‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة. إظهار كافة الرسائل

الفيروسات تؤدي أدوارا على المسرح وكوفيد أكثرها شرا

يسري حسان - اندبندنت عربية

"كشفناه" عرض مصري يتناول جائحة كورونا ويكشف كواليسها.

يظل مسرح الطفل في عالمنا العربي موسوماً بكونه مسرحاً للتسلية أو للتعليم والتوجيه بشكل مباشر في أغلب الأحوال، من دون قدرة على لعب أي أدوار أخرى تجعل سمعته طيبة لدى الكبار والصغار معاً، وتجعله أكثر فائدة وجذباً للمشاهدين على اختلاف أعمارهم.

التعميم بالتأكيد لا يصح، فثمة عروض للطفل استطاعت تقديم مادة مسرحية متكاملة، فيها من عناصر الإبهار والتسلية بقدر ما فيها من العمق والقدرة على توصيل رسائل أو حتى طرح قضايا شائكة بشكل بسيط وغير مباشر، وليس على طريقة قل ولا تقل. 

عروض لا تستخف بعقل الطفل، وتحرص على طرح أسئلتها البسيطة عليه، وتدريبه على كيفية التفاعل مع ما يدور أمامه، وإن كانت مثل هذه النوعية من العروض من الندرة، الأمر الذي لا نستطيع معه اعتبارها ظاهرة في مسرحنا العربي.

ويظل تقديم هذا المسرح، أيضاً، في معظم الدول العربية خاضعاً للظروف أو الصدف، وليس موضوعاً على أجندة جهات الإنتاج المسرحي، سواء الرسمية أو الخاصة. 

في حين أن معظم الدول الأوروبية تتعامل مع مسرح الطفل باعتباره ضرورة وليس ترفاً، وتضع له برامج تستمر طوال العام. فاعتياد الطفل على مشاهدة المسرح بشكل دوري، فضلاً عما يحصله من متعة فكرية وجمالية، يجعله حريصاً في الكبر على متابعته والاهتمام بجديده. إضافة إلى أن الأطفال الذين يشاركون في صناعة هذا المسرح يكتسبون مهارات عدة ويصقلون مواهبهم ليكونوا بعد ذلك رافداً مهماً لحركة المسرح في بلادهم.

في دولة مثل ألمانيا على سبيل المثال، هناك إثنتا عشرة مسرحية لا بد أن يشاهدها الأطفال على مدار العام، بواقع مسرحية كل شهر. وهي بالمناسبة ليست عروضاً ذات إنتاج ضخم في أغلبها، شاهدت منها عرضاً قدمه "بيت المسرح" في مدينة هانوفر الألمانية، يتناول موضوعاً يتعلق بكسر حاجز الخوف لدى الطفل، عبر قصة أطفال يلعبون الكرة أمام بيت قديم ومهجور يخشون الاقتراب منه، ظناً أن فيه أشباحاً، كما أخبرهم رفاقهم. 

وينسج كل منهم الأساطير حوله، لكن الكرة طاشت، ذات يوم، ودخلت البيت، وكان لزاماً عليهم إحضارها واضطروا إلى دخول البيت الذي اكتشفوا أنه بيت عادي ولا أشباح فيه، وصار بعد ذلك مكاناً للهوهم ولعبهم.

كل ذلك جرى بسلاسة ووسط ديكورات عبارة عن موتيفات بسيطة وغير مكلفة، ولم تجر على ألسنة الأطفال، ممثلي المسرحية، أي عبارات مباشرة تتعلق بكسر حاجز الخوف أو أي شيء من هذا القبيل، لكن أحداث العرض أفضت إلى ذلك في سهولة ويسر.

أول عرض

في مصر التفت المركز القومي لثقافة الطفل (مؤسسة رسمية تابعة لوزارة الثقافة) إلى هذا الأمر، وقدم أخيراً عرض "كشفناه"، الذي يعد أول عرض مسرحي، سواء للكبار أو الصغار، يتناول جائحة كورونا. 

والأمر هنا لا يتعلق بكونه أول أو عاشر عرض، بقدر ما يتعلق بكيفية تناوله لهذه القضية، ومن أين ينفذ إليها من دون أن ينزلق إلى ما يسمى "المسرح التعليمي المباشر". فالمتوقع عند مشاهدة مثل هذا العرض أن يتضمن تحذيرات مثلاً بشأن الوقاية من الفيروس، أو استعراض للمآسي التي خلفها، أو حتى إبراز جهود الدولة (بما أننا بصدد مؤسسة رسمية) في مكافحته والسعي إلى معالجة آثاره.

كل ذلك نحاه العرض جانباً، وسلك مخرجه ومؤلفه أحمد إسماعيل عبد الباقي، وجهة أخرى أعمل فيها خياله. فنحن أمام عائلة الفيروسات من الطاعون والإنفلونزا إلى سارس وغيره، وهي فيروسات يجسدها ممثلون، كبار وصغار. ولدينا كذلك بشر يحملون أسماء تشير إلى طبيعتهم الشريرة، مثل "صاحب المتاعب"، و"تنغيص العيشة" وسواهما، إلى أن يظهر "كورونا" نفسه ويتم الاحتفاء به باعتباره الأكثر قدرة على جلب المتاعب للبشر وتنغيص حياتهم. وينشأ كذلك صراع بينه وبين "الطاعون" الذي يلعب دور جده، ويسيئه أن يتفوق حفيده عليه في الفتك بالبشر، معتبراً أنه الأحق بالاحتفاء به وتكريمه.

دراما بسيطة

استطاع المخرج المؤلف خلق سياق درامي بسيط تدور في إطاره الأحداث، وحرص على أن يكون نصه بالفصحى المبسطة، ووزع مساحات التمثيل بالتساوي. 

فلا بطولة مطلقة سوى للحدث ذاته، ولأنه يتعامل مع عرض للطفل فقد أفرد مساحة للاستعراض والغناء (تصميم عمرو الحسيني وناصر عليان، ألحان إيهاب حمدي) لتكون جزءاً من الدراما ومساهمة في بنائها، وليست مجرد حلية يسعد بها الأطفال. 

وهو ما التفت إليه كذك مصمم الديكور (شادي قطامش) في صياغته التشكيلية لفضاء المسرح بواسطة موتيفات بسيطة ذات ألوان مبهجة وجاذبة لعين الطفل، ونفس الأمر بالنسبة إلى الملابس التي صممها أيضاً.

وخلال الأحداث، تكشف لنا المسرحية الدور السيء والخطير لمجموعة الفيروسات التى هاجمت العالم على مدار التاريخ، وكيف أن العلم والعمل والايمان استطاعوا أن يكونوا السبيل الوحيد لإنقاذ البشرية بعد أن عكف البشر على البحث العلمي.

ولأننا نخاطب الطفل فإن المسرحية تبشر بنهاية كورونا شرط أن يوجه العالم موارده للصحة والإنماء، ويتخلى عن الحروب والصراعات، التى توشك أن تدمر البشرية. وذلك في إدانة واضحة للقوى العالمية الكبرى، ولم يخل الأمر كذلك من إشارات ضمنية تشكك في أصل نشأة الفيروس، وصراعات الشركات وتسابقها على إنتاج اللقحات.

رسائل ضمنية

اللافت أن كل ذلك جاء ضمن سياقات درامية، وليس عن طريق التلقين. فعلى سبيل المثال أراد صناع العرض توصيل رسالة عن الإجراءات الاحترازية التي يجب اتباعها، فجاء ذلك عبر مشهد تتصافح فيه عائلة الفيروسات وتتبادل القبلات والأحضان في ما بينها، ليعلق أحدهم بأننا بذلك نرتكب نفس أخطاء البشر.

أيضاً ورغبة في الوصول بالأطفال إلى الحد الأقصى من البهجة، من دون التأثير في تماسك العرض، بدا الحس الكوميدي واضحاً، بخاصة في حركة الممثلين وردود أفعالهم. 

وجاء ذلك من بنية العمل نفسها، ليمثل مع الغناء والاستعراض عناصر جذب تذهب الملل عن المشاهدين وتدفعهم إلى مواصلة المشاهدة، على رغم ثقل الموضوع نفسه. 

وأخذ المخرج في اعتباره الفروق الفردية بين مشاهديه سواء من الكبار أو الصغار، فجاء عرضه متعدد الدلالات، حيث يمكن لكل مشاهد تأويله بحسب خبرته وثقافته.

"كشفناه" هنا تعني الكشف عن خطورة الفيروس وقدرته على التحور. فالفيروس - في سياق العرض - كلما توصل العلم إلى لقاح لمواجهته، يدخل معمله ويخلق نفسه على هيئة أخرى حتى يواصل الفتك ببني البشر، الذين إذا لم يصححوا أخطاءهم التي يرتكبونها في حق أنفسهم فهم هالكون لا محالة. فعلى رغم امتلاكهم أسلحة فتاكة، وغزوهم للفضاء - هكذا أوضح العرض - فإن مجرد فيروس خبيث باستطاعته إبادتهم جميعاً إذا لم ينتبهوا، لذلك فإن "كشفناه" هنا قد تعني الفيروس، وحماقات البشر معاً.

العرض ضم مجموعة كبيرة من الممثلين المحترفين، فضلاً عن مجموعة من الأطفال والراقصين، وقام ببطولته سحر منصور وهيثم حسن ونجلاء سالم وإبراهيم البيه ومحمد عبد الفتاح ورحمة محجوب والطفلة حور.

خمس فرص للأطفال يجب أن نستغلها الآن

السيدة هنرييتا فور، المديرة التنفيذية لليونيسف

رسالة مفتوحة حول ما يدفعني للاعتقاد بأنه بوسعنا وضع رؤية جديدة لعالم أفضل لكل طفل بعد جائحة كوفيد-19.

إن جائحة كوفيد-19 هي أول أزمة عالمية فعلية نشهدها في حياتنا. وقد أثّرت الجائحة على كل فرد منّا أينما كنا نعيش - وعانى الأطفال التأثير الأكبر. 

فقد خسر ملايين الأطفال الخدمات الصحية الأساسية والتعليم والحماية لمجرد أنهم وُلدوا في الفقر أو بسبب انتمائهم الإثني أو العرقي أو الديني. ووسّعت الجائحة فجوة انعدام المساواة، وستتردد أصداؤها الاجتماعية والاقتصادية والصحية لسنوات عديدة قادمة مهددة حقوق الأطفال.

ولكن هذا ليس وقتًا لتثبط عزيمتنا أو نتقاعس عن العمل أمام هذه التحديات. وإذ نبدأ احتفالنا بالذكرى السنوية الخامسة والسبعين لتأسيس اليونيسف، فإننا نتذكر بأن هذه المنظمة تأسست في وسط أزمة تاريخية أخرى في أعقاب الحرب العالمية الثانية. 

وفي ذلك الوقت، كان من السهل أن تثبط عزيمتنا أمام هول المشاكل التي يواجهها الأطفال في عالم عمّته الحروب، بيد أننا وضعنا رؤية جديدة لما هو ممكن، وبنينا أنظمة جديدة للصحة والرعاية الاجتماعية في جميع أنحاء العالم، وهَزمنا الجدري، وبنينا الأمم المتحدة.

وها هو التاريخ ينادينا من جديد. وفي الأزمات العالمية السابقة، من الحروب العالمية إلى الجوائح، اجتمع القادة معًا للتفاوض على صفقات ومعاهدات، واتفقوا على بناء طرق جديدة لاستعادة السلام والتعافي وإعادة البناء وللتعاون. 

وعلينا أن نحشد العالم وراء خطة عملية ومدروسة لحماية أطفالنا - وعدٌ من جيلنا إلى الجيل التالي للاستثمار في الصحة والتعليم، وبناء أنظمة وخدمات أكثر قدرة على التحمل بوسعها الوصول إلى جميع الأطفال، وضمان أن الاقتطاعات في الميزانيات وحالات التباطؤ الاقتصادي لن تعود بالضرر عليهم.

وبينما يجب أن ندرك حجم التحديات التي تواجه أطفال العالم، بوسعنا أيضاً أن نتقدم عبر الشراكات والتضامن من خلال البناء على ماضينا، والتمسك بالطموح والثقة بمستقبلنا. ونحن لا نتحدث هنا عن العودة إلى الوضع الذي كان سائداً، فالوضع ’الاعتيادي‘ لم يكن أبدًا جيدًا بما يكفي لمئات الملايين من الأطفال في العالم.

فيما يلي خمس فرص لأطفال العالم كشفَتْ عنها جائحة كوفيد-19، وخمسة دروس حول الكيفية التي بوسعنا من خلالها وضع رؤية جديدة لمستقبل أفضل لهم، حسبما تُعبِّر عنها أصوات اليافعين.

"إن الخطاب المتنامي المعادي للقاحات يعرّضنا جميعًا لخطر الأمراض الفتاكة، ويجب القضاء عليه قضاءً مبرمًا في هذا العصر. لا ينبغي أن يعاني أي أحد من الأمراض التي بوسع اللقاحات أن تمنعها بأمان، أي أحد على الإطلاق". «ريدي»، 20 عاماً، تايلاند

1. كي تنجح اللقاحات، يجب أن نبني الثقة

 يدلّنا التاريخ والعلم على أن اللقاحات هي أملنا الأفضل للقضاء على هذا الفيروس وإعادة بناء حياتنا وسبل عيشنا. مع ذلك، وكما يُذكِّرنا «ريدي»، ثمة خطر حقيقي بألا تصل لقاحات كوفيد-19 إلى جميع من يحتاجونها.

وسيترك التردد في تلقي اللقاحات تأثيرًا كبيرًا على قدرتنا على التغلب على كوفيد-19. وقد وجدتْ دراسة شملت حوالي 20,000 شخص من 27 بلدًا أن شخصًا واحدًا من كل أربعة أشخاص سيمتنع عن تلقي لقاح ضد كوفيد-19. 

وأظهرت دراسة مماثلة بين الأمريكيين أن الرسائل غير الواضحة وغير المتسقة من مسؤولي الصحة العامة والسياسيين قد تؤدي إلى تقليص استخدام اللقاحات.

وفي هذه الأثناء، باتت المعلومات المضللة حول اللقاحات مجالاً كبيراً ومتنامياً للاستغلال التجاري. فقد زاد أصحاب المشاريع التجارية المناهضين للقاحات عدد متابعيهم على شبكة الإنترنت بما لا يقل عن 20 بالمئة أثناء الجائحة. 

ووفقاً لمؤسسة آفاز Avaaz، تحظى المواقع الإلكترونية العشرة التي حددها الباحثون بأنها تنشر معلومات صحية مضللة بعدد مشاهدات على موقع فيسبوك يفوق بأربعة أضعاف ما تحظى به المواقع الإلكترونية الصحية الراسخة.

وباختصار، فإننا نخسر بشدّة الآن في معركة نيل الثقة. ومن دون الثقة، لن تكون هناك فائدة لأي لقاح مضاد لكوفيد-19. ولكن مع النشر التدريجي للقاحات كوفيد-19، تتوفر لنا فرصة حالياً للوصول فعلاً إلى كل طفل باللقاحات المنقذة للأرواح. ويجب أن تتاح للجميع رؤية بصيص الأمل في انتهاء هذه الأزمة.

ما ينبغي القيام به:

بما أن العالم تمكّن من تطوير عدة لقاحات مضادة لكوفيد-19، بات بوسعنا أن نوجّه انتباهنا إلى الكفاح الطويل والصعب للقضاء على هذا الفيروس من الكوكب، وذلك بطريقة قائمة على المساواة والإنصاف، والوصول إلى جميع الناس بمن فيهم الأشد فقراً والأكثر عرضة للتهميش.

العمل جارٍ حالياً للإعداد لذلك اليوم. واليونيسف هي شريك ملتزم في’مجموعة المشاركة للالتزام المسبق بالشراء‘ التابعة لمرفق كوفاكس COVAX لإتاحة لقاحات كوفيد-19 على الصعيد العالمي، وهذا المرفق هو تعاون عالمي لضمان إمكانية الحصول العادلة والمنصفة على لقاحات كوفيد-19 في جميع أنحاء العالم. 

ويتمثل هدفنا في ضمان ألا يُدفَع أي بلد أو أي أسرة إلى مؤخرة طابور الانتظار عند توفّر اللقاحات. وسنقوم بذلك من خلال قيادة الجهود لشراء لقاحات كوفيد-19 وتوفيرها، وباستخدام هياكلنا الأساسية القائمة للمساعدة في تيسير تسليمها الذي ينطوي على متطلبات لوجستية كبيرة، حتى إلى المناطق الأكثر بعداً. ويجب على الحكومات أن تعمل معاً لضمان أن تكون لقاحات كوفيد-19 ميسورة الكلفة ومتاحة لجميع البلدان.

وعلى القدر نفسه من الأهمية، وبما أن المكوّن الأكثر أهمية في أي لقاح هو الثقة، تعكف اليونيسف على تنفيذ تدريجي لحملة رقمية عالمية لبناء الدعم الشعبي والتوعية المحلية بشأن قيمة جميع اللقاحات وفاعليتها.

وثمة دور كبير يتعين على شركات التكنولوجيا أن تؤديه، وقد اتَخذتْ هذه الشركات خطوات أولية مهمة للتصدي للانتشار الخطير للمعلومات المضللة على منصاتها. ففي تشرين الأول، أعلنت شركة فيسبوك عن سياسة عالمية تحظر الإعلانات التي تثبط الإقبال على اللقاحات. 

وبعد ذلك بفترة وجيزة، أعلن موقع يوتيوب عن إجراءات مشددة لتقييد المحتوى المناهض للقاحات، وأزال مقاطع فيديو تتضمن معلومات مضللة حول لقاحات كوفيد-19. ولكن ثمة المزيد مما يمكن القيام به. ويجب على منصات وسائل التواصل الاجتماعي أن تتخذ خطوات للتعرّف على المحتوى الذي يشوّه الحقيقة وأن تزيله.

