف الوقت لتحرير لبنان من احتلالاته؟ بالطبع لا! من هنا الانتظارات من لقاء بطاركة الطوائف المسيحية اللبنانية مع قداسة الحبر الأعظم كبيرة وهي تفترض منهم بلورة خطة من ثلاثة محاور هذه أعمدتها:


1. مرحلة الصمود

هذه مرحلة انتفاضة الكنيسة على ذاتها، فكما يقول القديس نعمة الله الحرديني: "الشاطر يخلص حالو". فالمطلوب من الكنيسة ومن أحبارها قبل الصلاة وقبل إدانة السلطة السياسية، مطلوب منهم ثورة على الذات كي يزيلوا عنهم شبهة الفساد وأن يعودوا الى بساطة إيمان الأجداد لا إيمان الفريسيين لأنه كما يقول القرآن الكريم: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ]الرعد:11[. 

فالكنيسة عامة بدأت بنفض غبار التكتم عن ممارسات بعض مسؤوليها التي تتعارض مع تعاليم المسيح وآن الأوان للكنيسة اللبنانية والمشرقية أن تسقط من حساباتها قاعدة الصمت "أومرتا" وتعمل على إعادة ثقة أبنائها بها لا على أساس ديني دوغماتي بل على أساس إيماني وطريقة عيش المحبة والعطاء اللذين هما أساس الحياة المسيحية.

كما على الكنيسة أن تطبق توصياتها لا سيما توصيات المجمع البطريركي الماروني لعام 2006 التي نصت وبوضوح على ضرورة الاستثمار في الأوقاف لتأمين السكن للشباب والعائلات الأكثر عوزاً من خلال بناء وحدات سكنية صغيرة وبيئية وتأجيرها من الفئات المهمشة ولمدد زمنية معينة تأميناً لمقومات بقائهم في لبنان وصمودهم بوجه الانهيار الاقتصادي. 


الى جانب الخطة العمرانية-السكنية يجب التفكير بكيفية تأمين الأمن الزراعي والغذائي لهذه العائلات وخلق فرص عمل تتناسب مع احتياجات السوق لا سيما في ظل تدهور الليرة اللبنانية وقابلية لبنان على المنافسة مع الأسواق الخارجية.

بالطبع ليس المطلوب من "الكنيسة" أو "رجال الدين" أن يحلوا محل الدولة وخدماتها ولكن عليهم بما لهم من حضور اجتماعي ومؤسساتي أن يضعوا استراتيجية ذكية وفعالة لشبك البلدات مع بعضها البعض في إطار لامركزي حقيقي كما وشبكها مع الاغتراب والشركات الأجنبية وبناء توأمة بين الرعايا بما يسمح بتبادل الخبرات والتعاضد والمقاومة على الحفاظ على أدنى درجات الكرامة الانسانية التي بدونها لا قيمة لأي دين.

هذا يمرّ أيضاً من خلال إعطاء قطاع التعليم الأولوية على باقي القطاعات تماماً كما جاء في آخر تقرير للبنك الدولي والذي اعتبر فيه أن التعليم في خطر ويجب إعطاء الأولوية للإرتقاء بجودة التعليم للجميع تماماً كما فعل اللبنانيون والمسيحيون أيام الاحتلال العثماني كشرط أساسي "للتأسيس لمستقبل أفضل". 


وهذا يمر حتماً عبر الاستثمار في الحضانات ونوعية التعليم فيها والحفاظ على الأساتذة وتطوير مهاراتهم وتغيير مفهوم التعليم والمدارس لا سيما في مجالات ثلاثة ضرورية لصناعة أجيال متحررة فكرياً وقابلة على التأقلم مع تحديات العصر التكنولوجي من خلال الاستثمار في الرياضيات وتطويرها وعلم الفلسفة واللغات.


2. مرحلة النهوض

يقول الفيلسوف الإلماني هيغل في كتابه (the Phenomenology of Spirit) أن "التاريخ مدفوع بصراع الأشخاص باعتراف الآخرين بذاتيتهم" (history was driven by a struggle for recognition). 