ويمتد التردد في تلقي اللقاحات إلى ما يتجاوز لقاحات كوفيد-19. ففي عام 2019، قالت منظمة الصحة العالمية إن التردد في تلقي اللقاحات هو أحد أكبر 10 تهديدات للصحة العالمية. ومن دون وجود الثقة، تصبح اللقاحات مجرّد عقاقير مكلفة في خزائن الأطباء.

"أعتقدُ أن هذه الفترة قد تكون أفضل وقت لتستمع المدارس إلى طلابها وتجد طرقاً لتحسين مرافقها للتعلّم عبر الإنترنت. وحتى بعد أن تنتهي الجائحة، قد يصبح التعلّم عن بُعد أداةً مهمة لتيسير الحصول على التعليم وجعله مرناً". «كاموغيلو»، 18 عاماً، جنوب أفريقيا

2. بوسع تجسير الفجوة الرقمية أن يوفر التعليم الجيد للجميع

 إن «كاموغيلو» على حق. فأثناء ذروة إغلاق المدارس في بدايات عام 2020، لم يتمكن نحو 30 بالمئة من طلاب المدارس في العالم من الحصول على التعلّم عن بُعد. وفي الواقع، تتوفر لأكثر قليلاً من نصف الأسر المعيشية في معظم البلدان في العالم إمكانية الوصول إلى الإنترنت.

وهؤلاء هم الأطفال أنفسهم الذين لا يُرجّح أصلاً أن يحصلوا على تعليم جيد. إن أكثر من 50 بالمئة من الأطفال في عمر 10 سنوات في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل لا يستطيعون قراءة قصة بسيطة وفهمها في نهاية مرحلة التعليم الابتدائي، مما يعكس أزمة عالمية في التعلّم. وإذا لم نقم بإغلاق الفجوة الرقمية، فإن مجموعة اليافعين هذه المتنامية باطراد ستتخلف عن الركب.

لقد زادت جائحة كوفيد-19 من إلحاحية هذه المسألة. وأمامنا الآن فرصة تتوفر مرة في كل جيل لربط كل طفل وكل مدرسة بالإنترنت، وتوفير أدوات جديدة قائمة على التقنيات الرقمية لمساعدتهم في تطوير المهارات اللازمة لتحقيق إمكاناتهم - على امتداد جائحة كوفيد-19 وبعد تجاوزها.

ما ينبغي القيام به:

أولاً وقبل كل شيء، يجب على الحكومات أن تولي الأولوية لإعادة فتح المدارس واتخاذ كافة الإجراءات الممكنة لإعادة فتحها على نحو آمن. لقد أتاح هذا التوقّف الكبير في التعليم برهةً لإعادة التفكير في الكيفية التي نوفّر فيها التعليم.

تعمل حملة ’رؤية جديدة للتعليم‘ Reimagine Education التي أطلقتها اليونيسف على إحداث ثورة في التعليم وتطوير المهارات لتوفير تعليم جيد لكل طفل عبر التعلّم الرقمي، والربط بالإنترنت، وتوفير الأجهزة الرقمية، والبيانات الميسورة الكلفة وإشراك اليافعين. ونهدف إلى الوصول إلى 500 مليون طفل وشاب بحلول نهاية عام 2021، وإلى 3.5 بلايين طفل وشاب بحلول عام 2030. 

وتجري هذه الحملة بالتعاون مع عشرات الشركاء من القطاع الخاص والحكومات، وهي تتضمن جميع المستلزمات من توفير الكتب المدرسية إلى المواقع النائية، ودعم البث الإذاعي التعليمي، والوصول إلى الأطفال بالتعليم أينما كانوا يعيشون، بما في ذلك عبر الرسائل النصية القصيرة، والمجموعات على تطبيق ’واتس‌آب‘، والبث الصوتي عبر الإنترنت (بودكاست).

من شأن الأدوات الرقمية أن تغيّر قواعد اللعبة. وقد أعدَّت اليونيسف ’مجموعة أدوات التعلّم الرقمي العالمية‘ التي توسّع إمكانية الحصول على المهارات الرقمية والمهنية الأساسية والقابلة للنقل، وذلك في المناطق التي يصعب الوصول إليها وللفئات الأشد ضعفاً. فعلى سبيل المثال، نعمل حالياً مع شركة ’مايكروسوفت‘ على إعداد ’جواز سفر التعلّم‘.

وهو منصة توفّر إمكانية الحصول على المناهج المدرسية بعدة لغات، عبر الإنترنت وفي الواقع الفعلي، حتى في أوضاع الأزمات؛ كما نتعاون مع منصّة «أكاديمية خان» على تطوير المهارات الأساسية والرقمية والمتعلقة بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات؛ ونوفّر برنامجاً رقمياً للاجئين والمهاجرين يعمل على تعليم لغة المجتمع المحلي بغية الربط مع فرص التعليم والعمل؛ ونعمل مع ’مؤسسة عصر التعلّم‘ Age of Learning Foundation لنوفّر خدمات مجانية للتأهب للمدارس وبرامج لإجادة القراءة والكتابة والحساب لأكثر من 180,000 طالب في العالم.

ولكن يجب أن يتزامن توفير أدوات التعليم بتوفير الربط بالإنترنت لإتاحة استخدام هذه الأدوات. ولتوسيع الربط بالإنترنت، نعمل حالياً مع شركاء حكوميين ومن القطاع الخاص في مبادرة «جيجا» لتوسيع إمكانية الوصول إلى الإنترنت لكل طفل وكل مجتمع محلي وكل مدرسة بحلول عام 2030.

وفي هذا الإطار، أطلقنا مؤخراً شراكة عالمية مع شركة إريكسون للمساعدة في وضع خريطة لربط المدارس بالإنترنت في 35 بلداً بحلول نهاية عام 2023. وهذه خطوة أولى حاسمة نحو توفير إمكانية الحصول على التعلّم الرقمي لكل طفل.

وكما تُذكِّرنا كلمات «كاموغيلو»، فمن خلال التمسّك بقوة الحلول الرقمية في هذه اللحظة الحاسمة، بوسعنا إحداث ثورة في التعليم وتطوير المهارات لجيل كامل من الأطفال. 

"لماذا نتعامل مع الصحة العقلية وكأنها غير مهمّة؟ ولمَ نقول لشخص مغموم ’إنك تفرط في التفكير بالأشياء فقط‘؟ لمَ نستخدم صورة نمطية إزاء الناس الذين يعانون من مرض عقلي ونصفهم بالمجانين؟ آن الأوان لننبذ هذه الصور النمطية ولنتقبّل الصحة العقلية بوصفها مهمة كأهمية صحتنا البدنية". «تووليكا»، 18 عاماً، الهند

3. وجّهت جائحة كوفيد-19 الانتباه للصحة العقلية لشباب العالم

 إن «تووليكا» على حق: فالصحة العقلية هي أمر مهم - وبأهمية الصحة البدنية. وهذا ينطبق بصفة خاصة في مرحلتي الطفولة والمراهقة، عندما تتوطد الأسس لقدراتنا الإدراكية والتعليمية ولذكائنا العاطفي وقدراتنا على التحمل في مواجهة الضغوطات، على مدى الحياة.

ومن جديد، فقد سلّطت الجائحة الضوء على مدى ضعف الأطفال واليافعين.

لقد قَلبتْ جائحة كوفيد-19 حياة الأطفال في كل مكان رأساً على عقب، إذ عطّلت أنماط الحياة المألوفة والمريحة من قبيل الذهاب إلى المدرسة واللعب خارج المنزل. أما اليافعون، فقد حرمتهم الجائحة من التواصل الاجتماعي والتفاعل مع أقرانهم، وهو أمر مهم في هذه المرحلة من الحياة. 

وبالنسبة للأطفال المتأثرين بصدمة العنف أو الإهمال أو الإساءات ضمن الأسرة، فقد أدى الإغلاق العام إلى انقطاع السبل أمام العديد من الأطفال إذ علِقوا مع الأفراد المسيئين خلف أبواب موصدة، ودون أن يحصلوا على الدعم الذي يجدونه في الأحوال العادية في مدارسهم أو من عائلاتهم الممتدة أو مجتمعاتهم المحلية. كما أدت جائحة كوفيد-19 إلى تعطيل أو إيقاف خدمات حيوية للصحة العقلية في 93 بالمئة من البلدان في العالم.

وقد أضافت هذه التأثيرات إلى جسامة الخسائر المثيرة للقلق أصلاً. وكنت قد كتبتُ في رسالتي السابقة عن تزايد اضطرابات الصحة العقلية بين الأطفال دون سن الثامنة عشرة — وهي مرحلة حرجة في نماء اليافعين. ويتطور نصف الاضطرابات العقلية قبل سن الخامسة عشرة، و 75 بالمئة منها بحلول السنوات المبكرة من مرحلة البلوغ. 

ويشكّل اليافعون غالبية الأشخاص الذين يتوفون من جراء الانتحار، والبالغ مجموعهم 800,000 شخص سنوياً، كما أن إيذاء الذات هو ثاني أكبر سبب من أسباب الوفاة بين الفتيات من الفئة العمرية 15 إلى 19 عاماً.

ومن المؤسف أن العديد من الأطفال واليافعين لا يسعون للحصول على مساعدة بسبب الوصم والتمييز المرتبطَين بالإساءات وبالاضطرابات في الصحة العقلية. 

كما تعاني خدمات الصحة العقلية من نقص التمويل في كل مكان تقريباً، ويجب على الحكومات أن تفعل المزيد في هذا المجال. ويُخصَّص أقل من 1 بالمئة من ميزانية الصحة في البلدان المنخفضة الدخل لخدمات الصحة العقلية.

ولكن بينما يواجه الأطفال واليافعون تحديات كبيرة لصحتهم العقلية، توفر هذه الجائحة أيضاً فرصة للتحدث عن الصحة العقلية بين الأطفال واليافعين والتعلّم عن هذا الأمر.

ما ينبغي القيام به: يطالب اليافعون من قبيل «تووليكا» بالدعم، ويجب أن نستمع إلى شواغلهم.

وثمة حكومات تستمع إلى هذه الشواغل. ففي بنغلاديش وجورجيا والهند، توفر خطوط المساعدة الهاتفية المجانية رعاية حاسمة الأهمية لدعم الأطفال. وقد تلقّى خط المساعدة الهاتفي المخصص للأطفال في الهند أكثر من 92,000 مكالمة من أطفال يطلبون الحماية من الإساءات والعنف في الأيام الـ 11 الأولى من الإغلاق العام الناجم عن كوفيد-19، أي بزيادة قدرها 50 بالمئة.

وفي كازاخستان، التي تعاني من أحد أعلى معدلات الانتحار بين المراهقين في العالم، أطلقت اليونيسف منصة في نيسان 2020 لتوفير خدمات استشارات نفسية فردية للمراهقين إضافة إلى توفير التدريب والتعليم للمختصين بالصحة العقلية للتعامل مع حالات القلق والتوتر التي نشأت عن جائحة كوفيد-19. 

وقد تم تدريب أكثر من 5,000 مرشد نفسي ومختص بالصحة العقلية خلال ثلاثة أشهر فقط. وثمة برامج أخرى في البلد تشجع الأنشطة التي تبني الترابط الاجتماعي بين المراهقين عبر جماعات دعم الأقران والمناقشات مع الوالدين، وإحداث تغيير من حالة الوصم المرتبطة بالصحة العقلية إلى توفير الفهم والرعاية، وفي الوقت نفسه زيادة خدمات الاستشارات والدعم.

وبالمثل، ثمة منظمات في جميع أنحاء العالم تعمل مع اليافعين لإضفاء صفة العادية على سعي المرء للحصول على مساعدة بشأن الصحة العقلية، وذلك من خلال حملات وتدخلات ثبت نجاحها. فعلى سبيل المثال، تعمل منظمة ’وقت التغيير‘ Time to Change على إنهاء التمييز المرتبط بالصحة العقلية في المملكة المتحدة من خلال العمل مع المعلمين وإدارات المدارس والطلاب لفتح حوارات والتعامل مع الوصم وتقديم الدعم لليافعين.

علينا أن نقوم بالمزيد: يجب على البلدان أن تخصص لهذه القضية ما تستحقه من استثمار، وأن توسّع خدمات الصحة العقلية والدعم توسيعاً كبيراً لليافعين في المجتمعات المحلية والمدارس، وأن تبني على برامج تنشئة الأطفال لضمان حصول الأطفال من الأسر المستضعفة على ما يحتاجونه من دعم وحماية في المنزل.

"يجب أن نتخلص من الاعتقاد بأنه لا حول لنا ولا قوة، وأن ندرك بأننا نتمتع بقوة غير محدودة". «كلوفر»، 20 عاماً، أستراليا

4. كوفيد-19 لا يميّز بين الناس، بيد أن مجتمعاتنا تمارس التمييز

لقد أثّرت جائحة فيروس الكورونا على جميع الناس في الكوكب تقريباً، بيد أنها لا تؤثر علينا تأثيراً متساوياً. ففي العديد من البلدان، قد يؤدي انتماؤك الإثني أو لون بشرتك أو وضعك المالي إلى زيادة أرجحية معانتك من تبعات الجائحة. 

فمثلاً، يشكّل الأمريكيون من أصل أفريقي 13 بالمئة من سكان الولايات المتحدة، بيد أن زهاء ربع الوفيات الناجمة عن كوفيد-19 حدثت في صفوفهم، كما أن أرجحية وفاة الأفراد المنتمين لهذه الأقلية من جراء هذا المرض تزيد بأربعة أضعاف عنها في صفوف المواطنين ذوي البشرة البيضاء.

وفي جميع أنحاء العالم، يعاني العاملون في الخطوط الأمامية، والعاملون في الخدمات الأساسية، والمواطنون المنتمون إلى إقليات إثنية، والفقراء والمستضعفون من خطر غير متناسب. فالأرجحية أكبر بأن يصابوا بعدوى المرض لأنهم معرضون أكثر، كما تقل أرجحية حصولهم على الرعاية والعلاج مقارنةً بسائر المواطنين. 

وهذا يعرّضنا جميعاً للخطر. فسواء أكنت غنياً أم فقيراً، إذا كان جارك مريضاً، فقد تصاب أنت بالمرض أيضاً. ولن تنتهي هذه الأزمة لأي أحد حتى ننهيها للجميع.

ويتزايد الفقر تزايداً كبيراً. فعلى صعيد العالم، يُقدّر أن عدد الأطفال الذين يعيشون في أُسر معيشية فقيرة مالياً قد ازداد بمقدار 142 مليون طفل بحلول نهاية عام 2020.

ولكن تأثيرات الفقر تتجاوز الصحة، فلا يقتصر الأمر على أن الأطفال الأشد فقراً هم الأقل قدرة على حماية أنفسهم من الفيروس، فهم الأقل قدرة أيضاً على الحصول على أدوات وخدمات التعلّم عن بُعد وغسل الأيدي. والخطر أكبر أيضاً بالنسبة للأطفال الذين يعيشون ضمن أزمات إنسانية.

ولا يقتصر الأمر على أن أرجحية أن يعيش الأطفال في الفقر تزيد بضعفين عنها بين البالغين — فهم أكثر عرضة أيضاً للمعاناة من تبعات لا يمكن إصلاحها وتمتد مدى الحياة. 

ومن النادر أن تتاح للأطفال فرصة ثانية للحصول على الجوانب البالغة الأهمية المتمثلة في التغذية المبكرة، والتعليم الجيد والرعاية الصحية اللائقة التي تمكنهم من البقاء والنماء والازدهار. ومن دون اتخاذ إجراءات لمواجهة هذا الأمر، فقد تستمر تبعات ذلك مدى الحياة.

ما ينبغي القيام به:

حسب التأكيد البليغ «لكلوفر»، ليس الأطفال واليافعون بلا حول ولا قوة. يجب أن نضمن أن تتوفر فرصة لكل طفل ليساهم في المجتمع وألا يتخلف أي طفل عن الركب، بصرف النظر عن النوع الجنساني أو العرق أو الإثنية أو الدين. 

ونحن بحاجة إلى التزام متجدد للتصدي لانعدام المساواة والتمييز. وكما قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، هذا العام، فنحن لا نحتاج فقط إلى جيل جديد من سياسات الحماية الاجتماعية، بل يجب علينا أيضاً أن نعالج أوجه التمييز المتجذرة القائمة على النوع الجنساني، والعرق، والإثنية عبر برامج وسياسات موجّهة.

ثمة عدد كبير جداً من الأطفال لا يتمكنون من الحصول على الخدمات الأساسية التي تتوفر لنا بكل يسر. فمثلاً، تُمثّل المياه النظيفة والصابون لبنات بناء أساسية لمنع انتشار كوفيد-19 وغيره من الأمراض. 

وقد استُخدمت ابتكارات من قبيل مراكز غسل المياه المحمولة، والتي تعمل ببدالات بالقدمين لمنع ملامسة الأيدي للسطوح، في الأسواق والمراكز الصحية والمدارس في الإكوادور وبلدان أخرى لحماية الأطفال من الفيروسات والبكتيريا.

وبوسع إجراءات الحماية الاجتماعية من قبيل التحويلات النقدية أن تكون أداة حاسمة الأهمية لمساعدة الأسر على إعالة نفسها على المدى القصير، وكذلك لمكافحة انعدام المساواة بصفة عامة - توفير الدعم لإرسال الأطفال إلى المدارس والمرافق الصحية، وشراء الأغذية المغذية، وتقليص عمالة الأطفال. وتعمل اليونيسف حالياً مع الحكومات في 115 بلداً لدعم توسيع برامج الحماية الاجتماعية ضمن جهود الاستجابة إلى كوفيد-19 والتعافي منه.

وتدل التجارب من الأزمات السابقة على وجود حجة استثمارية قوية لإيلاء الأولوية للقطاعات الاجتماعية، حتى أثناء التباطؤ الاقتصادي. وإذ تعمل الحكومات على حماية مواطنيها من الصدمات اللاحقة الناشئة عن كوفيد-19، عليها حماية الاستثمارات في جميع الخدمات الاجتماعية من الاقتطاعات في الميزانيات، وضمان استخدام مواردها بكفاءة للمحافظة على تقديم الخدمات.

"لقد تغيرت أشياء كثيرة في حياتنا، ولم يعد بوسعنا الخروج والمطالبة بالتغيير، ولكن هذا لا يعني أن الحركة المعنية بالمناخ ظلت صامتة ... فلا يمكن إسكاتنا. ما زالت أزمة المناخ جارية، ولم تختفِ، ولم تتغير". «فانيسا»، 24 عاماً، أوغندا

5. تغير المناخ هو الأزمة الأخرى التي تعم الكوكب والتي لن تنتظر

لقد علّمتنا جائحة كوفيد-19 أن المشاكل التي تعم الكوكب تتطلب حلولاً يساهم فيها جميع سكان الكوكب. وما من أحد يعاني من تغير المناخ أكثر من الطفل، فالطفل ضعيف أمام التغييرات في الهواء الذي يتنفسه والماء الذي يشربه والغذاء الذي يأكله. 

ونحن نعرف بأن الأطفال أكثر ضعفاً أمام شح الماء والغذاء الذي يهدد الحياة، وأمام الأمراض المنقولة بالماء التي تنشأ من جراء تغير المناخ. وإذا استمر المسار الحالي، فسيعيش ربع أطفال العالم بعد عشرين عاماً فقط في مناطق تعاني من شح شديد في المياه. ونحن، كبالغين، مسؤولون عن صحة الكوكب الذي نتركه لأطفالنا.

وسيؤدي الإخفاق في التصدي القوي لتغير المناخ إلى تفاقم انعدام المساواة. وبحلول عام 2050، من المتوقع أن تصل كلفة الضرر التراكمي لتغير المناخ إلى 8 ترليونات دولار، مما سيُفقر العالم ككل بنسبة 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين ستعاني المناطق الأشد فقراً من تراجع أشد. 

وإذا لم نتصرّف الآن، سيواجه أكثر من بليون شخص خطر التهجير خلال السنوات الثلاثين المقبلة إذ تؤدي أزمة المناخ والكوارث الطبيعية والنزاعات المسلحة إلى زيادة الهجرة، مما سيتسبب بتأثيرات كبيرة على البلدان النامية والبلدان المتطورة على حدٍ سواء.

ما ينبغي القيام به: علينا ربط جهودنا للاستجابة إلى كوفيد-19 والتعافي منه بإجراءات قوية وعاجلة تتصدى لتغير المناخ وتحمي بيئتنا.

ونحن نحتاج لبرامج تحفيز اقتصادي حكومية تولي الأولوية للنُهج القليلة الاعتماد على الكربون ولنَهج عالمي منسق إلى جانب الإجراءات المحلية. ونحن نعرف الحلول: جعل خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية قادرة على تحمل تغير المناخ والكوارث؛ واستحداث نُهج تعليم قادرة على التحمل من خلال إقامة مدارس خضراء وآمنة؛ وتقديم خدمات صحية مراعية لأخطار الكوارث وتغير المناخ؛ والحد من تلوث الهواء والتراب والمياه.

وإشراك الشباب كفاعلين في التغيير وكشركاء لنا في إحداث التغيير في مجال البيئة وتغيّر المناخ؛ وإقامة أنظمة للحماية الاجتماعية مراعية لتغير المناخ لدعم المتأثرين بالكوارث المرتبطة بالمناخ؛ واستحداث أنظمة تغذية وأنماط غذائية مراعية لتغير المناخ والكوارث. وإذا لم نقم بزيادة الاستثمارات المخصصة لهذه الأنواع من الحلول، سيكون التعافي من كوفيد-19 أصعب كثيراً.

وتترك العديد من هذه الحلول تأثيرات متوالية، إذ تعود بالفائدة على المجالين الصحي والاقتصادي في الوقت الذي تبني فيه القدرة على التحمل أمام الكوارث المستقبلية.

وفي عالمٍ يستهلك فيه 17 بلداً أكثر من 80% من الإمدادات المائية المتوفرة لها سنوياً، فإننا بحاجة إلى وضع رؤية جديدة لعالم يتمتع بالأمن المائي من أجل الأطفال. وبوسع التنسيق والتعاون الأفضل في إدارة مصادر المياه المشتركة أن يكون حافزاً للسلام وأن يمثل فرصة لبناء مدنٍ وسبل عيش أكثر استدامة، وبيئة نظيفة وآمنة للأطفال.

وفي الوقت نفسه، بوسع توفير المياه النظيفة لـ 40 بالمئة من سكان العالم الذين يفتقرون لمرافق المياه النظيفة والنظافة الصحية أن يمنع انتشار الأمراض المعدية من قبيل كوفيد-19، كما يُنتج في الوقت نفسه ريعاً يبلغ 4 دولارات عن كل دولار يُستثمر. وفي القرن الحادي والعشرين، ما من سبب يُعجزنا عن تزويد كل أسرة معيشية وكل مدرسة وكل مستشفى وكل عيادة صحية بالمياه النظيفة والصابون.

وخلال كل ذلك، يمكننا أن نتبع خطى الشباب، من قبيل «فانيسا»، الذين لا يكتفون بالدعوة إلى التغيير، بل يقومون أيضاً بجهود لتحقيقه. فمثلاً، طوّر الفائز في تحدي الابتكارات المتعلقة بكوفيد-19 والذي نظمته اليونيسف، وهو من نيجيريا، حلاً للمجتمعات المحلية التي تعاني من نقص المياه وتستخدم المياه غير المأمونة، ويعتمد هذا الحل على ألواح الطاقة الشمسية لإقامة أنظمة مستدامة لإمدادات المياه.

ولا تقتصر فائدة مثل هذه الحلول على المدى القصير فقط، إذ تعالج التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن كوفيد-19، بل تعمل أيضاً على بناء القدرة على التحمل وتقلّص الانبعاثات على المدى البعيد.

كلمة أخيرة...

لقد عرضتُ في الرسالة العامة التي كتبتها في عام 2019 مخاوفي وآمالي بشأن مستقبل الأطفال واليافعين. ولم أكن أعلم أنه بعد سنة واحدة فقط، وحسبما أوضحت الجائحة العالمية توضيحاً مأساوياً، سيظهر مدى قوة الأسباب التي تدفع إلى هذه المخاوف.

أما الأخبار السيئة فتتمثل في أنه مع استمرار الأزمة وتعمّق التبعات الاقتصادية، ما زال أمامنا أيام صعبة. فالعاصفة الاقتصادية تحطّم الميزانيات الحكومية وتؤدي إلى تراجع التقدم الإنمائي الذي تحقّقَ على امتداد عقود. وإذا أخفقنا عن التصرف على نحو حاسمٍ وسريع، فقد تستمر التأثيرات لأجيال مقبلة.

ولكن ثمة أخبار جيدة أيضا، فبوسعنا عكس هذه التوجهات من خلال تسخير هذه اللحظة بوصفها فرصة غير مسبوقة لإعادة البناء ووضع رؤية جديدة لأنظمة يمكن أن يعتمد عليها الأطفال واليافعون.

لذا فإن هذه دعوة للعمل من أجل الأطفال واليافعين موجّهة إلى القادة في جميع مجالات مجتمعاتنا — إلى السياسيين على الساحة الدولية، والزعماء الدينيين، وصانعي السياسات الحكوميين، ونجوم الرياضة، ومالكي وسائل الإعلام، والمناصرين، وإلى كل فرد منا.

يجب على المجتمع الدولي أن يدعم تعافياً شاملاً للجميع يولي الأولوية للاستثمارات في الأطفال وفي حقوق الطفل. وثمة نطاق واسع من القضايا يجب على القطاع الخاص أن يبذل المزيد بشأنها من أجل الوصول إلى الأطفال وحمايتهم عبر الابتكارات، بدءاً بالأمن والخصوصية على شبكة الإنترنت، إلى التعليم الرقمي، إلى توفير المياه النظيفة. ويجب على المواطنين أن يُخضِعوا السلطات للمساءلة وأن يتصدوا للتمييز وانعدام المساواة.

وفي هذه السنة، إذ تحتفل اليونيسف بالذكرى السنوية الخامسة والسبعين لوضع رؤية جديدة لمستقبل كل طفل، دعونا نقف وراء كل طفل ويافع بحسٍ جديد من الإلحاحية، إذ نخلق فرصاً جديدة لهم، ونحفّز أحلامهم، وندعمهم على امتداد مراحل حياتهم.

لن تكون جائحة كوفيد-19 آخر أزمة تواجهها الإنسانية. لذا دعونا نعمل متكاتفين كشركاء وأصدقاء لنخرج من هذه الجائحة أقوى مما كنا عليه سابقاً.


"اليونيسكو": جائحة كورونا تسببت بأضخم اضطراب تعليمي في التاريخ

كونا

أكدت المديرة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونيسكو"، أودري أوزلاي، أن تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد، تسبب بأضخم اضطراب تعليمي في التاريخ.

وقالت أوزلاي في تصريح لوكالة "كونا" الكويتية إن موجة الإغلاقات العالمية التي اجتاحت المدارس والجامعات أثرت على أغلبية الطلاب.

وأدت إلى تفاقم خطير في أوجه عدم المساواة في التعليم، وإحداث تحولات جذرية طالت نظما تعليمية برمتها حول العالم، محذرة من أن إغلاق المدارس والجامعات لفترات طويلة وتكراره يؤدي إلى تفاقم خسائر التعلم وتعاظم الآثار على الصحة العقلية للتلاميذ.

وشددت على ضرورة ابقاء المدارس مفتوحة أو إعادة فتحها في أقرب وقت ممكن، مع مراعاة الامتثال الكامل للقواعد الصحية، مذكرة أن تحالف يونسكو العالمي للتعليم يعكف على ضمان استمرار التعليم بكل السبل، من ضمنها التعليم عن بعد، رغم انه لا يمكنه ان يحل محل التعليم داخل المدارس.

وبينت أنه عندما وصلت الجائحة إلى ذروتها في ربيع عام 2020 انقطع نحو 1.6 مليار طالب عن المدرسة في أكثر من 190 بلدا، أي ما يمثل 90 في المئة من مجموع عدد الطلاب في العالم.

وأضافت: "اليوم وبعد مضي عام على تفشي الجائحة لا يزال أكثر من 800 مليون طالب يواجهون اضطرابات كبيرة في تعليمهم، ما بين الإغلاق الكامل أو تخفيض عدد الساعات الدراسية"، مؤكدة أن الأزمة قد تؤدي إلى تضخم فجوة التمويل السنوي المخصص للتعليم في البلدان الأشد فقرا لتصل إلى 200 مليار دولار سنويا.

مات إميل زولا وألفريد درايفوس ولم تمت قضيتهما "المشتركة"

إبراهيم العريس باحث وكاتب - اندبندنت عربية

بولانسكي يعيد السجال إلى الواجهة ومعتقل "كورونا" الكبير يسكته

قبل عام من الآن، وعشية طغيان حكاية كورونا على أي أمر آخر في فرنسا، كما في العالم أجمع، انشغلت الحياة الثقافية الفرنسية بفيلم جديد حققه السينمائي رومان بولانسكي في فرنسا تحديداً، ليدنو فيه مباشرة، وربما للمرة الأولى منذ زمن طويل، من تلك القضية التي كانت شغل فرنسا الشاغل قبل ذلك بمئة عام، وأكثر، لتصبح بالتدريج فضيحة اجتماعية وكارثة أخلاقية تقسم فرنسا كلها بين يمين ويسار، خالقة في طريقها تلك "الخصوصية" الفرنسية التي تجلت في تدخل المثقفين في الحياة الاجتماعية معبراً عنه بمقالة إميل زولا الشهيرة "إني أتهم".

أين الفيلم الكبير؟

والحقيقة أن تحقيق بولانسكي فيلمه عام 2019 دفع كثرين إلى التساؤل عما جعل السينما، حتى وإن دنت كثيراً من تلك القضية طوال مئة عام وأكثر، تعجز عن تقديم فيلم كبير يغوص في القضية من دون أن يجعل من إميل زولا مدخله إلى ذلك. فنحن نعرف دائماً أن الاسمين، درايفوس وزولا، باتا مترابطين إلى درجة رأى البعض معها أنه كان "من أسوأ ما يحدث لدرايفوس أن تصبح القضية قضية زولا أكثر مما هي قضيته".

ومن المهم أن نشير هنا إلى أن بولانسكي في فيلمه الأكثر جدة، كان من شأنه أن يثير كثيراً من النقاش المعيد صاحب القضية، وليس متبنيها فحسب إلى الواجهة، لولا هجمة كورونا. فالهجمة كما أشرنا أول هذا الكلام دفعت كل الأمور الأخرى إلى خلفية الاهتمام، ما ضيع من جديد على درايفوس فرصة "استعادة" قضيته هو، الذي حتى في حياته حقق عدداً كبيراً من أفلام تناولت قضيته، لكنه كان لا يفوته، بعد كل فيلم يدعى إليه ويشاهده أن يتساءل: ولكن أين أنا وقضيتي؟ شاكياً من أن زولا كان دائماً يشغل الواجهة فيما لا يبدو هو أكثر من ذريعة على غير صعيد، بل أحياناً لإعادة فتح قضية اللا سامية على حسابه!

بعد كل شيء لا بد أن يعيدنا فيلم بولانسكي هنا إلى أن نتذكر كيف أن قضية درايفوس، يمكن أن تعتبر في الحسابات كافة، أغرب قضية قضائية - سياسية عرفتها فرنسا في تاريخها.

أهواء مستعادة

والأغرب في شأن هذه القضية أنها لا تزال حتى يومنا هذا تثير من الأهواء الفرنسية ما تثير، وتستخدم سياسياً واجتماعياً بمقدار ما يمكن لمستخدميها أن يفعلوا، بل بمقدار ما يمكنهم أن يبدّوا القضية ونتائجها ودلالاتها على صاحبها "الشرعي".

واضح دائماً أن قضية درايفوس حية في فرنسا، إلى درجة تجعل الكثيرين ينسون أن هذه القضية انتهت منذ زمن بعيد، بل إن صاحبها الضابط ألفريد درايفوس نفسه رحل عن عالمنا عام 1935، في وقت كان فيه قد بات بعيداً جداً عن قضيته، بعد أن أعيد له اعتباره منذ عام 1908، وأعيد إلى الجيش، وباتت القضية كلها ذكرى قديمة.

والحال أن إعادة النظر في قضية درايفوس بدأت في مارس (آذار) 1904 حين قبلت المحكمة الفرنسية إعادة التحقيق في القضية. وقبل ذلك بعشرة أعوام، أي في 1894 كانت المحكمة العسكرية الفرنسية قد حكمت على النقيب ألفريد درايفوس بنزع رتبته العسكرية وسجنه بتهمة التجسس لصالح الألمان. فنفي إلى ما كان يعتبر في ذلك الحين أقسى منفى يرسل إليه عسكري فرنسي: إلى جزيرة الشيطان.

هجمة اللا سامية وأعدائها

كان يمكن لتلك القضية أن تكون قضية عادية، لولا أن درايفوس كان من أصل يهودي، وكان الزمن زمن انتشار موضة معاداة السامية والتصدي لها، وبالتحديد استناداً إلى مبادئ تسامح وقبول الآخر التي كانت من أساسيات فكرانية الثورة الفرنسية، وهكذا انبرى عدد كبير من المفكرين والسياسيين الليبراليين والاشتراكيين للدفاع عن درايفوس متهمين الجيش والسلطات الفرنسية بأنها إنما تتهمه ظلماً لمجرد أنه يهودي. 

وبسرعة أصبحت قضية ذلك الضابط شغل الناس جميعاً وحركت الأهواء في أوروبا كلها، بل يمكن لمن يقرأ سيرة مؤسس "العقيدة الصهيونية" التي كانت في أساس قيام دولة إسرائيل، هرتزل كيف أن تلك القضية هي التي حركته لبعث الفكرة الصهيونية ومحاولة إيجاد وطن قومي لليهود.

أيد لتحريك القضية

كان من بين أكثر المدافعين عن درايفوس حماسة إميل زولا وجان جوريس وجورج كليمنصو. ويومها، انقسمت فرنسا بأسرها إلى فريقين فريق مناصر لدرايفوس وفريق مُعادٍ له. 

وحتى حين كان العسكري مقيماً في منفاه كان هناك من يحرك قضيته وبعنف في فرنسا، وفي أوروبا كلها. ولقد وصل الأمر إلى ذروته عام 1898، حين تبين أن الوثيقة الأساسية التي تشكل دليل الاتهام ضد درايفوس مزورة. وفي العام التالي جرى نقض الحكم، لكن مجلس الحرب الفرنسي عاد وأكد الحكم بعد ذلك مع ظروف تخفيفية. 

وبعد فترة يسيرة صدر عفو رئاسي عن درايفوس لأسباب صحية، ما يعني أنه ظل متهماً، وهذا ما حرك أنصاره للمطالبة بإعادة محاكمته.

وبالفعل، نجح الأنصار في ذلك، وما إن حل يوم 12 يوليو (تموز) 1908 حتى أعلنت براءته وأعيد له اعتباره، بل أعيد إلى الجيش، ومنح وساماً. وكان يمكن للقضية أن تقف عند ذلك الحد، على الرغم من أن أوساطاً عسكرية عديدة ظلت تعتبر، ضمنياً، أن براءة درايفوس، مثلها مثل إدانته، ليست نهائية وقابلة للنقاش (وهو اعتقاد لا يزال قائماً حتى يومنا هذا، إذ في 1993 نشر باحث عسكري فرنسي في مجلة عسكرية دراسة تحاول أن تثير الشبهات من جديد من حول درايفوس، مقترحة أنه عمل بالفعل لصالح الألمان، وأن تبرئته لم تكن سوى تبرئة سياسية، لكن الباحث سرعان ما سكت من تلقائه، بحسب البعض، و"أسكت"، بحسب البعض الآخر، وصودرت أعداد المجلة التي نشرت بحثه).