ففي محاضرة له بعنوان "لبنان الكبير وفلسفة تآلف الاختلاف" بتاريخ 22 حزيران 2021 استشهد الفيلسوف اللبناني البروفسور الأب جورج حبيقة أمام المؤسسة البطريركية المارونية العالمية للإنماء الشامل بالفيلسوف الكندي وعالم السياسة شارلز تيلور Charles Taylor وكتابه (Multiculturalism and “The Politics of Recognition”). 

وقد قصد بذلك ضرورة التمثيل النيابي على أساس طائفي ضمانة للتعددية والتنوع والفروقات في المجتمعات البشرية، تماماً كما جاء في رسالة البطريرك الحويك والأساقفة الموارنة الى المفوض السامي هنري دي جوفنيل في 8 كانون الثاني 1926، والتي أكدت على أن "الانتخاب على قاعدة الطائفية يمثل هذه الطوائف على نسبة معينة في ذلك المجلس، فتتعارف وتتآلف ويضحي كل منها بشيء من مطلبه بحكم الأخذ والعطاء، ويؤدي ذلك تدريجياً الى الامتزاج وتوحيد السياسة...".


ويقول المفكر والفيلسوف الأميركي من أصول يابانية فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama في كتابه (Identity: Contemporary Identity Politics and the Struggle for Recognition) أن هذا الصراع على الاعتراف بخصوصية الكائن البشري والجماعات على أنواعها ينقسم الى نوعين Isothymia وهو الحاجة بأن يكون الشخص محترماً على قدر المساواة مع الأشخاص الآخرين وMegalothymia وهو الرغبة بأن يتم الإعتراف بفوقية الشخص أو المجموعة على سائر الأشخاص والمجموعات تماماً كما هو الحال مع الطوائف اللبنانية التي لا تسعى في صراعها مع الطوائف الأخرى الى المساواة بل الى التفوق عليها وممارسة عنصرية مقنعة تضع هذه الطائفة بمقام متقدم على الأخريات بحجة الدفاع عن حقوق الطائفة وصلاحياتها.

وقد أفرزت هذه الحالات المرضية ديكتاتوريات داخل كل طائفة تحتكر التمثيل السياسي بقوة الدم والمال والتجييش الطائفي وتلغي أي إمكانية للركون للعقل والحكمة كما تلغي أي مساواة بين حقوق الفرد وحقوق الطائفة والمتنفذين داخل تلك الطائفة. 

حتى أصبح "ديكتاتور" كل طائفة يتعاطى مع سائر الطوائف بمنطق العزل والتهديد والتهميش ويميّز أبناء طائفته لا سيما أتباعه عن سائر المواطنين ويخصهم بالوظائف وصرف النفوذ وتوزيع الغنائم. 


كما يدعي هؤلاء "الزعماء" حماية "مصالح الطائفة" فتخال أن لديهم توكيل من الله يواجهون به تهديد الطوائف الأخرى لوجود طائفتهم وهويتها، بينما في الواقع يساهم هؤلاء الزعماء واتباعهم في تشويه صورة الله وتحجيمها بما يخدم غرائزهم المحدودة التي تدفعهم الى التحريض على العنف والعنصرية والكراهية. 

من هنا، على رجال الدين لا سيما المسيحيين منهم تحرير الهيكل من التجار ليتحرر المسيحيون واللبنانيون ويتساوون أمام القانون بالحقوق والواجبات.

من هنا أيضاً الدعوة الى السادة البطاركة المجتمعين في روما الى إجراء إحصاءات دقيقة حول نظرة اللبنانيين والمسيحيين الى الله والدين ورجال الدين ونظرتهم الى الطوائف والأحزاب والوطن ليبنوا على أساسه استراتيجيتهم التبشيرية والإنقاذية. 