العسكري الفرنسي درايفوس (غيتي)​​​​​​​

مجد من نوع خاص

مهما يكن، يمكن أن يقال إن ألفريد درايفوس قضى السنوات الباقية من حياته مكللاً بمجد خاص، وأنه استعاد خلال تلك السنوات حياته السابقة، وكان يصر في كل مرة يسأل فيها حول سنوات إدانته وسجنه على أن ذلك زمن قد مضى ولا يريد العودة للحديث عنه.

ولكن في مقابل صمت درايفوس، ظلت فرنسا بأسرها تتحدث عنها، وصارت قضيته أشبه بـ"قميص عثمان"، بحيث إنها سرعان ما تجاوزته كلياً. وصارت جزءاً من اللعبة السياسية الفرنسية، لا سيما خلال سنوات الثلاثين حين اشتد الصراع بين اليمين واليسار. 

والحال أن الزمن الذي مات فيه درايفوس كان زمن الصراعات الكبرى في فرنسا، وبخاصة زمن انبعاث موجة معاداة للسامية لم يسبق لها مثيل في التاريخ الفرنسي.

ولئن كانت الجبهة الشعبية قد وصلت إلى الحكم في العام التالي لرحيله فكرمته بعد موته، معتبرة إياه ضحية للأهواء التي اعتملت في أذهان وأفئدة اليمين، وكان من المفترض أن يكون تكريمه الفصل الأخير في قضيته، فإن العقود التالية ظلت، ولا تزال، تشهد عودة لقضية درايفوس كلما اشتد الصراع في فرنسا بين يمين لم يؤمن أبداً ببراءة درايفوس، ويسار كان يرى على الدوام أن قضية درايفوس تشكل حجر رحى في صراع أيديولوجي عنيف على الطريقة الفرنسية.

الفن حين يتدخل

وكما يحدث عادة في فرنسا، وغيرها، ظلت القضية حية بعد موت صاحبها، وظل النقاش من حولها حياً يشتد حيناً، ويخفت في أحيان أخرى، مع محاولات دائمة من قبل المبدعين للدنو منها في كتابات وأفلام ومسرحيات وأعمال فنية أخرى متنوعة. 

وكان الأخير حتى الآن رومان بولانسكي الذي بدا في فيلمه "استفزازياً" محاولاً أن يعود بالنقاش إلى حماسته القديمة، لكن سوء حظه جعل كورونا تهجم مسكتة كل تلك الأصوات التي بدأت السجال، وغالباً لخاطر السجال نفسه، حيث إن متابعي النقاش عجزوا بشكل عام عن فهم محور النقاش واستراتيجياته، لكن هذه تبقى حكاية أخرى!

حكايات جورج البهجوري وسيرته في رسوم على الورق

ياسر سلطان - اندبندنت عربية

معرض يضم 100 عمل تكشف تجربة الرسام المصري مع  فن الاسكتش

خط واحد متصل يتقاطع ويدور ويلتف، وما هي إلا لحظات حتى تظهر الملامح واضحة على الرغم ممّا فيها من تحريف ومبالغة. هكذا يرسم الفنان المصري جورج البهجوري كل تفاصيل حياته، تعوّد أن يرسم وجوه الناس، وإذا لم يجد يقف أمام المرآة ليرسم وجهه، المُهّم أن يظل يرسم بلا توقف. 

إلى جوار الرسم، لا مانع من الكتابة والتعليق بكلمات قليلة وعبارات لا تخلو من الطرافة. المئات من هذه الرسومات السريعة التي شكلها البهجوري بالرسم والكتابة تحكي سيرته منذ كان طفلاً في قريته "بهجورة" في صعيد مصر إلى تفاصيل رحلاته عبر عواصم العالم.

أكثر من مئة من هذه الرسومات السريعة للفنان جورج البهجوري تُعرض حالياً في غاليري مشربية في القاهرة حتى 17 من هذا الشهر. يضم المعرض جانباً من تجربة الفنان مع الاسكتش، وهي تجربة لازمته طوال حياته، فهو فنان نادراً ما تفارقه أدوات الرسم، يرسم في تنقلاته وجلساته، وغالباً ما يوزع هذه الرسومات على الأصدقاء وغير الأصدقاء، أو ربما يحتفظ بها لنفسه أحياناً.

جورج البهجوري يرسم كما يفكر ويفكر كما يرسم، يمتلك شخصية مرحة تتصيد النكتة من قلب الحوار بسهولة، وربما لهذا خاض تجربة الكاريكاتير في فترة من حياته. في رسوم بهجوري السريعة لابد أن تلمح هذه الطرافة، في خفة الخطوط، أو ملامح الوجه وميله للمبالغة في بناء تفاصيله. 

يضم معرضه القاهري عشرات النماذج من هذه الرسوم التي ظل يرسمها منذ أن استهوته هذه الغواية، إنها غواية الرسم التي يرى من خلالها العالم. يضم معرضه نماذج عدة من هذه الرسوم السريعة التي ربما تُشكل في مجملها مراحل عمره وسيرته الشخصية مع الرسم. رسوم عارية ووجوه وأشخاص منغمسون في الحديث، وعازفون مع آلاتهم الموسيقية، وآخرون غارقون في صمت. 

أعمال رسمها في مقهاه المفضل في القاهرة حيث تعود الجلوس، وأخرى تحمل روائح أماكن ومدن بعيدة في الشرق والغرب. بعض هذه الرسوم تُرك على حاله بالأبيض والأسود، وبعضها يحمل مسحة شفافة من اللون، ومن دون انتهاك طبيعة الاسكتش السريعة والمختزلة.

تعليقات مكتوبة

كثير من هذه الرسوم يحمل تعليقات مكتوبة أو مدونة أحياناً على خلفية أوراق الرسم، فالكتابة جزء من تجربة الفنان جورج البهجوري، وقد خاض غمارها متأخراً، كما يقول. 

صدرت للبهجوري على مدار العقدين الماضيين كتب مصحوبة برسوم ولوحات تحكي سيرته الذاتية، بدأها بكتاب "أيقونة فلتس" عام 1997؛ وفلتس هو اسم شعبي في العائلة القبطية. أما أبطال الرواية فهم أبوه وزوجة أبيه وعمه وأقاربه. 

فتحت له هذه الرواية باب الكتابه عن سيرته، إذ اتّبعها بإصدارات أخرى، منها "أيقونة باريس"، و"بهجر في المهجر" و"أيقونة شعب". كتابات البهجوري ارتبطت بما يسميه هو المشهدية في الأدب، فهو رسام في المقام الأول، وحين يصف شخصاً ما، أو مشهداً بعينه يتخذ هذا الوصف طبيعة خاصة ومميزة، وبأسلوب لا يخلو من السخرية والفكاهة.

أما علاقته بالكاريكاتير فتعود إلى بدايات عمله في الصحافة وكان لا يزال طالباً في الفنون الجميلة، فقد كلفه الروائي المصري الراحل إحسان عبد القدوس برسم صفحتين يومياً تحت عنوان "أخبارهم على وجوههم" في إحدى المجلات المصرية التي كان يرأس تحريرها عبد القدوس حينها. 

وفي منتصف السبعينيات واتته فرصة السفر إلى باريس، وهناك اتخذ قراراً بالبقاء ليضع فصلاً جديداً من تجربته، فقد مثلت باريس أحد أهم المحطات في حياته، وكان لها تأثيرها الواضح على فنه وإبداعه في ما بعد. في باريس كان لديه الوقت الكافي للقراءة والمشاهدة من جديد، وتضاءلت مساحة الصحافة من أولوية اهتماماته.

يعدّ البهجورى من أكثر الفنانين المصريين ارتباطاً بالشارع، هو يتجول ملتهماً بعينيه كل تفاصيل المدينة كي يُعيد صوغها من جديد. يحمل كل وجه من الوجوه التي يرسمها في أعماله ذاكرة رحبة للمكان تختلف وتتغير تفاصيلها من وجه إلى آخر، فالوجوه في مخيلته ترتبط بالأماكن ولا تنفصل عنها. 

هو يمارس فنه أينما حل، فبخطوط بسيطة متقاطعة لا يتوقف مسارها على سطح الرسم تتشكل هذه الوجوه والملامح، والتي تُهيّء نفسها للاستقرار والظهور بين الحين والآخر على سطح لوحاته الكبيرة. 

في أعماله المعروضة يرصد البهجوري مظاهر الحياة في المدينة، مستحضراً ذكريات وشخصيات كثيرة من الماضي، وجوهاً لساسة وكتاب وموسيقيين، أو حتى أشخاصاً مجهولين التقى بهم على نحو عابر.

تمتلىء أعمال البهجوري بالصخب والبهجة، وهو يُشكل معالمها بخطوطه المنفلتة والمتقاطعة في كل اتجاه، هذه الخطوط التي تُحاصر عن عمد هذه المساحات اللونية الموزعة على مساحة الرسم. 

هو يُحَوّل الجسد الذي طالما رسمه قبل ذلك عارياً أو مستتراً إلى كتل ومساحات متراصة وراسخة، منفصلة ومتداخلة مع ما يحيط بها من عناصر أخرى وخلفيات قاتمة ومضيئة. أما اللون فيتمايل تارة بين الأصفر والأحمر الملتهب، وأخرى بين الأبيض والأخضر والرماديات الهادئة.

ولد الفنان جورج البهجوري في مدينة الأقصر في جنوب مصر عام 1932، وهو واحد من الفنانين المصريين البارزين. اشتهر في بداياته برسوم الكاريكاتير السياسي، وتحمل أعماله مزيجاً من الحس التعبيري والتكعيبية، وتتميز بألوانها الزاهية. 

حصل البهجوري خلال مسيرته الفنية على العديد من الأوسمة الوطنية والدولية، وشارك في العديد من المعارض الجماعية في الكثير من عواصم العالم.

صدر مؤخراً كتاب لبنان الكبير من "سحر الخطأ التاريخيّ" إلى الدور الحضاريّ المُرتجى

مسيحيو دوت كوم

صدر مؤخراً عن دار سائر المشرق كتاب بعنوان: "لبنان الكبير: من "سحر الخطأ التاريخي" إلى الدور الحضاري المرتجى" للدكتور أمين الياس، يقعُ الكتاب في 64 صفحة.

في هذا الكتاب قسمان رئيسيّان: في الأوّل نجد قراءة استخلاصيَّة للمئة سنة المنصرمة من تاريخ هذا الكيان الحديث الولادة بما تضمّنته هذه المئويَّة من إشكاليَّات أرخت بثقلها على المحطات المحوريَّة من تاريخ هذا "اللبنان الكبير". أمَّا في القسم الثاني، فيَخرح فيه الكاتب من عباءة المؤرّخ ليأخذ دوره كمواطن يحاول استخراج مشروع فكرة-أمّ من معاناته الوطنيَّة. فكرة تقوم على "العلمانيَّة الشخصانيَّة" بما هي من نظام حياة يفصل ما بين الشأن السياسي والاجتماعي العام والشأن الديني والروحي الخاص، بما يحترم حريَّة ضمير الكلّ مساويًا ما بين كلّ المواطنين على المستويات المعنوية والقانونيَّة. علمانية تقوم على محوريَّة الشخص بما هو مصالحة ما بين أبعاد ثلاثة: الفرد، والآخر (بما يعنيه هذا الآخر من جماعة) والبُعد الما-فوقي أو الروحي. 


لبنان الكبير: حلم وهزيمة

ربَّما يكون حدث إعلان دولة لبنان الكبير في الأوَّل من أيلول 1920 أهمّ الأحداث التي شهدها لبنان منذ ذلك التاريخ وحتَّى يومنا هذا. ذلك أنَّ الأحداث اللاحقة مقارنة بهذا الحدث لم تكن إلَّا هزَّات ارتداديَّة لولادة كيان شاءَه جزءٌ من أبنائه ورفضه الجزء الآخر. 

في الواقع، وفي حين كانت هذه الولادة خاتمة نضال طويل خاضَه الموارنة (بقيادة الكنيسة المارونيَّة وبعض المثقّفين والأحزاب والجمعيَّات اللبنانيَّة التوجُّه) الذين اعتبروا أنَّ لبنان الكبير هو التحقُّق الواقعيّ والقانونيّ لحلمهم التاريخيّ، كانت بالنسبة للمسلمين عامَّة، وللسُنَّة خاصَّة، هزيمة سياسيَّة وخيبة أمل ببناء دولة عربيَّة موحَّدة تكون التحقُّق التاريخيّ لتصوُّرهم العربيّ. وممَّا زاد الطين بلّة عندهم أنَّ هذه الدولة العربيَّة كانت التعويض المعنويّ والواقعيّ الوحيد للفراغ، الذي وجد العرب المسلمون أنفسهم فيه بعد العام 1924 إثر إلغاء أتاتورك الخلافة الإسلاميَّة. صحيح أنَّ فكرة القوميَّة العربيَّة، أو العروبة، نادى بها في البداية العديد من مُفكّري النهضة الأولى المسيحيّين من أمثال بطرس وسليمان البستاني وإبراهيم اليازجي وأمين الريحاني وغيرهم، وهي كانت بالنسبة لهؤلاء الأرضيَّة المشتركة التي يمكن أنْ تجمعهم مع المسلمين من أجل النضال ضدّ الأتراك. غير أنَّ المسلمين بغالبيَّتهم الساحقة لم يستطيعوا الخروج من فكرة ومقولة أنَّ العروبة هي الإسلام. بتعبير آخر كانت العروبة عندهم تعويضًا معنويًّا ومشروعًا يمكن أنْ يحلّ مكان نموذج الخلافة الإسلاميَّة. إذًا، في هذا المرحلة، كُنّا أمام فريقَيْن: أوَّل مسيحي ماروني يعتبر لبنان ابن نضاله وتحقيقًا لحلمه التاريخي، وبلدًا يمكن للمسيحي أنْ يعيش فيه حرًّا، سيّدًا، قادرًا على تحقيق ذاته الإنسانيَّة وعلى فرض وجوده وهويّته في عالمٍ مُتجدّد ومُتطوّر؛ وثانٍ مسلم بغالبيَّة سنيَّة (ذلك أنَّ الشيعة والدروز لم يكونوا قد بلوروا توجُّهًا سياسيًّا واضحًا آنذاك)، يعيش حالة هلعٍ وضياع سبّبهما إلغاء الخلافة لتُعمّقهما في ما بعد ولادةُ دولة لبنان الكبير وسقوط مشروع الدولة العربيَّة الموحَّدة.

جاء العام 1936 بتغيُّراته الاستراتيجيَّة الكبرى نقطة تحوّلٍ في موقف المسلمين من لبنان. فالسوريُّون، المطالِبون بإعادة ضمّ المناطق الملحقة بلبنان عام 1920، استغنوا عن مطالبتهم بحُكم المعاهدة الفرنسيَّة-السوريَّة، مُفضّلين صبَّ جهودهم على توحيد أقاليم سوريا الأربعة (المنطقة العلويَّة، والمنطقة الدرزيَّة، حلب ودمشق). بينما انقسم المسلمون السُنّة في لبنان فريقَين: أوَّل أصرّ على الوحدة السوريَّة-العربيَّة، وآخر بدا أكثر واقعيَّة وتقبُّلًا لفكرة الكيان اللبنانيّ المستقلّ على أنْ يكون جزءًا من عالمٍ عربيّ على طريق الاتّحاد (وهو النموذج الذي عكسته في ما بعد جامعة الدول العربيَّة). تجرّأ كاظم الصلح، في مقالته التي تحوَّلت كُتيّبًا «مسألة الاتصال والانفصال في لبنان»( )، على دعوة المسلمين إلى الاعتراف بلبنان الكبير والاتّفاق مع المسيحيّين على مشاركتهم السلطة وإدارة البلاد بانتظار تحقُّق الحلم الكبير بإقامة الدولة العربيَّة الموحَّدة أو الاتّحاد العربيّ بموافقة الجميع بمن فيهم المسيحيّون والموارنة أنفسهم. تلاقى هذا الموقف مع التوجُّه المارونيّ الاستقلاليّ بقيادة يوسف السودا، وكانت ترجمة هذا التلاقي بميثاقٍ وطنيّ أوَّل مكتوب( ) في العام 1938 كان أساس الميثاق الوطنيّ الشفهيّ الذي اتّفق عليه رياض الصلح وبشارة الخوري في العام 1943( )، وعكساه في خطبهما وبياناتهما الوزاريَّة والتعديل الدستوري الذي جرّد الانتداب الفرنسيّ من كلّ صلاحيَّاته الدستوريّة.

طبعًا كانت التسوية طائفيَّة. إذ إنَّها قامت بين جماعتَين دينيَّتَين وثقافيَّتَين مُختلفَتَين: المسيحيِّون والمسلمون. وكان كلٌّ من الصلح والخوري مُدركَين لهذا الواقع. من هنا استفاضة كلّ البيانات الوزاريَّة والخطب الرئاسيَّة والمشاريع السياسيَّة بالتشديد على الطابع الموقَّت للطائفيَّة إلى حين بناء المجتمع المدنيّ على أساس المواطَنَة والهويَّة اللبنانيَّة والتربية المدنيَّة. حتّى أنَّ المواد المتعلّقة بالطائفيَّة في الدستور اللبناني هي ذات طبيعة موقَّتة كما بيّنته دراسات العلَّامة الدستوري إدمون ربّاط( ).