فلا يمكن أن ينهض لبنان من دون صحوة الضمير هذه. فأي حياد نرجو في ظل عدم إيمان اللبنانيين في وطنهم. وأي لامركزية في ظل المنطق العائلي والقبلي؟ وأي قضاء وعدالة في ظل الاستقواء على القانون ومحاباة القوي؟ وأي حريات في ظل أحوال شخصية قمعية تلغي في بعض الأحيان الكرامة الإنسانية؟ وأي ضرائب عادلة وإنماء متوازن في ظل ثقافة السرقات والتباهي بالسارق؟ وأي ديمقراطية تمثيلية في ظل اندماج السلطات الثلاث في حفنة من الأشخاص لا تتعد عدد الأصابع تحظى ببركات الهية؟

نحن قادمون على عقد اجتماعي جديد شئنا أم أبينا، ستتم محاولة فرضه علينا من خلال فراغ دستوري بدأت تتكون ملامحه وفوضى أمنية أبطالها معروفون.

على الكنيسة بشكل عام والكنيسة المارونية بشكل خاص أن تكون مهيأة لأن تدعم قيام عقد اجتماعي عادل بين اللبنانيين لا يكون لصالح طائفة على بقية الطوائف. 


من هنا، هذه الكنيسة مدعوة الى موقف تاريخي وشجاع تكسر فيه حلقة الـMegalothymia على الأقل بين الطوائف المسيحية من خلال القبول بالمساواة بين كافة الطوائف المسيحية وأبنائها لتبوؤ المناصب المخصصة للمسيحيين في الدولة كمرحلة أولية للمساواة بين جميع اللبنانيين وقيام دولة المواطنة لا دولة الطوائف.

لماذا لا يكون رئيس الجمهورية المقبل ارثوذكسيا أو كاثوليكياً إذا كان يتمتع بمواصفات قيادية جامعة ومعترف بها لا يتمتع بها أي ماروني آخر مرشح لهذا المنصب؟ إن الدعوة للمساواة بين جميع أبناء الطوائف المسيحية هي الدليل على تقديم مبدأ الخدمة العامة والكفاءة على سائر الانتماءات الطائفية. 

وإذا كان إلغاء الطائفية السياسية بين جميع الطوائف بحاجة الى خطة وطنية نصت عليها المادة (95) من الدستور ولم تتبلور بعد، فما الذي يمنع أن يبادر المسيحيين الى القبول بمساواة جميع أبناء طوائفهم أمام الدستور والقانون؟ سيخلق ذلك ديناميكية وتعاضد داخل المجتمع المسيحي ويحد من هجرة أبنائه الذين يشعرون بالغبن والتهميش ويدفع سائر الطوائف الى أن تخطو خطوة مماثلة نحو تقديم حقوق الأشخاص على حقوق الطوائف وإلغاء الزعامات الطائفية والخطاب الطائفي والتفكير الطائفي والمداورة في كافة المناصب الأساسية على قدم المساواة بعد السعي الى تقديم الضمانات الدستورية اللازمة التي تمنع سيطرة طائفة أو عدة طوائف على الطوائف الأخرى والتي لا يجب أن يخجل الآباء البطاركة من الإشارة اليها اليوم وقبل أي وقت آخر.


إن الدعوة الى عقد اجتماعي جديد بين اللبنانيين يجب أن يضمن أيضاً قيام أحزاب مدنية غير دينية وغير مرتهنة للخارج وأن تكون الحريات والحقوق والواجبات مقدسة ومضمونة للجميع على أساس الشراكة الإيجابية والثقة في إدارة التنوع بسلام ووعي.

وكي لا تنزلق الكنيسة في دهاليز السياسة الوعرة عليها أن تطلق محركات دبلوماسيتها من روسيا الى أميركا مروراً بأوروبا والدول العربية والقوى الإقليمية المؤثرة في موازين الاستقرار الداخلي لألف سبب وسبب فيكون لها مواقف مشرفة من موضوع اللاجئين وترسيم الحدود والقضية الفلسطينية واتفاقية الهدنة والعمق العربي والانفتاح على الحضارة الأممية وضمان حياد إيجابي للدولة اللبنانية تجاه جميع هذه المسائل الشائكة والمتفجرة مما يساهم في الدفاع عن القضايا الإنسانية والوطنية المحقة وتحصين سيادة لبنان وسلامة أبنائه.