غير أنَّ رياح المنطقة جرت بما لم يكن يتوقّع أرباب التسوية اللبنانيَّة آنذاك. اصطدم العرب بعضهم ببعض حول مشاريع الوحدة العربيَّة، فهذا ينادي بالهلال الخصيب، وذاك ينادي بسوريا الكبرى. ثمَّ كان إعلان دولة إسرائيل في العام 1948 لتليها هزيمة الجيوش العربيَّة في العام نفسه وهجرة مئات آلاف الفلسطينيّين إلى الدول المحيطة ومنها لبنان. تشظَّت المنطقة بين سياسات أحلافٍ متناقضة، ثم كان تحوُّل الأنظمة العربيَّة إلى الدكتاتوريَّة العسكريَّة يزايد كلٌّ منها على الآخر بعروبته ووفائه للوحدة العربيَّة وللتحرُّر العربيّ من الاستعمار وللقضيَّة الفلسطينيَّة. كان على لبنان، هذا الكيان الحديث الولادة والدقيق المعادلات، أنْ يتعامل مع كلّ هذا الضغط المتأتّي من الخارج والمسبّب لتردّدات داخليَّة. توقَّفت مسيرة التطوّر السياسيّ مباشرة، وكان التجديد للرئيس الخوري العام 1948 بما يمثلّه من خرقٍ للدستور خير دليل على ذلك. فجأة سقطت كلُّ مشاريع التطوير السياسيّ في لبنان التي كان يُفترض بها أخذه أكثر باتّجاه العلمانيَّة وإلغاء الطائفيَّة. وعلى الرغم من محاولة الرئيس فؤاد شهاب إبَّان الستينيَّات إجراء بعض الإصلاحات فإنَّها اقتصرت على المجالات الإداريَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، ولم يستطع المسّ بطبيعة النظام الطائفيّ اللبنانيّ.

على الرغم من الازدهار الذي شهده لبنان، ومحافظته وحيدًا في الفضاء العربيّ على شكلٍ من الديمقراطيَّة وتداول السلطة ومساحة للحريَّات الفرديَّة والجماعيَّة وللِّقاءٍ بين التيَّارات الفكريَّة والدينيَّة والسياسيَّة المختلفة، فإنَّ الطائفيَّة كانت حاجزًا أمام تشكيل شعبٍ لبنانيّ على أساس المواطَنة. سقطت كلّ مشاريع القوانين المدنيَّة في المجلس النيابي بحجَّة أنَّها لا تتلائم والشريعة الإسلاميَّة. وبالمقابل سقطت كلّ المطالب بتعزيز مشاركة المسلمين في السلطة السياسيَّة بحجّة الدفاع عن الامتيازات المسيحيَّة. فكان أنْ خرجت على لسان السيّد مُنح الصلح فكرة استئثار المارونيَّة السياسيَّة بالسلطة( ).

ظلّ النقاش مُحتدمًا بين تيَّار الهويَّة اللبنانيَّة وتيَّار العروبة ليتحوَّل صراعًا سياسيًّا دائمًا كان يتفجّر عند كلّ لحظةٍ تتكامل فيها عناصر التفجُّر الداخليَّة والخارجيَّة كما حصل عامَي 1958 و1969. ثم أتى صعود الناصريَّة ومن بعدها صعود نجم المقاومة المسلَّحة الفلسطينيَّة التي حوَّلت مخيَّمات لبنان، بدعمٍ عربيّ ولبنانيّ-إسلاميّ، إلى معسكرات وثكنات عسكريَّة، ليعلنا بدء انهيار تسوية العام 1943 بين المسيحيّين والمسلمين.

جاء العام 1975 عامًا فاصلًا في تاريخ لبنان السياسيّ لما عناه من تكريسٍ للانقسام المسيحيّ-الإسلاميّ في لبنان حول هويّته وشخصيَّته ودوره ونمط حياته وعلاقاته وحتّى ديمومته وطبيعة نظامه السياسيّ والاجتماعيّ( ).


أخطأ تاريخي؟

للمرّة الأولى بعد إعلان دولة لبنان الكبير العام 1920 والتسوية الميثاقيَّة العام 1943 بدأ المسيحيُّون التفكير بإعادة النظر بلبنان الكبير. مُذَّاك تصاعدت موجة المسيحيّين الذين يلومون البطريرك الياس الحويّك على إصراره على حدود لبنان الكبير وضمّه تلك المناطق ذات الغالبيَّة المسلمة. كثيرون منهم أيضًا ندموا على تسوية العام 1943 ورأوا وقوف المسلمين إلى جانب كلّ التيَّارات العربيَّة وصولًا لتفضيلهم البندقيَّة الفلسطينيَّة على سيادة لبنان واستقلاله وازدهاره وأمنه وجيشه خرقًا فاضحًا لميثاق 1943. هنا علت بينهم المطالبات بالعودة لحدود لبنان الصغير. وقد يكون الكتاب الضخم (الذي هو كناية عن مجموعةٍ من الكتيّبات الصادرة عن نخبةٍ مُفكّرة في جامعة الروح القدس الكسليك) أدلّ تعبير على شعور الخيبة لدى النخبة المسيحيَّة من تجربة العيش مع المسلمين؛ كان عنوان الكتاب: «لبنان الكبير مأساة نصف قرن»( ).

قد تكون هذه النخبة أوَّل من طالب بثنائيَّة العَلْمَنة والفَدْرَلة في لبنان. وهي أوردت اقتراحاتها في المجلّد المذكور آنفًا حيث طُرح «الحلّ الفدراليّ» كسبيلٍ للخروج من أزمة النظام السياسيّ في لبنان. كان هذا الاقتراح موجَّهًا من نخبةٍ مسيحيَّة إلى المسلمين اللبنانيّين تقول لهم فيها ما معناه: إمَّا العَلْمَنَة وإمَّا الفَدْرَلَة. كان هذا الاقتراح محاولة ردّ على مقالةٍ لمدير عام دار الإفتاء في الجمهوريَّة اللبنانيَّة، السيّد حسين القوتلي، يُعبّر فيها بصدق عن الوجدان المسلم، خاصَّة السنيّ منه. يقول في مقدَّمة مقالته المنشورة في 18 أيلول 1975( ): «إمَّا أنْ يكون الحاكم مسلمًا والحكم إسلاميًّا فيرضى عنه [المسلم] ويؤيّده وإمَّا أنْ يكون الحاكم غير مسلم والحكم غير إسلاميّ فيرفضه ويعارضه ويعمل على إلغائه باللين أو بالقوّة بالعلن أو بالسرّ. هذا موقف واضح [...] هو في أساس عقيدة المسلم. وإنَّ أي تنازلٍ من المسلم عن هذا الموقف أو عن جزءٍ منه، إنَّما هو بالضرورة تنازلٍ عن إسلامه ومعتقده [...]».

طبعًا يجب ألّا ننسى هنا توجّهات الشيعيَّة السياسيَّة، بعد تغييب الإمام موسى الصدر، التي ذهبت بمعظمها إلى تبنّي النموذج الإسلاميّ الإيرانيّ -بعد ثورة العام 1979- وربما خير دليل على ذلك ليست فقط شرعة حزب الله السياسيَّة الصادرة العام 1985 والتي يعلن فيها هدفه بجعل لبنان جزءًا من الجمهوريَّة الإسلاميَّة بقيادة الوليّ الفقيه( )، بل بمشاريع الدساتير الإسلاميَّة التي عمل عليها كثيرٌ من الأئمة الشيعة من أمثال محمد حسين فضل الله وغيره (مع أنَّهم عادوا وحادوا عن هذه المشاريع في ما بعد، لكنّ الواقعة كانت قد وقعت)، دساتير تهدف لتحويل لبنان، بعد أسْلَمَة مُجتمعه إلى دولة إسلاميَّة تحكمها «الديمقراطيَّة العدديَّة» الطائفيَّة الإسلاميَّة( ).

وعليه حكمت ثنائيَّة الفَدْرَلَة-العَلْمَنَة كلَّ الجدل السياسيّ-الفكريّ في لبنان حتَّى كان اتّفاق الطائف عام 1990، اتّفاق فرضته التحوُّلات الدوليَّة والإقليميَّة في منطقة الشرق الأوسط على لبنان بحيث يوضع هذا البلد الصغير تحت الوصاية السوريَّة بموافقة الدول الكبرى ومباركتها، وأهمّها الولايات المتحدة الأميركيَّة.


تسوية ما بعد الطائف: اِستمرار سحر لبنان الكبير

اِنسحب الجيش السوري ومخابراته من لبنان في نيسان 2005 إبَّان تحوُّلات إقليميَّة ودوليَّة ومحليَّة أهَّمها أحداث 11 أيلول 2001 والاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003 واغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005. عادت «المارونيَّة السياسيَّة» لتحتلَّ مكانها في النظام الطائفيّ اللبنانيّ بعد إبعادٍ دام خمسة عشر عامًا إثر هزيمة 13 تشرين الأول 1990، بعد أنْ كانت الطائفيَّات السياسيَّة الإسلاميَّة قد تقاسمت مغانهما برضا وتحكيمٍ سوريَّين.

كان من المنطقيّ أنْ تصطدم طموحات «المارونيَّة السياسيَّة» المتجدّدة بإرادة الطائفيَّات الإسلاميَّة المحافظة على مغانمها. وعلى الرغم من انقسامها السياسي، برزت رغبة عارمة عند جميع أطياف المسيحيَّة السياسيَّة لاسيَّما المارونيَّة منها بزيادة حصّتها من النظام الطائفيّ السياسيّ في لبنان والتي مثَّل التيَّار الوطني الحرّ بقيادة الرئيس ميشال عون أبرز تجليَّاتها.

وربّما كان الشلل التام الذي ضرب الدولة اللبنانيَّة منذ العام 2005 حتى أيلول 2016 أبرز دليل على انتهاء صلاحيَّة اتّفاق الطائف كما طُبِّقَ منذ العام 1990. مثّلت الأزمة الرئاسيَّة بين عامَي 2014 و2016 ذروة هذا الشلل، لتأتي الانتخابات الرئاسيَّة بعدها محطة-مفترقًا حاولت فيه «المارونيَّة السياسيَّة» تعزيز دورها في النظام السياسيّ من خلال فرض «رئيس قويّ تمثيليًّا»؛ وقد جوبهت هذه المحاولة بعنادٍ إسلاميّ راغب بالمحافظة على امتيازاته التي حصل عليها إبَّان الحقبة السوريَّة.

خلال فترة الفراغ الرئاسيّ برزت أصوات تُعيد التذكير بجدليَّة الفَدْرَلَة والعَلْمَنَة. في محاضرةٍ في مركز عصام فارس في 22 تشرين الأول 2014 عبَّر الرئيس إيلي الفرزلي عن حقيقة رفض الزعماء المسلمين إعادة لعب المسيحيّين دورهم في الدولة، يقول( ): «كلّ الزعماء المسلمين يرفضون السماح للمسيحيّين بإعادة لعب دورهم في السلطة والدولة. والمرحلة التي نمرُّ بها حاليًّا هي مرحلة مصيريَّة، فإذا لم يتمّ اعتماد قوانين وتعديلات وآليَّات تُعيد للمسيحيّين دورهم وتعطيهم المناصفة الحقَّة فإنَّهم سوف يذهبون إلى خيارات أخرى مصيريَّة ووجوديَّة للكيان اللبناني». واللافت أيضًا في هذا الكلام أنَّه أتى عقب محاضرة للصحافي جان عزيز( ) الذي أصبح في ما بعد المستشار الإعلاميّ للرئيس ميشال عون، عبَّر فيها عن قناعته بأنَّه ما دام المسلمون يرفضون إعادة التوازن إلى النظام السياسيّ من خلال انتخاب رئيسٍ ذات حيثيَّةٍ تمثيليَّةٍ مسيحيَّة أو القبول بإقرار قانونِ انتخاب يُعيد للمسيحيّين المناصفة الكاملة، فإنَّ المسيحيّين «سيضعون الآخرين أمام مشاريع تبدأ بالفدراليَّة ولا تنتهي بالتقسيم».

بهذا يمكننا أنْ نفهم أنَّ شيئًا ما كان يجري -وربما لا يزال- في كواليس النخب الفكريَّة والسياسيَّة المسيحيَّة يشي بأنَّهم أعادوا إلى جدول أعمالهم فكرة الفدراليَّة كمشروع نظامٍ سياسي بديل عن نظام الطائف المشلول كلّيًّا. خاصَّة وأنَّهم يجدون أنفسهم في جوٍّ إقليميّ شديد الخطورة تتفكَّك فيه الدول في العراق وسوريا وليبيا واليمن وتتعرَّض فيه الأقليَّات والأكثريَّات على أنواعها لاضطهادات مُرعبة على يد الجماعات الإسلاميَّة المتطرِّفة والتكفيريَّة.

على ضوء هذه المعطيات علينا قراءة التصريحَين الصحافيَّين للعماد ميشال عون -قبل انتخابه رئيسًا- في حزيران 2015 حيث يُعبّر بوضوح على أنَّ العلمانيَّة هي النظام الأمثل للبنان. غير أنَّ عدم استعداد اللبنانييّن لهذا الخيار، وتعنُّت التيَّارات الإسلاميَّة السياسيَّة برفض مبدأ المناصفة الفعليَّة بين المسلمين والمسيحيِّين في النظام ربما سيدفعان بالمسيحيّين إلى المطالبة باللامركزيَّة الموسَّعة وصولًا إلى الفدراليَّة( ). هذان التصريحان يجب عطفهما على ورقة إعلان النوايا بين التيَّار الوطني الحرّ وحزب القوّات اللبنانيَّة التي تنصّ في مادتها الرابعة عشر على «اعتماد اللامركزيَّة الإداريَّة والماليَّة الموسَّعة ونقل قسم كبير من صلاحيَّات الإدارة المركزيَّة ولاسيَّما الإنمائيَّة منها إلى سلطات لامركزيَّة مُنتخبة وفقًا للأصول وتأمين الإيرادات الذاتيَّة اللازمة لذلك»( ). ومن المعلوم أنَّ حزب القوّات ليس ببعيدٍ عن فكرة الفدراليَّة منذ أيَّام الرئيس بشير الجميِّل وصولًا إلى ترؤس السيّد سمير جعجع حزب القوّات اللبنانيَّة. ولم يكدّ يمرّ أسبوعان على كلام العماد عون حتى صرّح السيّد سامي الجميّل في تموز 2015 عند تسلّمه رئاسة حزب الكتائب بفشل الدولة المركزيَّة في لبنان وأنَّ الحلّ الوحيد لن يكون سوى اعتماد النظام الاتحاديّ( ) -أي الفدراليّ- شكلًا جديدًا لإدارة الدولة اللبنانيَّة. بهذا تكون الأحزاب المسيحيَّة الثلاثة الرئيسيَّة في البلاد قد خرجت صيف العام 2015 بخلاصةٍ موحّدة مفادها أنّ الفدراليَّة أو النظام الاتّحاديّ هو مطلبهم الضمنيّ.

ربما يكون رئيس تيَّار المستقبل، الرئيس سعد الحريري قد أدرك هذا التوجُّه المسيحيّ (وربما قيادة حزب الله أيضًا). وربما كان هذا أحد أهمّ الأسباب التي دفعته - إضافة إلى أسبابٍ أخرى معروفة وغير معروفة- بعد رفضٍ طويل، إلى تبنّي ترشيح العماد عون للرئاسة الأولى، والقبول بتسويةٍ ثلاثيَّة الأبعاد تجمع ما بينه وبين التيَّار الوطني الحرّ وحزب الله. إنَّ هذه التسوية التي أُعلِن عنها أواخر صيف 2016 والتي أتى بموجبها العماد عون رئيسًا للجمهوريَّة اللبنانيَّة هي التي أعطت اتّفاق الطائف الأوكسجين الكافي ليستمرّ بالحياة. أمّا ما بعد سقوط هذه التسوية والانهيار التام الحالي الحاصل، السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا سيبقى من الطائف؟ 

بالتوازي مع هذا، هناك حراك مدنيّ-شعبيّ أيضًا انطلق العام 2011 تحت شعار "إسقاط النظام"، وتوضّحت ملامحه صيف 2015، حراك كان مطلبه الأساس إسقاط النظام الطائفيّ وبناء الدولة العلمانيَّة. ولم يترافق هذا الحراك بمطالب شعبيَّة فحسب، بل بمحاولات لتشريع الزواج المدنيّ في لبنان وشطب القيد الطائفيّ عن سجلّات النفوس. ثم كان 17 تشرين الأوَّل 2019 حيث انفجر اللبنانيُّون بوجه أطراف السلطة جميعًا تحت شعار "كلّن يعني كلّن".

يبقى لافتًا، رغم كلّ هذا المخاض، ورغم كلّ هذه المسار التاريخيّ الذي فيه من الخيبات بقدر ما فيه من الآمال والتحدّيات، بقيَ لبنان الكبير صامدًا -هذا البلد الذي وصفه كثيرون بالخطأ التاريخيّ وبالكيان الاصطناعيّ- وها هو يحتفل بمئويّته الأولى. أمرٌ صادم حقًا، كيف استطاع هذا الكيان أنْ يمارس سحره على الأفرقاء الداخليّين والخارجيّين حتى يومنا هذا. لماذا يستمرّ اللبنانيَّون في العودة إلى هذا الكيان رغم كلّ خلافاتهم؟


نحو مئويَّة جديدة: أيّ نظام سياسيّ لأيّ لبنان؟

في افتتاحه السنة الاحتفاليَّة بمئويَّة لبنان الكبير خَتَمَ الرئيس ميشال عون كلمته بالتالي: «لبنان الكبير نريده لمئة سنةٍ أخرى، ولألف سنة، بلد الإشعاع، والحريَّات، وتفاعل الحضارات، والديمقراطيَّة، والابتكار، والتنوّع، وأرض الإيمان والتراث»( ).

كيف يمكن أنْ نحافظ على لبنان لمئة سنةٍ أخرى؟ وما الفكرة الأمّ التي نحتاج إليها لوضع أسُس لبنان الجديد القادر على مواجهة تحدّيات المئويَّة المقبلة؟

قد يكون واقع أنَّ لبنان يُشكّل مساحة للحريَّات وللقاء بين «العائلات الروحيَّة» المتنوّعة في المشرق والفضاء العربي هو ما يعطيه الدور الحضاريّ الذي كان علّة وجوده. السؤال الكبير الذي يُطرح هنا: هل لا يزال لبنان فعلًا صاحب دورٍ حضاريّ؟ هل لا يزال يُشكّل نموذجًا يُحتذى؟ لا بل هناك اليوم أسئلة أكثر بديهيَّة من مثل: هل هو قادر على الاستمرار مئة سنة أخرى؟ هل لا يزال يتمتّع بمقوّمات البقاء والازدهار والإشعاع ليكون له هذا الدور؟ كثيرون باتوا مُقتنعين بأنَّ لبنان كما يُقدّم نفسه اليوم ليس قادرًا على البقاء. وإنْ بقيَ فلن يكون نموذجًا للدور الحضاريّ بل للدولة الفاشلة حيث يعمّ الفساد والتخلّف والانحطاط والفقر والبؤس والاقتتال.

ربما يكون أكثر ما يحتاجه لبنان اليوم هو هذه «الفكرة الأمّ» (Idée matrice) التي تكون قادرة في آنٍ على إخراج لبنان من المستنقع القابع فيه منذ العام 1969 وعلى إنارة مسيرته نحو المئويَّة المقبلة.

عددٌ مهمّ من التيّارات اللبنانيَّة( ) ومن المُفكّرين اللبنانيّين، من مثل ناصيف نصّار، يُعبّرون عن قناعتهم بأنّ الحلّ الأجدى يتمثّل بالعلمانيَّة. الأطروحة المقابلة لها تقول إنّه يستحيل تطبيق علمانيَّة - بحسب النموذج الغربي- في مجتمعٍ شرقيّ طائفيّ. ما الحلّ إذًا؟

دفعت هذه الجدليَّة عددًا من المفكّرين لطرح السؤال التالي: أيّ علمانيَّة لأيّ لبنان؟ الغرابة في مسألة العلمانيَّة أنّها تبدو، من جهة، الجواب الأصحّ والأوضح لأزمة لبنان وحتّى أزمات كلّ مجتمعات دول الفضاء العربيّ، والمدخل إلى الحداثة والمستقبل والاستقرار والازدهار، ومن جهة ثانية، مستحيلة التطبيق لرفض المجتمع الشرقيّ-العربيّ لها لأسبابٍ دينيَّة وثقافيَّة. كان ثمة رأي هنا يقول إنَّ علينا تجاوز هذا الصراع الجدليّ باتّجاه «علمانيَّة» تكون نابعة من تراثنا ومعاناتنا وثقافتنا ومتوافقة مع البُنى المجتمعيَّة المشرقيَّة العربيَّة.

ثمة من ذهب باتجاه القول بـ«الدولة المدنيَّة». غير أنَّ هذا التعبير يُعَدّ نوعًا من المواربة لأسباب عدّة: منها أنّه مصطلحٌ غامضٌ وحمّالُ أوجه، ولا يعبّر إلّا عن حالة هرب من العلمانيَّة باتّجاه مفهومٍ يُلغي الطائفيَّة السياسيَّة ليُبقي على الأشكال الأخرى من الطائفيَّة من مثل الطائفيَّة الاجتماعيَّة والقانونيَّة والتربويَّة والثقافيَّة. هذا الأمر لن يكون إلَّا تجهيزًا لمرحلةٍ جديدة من الصراع الدامي في لبنان ما بين عائلاته أو جماعاته الطائفيَّة التاريخيَّة حول المشاركة في السلطة السياسيَّة. الأخطر من هذا الأمر هو أنَّ تعبير «المدنيَّة» إنّما هو اختراع الإسلام السياسيّ -لاسيّما الممثَّل بتيَّار الإخوان المسلمين- وهو تعبير حقّ يُراد به تكريس إسلاميَّة الدولة. بعض المفكّرين كان أكثر جذريَّة في طرحه، من مثل مشير باسيل عون الذي دعا جهارًا في كتابه أهؤلاء هم اللبنانيّون؟( ) إلى علمانيَّة، لا تكون قاهرة بل «هنيَّة». 

في كتابي الذي أصدرته في العام 2017 عن دار سائر المشرق والذي عَنْوَنتُه علمانيَّة من عندنا( ) حاولتُ أنْ أظهرَ للقارئ اللبنانيّ والمشرقيّ والعربيّ كيف أنَّ مفكّرين لبنانيّين نجحوا من على منبر «الندوة اللبنانيَّة» (1946-1984) في بَلْوَرَة نموذجٍ علمانيّ سمّيتُه «من عندنا» تُحاكي البُنى المجتمعيَّة والفكريَّة في لبنان والمشرق. وهو نموذج يقوم على «التمييز» لا «القطع» بين الدينيّ والسياسيّ، أو بين الدين والدولة. 

قبل هاتَيْن المحاولتَيْن، كان البابا بنيدكتوس السادس عشر في ورقةٍ تحضيريَّة للسينودس الخاصّ بكنائس الشرق الأوسط (2012) صادرة في حزيران 2010، قد دعا المسيحيّين الكاثوليك في الشرق الأوسط إلى «التعاون مع المسيحيّين الآخرين والمفكّرين والمُصْلِحِين المسلمين لتعميق مفهوم العلمانيَّة الإيجابيَّة في الدولة» (الفقرة 25) رابطًا إياها بـ"حرية الضمير" أي أنْ يكون «الفرد حرًّا في أنْ يؤمن أو لا يؤمن» وأنْ يكون حرًّا في تغيير ديانته.

هناك إذًا مسار فكريّ يُقدّم مشروع «فكرة أُمّ» تقوم على «علمانيَّة إيجابيَّة، رحبة، هنيَّة، من عندنا». لكن يبقى هناك أمرٌ ناقصٌ في هذا المسار يعكسه السؤال التالي: كيف نوائم بين حقوق الجماعات (التي هي في لبنان وفي المشرق جماعات تاريخيَّة ثقافيَّة طائفيَّة) وحقوق الأفراد؟ 


علمانية شخصانية

تقوم العلمانيَّة نظريًّا على محوريَّة المواطن-الفرد دون الاعتراف بالجماعات. لكنّ الجماعات في شرقنا واقعٌ تاريخيٌّ ثقافيٌّ طائفيٌّ يعود إلى مئات بل آلاف السنين. هل يُمكننا إلغاء هذا الواقع بشحطة قلم؟ بالطبع لا. إذًا علينا التفكير بعلمانيَّة لا تنفي البُعد الجماعي (من جماعة) من تكوينها. هنا يأتي مفهوم «الشخص».

ما هو مفهوم الشخص؟ إنّه مفهوم طوَّرته الفلسفة الشخصانيَّة (Le personnalisme) في فرنسا أوائل القرن العشرين مع المفكّر الفرنسيّ إيمانويل مونييه (1905-1950) ( ). بحسب هذا الأخير يتكوُّن «الشخص» من عمليَّة مواءمةٍ ما بين أبعادٍ ثلاثة: البُعد الفرديّ والبُعد الجماعيّ والبُعد الروحيّ. فإذا كانت العلمانيَّة التي نريد في لبنان وفي المشرق قائمة على محوريَّة الشخص، فإنّه يجب أنْ تأخذَ في الاعتبار هذَين البُعدَين في تدابيرها على ألّا تَتَخلَّى في الوقت عينه عن أهمّ مُشتَرَكَيْن تَتَشَارَكهما كلُّ الأشكال العلمانيَّة العالميَّة وهما: احترام حريَّة الضمير لكلّ مواطنٍ بما تعنيه هذه الحريَّة من حريَّة الإيمان والاعتقاد والعبادة وتغيير الدين والتبشير وممارسة الدين فرديًّا أم جماعيًّا؛ والمساواة الكاملة بين جميع المواطنين.

لماذا «العلمانيَّة الشخصانيَّة»؟ لأنّها برأيي ربما تمثّل حلًّا لأزمتنا العميقة لا في لبنان فحسب بل في جميع مجتمعات الفضاء العربيّ. فبهذه العلمانيَّة نكون قد أعدنا الاعتبار إلى الفرد كقيمةٍ بحدّ ذاته، ونكون في الوقت عينه قد حافظنا على الحقوق الأساسيَّة للجماعات. إنَّها الأرضيَّة التي تسمح بالحفاظ على التنوّع الدينيّ والطائفيّ في لبنان والمشرق، فلا تكون قاهرة لها، وفي الوقت عينه، تُحرّر الفرد-الشخص -الذي هو المواطن- من طغيان هذه الجماعة، فتكون له الحريَّة بأنْ يؤمن بما يشاء ويعيش كيفما يشاء وأينما يشاء ووفق نمط العيش الذي يختاره.

من ناحيةٍ أخرى، تُمثّل هذه العلمانيَّة الشخصانيَّة أرضيَّةً مشتركة للتعاون بين مفكّرين ومتنوّرين مسيحيّين ومسلمين ومُلحدين ولاأدريّين لكي يُبَلْوروا نموذجًا جديدًا للعيش قد تستفيد منه كلّ مجتمعات الفضاء العربيّ.

من يُمكنه أنْ يلعب هذا الدور في أخْذ الإسلام نحو الحداثة والإصلاح أكثر من مسلمي لبنان المتنوّرين بالتعاون مع مسيحيّيه ولِمَ لا مع ملحديه ولاأدريّيه؟ أليس لبنان هو المساحة الأفضل والأسلم لإطلاق ورشة إصلاحٍ دينيّ مسيحيّ-إسلاميّ؟ أليست العلمانيَّة الشخصانيَّة الرحبة الهنيَّة -ضمن هذا الإطار وهذا المشروع- هي الأرضيَّة الأفضل التي تؤدّي إلى استقرار العلاقات بين الجماعات ما يلغي التوتّر الدائم القائم بينها ويدفعها إلى الحوار العميق؟

«إنَّ عُمْق أزمتنا في لبنان وفي كلّ مجتمعات الفضاء العربيّ أنَّنا نعيش في حالة من «اللاتاريخيَّة»( ). لا أزال أذكر مقولة المفكّر الإسلامي الراحل جمال البنّا عندما قابلتُه في مكتبه في القاهرة في نوّار من العام 2010 حين قال لي بما معناه: نحن الشرقيّون والمسلمون نعيش في منظومةٍ فكريَّة تعود إلى القرن العاشر ميلادي. ولا أمل لنا إلَّا بتطوير هذه المنظومة الفكريَّة القرنوسطويَّة التي تميل إلى النقل والغيبيَّات والمطلقات أكثر مما تميل إلى العقلانيَّة والتاريخيَّة. هنا بالذات تأتي العلمانيَّة الشخصانيَّة لتنقلنا إلى مرحلة تُمَكّننا من تطوير منظومتنا الفكريَّة.

هذه، لعُمري، هي صرخةٌ موجَّهة إلى كلّ من يعنيه الإنسان في هذه المنطقة من العالم. العلمانيَّة الشخصانيَّة قد تكون التدبير الأسلم من أجل التلاقي الإنسانيّ في لبنان وفي مجتمعات الفضاء العربيّ. فيها سيتشجّع المسيحيُّون على العودة إلى الانخراط في قضايا مجتمعاتهم الشرقيّة وشؤونها فاعلين ومؤثّرين فيها لا مهمَّشين، وإلى الثبات في هذه الأرض لا أنْ ينتظروا تهجيرهم على يد موجةٍ جديدة من اللااستقرار والفقر والبؤس والحروب والحركات المتطرفّة دينيًّا. هذه العلمانيَّة هي التي ستطمئنهم إلى حاضرهم ومستقبلهم المشترك مع المسلم والملحد واللاأدري. هي التي ستدفعهم إلى استعادة الدور الذي لعبوه في تاريخ هذه المنطقة وخاصَّة إبَّان مرحلة النهضة العربيَّة ولمخاطبة الشريك الآخر المسلم بلغة العيش المشترك معه على قاعدة الحداثة والحريَّة والتعدديَّة والديمقراطيَّة والمواطَنة والاعتراف المتبادل، مُدركين أنَّ لا أمل لهم ولا معنى لوجودهم هنا إلَّا من خلال العيش الكريم مع المسلم؛ عيشًا يكون كريمًا لهم وللمسلم. لكنّ هذا العيش لن يكون عزيزًا إلَّا على قاعدة منظومةٍ فكريَّة حديثة. هذا بالذات ما سيسعون إلى بنائه مع المسلم من خلال حوارٍ خلَّاق، عميق، بنّاء، محترم، محبّ، تُطرَح فيه الإشكاليَّات الموجودة كما هي من دون مجاملات ولا تكاذب؛ حوار يخرج بتصوُّرات مُشتركة يُبنى على أساسها الإنسان اللبنانيّ والمشرقيّ. تصوُّرات تكون أساس المنظومة الفكريَّة الجديدة والحديثة. منظومة إنسانيَّة عقلانيَّة لا طابع دينيًّا لها. منظومة تُخرجنا من جدليَّة دار الإسلام ودار الكفر ودار الحرب ودار السلم. منظومة تأخذ أفضل ما في القيم المسيحيَّة والقيم الإسلاميَّة وتُهمل ما لا يفيد اليوم حتّى ولو كان موروثًا من السلف. منظومةٌ تُحرّر إنسان منطقتنا الحالي من ثقل تراثٍ «مُقدَّس» بات يأخذنا إلى الوراء أكثر ممَّا يدفعنا إلى الأمام. منظومةٌ تُحرّر الإنسان من كلّ شريعةٍ سلفيَّة، وتفصل الدين عن أوجه الحياة العامَّة جاعلة منه خيارًا شخصيًّا حُرًّا، وتفصله أيضًا عن التشريع الذي يجب أنْ يكون وضعيًّا مدنيًّا عقلانيًّا إنسانيًّا يُلائم حاجات إنسان اليوم وكرامته وقيمته بغضّ النظر عن جنسه وجندره ودينه ولغته ولونه وأصله وثقافته ونمط عيشه. منظومةٌ تبني «وطنيَّة لبنانيَّة إنسانيَّة» يكون فيها الانتماء الأوَّل للبنان الوطن والنموذج والرسالة الإنسانيَّة، على أنْ تكون انتماءات اللبنانييّن الأخرى ثانويَّة لا تعلو على الانتماء للبنان. فالمسلم في لبنان -سنيًّا كان أم شيعيًّا- مدعوّ إلى حسم الصراع الذي يعتريه في ما خصّ انتمائه، بحيث يخرج من دوامة الضياع التي تمزّقه ما بين انتماءٍ وطنيّ (لبنان)، وانتماءٍ قوميّ (العروبة)، وانتماءٍ دينيّ (الأمَّة الإسلاميَّة -أكانت بنموذجها السُنّي، أو بنموذجها الشيعيّ). هو مدعوّ ليفصل بين انتمائه السياسيّ للبنان وانتمائه إلى الأمَّة الإسلاميّة التي يرى أحيانًا تعويضًا عنها في عروبةٍ وهميَّة. فالانتماء الأوّل هو انتماء سياسيّ ووطنيّ قائم على العقد الاجتماعيّ مع الشريك الآخر، أمَّا الانتماء الثاني فهو دينيّ، وجدانيّ، روحيّ لا بُعدَ سياسيًّا له. من هنا ضرورة تحرّره من هذا المخيال الديني، الذي بناه الإيديولوجيّون الإسلاميّون والذي يشكّل له عائقًا لبناء وطنٍ تعدّديّ لا صبغة دينيَّة أو طائفيَّة له. وإنّي لمقتنع أنَّ هذا الأمر مرتبط بإرادة المسلمين وخيارهم. فالتحرّر من الإرث الثقيل رهن بقرارٍ يتّخذه الإنسان: إمَّا أنْ يبقى أسيرًا للتراث السلفيّ الأسطوريّ اللاتاريخيّ، وإمَّا أنْ يُقرّر التحرُّر ممّا هو غير مفيد في هذا التراث، فيعتمد العقلانيَّة نهجًا ويكون بالتالي قادرًا على تحقيق ذاته اليوم وفي المستقبل، وعلى صناعة الإنسان الجديد. وإنَّي لمقتنع -على غرار ما قاله في العام 1965 من على منبر الندوة اللبنانيَّة الأب يواكيم مبارك (1924-1995)( )- بأنَّ الكثير من المسلمين باتوا جاهزين للخطو باتجاه الانعتاق من أسر الإسلام السياسيّ ومن شعار أنَّ الإٍسلام دين ودولة. دليل ذلك أنَّ عددًا مهمًّا من المفكّرين اللبنانيّين المسلمين قد نادوا بالعلمانيَّة بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، من مثل حسن صعب، ومهدي عامل وعادل ضاهر وغيرهم.

أمَّا العروبة، فهي لا تقوم إلَّا على الرابطة الحضاريَّة واللغويَّة. أمَّا بُعدها السياسيّ، فإنْ كان يُؤمل تحقّقه، فلن يكون إلَّا بعد مرحلة نجاح النموذج الوطنيّ وتطوّر مستوى المواطن-الفرد-الشخص. فاتّحادٌ عربيّ بهذه الضخامة لا يمكن أنْ يتحقّق في عالم اليوم إلَّا على أساس العلم والحداثة والعولمة وحقوق الإنسان، كلّ إنسان، وفصل الدين والفقه عن الدولة، والحريّات -لاسيَّما حريَّة الضمير منها- والديمقراطيَّة وتداول السلطة، والمواطَنة، والاقتصاد الحرّ الضامن في آن للرفاهيَّة وللعدالة الاجتماعيَّة وللمساواة الكاملة.

المسيحيّ بدوره مدعوّ أيضًا إلى الخروج من فكرة أنَّه «أقليَّة» في هذا المشرق والاتّجاه إلى رحاب المواطنيَّة. هذه الفكرة الأقلويَّة التي تدفعه عادة إمَّا إلى التمسّك بالحالة الراهنة في وطنه وعدم المخاطرة بالذهاب نحو آفاق جديدة بالشراكة مع المسلم، وإمَّا إلى السعي الحثيث والمدروس للهجرة إلى بلدانٍ حيث تحقّق فيها الاستقرار والحداثة وبحبوحة العيش. ولا ضير هنا من ذكر النصّ السياسيّ للكنيسة المارونيَّة الوارد في المجمع البطريركيّ المارونيّ، الصادرة أعماله في العام 2006، والذي يُعَدّ أوَّل وثيقة تاريخيَّة لإحدى طوائف الشرق ولبنان تطالب علنًا وصراحة بدولةٍ يُعتمد فيها مبدأ «التمييز الصريح، حتى حدود الفصل، بين الدين والدولة، بدلًا من اختزال الدين في السياسة، أو تأسيس السياسة على منطلقات دينيَّة لها صفة المطلق»( ). إنَّها إقرارٌ بضرورة تخطِّي الطائفيَّة وعودةٌ إلى فكرة «التمييز» التي تفصل الممارسة السياسيَّة عن الدين ومطْلَقاته. هذا التمييز قادر على التوفيق بين كون اللبنانيّين مواطنين لبنانيّين مدنيّين علمانيّين، وكونهم ينتمون أيضًا إلى عائلات روحيَّة متنوّعة.