لا يمكن أن تنكر الكنيسة المجتمعة في روما هذا الشق الأساسي في استمرار لبنان "وطن الرسالة" من خلال بناء الإنسان وإعادة تفسير مفهوم الله وهي التي كانت الرائدة في احترام خصوصية الكائن البشري لا سيما مع مطلق عصر الاصلاح في أوروبا مارثن لوثر وانبعاث البروتستانتية ولاهوت التحرير وفي ظل وجود البابا الحالي الذي كما وصفته الصحافة الإيطالية "ثورة في تاريخ الكنيسة" وهو القائل بأن الكنيسة "ليست ذات رسالة محصورة فقط بمؤمني شعب الله، بل تتجه الى جميع العالم في بشارة جديدة". 


كما يجب أن تضع الكنيسة سقوف مطالبها بشجاعة ومسؤولية تسهيلاً لسائر الطوائف كي تحذو حذوها كشرط أساسي لنهوض لبنان واستقراره الاقتصادي والأمني ضمن فترة العشر سنوات القادمة.


3. مرحلة الإشعاع

أما المرحلة الثالثة التي لا يجب أن تغيب عن ذهن بطاركة الكنيسة المسيحية في لبنان وممثليها فهي نتيجة حتمية لمرحلتي الصمود والنهوض وهي مرحلة الإشعاع التي يجب أن تكون الهدف من أي رسالة بشارة دينية وإنسانية والتي تقوم على الحفاظ على ثلاث ثروات أساسية لبقاء لبنان وليس فقط لبقاء المسيحيين فيه وهي أولاً الثروة الإنسانية من خلال تحديد دور لبنان الحضاري في محيطه وفي العالم، وثانياً الثروة المادية من خلال تحديد وظيفة لبنان الاقتصادية والابتكارية، وثالثاً الثروة الطبيعية من خلال تقديس البيئة والأرض التي خصها قداسة البابا فرنسيس سنة 2015 برسالة عامة بابوية حول العناية بالبيت المشترك بعنوان كن مسبّحًا Laudato Si’.

في الختام، يقول الفيلسوف البريطاني توماس هوبس Thomas Hobbs إن الإنسان هو ذئب لأخيه الإنسان. لذا، وأزاء خوف الانسان المتزايد من خطر الموت الذي يتسبب به، ارتضى أن يتخلى عن جزء من حريته لصالح دولة تحفظ أمنه. 


أما وقد بدأت الدولة اللبنانية بالتخلي عن وظائفها الخدماتية والأمنية مما يترك المجال واسعاً للبنانيين وليس فقط المسيحيين إما الى الهجرة أو اعتماد منطق الدفاع الذاتي بكافة أشكاله، تظهر الحاجة أكثر من أي وقت مضى لكل شخص أو مجموعة مسؤولة في هذا البلد الى تحمل مسؤولياته المصيرية درءاً للأسوأ وحفاظاً على اعتراف الآخرين بكرامته الانسانية. 

وكما يقول "بابا الإصلاح" أو "بابا الحوار" بولس السادس: "إن وظيفة الكنيسة هي بناء الإنسانية أو بناء حضارة المحبة" ولا كنيسة ولا حضارة ولا محبة في لبنان من دون حرية فردية وحرية تقرير مصير أو من دون مساواة بين اللبنانيين وهذه شروط أساسية للحفاظ على السلام بين الطوائف والمواطنين بل للحفاظ على لبنان أرضاً وشعباً وكياناً ورسالة.

المسيح وتحرير الإنسان من عقليّة العبوديّة

الأب د. بشارة ايليا الأنطوني - النشرة

اجتهد عمّال الفلسفة، على مرّ التّاريخ، على تحرير العقل من سلطة الوصاية، إلّا أنّهم لم يستطيعوا تحرير الإنسان من عقليّة العبد المتربّصة في كيانه، ممّا حدا شرعة ​حقوق الإنسان​ (1948) في المادّة الرّابعة، إلى إدانة الاستعباد: "لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده. ويحظّر الرّقّ والاتجار بالرّقيق بجميع صورهما".

وبالعودة إلى الأيّام الغابرة، نجد أنّ الإغريق قد عرّفوا الحرّيّة باللّاعبوديّة الّتي تجتاح الإنسان، على المستويات كافّة. فما إن يتحرّر من مفهوم حتّى يجد نفسه عبدًا لمفهوم آخر. 