المسيحيّ مدعوّ أيضًا ليلعب دوره ابنًا أصيلًا لهذه الأرض -وهو الابن الأصيل لها- فيخاطب الآخر وفق إرادة العيش معًا على قاعدة الأخوّة والمساواة. ليس مسموحًا في عصرنا هذا أنْ يكون الإنسان المسلم بنظر الإنسان المسيحيّ هذا «الغريب». إنَّ دعوة «الحبّ» عند المسيحيّ ليست ترفًا. من هنا، واجبه يقضي ببناء علاقةٍ مع المسلم على أساس هذا «الحبّ». فالمسيحيّ كالمسلم، كالملحد، وكاللاأدريّ هم كلّهم أبناء هذه الأرض الرحبة يتشاركون معًا الأزمات والمآسي نفسها. كلّهم يعانون على السواء، يهاجرون على السواء،يُقتَلون على السواء. لكنّهم من ناحية ثانية، كلّهم يحلمون بالعيش الكريم على السواء. وإنّني على يقين أنّهم كلّهم يحلمون ببناء وطن يليق بالإنسان الحرّ.  


أمين الياس دكتور في التاريخ من جامعة لومان الفرنسية. هو متخصّص في تاريخ الأفكار في الفضائين العربي والمتوسطي، وأستاذ التاريخ والفلسفة في كلّية التربيّة في الجامعة اللبنانيّة، وأستاذ المواطَنية في الجامعة الأنطونيّة، وله العديد من المؤلفات باللغتين العربية والفرنسية.

وزارة الثقافة توثق عروض المسرح الكنسي مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

مسيحيو دوت كوم

عبد الدايم: الوزارة تعمل علي حفظ وتوثيق ورعاية ابداعات المسرح المصري الهادف الي نشر التنوير في ربوع الوطن.


تنفيذًا لتوجيهات الفنانة الدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة بضرورة توثيق وحفظ التراث المسرحي المصري يستعد المركز القومي للمسرح برئاسة الفنان ياسر صادق لتوقيع بروتوكول تعاون مشترك مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لتصوير وتوثيق عروض المسرح الكنسي الى جانب مشاركة أسقفية الشباب بالكنيسة برعاية الأنبا موسى فى نشاط مجلة المسرح. 

قالت عبد الدايم أن البروتوكول يأتى ضمن جهود وزارة الثقافة لرعاية مختلف الوان الإبداع الهادف الي نشر التنوير فى مختلف أرجاء الوطن، وأشارت ان المسرح الكنسى تاثر بحركة تطور أبو الفنون فى مصر وتحول من التركيز على الوعظ الى تقديم عروض تساهم فى التوعية بالقضايا المعاصرة واستثمار طاقات الشباب، مؤكدة توحد شعب مصر فى نسيج وطنى متناغم يعمل بإخلاص لتحقيق التنمية المنشودة.

من جانبه قال رئيس المركز القومى للمسرح ان المسرح الكنسى نشاط إبداعي خدمي ویتمیز بإستمرارية الفرق وتماسكها، وأشار ان عروضه تبرز الكثير من المواهب، مؤكداً ان مشاركة أسقفية الشباب بالكنيسة فى نشاط مجلة المسرح يتيح الفرصة للواعدين للتعبير عن أنفسهم ويثرى أبوابها برؤى فنية جديدة.

تغير المناخ والتأثيرات المحتملة

إيمان صفّوري

تعرّف "ناسا" تغير المناخ أنه تغير طويل الأجل في متوسط ​​أنماط الطقس التي أصبحت تحدد مناخات الأرض المحلية والإقليمية والعالمية. هذه التغييرات لها نطاق واسع من التأثيرات المرصودة المرادفة للمصطلح.


وقد اعتبرت الأمم المتحدة أن تغير المناخ القضية الحاسمة في عصرنا، فالآثار العالمية لتغير المناخ هي واسعة النطاق ولم يسبق لها مثيل من حيث الحجم، من تغير أنماط الطقس التي تهدد الإنتاج الغذائي، إلى ارتفاع منسوب مياه البحار التي تزيد من خطر الفيضانات الكارثية وينبغي التكيف مع هذه التأثيرات حتى لا يصبح التعامل مع الوضع أكثر صعوبة في المستقبل.

قامت منظمة الأرصاد العالمية (WMO) مؤخراً بتجميع ومقارنة خمس مجموعات بيانات دولية رائدة وكان عام 2020 واحدًا من أعلى ثلاثة أعوام في معدل الحرارة المسجلة ، وينافس عام 2016 على المركز الأول وذلك على الرغم من بداية تأثير ظاهرة لانينيا فيه والتي أثرت على حرارة الكوكب بالتبريد في نهاية العام.

تتفق جميع مجموعات البيانات الخمس (من وكالة ناسا، والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي ، ومكتب الأرصاد الجوية، وخدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ، ووكالة الأرصاد الجوية اليابانية) التي شملتها الدراسة الاستقصائية من قبل المنظمة العالمية للأرصاد الجوية على أن الفترة 2011-2020 كانت أكثر العقود دفئًا على الإطلاق، في ظل اتجاه مستمر طويل الأمد لتغير المناخ.

كانت أكثر ست سنوات حرارة منذ عام 2015 ، وكانت الأعوام 2016 و 2019 و 2020 هي الثلاثة الأوائل. الاختلافات في متوسط ​​درجات الحرارة العالمية بين السنوات الثلاث الأكثر حرارةً - 2016 و 2019 و 2020 - صغيرة بشكل لا يمكن تمييزه.

كان متوسط ​​درجة الحرارة العالمية في عام 2020 حوالي 14.9 درجة مئوية ، 1.2 (± 0.1) درجة مئوية فوق مستوى ما قبل الصناعة (1850-1900).

من اللافت للنظر أن درجات الحرارة في عام 2020 كانت تقريبًا على قدم المساواة مع عام 2016 ، عندما رأينا أحد أقوى أحداث ظاهرة النينيو المسجلة على الإطلاق. وقال رئيس المنظمة (WMO) ، بيتيري تالاس، إن هذا مؤشر واضح على أن البصمة البشرية على المناخ العالمي بفعل أصبحت توازي تأثير قوى الطبيعة.

عواقب تغير المناخ

يؤدي تغير المناخ لتأثيرات عديدة تشمل ذوبان الجليد وارتفاع منسوب البحار. وتمدد الماء بفعل السخونة. ...الطقس القاسي، وتحول هطول الأمطار. وقد أصبحت الأمطار الغزيرة والظواهر الجوية المتطرفة الأخرى أكثر تواترا وبالتالي تؤثر هذه الاضطرابات على مختلف دول العالم. 

وإلى نشوء مخاطر تؤثر على صحة الإنسان، تتضمن زيادة أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية ، والإصابات والوفيات المبكرة المرتبطة بظواهر الطقس المتطرفة، وانتشار الأمراض المنقولة بالغذاء والمياه والتوزيع الجغرافي للأمراض المعدية الأخرى، والتهديدات للصحة العقلية. بالإضافة إلى المخاطر التي تؤثر على الحياة البرية، ناهيك عن التكاليف الاقتصادية على المجتمعات والدول.

توصيات لمواجهة التغير المناخي

ان التغيير الجادّ الذي ستبدأ به سيؤثر إيجابيّا في الحدّ من تداعيات تغيّر المناخ، فاذا كنت تعيش في مكان يمكن فيه تركيب الألواح الشمسية فاستبدل الأجهزة القديمة التي تستهلك الكثير من الطاقة بأجهزة جديدة فعالة وذلك سيوفّر ايضاً الكهرباء و الماء.

أما النقل، كلما كان ذلك ممكنًا، اختر التنقل عن طريق ركوب الدراجات أو المشي، والتي تساهم في تعزيز صحتك. وعند القيادة، فاعتمد أكثر على سيارة كهربائية، والتي من شأنها أن توفر تكاليف الوقود وكذلك تحمي البيئة.

وبشأن بالتغذية، يعد التقليل من اللحوم الحمراء أو الاستغناء عنها عامل مهم لتقليل الغازات المسببة للاحتباس الحراري، ويمكن الاعتماد بدلاً من ذلك على الأطعمة النباتية، كخطوة لكوكب أكثر صحة و لسكانه من البشر.

فقد خلصت الدراسة التي نشرت في Science Magazine، في نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، إلى أنه حتى لو أوقفت البشرية بأثر فوري استخدام الوقود الأحفوري، فسيظل تحقيق الهدف الرئيسي من وراء الاتفاقية الدولية للمناخ المعروفة باتفاق باريس شبه مستحيل، والسبب هو الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تصنيع اللحوم.

أما التعرض اليومي للمواد الكيميائية المعطلة للهرمونات يساهم في انتشار الأوبئة الصحية مثل سرطان الثدي وسرطان البروستاتا والسمنة والسكري وكذلك العقم واضطرابات التعلم.

وفيما يتعلق بالهواء المحيط بك عليك الحرص على استنشاق الهواء النقي، فتلوث الهواء على سبيل المثال هو التهديد البيئي الأول للصحة في أوروبا و يؤدي إلى 400000 حالة وفاة مبكرة كل عام.

وانّ حرق الفحم لإنتاج الطاقة هو الشكل الأكثر تلويثًا لتوليد الطاقة .. ويزيد من تلوّث الهواء.

أما ما سيساهم في تعزيز الصحة، هو وقف المبيدات، فيمكن أن تزيد المبيدات الحشرية الموجودة في الطعام والمياه والهواء من خطر الإصابة بالسرطان والعقم وتضر بالنمو الصحي للأطفال وتعطل الأنظمة الهرمونية.

يمكن للوقاية من التلوث البيئي أن تنقذ الأرواح وتحد من انتشار الأمراض. ان البيئة الملوّثة هي الأكثر خطورة على الأطفال وكبار السن والمرضى والأشخاص الذين يعيشون في فقر. والتغير المناخي هو أكبر تحدّي صحّي للقرن الحادي والعشرين، لكن العمل لمواجهته من شانه أن يحقّق فوائد صحية آنيّة وهامة.

المتاحف الفرنسية تستنجد بالسلطات "دعونا نفتح أبوابنا جزئيا، لمدة ساعة أو يوم أو أسبوع..."

فرانس24

تواصل المتاحف والمؤسسات الثقافية والفنية في فرنسا تكبد الخسائر إثر الإغلاق العام المفروض عليها منذ نحو عام بسبب وباء فيروس كورونا. 


وصعّدت المتاحف من انتقاداتها لهذه التدابير، إذ ترى أنها لا تستحقها، وتوالى تقديم العرائض والاقتراحات الملموسة إلى وزيرة الثقافة روزلين باشلو لإعادة فتحها بسرعة.  وتقدّم نحو مئة من مديري المراكز الفنية ورؤسائها الأسبوع الماضي بالتماس تولت نقله إيما لافين من قصر طوكيو في باريس، وجاء فيه: "دعونا نفتح أبوابنا جزئيا، لمدة ساعة أو يوم أو أسبوع أو شهر، حتى لو اضطررنا إلى إغلاقها مرة أخرى في حال حدوث حجر عام جديد!". 

يواصل أهل الثقافة والفن في فرنسا تقديم العرائض والاقتراحات الملموسة إلى وزيرة الثقافة روزلين باشلو لإعادة فتح أبوابها بسرعة، على الأقل جزئيا، وسط إجراءات الغلق التام المفروضة في البلاد منذ أشهر لوقف تفشي فيروس كورونا.

وتقدّم نحو مئة من مديري المراكز الفنية ورؤسائها الأسبوع الماضي بالتماس تولت نقله إيما لافين من قصر طوكيو في باريس، وجاء فيه: "دعونا نفتح أبوابنا جزئيا، لمدة ساعة أو يوم أو أسبوع أو شهر، حتى لو اضطررنا إلى إغلاقها مرة أخرى في حال حدوث حجر عام جديد!". 


الثقافة وسيلة لمقاومة الاكتئاب والحفاظ على الصحة النفسية للفرنسيين

ورفعت لافين الجمعة مع رئيس صندوق "آر نوفا" للصناعات الثقافية فريديريك جوسيه والصحافية فلورانس إلى وزيرة الثقافة الفرنسية روزلين باشلو عشرة مقترحات يمكن تحقيقها بسهولة.

ولا تزال أبواب المتاحف مغلقة منذ نهاية تشرين الأول/أكتوبر، ككل المواقع الثقافية في فرنسا. ولم تتحقق الآمال بإعادة فتحها في منتصف كانون الأول/ديسمبر ثم في نهاية كانون الثاني/يناير. ولا تزال بعض المعارض الباهظة الكلفة قائمة من دون زوار، في حين صرف النظر عن استمرار بعضها قبل أن يتمكن أحد من رؤيتها. 

وحرصت المتاحف في مطالباتها على تأكيد إدراكها مخاطر تفشي فيروس كورونا، وأكّد الملتمسون أنهم جاهزون لتطبيق إجراءات صحية مشددة واستقبال عدد محدود من الزوار. كذلك أبدوا الاستعداد لفتح جزء فحسب من قاعاتهم، في أوقات معينة محدودة.

واستند مقدمو الالتماس في مطلبهم على أن ثمة حاجة ماسّة لتمكين الفرنسيين وخصوصاً الشباب بينهم، من الاطلاع مجدداً على الأعمال الجميلة، كوسيلة لمقاومة الاكتئاب والحفاظ على صحتهم النفسية، وبالتالي جعل هذه المرحلة الصعبة "شتاء ثقافياً وتعليمياً".

واستشهد الملتمسون بتجارب إعادة فتتح المتاحف في دول أخرى، أبرزها إيطاليا وإسبانيا. ونشرت صحيفة "لوموند" عريضة أولى وقعها عدد من الشخصيات ككارلا بروني والصحافي ستيفان برن، شددت على أن "المتاحف هي بلا شك الأماكن التي يسجّل فيها أقل قدر من التفاعلات بين الناس ومن مخاطر انتقال العدوى".

وسأل فريديريك جوسيه في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية "لماذا لا تُفتَح المتاحف، بينما تُفتَح المكتبات حيث يكون الناس على تماس مع الكتب، والمعارض حيث المساحات ضيقة؟".


"الصامت الأكبر"

ورجّح جوسيه، وهو أيضا مدير متحف اللوفر، أن يكون السبب "الوزن الاقتصادي غير الكبير بالقدر الكافي" لقطاع المتاحف. وأضاف "المتاحف هي الصامت الأكبر والمئات الذي شاركوا في تقديم الالتماس يعبّرون عما تفكّر فيه الغالبية الصامتة".

وشدد على أن الخطر في المتاحف "هو الأقل" بين المؤسسات الثقافية لأن زوارها يتنقلون فيما يتولى عناصر المراقبة تنظيم الوضع في القاعات. وأكد أهل القطاع أن متاحفهم جاهزة لاستقبال الجمهور فورا، وأنها لا تحتاج سوى إلى استدعاء بعض موظفيها، ولا توجد بروفات ينبغي تنظيمها كما هي الحال في المسارح.

 وتضمنت الأفكار التي اقترحها جوسيه ولافين وبلقاسم على الوزيرة باشلو خيارات عدة، بينها إعادة الفتح مبدئيًا خلال عطلة نهاية الأسبوع عندما يكون لدى العائلات وقت لزيارة المتاحف، أو بالعكس، كما هي الحال في إيطاليا، خلال أيام الأسبوع.

وفي كل الحالات، ستعتمد المتاحف بروتوكولات صحية مماثلة لتلك المعتمدة في المكتبات ودور العبادة والمعارض الفنية. ومن بين المقترحات استقبال تلاميذ المدارس وإتاحة الزيارات للأماكن التراثية في المناطق التي يكون فيها تفشي الفيروس ضعيفا. ويمكن إعطاء الأولوية للمتاحف الصغيرة والمتوسطة.

وأمل جوسيه في أن تؤدي هذه المطالبات إلى تغيير، ولو ذلك إلى "إثارة غيرة" المؤسسات الثقافية الأخرى كالمسارح ودور السينما، وهو معطى  تأخذه الحكومة في الاعتبار حتما.

دوستويفسكي العاشق المتهور كما يكشفه البريطاني أليكس كريستوفي

سناء عبد العزيز - اندبندنت عربية

بورتريه جديد في مئويته الثانية انطلاقاً من أعماله ورسائله وقصص حبه


"الحقائق ليست كل شيء"، يذكرنا دوستويفسكي في "الجريمة والعقاب"، "طريقة التعامل معها هي نصف المعركة على الأقل". من هنا انطلق الروائي البريطاني أليكس كريستوفي في مقاربته لسيرة العملاق الروسي "دوستويفسكي عاشقاً: حياة عاطفية"، الصادرة عن دار بلومزبري في المئوية الثانية لذكرى ميلاده، مستبعداً آلاف التفاصيل عن حياته الملحمية الحافلة بالميلودراما، ومستفيداً من لعبة القص واللزق في تشكيل كولاج مذهل، هو مزيج من صوته وصوت دوستويفسكي من خلال مقتطفات مختارة بعناية من رسائله وكراساته ومقالاته ورواياته. 

وقد قام بنسجها مع السياق التاريخي بمنتهى السلاسة، وحتى لا يقطع تدفق السرد، ترك للمصادر الجزء الأخير من كتابه، والنتيجة هي حياة روائية تطوّف بالقارئ في مشهد واسع لعالم دوستويفسكي، من معسكر سجن سيبيريا إلى قاعات القمار في أوروبا، من زنازين السجن الرطبة في حصن القيصر إلى صالونات سان بطرسبرج الراقية. ولم  يتجاوزالكتاب 256 صفحة، وهو ما اعتبره النقاد تطوراً جريئاً في فن السيرة الذاتية.