في ملء الأزمنة، أتى السيّد ​المسيح​ ليحرّر الإنسان، أيضًا، على المستويات كافّة. فعندما قال: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، انتزع من قيصر صفة الألوهة، واستعباد الشّعوب بغطاء إلهيّ. 


كما دعا المسيح إلى تحرير الإنسان من الشّريعة نفسها، وقد اختصرها بقوله إنّ "السّبت للإنسان وليس الإنسان للسّبت". وقد كلّل تحرير الإنسان بعلاقته مع الله، إذ قال لتلاميذه: لا أدعوكم عبيدًا بعد اليوم بل أحبّائي. 

وعندما سألوه عن الصّلاة، قال يسوع إنّ "الله أباكم يعرف ما تحتاجون إليه". وعلّمهم الصّلاة الأبسط في التّاريخ، والأعظم على الإطلاق: "أبانا الّذي في السّموات...". 


لقد حافظت الكنيسة، من بولس الرّسول إلى المجمع الفاتيكانيّ الثّاني، ولا تزال إلى يومنا، مع ​البابا فرنسيس​ على العمل على تحرير الإنسان حتّى من عبوديّته لنفسه، ولملذّاته الجسديّة؛ وما الصّلوات والتّقشّفات والأصوام إلّا الطّريق الّذي يسعف الإنسان في مسيرته على هذه البسيطة.

ومن نافل القول بأنّ العبادات الرّوحيّة ليست لتصغير الإنسان، ولا لتعظيم الله الغنيّ عن تسابيحنا وتمجيدنا، إنّما لرفع الإنسان إلى مستوى الملكوت السّماويّ. 


وما قول السيّد المسيح للمرأة السّامريّة الّتي تعبد من تجهل "العابدون الصّادقون يعبدون الآب بالرّوح والحقّ" إلّا إثبات أنّ الصّلاة ليست فعل عبادة وحسب، إنّما فعل لقاء بالرّوح والحقّ. 

وإذا ما وجد لكلمة عبادة من دلالات أخرى، في عقول المؤمنين كالخنوع والقنوط، فلا يستحقّ أحد إذًا، أن يُعبد إلّا الله وحده. بيد أنّ الأنبياء والرّسل والقدّيسين مكرّمون نسبةً إلى الكنيسة، فمن غير المعقول أن يعبد الإنسان نفسه، فيكون عندئذ مريضًا، كما لا يحقّ لأيّ كان أن يستعبده، فكلّنا متساوون في الكرامة.


إذًا، يتطلّب الإيمان الحقيقيّ إرادة حرّة، وفعل محبّة في حفظ الوصايا الإلهيّة، "ليدوم فيكم فرحي ويكون فرحكم كاملًا"، كما قال السيّد المسيح، وإلّا تحوّل عبادة وثنيّة أو إلحاديّة لا تعرف الله. 

فلا يكوننّ أحد فينا مستعبدًا لأحد، ولنحرّرنّ عقولنا من عقليّة العبد المستشرية في هشاشة إنسانيّتنا الّتي أتى المسيح ليحرّرنا منها، ويعيدنا باختيارنا إلى بناء علاقة بنويّة بيننا وبين الله الآب.

لقاء الفاتيكان... أربعة أخطاء وحقيقة واحدة

محمد السماك

لبنان منقسم طائفيًّا بين المسلمين والمسيحيين. خطأ. الفاتيكان يقف إلى جانب المسيحيين في هذا الانقسام. خطأ. من أجل ذلك دعا الفاتيكان إلى لقاء الأوّل من تمّوز. خطأ. ومن أجل ذلك أيضًا استبعد الفاتيكان دعوة مسلمين للمشاركة في الاجتماع. خطأ.

أربعة أخطاء تؤكّد أمرًا صحيحًا واحدًا، وهو أنّ الفاتيكان معنيّ في الدرجة الأولى بالعيش المشترك في لبنان، وامتدادًا في دول العالم العربي.. والعالم، وأنّ همّه إنقاذ لبنان من بين براثن سياسيّيه إنقاذًا لرسالته ولدوره في أداء هذه الرسالة.


أكّد على ذلك أربعة بابوات حتى الآن:

  • البابا بولس السادس من خلال إقرار نصّ وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني – نوسترا إيتاتي.
  • البابا يوحنا بولس الثاني من خلال عقد السينودس حول لبنان.
  • البابا بنديكتوس السادس عشر من خلال السينودس حول الشرق الأوسط.

البابا فرنسيس من خلال زياراته لـ: مصر (الأزهر)، والعراق (النجف)، وبينهما أبو ظبي حيث وقّع على وثيقة الأخوّة الإنسانية مع الإمام الشيخ أحمد الطيّب. كان لبنان الغائب الحاضر في كلّ هذه المبادرات الفاتيكانية. كان حاضرًا برسالته، إلا أنّه كان غائباً (وليس مغيَّباً) بسياسته.


لقاء الأول من تمّوز يهدف إلى البحث في إعادة تأهيل لبنان ليرتفع من جديد إلى مستوى الرسالة، وليتمكّن من أداء الدور الذي يعلّق عليه الفاتيكان آمالاً عريضة في حمل هذه الرسالة. ذلك أنّ الرسالة النبيلة، رسالة العيش المشترك، لا يمكن أن تحملها دولة فاشلة لم يعُد العيش فيها مشتركاً.. بل لم يعد فيها معنى للعيش الكريم، الذي يحفظ للإنسان كرامته وحقوقه.

يرسم الفاتيكان علامة استفهام كبيرة لتحديد المسؤول عن هذا الانهيار القيمي والأخلاقي والوطني الذي دفع لبنان إلى الهاوية. ويحاول البحث عن جواب لها في اجتماع الأول من تمّوز. ولأنّ دور الكنيسة، إضافة إلى بعده الديني، هو دور تربوي يقوم على القيم والأخلاق والوطنية، فقد كان استفرادها بالدعوة. 


وهو استفراد يطرح علامات استفهام: لماذا؟ وكيف؟ أي لماذا وقع الانهيار؟ وكيف الخروج منه؟ وما هو دور الكنيسة في الأمرين؟ حتى إذا اكتملت عملية النقد الذاتي، يكون الانفتاح على الشريك الآخر في الوطن الذي لا تكتمل رسالة العيش المشترك إلّا به ومعه. 

وهو ما يبدو أنّ الفاتيكان حريص على تجسيده في لقاء ثان مشترك، يعقب لقاء الأول من تموز. وهذا يعني أنّ اللقاء الأول هو أشبه ما يكون بعملية نقد ذاتي، واللقاء الثاني أشبه ما يكون بعملية تجديد العمل المشترك لإنقاذ لبنان ورسالته من الهوّة التي سقط أو أُسقط فيها.

ليست الكنائس المدعوّة إلى الاشتراك في لقاء الفاتيكان على موقف واحد. إنّ مقارباتها مختلفة ومتباينة. ومهمّة الفاتيكان هي التجسير بينها على قاعدة "رسالة العيش المشترك" التي يكون بها لبنان أو لا يكون. 


وهي مهمّة دقيقة جدّاً لا تحتاج في مرحلتها التصحيحية إلى مشاركة إسلامية. تأتي هذه المشاركة بعد التصحيح الذاتي وبعد التوافق عليه للانطلاق معه، وبه، نحو الخلاص المنشود.

لقد أثبت الفاتيكان إيمانه بمبدأ العيش المشترك والتزامه به. ترجمت ذلك سلسلة من مبادرات البابوات الذين تعاقبوا على السدّة البابوية منذ منتصف الستّينيات من القرن الماضي حتى اليوم، وخاصة اليوم.

فالبابا فرنسيس، الذي سوف يرئس اجتماع الأول من تموز، ذهب إلى بنغلادش للتضامن مع مسلمي الروهينغا الذين تعرّضوا لجريمة جماعية في ميانمار. 