لم يكن دوستويفسكي العاشق مختلفاً عن دوستويفسكي المصاب بالصرع أو المقامر أو الذي واجه الموت، كل تجربة كانت مباغتة وخطيرة وبالغة الإثارة. يروي كريستوفي قصص ثلاث نساء تشابكت حياتهن بإحكام مع حياة العاشق، الأرملة المصدورة ماريا، وبولينا المتهورة، وكاتبة الاختزال الوفية آنا، التي يرجع إليها الفضل في الحفاظ على إرثه الأدبي. ويرسم لوجه الفنان بورتريهاً جديداً لم نستطع التغلغل إليه تحت جلد العملاق العاشق الخجول، والإنسان المخلص، والأخ والصديق، والمفكر الذي تمكن من اختراق أعماق النفس البشرية.


العاشق الثلاثيني

حين وقع فيودور الشاب في حب ماريا إيزيفا، كان في منتصف الثلاثينيات من عمره. وقد أكسبته روايتاه "الفقراء" و"القرين"، شهرة لا بأس بها، لكنها لم تكسبه المال، والقليل الذي تحصل عليه ضيعته عجلة الروليت. بينما كانت ماريا، فضلاً عن مزاجها المتقلب وإصابتها بالسل، زوجة لإلكسندر الرجل السكير. 

في "حلم العم" يذكرها باسمها "ماريا إلكسندر" أهم سيدة في البلدة استضافته في كربه، وفي "الجريمة والعقاب" نجدها في شخصية كاترينا إيفانوفيا زوجة السكير الذي قتلته سنابك الخيل. من الصعب أن تخلو رواية لدوستويفسكي من امرأة مصدورة، فلم تخلُ حياته بدورها منهن: توفيت والدته التي كانت تُدعى ماريا أيضاً بمرض السل عندما كان عمره 15 عاماً، وتوفيت صوفيا ابنته بالالتهاب الرئوي، ومات هو نفسه عن عمر ناهز 59 عاماً بنزيف الرئة.


في رسالة إليها كتب يقول: "آه لو تعلمين إلى أي حد تضنيني الوحدة هنا، إن عذابي الآن ليذكرني بالفترة التي قبضوا علي فيها ودفنوني حياً في زنزانة رطبة ضيقة، لقد تعودت على رؤيتك، والآن محروم منك... عشتُ خمس سنوات خارج المجتمع وجئت أنت فعاملتني كفرد من أسرتك، كم آلمتك بطباعي الشاذة، ولكنك أحببتني على الرغم من ذلك، أدركتُ ذلك وأحسسته".

لقد تزامن حبه الأول مع حادثة القبض عليه حين اتُهم بقراءة الكتب والأعمال المحظورة والمساعدة في نشرها وتعميمها، بخاصة كتاب بلنسكي" رسالة إلى غوغول". واعتُبر من أخطر المدانين، فقد قضى فترة عقوبته مقيد اليدين والقدمين حتى تاريخ إعتاقه، ولم يسمح له إلا بقراءة إنجيل "العهد الجديد". إنها التجربة المريرة التي رصدها بضراوة في روايته العنيفة "ذكريات من منزل المدفونين أحياء".

أحد الأمثلة على كيفية تعامل كريستوفي مع الحقائق تظهر في سرده لقصة "الإعدام الوهمي" التي بدأ بها كتابه. فمن خلال مقتطفات من رسائل دوستويفسكي مع مقاطع من "الأبله" و"الإخوة كارامازوف" و"أذلاء ومهانون"، يورطنا كريستوفي ليس فقط في اللحظة التي واجه فيها دوستويفسكي فرقة الإعدام، ولكن أيضاً في رده الروائي على تلك اللحظة، كتب لأخيه يقول: "لم يتبق لي أكثر من دقيقة لأعيش". وفي الأبله: "إن أفظع جزء من العقوبة، ليس الألم الجسدي، ولكن اليقين الأكيد أنه في غضون ساعة، ثم في عشر دقائق، ثم بعد نصف دقيقة، يجب أن تترك روحك جسدك و لن تكون إنساناً بعد الآن".


امرأة واحدة لا تكفي

عندما علم فيودور بأن زوج محبوبته قد مات، تاركاً ماريا وحيدة في فقر مدقع، أرسل لها آخر روبلاته مع عرض بالزواج، وطلب من الحافلة أن تنتظر الرد قبل أن تعود، مستغرقة أسبوعاً عبر الثلج. لكن ماريا رفضت عرضه، فهو بالنسبة إليها ليس إلا رجلاً مفلساً. وللمفارقة، وقعت في حب رجل فقير مثله، كتب دوستويفسكي: "لا أكاد أفهم كيف أستمر في الحياة"، "الحب هو المعاناة ولا يمكن أن يكون هناك حب بخلاف ذلك".

ولكي تكتمل مأساته تزوج دوستويفسكي في نهاية المطاف من ماريا، وفي ليلة زفافهما أصيب بأول نوبة صرع كاملة. لم تتعافَ ماريا أبداً من منظر جسده المتهالك المنهار، والزبد يتدفق من فمه: "لقد ركضت القطة السوداء بيننا"، على حد تعبيره في "أذلاء مهانون". 

لم يعش الزوجان يوماً واحداً من السعادة، كتب فيودور: "بسبب شخصيتها الغريبة والمرتابة والرائعة، لم نكن سُعداء معاً، ولكن لم يتوقف الحب بيننا. وكلما كنا أكثر تعاسة، كان الحب بيننا يزداد قوة".

أنّا زوجة دوستويفسكي الثانية وحافظة آثاره (وكالة نوفوستي)

بالإضافة إلى ماريا، كانت له علاقتان جادتان في الحب، بولينا، ابنة أحد العبيد، الجميلة المشوشة التي لم يجن منها سوى الحزن، بينما وقفت آنا، كاتبة الاختزال التي أصبحت زوجته الثانية، بجانبه وهو يرهن متعلقاتهما القليلة مراراً وتكراراً، ثم يخسر ما بحوزته في القمار. 

مع آنا انطلق في رحلة قمار وكتابة مدتها أربع سنوات حول كازينوهات أوروبا، "في مأزق مقزز بالنسبة إلى الديون ومساره المهني"."لكن الوقوع في الحب لا يعني أن تصبح محباً، يمكن للمرء أن يقع في الحب ويظل يكره".


تطهير الذات

كانت حياة دوستويفسكي مزيجاً من اليأس والرعب مع فترات خاطفة من السعادة، بدءاً من الإعدام الوهمي وقرار العفو في لحظة حاسمة زلزلته، ثم العبودية الجزائية في سيبيريا التي استنزفت روحه، وزواجه البائس المليء بالأزمات، والانغماس الطويل في هوة القمار، ونوبات الصرع القاتلة، وصولاً إلى التهليل الجارف بأنه قديس أو نبي في سنواته الأخيرة. 

فما الذي يدفعنا لعشق أجوائه المقبضة، والجلوس بشغف أمام خشبة مسرحه وشخوصه المعتلة المعدمة وهي تستعرض المهزلة البشرية في أبشع صورها. 

إنه يجعلنا نشعر بالخجل وهو يصف شعور الإنسان العادي بالغبطة عندما تقع مصيبة للآخرين، أي عندما تنكسر ساق أحدهم أو يتلطخ شرفه أو يفقد عزيزاً لديه. الفرح المستتر من شقاء الآخرين، والخبث الذي يطفو على السطح كفقاعات لا تحتمل المواربة.

في "العمى"، يصدمنا  الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو بجملة تقشعر لها الأبدان: "هذه هي الطينة التي جبلنا منها، نصفها خبث ونصفها استهتار". 

إلى أي حد أفزعت تلك الرؤية قبله العين الزرقاء الرمادية التي لم يكن بوسعها الغوص عميقاً في أوحال هذا المستنقع البشري فحسب؟ بل أيضاً التنبؤ بمسار تطوره، والوصول إلى حقيقة أكثر ترويعاً، هي عدم محدودية هذا الكائن بما يستحيل سبر أغواره، البئر عميقة جداً.

هكذا لم يستقص كريستوفي في مذكراته دوستويفسكي العاشق للمرأة فقط، بل ينتهي كذلك إلى دوستويفسكي المخلص المحب للإنسانية سواء في "الإخوة كارامازوف"، باقتراحه أن العالم الفخور بالإنجازات البشرية لا يستحق "الدموع المهدورة" لطفل واحد يتعرض لسوء المعاملة. 

أو أثناء فترة سجنه، بعد رحلة مدتها أربعة عشر يوماً وسط العواصف والثلوج، حين وصلوا إلى توبوسك، المحطة التي يرتاح فيها السُجناء، حيث كانوا بائسين مُعدَمين، وحاول فيودور الذي لا يقل عنهم بؤساً مواساتِهم بكل طريق، حتى أن أحدهم ويدعى إيفان ياسترزيمبسكي فوجئ بطيبة دوستويفسكي وتخلى عن قراره بالانتحار.


"أحبوا الإنسان، حتى في خطيئته، لأن هذا الحب هو شبه الحب الإلهي، وهو قمة المحبة على الأرض".

هذا الجانب الذي انتهى إليه كريستوفي لا يغيب عن روايات دوستويفسكي، فبحلول نهاية حياته اعتبره الناس نبياً ينشر إنجيل التناغم العالمي، لا سيما بعد خطابه المشهور على شرف بوشكين: "بكى الغرباء، وعانقوا بعضهم بعضاً، وأقسموا أن يكونوا أناساً أفضل، وأن يحبوا بعضهم بعضاً". جاء رجلان عجوزان ليخبراه: "منذ عشرين عاماً كنا أعداء... لكننا تعانقنا للتو وأنهينا ما كان بيننا من خصام. الفضل كله يرجع إليك ".

مات دويستوفسكي في عام 1881 بنزيف في الرئة، تاركاً وصيته لمن يرغب في زيارته: "الزهور التي ستشتريها عند زيارتك لقبري، لا داعي لها ولا داعي أن تبكي فوق رأسي، اشتر طعاماً وأعطه لحارس قبري".

محمد عبد المطلب صاحب الصوت الطربي الجارف

علي عطا - اندبندنت عربية

"لم نسمع في الكون، صوتاً أجشّ وأبحّ، ومع ذلك يطربك طرباً جارفاً، يبلغ بالمستمع العربي أقصى درجات المتعة. إنه في هذا أشبه، بالشيخ زكريا أحمد، الذي كان يملك، حين يغني، هذه السمة الغريبة، التي تجعل منهما قامتين باسقتين فريدتين في عصرنا، وربما في الكثير من العصور، ماضيها والمقبل منها". 


هكذا يقدم فكتور سحاب لكتاب الباحث محب جميل "محمد عبد المطلب سلطان الغناء" الصادر حديثاً عن دار آفاق - القاهرة، بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون.

في الكتاب كما لاحظ فكتور سحاب 11 صفحة تضم 212 أغنية هي أهم ما غنى المطرب الكبير، وهذا يعني أن الكتاب صار مرجعاً عن محمد عبد المطلب. 

وفي الكتاب أيضاً ست صفحات تسرد المقالات والأحاديث التي استعين بها في وضع الكتاب، و9 صفحات للمراجع والمصادر العربية والأجنبية (فرنسية وإنجليزية)، وهذا كاف لإبراز أهمية الكتاب، كما يقول فيكتور سحاب الذي يستطرد ليضيف إحساساً شخصياً انتابه بعد أن قرأ هذا الكتاب وكتابين آخرين للمؤلف محب جميل، وهو أن الأوروبيين خدموا موسيقاهم الكلاسيكية خدمات تبدو مثالية، حين انكب المؤرخون منهم على نتاجهم الموسيقي، وعلى سير موسيقييهم، فأشبعوا كل ذلك درساً، حتى أنك إذا دخلت أي محل لبيع الأسطوانات الكلاسيكية في أوروبا، وطلبت العمل رقم كذا لفلان من المؤلفين، لما تردد صاحب المحل في إعطائك ما طلبت؛ لأن كل الأعمال الخالدة في الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية مرقمة ومصنفة ومبوبة، فهكذا يحفظ التراث. 

أما عندنا، فكم من مطرب ومطربة، وكم من ملحن أو كاتب أغنيات، مضوا إلى عالم النسيان؛ لأننا لم نحترم هذا التراث في موسيقانا الجميلة، ولم نخش عليه من مرور الزمن.


إبن شبرا

الكتاب في 199 صفحة من القطع الوسط، وتضمن ثمانية فصول، وملاحق اشتملت على أشهر أغنيات محمد عبد المطلب، وقصيدة "عبد المطلب" للشاعر جمال بخيت، ومقال لفادي عبدالله بعنوان "ثلاثون عاماً على غياب محمد عبد المطلب: بنبرةٍ ونفسٍ يقيم حارته"، وقد نشرت في ملحق النهار الثقافي في 4 سبتمبر (أيلول) 2010. 

كما اشتملت الملاحق على بيبلوغرافيا تمثل حصراً لسلسلة واسعة من المقالات والحوارات التي تناولت محمد عبد المطلب في الصحافة المصرية والعربية، والتي من شأنها – كما يقول المؤلف – أن تضيء المزيد حول حياته ومسيرته الفنية، وقد تم الاعتماد عليها بشكل أساسي في توثيق سيرته في متن الكتاب.


وافتتح محب جميل كتابه بما أسماه "مقدمة لا بد منها"، سنعرف منها أن صاحب السيرة المولود في 1910 اختار له والده اسماً مركباً هو محمد عبد المطلب، وأنه اعتاد أن يغني وهو طفل لرفاقه بين حقول بلدته شبراخيت (شمال القاهرة) ما حفظه من طقاطيق المطرب عبد اللطيف البنا، وجاء عام 1924 ليجد عبد المطلب نفسه واقفاً وجهاً لوجه أمام البنا في أحد الأفراح، فما كان منه إلا أن اندفع ليسلم عليه، ويقبل جبينه بين الوصلتين، وعندما أدرك البنا حبه وشغفه بالغناء، قام على الفور بضمه إلى بطانته. وجاء العام التالي ليشهد تحولاً جذرياً في مسار حياة محمد عبد المطلب الاجتماعية والفنية بعد أن وصل إلى القاهرة للمرة الأولى.

وفي القاهرة أقام عبد المطلب مع شقيق له ألحقه بالمدرسة الابتدائية محاولاً إبعاده عن الغناء، لكنه أهمل المدرسة والتحق بمعهد الموسيقى، وكان معلمه الأول وقتئذ هو الملحن داود حسني. وعن ذلك يقول عبد المطلب في حوار أجرته معه مجلة "الاثنين" في بداية عام 1958: "وذات يوم تحشرج صوتي وواجهت أزمة، فأشار عليّ داود حسني أن أصعد إلى مئذنة المسجد في حي المغربلين وأؤذن للفجر لتزول الأزمة الصوتية، فنفذت تعليماته وزالت الأزمة".


مسرح الأزبكية

أما حفلته العامة الأولى فقال عنها في حديث إذاعي عام 1947: "وقفت على المسرح مع المرحوم عبد الحمد القضابي وسامي الشوا بمسرح الأزبكية عام 1926، وغنيت للمرحوم داود حسني وواجهت فشلاً ذريعاً، إذ ملأ صفير الجمهور القاعة فقد اعتبروني دخيلاً على دنيا الطرب". 

ويضيف في مناسبة أخرى: "لقد عانيت حتى نجحت، وعرفت معنى الفاقة وذقت طعم الفشل. أورثتني تلك التجربة اعتقاداً لا يمكن أن أتخلى عنه، وهو أن الثمرة التي تنضج سريعاً تسقط سريعاً، فلا يغرنك النجاح المبكر، فإنه بداية النهاية".


وفي المعهد تعلم كذلك على يد موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب النوتة الموسيقية، ثم انضم إلى فرقته كمنشد في الكورس لست سنوات سافر معه خلالها إلى الشام والعراق. يقول عبد المطلب: "ساعدني عبد الوهاب في صقل موهبتي، وعندما قررت الاستقالة من عملي معه، لم يقف في طريقي ولم يثبط عزيمتي".

عمل عبد المطلب مطرباً وممثلاً في صالة بديعة مصابني، التي يصفها بأنها كانت أفضل مصنع لتفريخ المواهب. كما عمل في ملهى "ألف ليلة وليلة" في الإسكندرية، وفي ملهى ببا عز الدين، بعدما راجت اسطوانته "بتسأليني بحبك ليه"، وبات المجال مفتوحاً أمامه ليقيم حفلات في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق وتونس والمغرب والجزائر وليبيا، وليدخل عالم السينما حيث مثل في فيلم "تاكسي حنطور"، وفي فيلم "الجيل الجديد"، وأنتج فيلماً ثالثاً... "ولكني لم أنل حقي في السينما ومع ذلك أتمنى أن تقدم قصة حياتي في فيلم" (مجلة الموعد 25 فبراير 1981).

رحلة طويلة امتدت لنصف قرن قطعها محمد عبد المطلب في دنيا الفن، يقول محب جميل. ويضيف المؤلف: "كان له أسلوبه الخاص في الغناء عندما يواجه الجمهور على خشبة المسرح. هذا الأداء المتميز، وملابسه الأنيقة، والطربوش الأحمر الذي يعتمره، جعلوا العديد من المونولوجستات يتنافسون في تقليده". 

رحلة عبد المطلب الفنية صدر عنها في حياته، كتاب محمد السيد شوشة "محمد عبد المطلب ابن البلد" عام 1956، وكتبها محمد سليم اللوزي عام 1962، وأراد عبد المطلب تحويلها إلى فيلم من إخراج صلاح أبو سيف ومن بطولته، لكن ذلك لم يحدث حتى فارق الحياة إثر أزمة قلبية في 21 أغسطس (آب) 1980.