وكان بذلك المرجع الديني الوحيد في العالم الذي اتّخذ مثل هذه المبادرة الأخلاقية النبيلة والجريئة. ثمّ أكّد من خلال وثيقة الأخوّة الإنسانية على البعد الإنساني للعيش المشترك الذي يريد أن يكون لبنان نموذجًا له ورسالة.

صحيح أنّ أصحاب السلطة، أو المتسلّطين، في لبنان في وادٍ آخر، ولكنّ المرجعيات الدينية المسيحية والإسلامية تتماهى في مواقفها مع هذا الموقف الأخلاقي للفاتيكان، وتعتبره ركناً من أركان رسالتها الوطنية المشتركة.

من هنا، ليس لقاء الأول من تموز استدارة مسيحية أو فاتيكانية عن العيش المشترك مع المسلمين. ولكنّه مراجعة نقدية ذاتية لإخراج لبنان من الهوّة التي سقط فيها. وهي مدخلٌ لا بدّ منه لإعادة منح الصدقية إلى العيش المشترك، صيغةً ورسالة.

من "التربية الإسلامية" إلى "التربية الدينية"

رشيد سعدي - المغرب - تعددية

يُعتبر السؤال حول دور المؤسسات التربوية في بناء مشروع دولة المواطَنة، إشكاليةً حقيقية في أغلب الدول العربية ذات الأغلبية المسلمة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالتربية الدينية، وقدرتها على المساهمة في سياسات الاعتراف والتعددية، في زمن تَنامي الوعي بالهُوية والحقوق الكونية، مثل حرية التعبير والمعتقَد والضمير.

 لهذا، يَحضر الوعي في كل هذه الدول، بضرورة الانخراط في إصلاح عميق لمناهج تدريس مادة التربية الإسلامية.

في هذا السياق، جرى في المغرب تَداوُل مشروع إصلاح جذري لطرق تدريس الإسلام، من خلال فكرة تغيير اسم مقرَّرات "التربية الإسلامية" إلى "التربية الدينية"؛ ما خلَق -ولا يزال- نقاشًا مجتمعيًّا واسعًا، بغضِّ النظر عن الاستعمال الإيديولوجي لهذا الإصلاح في سياق التنازع السياسي. 

يمكن القول: إن الوظيفة التقليدية لبرامج التربية الإسلامية، هي صناعة أفراد يشكلون جماعة المسلمين السُّنَّة، دونما استحضار الأسئلة التي تطرحها العلاقة بين جماعة المؤمنين وجماعة المواطنين التي هي أكثر شمولًا. 


عمومًا، يعتقد أغلب المغاربة برأيي أن المُواطن المَغربي مسلم سُنِّيٌّ بالضرورة، وأنه لا يحق له أن يعبِّر عن اختلافه مع هذه العقيدة الجَمعيَّة في الفضاء العام؛ ما يَخلق وهْمَ التطابق بين جماعة المسلمين السُّنَّة وجماعة المواطنين.

أعتقِد أن الكثير من المضامين الإسلامية التي يجري تلقينها، قد تكون حاملة لإمكانية تأويل عنيف، مثل فكرة الجهاد ضد الكفار والمارقين والزنادقة. 

وقد تتناقض مع كونية منظومة حقوق الإنسان، أو حتى مع فكرة المواطَنة (مثل فكرة "الولاء والبراء")، إذ كيف أَكْره أو أبغض شخصًا بسبب عقيدته، ثم أعتبِره شريكًا لي في المواطنة؟


قد يساهم تلقين مشابه في خلق برمجة ذهنية ذات بُعد أحادي، يميل نحو الانغلاق الفكري؛ ما يفسِّر تراجُع الفكر النقدي عند المتعلمين/ات، وتَنامي ذهنية التحريم والتبديع وسيادة التفكير التبسيطي، لا سيَّما في الأُطُر التربوية التي تُردِّد مقولة "الإسلام هو الحل"، متناسيةً أن الشريعة أو الفِقْه أحْرَى بأن يكون صناعة بشرية. 

ثم إنَّ المجتمع المَغربي غدَا أكثر قابليةً للفكر السلفي، الذي يتميز بالعَوَز الفكري والانتكاس نحو أسطورة العصر الذهبي، ورفْض قيم الحريات الأساسية. 

لا يمكن أن نُغْفل أن فكرة التكفير غدت أكثر ترسُّخًا، ومجالَها أكثر اتساعًا؛ إذ الكافر هو المسيحي أو اليهودي أو الشِّيعي أو البهائي أو الصوفي غير السُّنِّي...


وعْيًا بهذه المخاطر، جاء القرار الملكي بمراجعة مقرَّرات "التربية الدينية". 

وانطلاقًا من مقولة "الإسلام المعتدل"، استُبدلَت سورة "الفَتْح" المتضمنة لآيات الجهاد، الواردة في مقرَّرات مادة "التربية الإسلامية" في التعليم الإعدادي الثانوي، بسورة "الحَشْر" المتضمنة لآيات التزكية والحكمة؛ وأيضًا بِناءً على فكرة مهمة وهي أن قيم التوحيد تَسمح للمتعلم(ة) انطلاقًا من وحدانية الخالق ووحدة النفس البشرية وكرامتها، بالدخول في أخلاق الاعتراف والتعايش. 

كذلك دعا مؤتمرُ مراكش وإعلانه حول حقوق الأقليات المؤسساتِ الدينيةَ إلى الاشتغال على المناهج الدراسية، من أجل بناء "المواطَنة التعاقدية".


 لكن هذه الإصلاحات تبقى جزئية، في انتظار عملية إصلاح معرفي حقيقي يبدأ بفكرة الحياد الديني لبرامج التربية الإسلامية، من خلال تربية دينية قادرة على إدماج الانتماءات الدينية أو اللادينية، داخل تصوُّر إسلامي يسمح لكل مكونات المجتمع بالتماهي مع المبادئ الكبرى للحياة الأخلاقية. 

من هنا، برزَت الحاجة إلى قراءة مَقاصدية تَنقل المتعلمين/ات من إسلام الفقهاء والمفسرين والمحدِّثين إلى إسلام الكليات الأخلاقية العامة، مثل: الكرامة، والمساواة، والعدالة.

لذا، أعتقد أنه يجب إلغاء مقولة الكفر من مقررات التربية الإسلامية. فمِن حق أي مُواطن(ة) أن يرفض أن يُلقَّن ابنه في المستوَيَيْن الابتدائي والثانوي أو حتى الجامعي، مضامينَ يَعتبرها مصدر تحريض على الكراهية. 


فكيف يمكن أن تَدرس حديث "الفِرقة الناجية"، دون إحداث تشوُّه على مستوى البناء الفكري للمتعلم(ة)؟ أيضًا يمكن إدراج الأديان الأخرى في برامج التربية الدينية، لخَلْق الوعي بقيمتها الدينية الروحية، وتدريسها بحسب رؤية هذه الأديان لنفسها، وليس كما يتصورها الإسلام التقليدي، باعتبار أنها مجرَّد عقائد مزيَّفة ومنسوخة؛ ما سيسمح بنقل المتعلم(ة) من سياق متمركز حول الذات الدينية والصراط المستقيم، إلى سياق متمركز حول الإنسان ومختلف الصُّرُط المستقيمة.

يُفترض في الدور التربوي للإسلام، أن يكُون موضوعَ تعاقُد اجتماعي يتجاوز المؤسسات الدينية. 

وأيضًا يجب الدفاع عن فكرة كون المَدرسة فضاءً عامًّا تَحكمه أخلاق التواصلية والنقاش العام، المبنيَّة على مبدأ أنَّ كل الأفكار الدينية قابلة للتداول والدحض على أساس سلطة العقل العمومي، بدل استمرار طُرق الحفظ والاستظهار.


لذا، أعتقد أن التربية الدينية يجب ألَّا تروم صناعة المسلم(ة) السُّنِّي ذي العقائد المطلقة، لأن ذلك جزء من المجال الخاص، بل يجب -كما يقول كانط- بِناء "مُواطن العالم"، وبناء أخلاق الاعتراف، ونسبية المَعارف، والحقِّ في الاختلاف؛ لكي لا يكون الدين مجرد قلعة نحتمي داخلها، بل أرضًا للأخوَّة في الإنسانية.